Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:11–21

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:11–21

7:11Page 151

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١

And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ فائِضَةٍ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سارِيَةٍ إلى ذُرِّيَّتِهِ مُوجِبَةٍ لِشُكْرِهِمْ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَذْكِيرِ ما وقَعَ قَبْلَهُ مِن نِعْمَةِ التَّمْكِينِ في الأرْضِ، إمّا لِأنَّها فائِضَةٌ عَلى المُخاطَبِينَ بِالذّاتِ وهَذِهِ بِالواسِطَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنها نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ عَلى حِيالِها، فَإنَّ رِعايَةَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ رُبَّما تُؤَدِّي إلى تَوَهُّمِ عَدِّ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً، كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ.

وَتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِما، وإنَّما نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما: خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ حَتْمًا، تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمْ (p-215)بِالرَّمْزِ إلى أنَّ لَهم حَظًّا مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَصْوِيرِهِ لِما أنَّهُما لَيْسا مِنَ الخَصائِصِ المَقْصُورَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مِنَ الأُمُورِ السّارِيَةِ إلى ذُرِّيَّتِهِ جَمِيعًا؛ إذِ الكُلُّ مَخْلُوقٌ في ضِمْنِ خَلْقِهِ عَلى نَمَطِهِ، ومَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَتِهِ، فَكَأنَّهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خَلْقُهُ وتَصْوِيرُهُ؛ أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ، ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ سارَ إلَيْكم جَمِيعًا.

﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ ورَدَ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أمْرٌ مُنْجَزٌ، غَيْرُ الأمْرِ المُعَلَّقِ الوارِدِ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾، وهو المُرادُ بِما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ...﴾ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طَهَ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْتِهِ.

وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " هَهُنا تَقْتَضِي تَراخِيَهُ عَنِ التَّصْوِيرِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ ذَلِكَ ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ المَسْبُوقَةِ بِالإخْبارِ بِاسْتِخْلافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ .

فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ ما نِيطَ بِهِ الأمْرُ المُعَلَّقُ مِنَ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ، وعَدَمُ ذِكْرِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ لا يَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِهِ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الأمْرِ المُعَلَّقِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ المُنْجَزِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِهِ، فَإنَّ حِكايَةَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ يَقْتَضِيها، لَيْسَتْ بِعَزِيزَةٍ في الكَلامِ العَزِيزِ، فَلَعَلَّهُ قَدْ ألْقى إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوَّلًا جَمِيعَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الأمْرُ المُنْجَزُ إجْمالًا بِأنْ قِيلَ مَثَلًا: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، وجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ، فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي، وتَبَيَّنَ لَكم فَضْلُهُ، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ؛ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ، فَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ما قالُوا، أوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ خَبَرُ الخِلافَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرائِطِ المَذْكُورَةِ بِأنْ قِيلَ إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ: إنِّي جاعِلٌ هَذا خَلِيفَةً في الأرْضِ، فَهُنالِكَ ذَكَرُوا في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرُوا، فَأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ، فَشاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاهَدُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ ورَدَ الأمْرُ المُنْجَزُ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وإيذانًا بِوَقْتِهِ.

وَقَدْ حُكِيَ بَعْضُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في بَعْضِ المَواطِنِ، وبَعْضُها في بَعْضِها، اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، والَّذِي يَرْفَعُ غَشاوَةَ الِاشْتِباهِ عَنِ البَصائِرِ السَّلِيمَةِ، أنَّ ما في سُورَةِ ( ص ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ الآياتِ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِيما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: بِكَلامِهِمْ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ.

وَلا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ بِالمَلَأِ الأعْلى: المَلائِكَةُ وآدَمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإبْلِيسُ، حَسْبَما أطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وبِاخْتِصامِهِمْ ما جَرى بَيْنَهم في شَأْنِ الخِلافَةِ مِنَ التَّقاوُلِ، الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإنْباءِ بِالأسْماءِ.

