Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:184–189

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:184–189

7:184Page 174

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤

Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ ﷺ، وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ حالِهِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ، وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ.

وَ" ما " إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وإمّا نافِيَةٌ اسْمُها جِنَّةٌ وخَبَرُها بِصاحِبِهِمْ، والجِنَّةُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يُرادُ بِها الهَيْئَةُ، كالرُّكْبَةِ والجِلْسَةِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ.

والجُمْلَةُ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ التَّفَكُّرِ لِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ومَحَلُّها عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الجارِّ؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ.

وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا "؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما ؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحَبَتِهِمْ لَهُ ﷺ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ ﷺ عَنْ شائِبَةِ ما ذُكِرَ؛ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ وتَشْدِيدٌ لَهُ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ ﷺ، لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ والعاداتِ، لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ كَيْفَما اتَّفَقَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ومَعْنًى، أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ ﷺ شائِبَةُ الأوَّلِ، تَعَيَّنَ أنَّهُ ﷺ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ: إنَّهُ ﷺ عَلا الصَّفا لَيْلًا، فَجَعَلَ يَدْعُو قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُهَوِّتُ إلى الصَّباحِ؛ فَنَزَلَتْ، فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ حِينَئِذٍ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى شاكِلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِهِ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾؛ أيْ: ما هو إلّا مُبالِغٌ في الإنْذارِ، مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