وَمِن قَضِيَّةِ البَدَلِيَّةِ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ المَذْكُورِ في تَضاعِيفِ ما شُرِحَ فِيهِ مُفَصَّلًا مِنَ الأمْرِ المُعَلَّقِ، وما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ، وعِنادِ إبْلِيسَ ولَعْنِهِ، وإخْراجِهِ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، وما جَرى بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وإذْ لَيْسَ تَمامُ الِاخْتِصامِ بَعْدَ سُجُودِ المَلائِكَةِ، ومُكابَرَةِ إبْلِيسَ وطَرْدِهِ مِنَ البَيْنِ، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أحَدُ المُخْتَصَمِينَ، كَما أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الخَلْقِ ضَرُورَةً؛ فَإذَنْ هو بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وقَبْلَ السُّجُودِ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أيِ: المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ (p-216)لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا، مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِمْ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ فِيهِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم، أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ سَجَدَ لَآدَمَ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ عَدَمَ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأمُّلِ ثُمَّ يَقَعُ السُّجُودُ، وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَطُّ. وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ.

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ ؟ وبِهِ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ، كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ.

﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾؛ أيْ: أنْ تَسْجُدَ كَما وقَعَ في سُورَةِ ( ص )، و" لا " مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾، مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ. وقِيلَ: المَمْنُوعُ عَنِ الشَّيْءِ مَصْرُوفٌ إلى خِلافِهِ، فالمَعْنى: ما صَرَفَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ.

﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ قِيلَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ والفَوْرِ، وفي سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾، وفي سُورَةِ ( ص ): ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .

واخْتِلافُ العِباراتِ عِنْدَ الحِكايَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعِينَ قَدْ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ ثَلاثَ مَعاصٍ؛ مُخالَفَةَ الأمْرِ، ومُفارَقَةَ الجَماعَةِ، والإباءَ عَنْ الِانْتِظامِ في سِلْكِ أُولَئِكَ المُقَرَّبِينَ، والِاسْتِكْبارَ مَعَ تَحْقِيرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ وُبِّخَ حِينَئِذٍ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، لَكِنِ اقْتُصِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها كافِيَةٌ في التَّوْبِيخِ، وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ، وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طَهَ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ.

﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ مُتَجانِفًا عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ بِأنْ يَقُولَ: مَنَعَنِي كَذا، مُدَّعِيًا لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ شَيْئًا بَيِّنَ الِاسْتِلْزامِ لِمَنعِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، ومُشْعِرًا بِأنَّ مَن شَأْنُهُ هَذا لا يَحْسُنُ أنْ يَسْجُدَ لِمَن دُونَهُ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ فَهو أوَّلُ مَن أسَّسَ بُنْيانَ التَّكَبُّرِ، واخْتَرَعَ القَوْلَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ، حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وزَلَّ عَنْهُ ما مِن جِهَةِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى وجْهِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وما مِن جِهَةِ الصُّورَةِ كَما نُبِّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، وما مِن جِهَةِ الغايَةِ وهو مِلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ المَلائِكَةُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الكَوْنِ والفَسادِ، وأنَّ الشَّياطِينَ أجْسامٌ كائِنَةٌ، ولَعَلَّ إضافَةَ خَلْقِ البَشَرِ إلى الطِّينِ، والشَّياطِينِ إلى النّارِ، بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الغالِبِ.(p-217)

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ، مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، وتَعْلِيلِهِ بِالأباطِيلِ، وإصْرارِهِ عَلى ذَلِكَ؛ أيْ: فاهْبِطْ مِنَ الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا في عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ. وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ، فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيُّ هُبُوطٍ، وفي سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ .

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: الهُبُوطُ مِنَ السَّماءِ؛ فَيَرُدُّهُ أنَّ وسْوَسَتَهُ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ قَطْعًا، وتَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾؛ أيْ: فَما يَصِحُّ، ولا يَسْتَقِيمُ لَكَ، ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ.

﴿أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾؛ أيْ: في الجَنَّةِ، أوْ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، فَإنَّ عَدَمَ صِحَّةِ أنْ يَتَكَبَّرَ فِيها عِلَّةٌ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ، فَإنَّها مَكانُ المُطِيعِينَ الخاشِعِينَ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما طَرَدَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلى عِلَّتِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لِتَكَبُّرِهِ؛ أيْ: مِنَ الأذِلّاءِ، وأهْلِ الهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى أوْلِيائِهِ لِتَكَبُّرِكَ.

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَ اللَّهُ حِكْمَتَهُ، وقالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ، ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ.

7:14Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ بَعْدَ ما سَمِعَ هَذا الطَّرْدَ المُؤَكَّدَ ؟ فَقِيلَ: قالَ.

﴿أنْظِرْنِي﴾؛ أيْ: أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي.

﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً مِن إغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِاسْتِحالَتِهِ بَعْدَ البَعْثِ.

7:15Page 152

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ.

﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ، صَرِيحٌ في أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا، لا إنْشاءٌ لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ، لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ؛ أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ إلى وقْتِ فَناءٍ، غَيْرَ ما اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَلائِقِ، وهو النَّفْخَةُ الأُولى، إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ.

وَقَدْ تُرِكَ التَّوْقِيتُ لِلْإيجازِ ثِقَةً بِما وقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ ص، كَما تُرِكَ ذِكْرُ النِّداءِ.

والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾، وفي إنْظارِهِ ابْتِلاءٌ لِلْعِبادِ وتَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ.

إنْ قُلْتَ: لا رَيْبَ في أنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ لَهُ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنِ المُتَكَلِّمِ حالَةٌ (p-218)مَخْصُوصَةٌ تَقْتَضِي وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ، بِحَيْثُ لَوْ أُخِلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ سَقَطَ الكَلامُ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ البَتَّةَ، فالكَلامُ الواحِدُ المَحْكِيُّ عَلى وُجُوهٍ شَتّى إنِ اقْتَضى الحالُ وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الوارِدَةِ عِنْدَ الحِكايَةِ.

فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الوُجُوهِ إذا تَمَهَّدَ هَذا؛ فَنَقُولُ: لا يَخْفى أنَّ اسْتِنْظارَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً لا غَيْرُ، فَمَقامُهُ إنِ اقْتَضى إظْهارَ الضَّراعَةِ، وتَرْتِيبَ الِاسْتِنْظارِ عَلى ما حاقَ بِهِ مِنَ اللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى نَهْجِ اسْتِدْعاءِ الجَبْرِ في مُقابَلَةِ الكَسْرِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ: " رَبِّ فَأنْظِرْنِي "، حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُ في السُّورَتَيْنِ، فَما حُكِيَ هَهُنا يَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى الحالِ، فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ، قُلْنا: مَقامُ اسْتِنْظارِهِ مُقْتَضٍ لِما ذُكِرَ مِن إظْهارِ الضَّراعَةِ، وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى الحِرْمانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ والرَّجْمِ، وكَذا مَقامُ الإنْظارِ مُقْتَضٍ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ عَلى الِاسْتِنْظارِ، وقَدْ طُبِّقَ الكَلامُ عَلَيْهِ في تَيْنِكَ السُّورَتَيْنِ، ووُفِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن مَقامَيِ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ جَمِيعًا حَظَّهُ.

وَأمّا هَهُنا فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِالِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ، سِيقَتِ الحِكايَةُ عَلى نَهْجِ الإيجازِ والِاخْتِصارِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ، لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عِنْدَ المُخاطَبَةِ والحِوارِ، إنْ قُلْتَ: فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْلًا لِلْكَلامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولا مُطابِقًا لِمُقْتَضى المَقامِ؛ قُلْنا: الَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ، ونَفْسُ مَدْلُولِهِ الَّذِي يُفِيدُهُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ إفادَتِهِ لَهُ فَلَيْسَ مِمّا يَجِبُ مُراعاتُهُ عِنْدَ النَّقْلِ البَتَّةَ، بَلْ قَدْ تُراعى وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ اقْتِضاءِ المَقامِ.

وَلا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها، بَلْ قَدْ يُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ وخُصُوصاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ المَنقُولِ أصْلَ المَعْنى، ألا يُرى أنَّ جَمِيعَ المَقالاتِ المَنقُولَةِ في القرآن الكَرِيمِ إنَّما تُحْكى بِكَيْفِيّاتٍ واعْتِباراتٍ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها مَن تَكَلَّمَ بِها حَتْمًا، وإلّا لَأمْكَنَ صُدُورُ الكَلامِ المُعْجِزِ عَنِ البَشَرِ، فِيما إذا كانَ المَحْكِيُّ كَلامًا.

وَأمّا عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِمُقْتَضى الحالِ، فَمَنشَؤُهُ الغَفْلَةُ عَمّا يَجِبُ تَوْفِيرُ مُقْتَضاهُ مِنَ الأحْوالِ، فَإنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو مَقامُ الحِكايَةِ، وأمّا مَقامُ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، فَإنْ كانَ مُقْتَضاهُ مُوافِقًا لِمُقْتَضى مَقامِ الحِكايَةِ، يُوَفّى كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ، كَما في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ ص؛ فَإنَّ مَقامَ الحِكايَةِ فِيهِما لَمّا كانَ مُقْتَضِيًا لِبَسْطِ الكَلامِ وتَفْصِيلِهِ عَلى الكَيْفِيّاتِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها، رُوعِيَ حَقُّ المَقامَيْنِ مَعًا.

وَأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ الإيجازَ رُوعِيَ جانِبُهُ، ألا يُرى أنَّ المُخاطَبَ المُنْكِرَ إذا كانَ مِمَّنْ لا يَفْهَمُ إلّا أصْلَ المَعْنى، وجَبَ عَلى المُتَكَلِّمِ أنْ يُجَرِّدَ كَلامَهُ عَنِ التَّأْكِيدِ، وسائِرِ الخَواصِّ والمَزايا الَّتِي يَقْتَضِيها المَقامُ، ويُخاطِبَهُ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الوُجُوهِ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقْصِدَ مَعْنًى زائِدًا يَفْهَمُهُ سامِعٌ آخَرُ بَلِيغٌ، هو تَجْرِيدُهُ عَنِ الخَواصِّ رِعايَةً لِمُقْتَضى حالِ المُخاطَبِ في الفَهْمِ، وبِذَلِكَ يَرْتَقِي كَلامُهُ عَنْ رُتْبَةِ أصْواتِ الحَيَواناتِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ، فَإذا وجَبَ مُراعاةُ مَقامِ الحِكايَةِ مَعَ إفْضائِها إلى تَجْرِيدِ الكَلامِ عَنِ الخَواصِّ والمَزايا بِالمَرَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِوُجُوبِ مُراعاتِهِ مَعَ تَحْلِيَةِ الكَلامِ بِمَزايا أُخَرَ يَرْتَقِي بِها إلى رُتْبَةِ الإعْجازِ، لا سِيَّما إذا وفى حَقُّ مَقامِ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، وكانَ هَذا الإيجازُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ وثِقَةً بِهِ.

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَأمْثالِهِ.

﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-219)﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ فَإنَّ إغْواءَهُ تَعالى إيّاهُ أثَرٌ مِن آثارِ قدرته عَزَّ وجَلَّ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِ سُلْطانِهِ تَعالى، فَمَآلُ الإقْسامِ بِهِما واحِدٌ، فَلَعَلَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، فَحُكِيَ تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما وأُخْرى بِالآخَرِ.

والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَأُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، لا بِقَوْلِهِ: " لَأقْعُدَنَّ لَهم " كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، فَإنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ؛ أيْ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لِأجْلِهِمْ، أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ لَأقْعُدَنَّ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ تَرَصُّدًا بِهِمْ، كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلْقَطْعِ عَلى السّابِلَةِ.

﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوصِلَ إلى الجَنَّةِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، فالقُعُودُ مَجازٌ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ:

كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

وَقِيلَ: عَلى نَزْعِ الجارِّ، تَقْدِيرُهُ: عَلى صِراطِكَ، كَقَوْلِكَ: ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يُعْتادُ هُجُومُ العَدُوِّ مِنها، مِثْلُ قَصْدِهِ إيّاهم لِلتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يَتَيَسَّرُ بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الفَوْقَ والتَّحْتَ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ: مِن قِبَلِ الآخِرَةِ، ومِن خَلْفِهِمْ: مِن جِهَةِ الدُّنْيا، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ: مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ.

وَقِيلَ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ: مِن حَيْثُ يَعْلَمُونَ ويَقْدِرُونَ عَلى التَّحَرُّزِ مِنهُ، ومِن خَلْفِهِمْ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولا يَقْدِرُونَ، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ: مِن حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَعْلَمُوا ويَتَحَرَّزُوا، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لِعَدَمِ تَيَقُّظِهِمْ واحْتِياطِهِمْ، ومِن حَيْثُ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ذَلِكَ، وإنَّما عُدِّيَ الفِعْلُ إلى الأوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّهُ مِنهُما مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ، وإلى الآخَرَيْنِ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ؛ فَإنَّ الآتِيَ مِنهُما كالمُنْحَرِفِ المُتَجافِي عَنْهُمُ، المارِّ عَلى عَرْضِهِمْ، ونَظِيرُهُ: جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ.

﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾؛ أيْ: مُطِيعِينَ، وإنَّما قالَهُ ظَنًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾، لِما رَأى مِنهم مَبْدَأ الشَّرِّ مُتَعَدِّدًا، ومَبْدَأ الخَيْرِ واحِدًا. وقِيلَ: سَمِعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ مِرارًا.

﴿أخْرَجَ مِنها﴾؛ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ.

﴿مَذْمُومًا﴾؛ أيْ: مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ: إذا ذَمَّهُ، وقُرِئَ: ( مَذُومًا ) كَمَسُولٍ في مَسْؤُولٍ، أوْ كَمَكُولٍ في مَكِيلٍ، مِن ذامَهُ يَذِيمُهُ ذَيْمًا.

﴿مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا.

﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابِهِ.

﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وقُرِئَ: ( لِمَن تَبِعَكَ ) بِكَسْرِ اللّامِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ " لَأمْلَأنَّ " عَلى مَعْنى: لِمَن تَبِعَكَ هَذا الوَعِيدُ، أوْ عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، ولَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ومَعْنى مِنكم: مِنكَ ومِنهم، عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ.

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿وَيا آدَمُ﴾؛ أيْ: وقُلْنا، كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، (p-220)وَتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَلَقِّ المَأْمُورِ بِهِ، وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ في تَلَقِّي الوَحْيِ وتَعاطِي المَأْمُورِ بِهِ.

﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ هو مِنَ السَّكَنِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اللَّبْثِ والِاسْتِقْرارِ والإقامَةِ، لا مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، وأنْتَ ضَمِيرٌ أُكِّدَ بِهِ المُسْتَكِنُ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ لِبَيانِ المُرادِ مِمّا في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾، مِن أنَّ ذَلِكَ كانَ جَمْعًا مَعَ التَّرْتِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ في مَعْنى: مِنها حَيْثُ شِئْتُما، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا رَغَدًا ثِقَةً بِما ذُكِرَ هُناكَ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما لِتَعْمِيمِ التَّشْرِيفِ، والإيذانِ بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ، فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ الأكْلِ، بِخِلافِ السَّكَنِ فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيهِ.

وَلِتَعْلِيقِ النَّهْيِ بِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقُرِئَ: ( هَذِي ) وهو الأصْلُ، لِتَصْغِيرِهِ عَلى ذِيًّا، والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ.

﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ إمّا جَزْمٌ عَلى العَطْفِ، أوْ نَصْبٌ عَلى الجَوابِ.

7:20Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، أوْ تَكَلَّمَ لَهُما كَلامًا خَفِيًّا مُتَدارِكًا مُتَكَرِّرًا، وهي في الأصْلِ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، كالهَيْمَنَةِ والخَشْخَشَةِ، ومِنهُ: وسْوَسَ الحَلْيُ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ كَيْفِيَّةِ وسْوَسَتِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾؛ أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أوْ لِلْغَرَضِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِوَسْوَسَتِهِ: أنْ يَسُوءَهُما بِانْكِشافِ عَوْرَتَيْهِما، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُما بِالسَّوْأةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ وعِنْدَ الزَّوْجِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ قَبِيحٌ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ.

﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ ما غُطِّيَ وسُتِرَ عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما، وكانا لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما ولا أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً في المَشْهُورَةِ، كَما قُلِبَتْ في " أُوَيْصِلٍ " تَصْغِيرِ واصِلٍ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ مُدَّةٌ. وقُرِئَ: ( سَواتِهِما ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكاتِها عَلى الواوِ، وبِقَلْبِها واوًا وإدْغامِ الواوِ السّاكِنَةِ فِيها.

﴿وَقالَ﴾ عَطْفٌ عَلى وسْوَسَ بِطَرِيقِ البَيانِ.

﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾؛ أيْ: عَنْ أكْلِها.

﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾؛ أيْ: إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ.

﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ، أوْ يَخْلُدُونَ في الجَنَّةِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِما أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحَقائِقَ لا تَنْقَلِبُ، وإنَّما كانَتْ رَغْبَتُهُما في أنْ يَحْصُلَ لَهُما أوْصافُ المَلائِكَةِ مِنَ الكَمالاتِ الفِطْرِيَّةِ، والِاسْتِغْناءُ عَنِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ، وذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الأفْضَلِيَّةِ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ.

7:21Page 152

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾؛ أيْ: أقْسَمَ لَهُما، وصِيغَةُ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: قالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، وأقْسَمَ لَهُما، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском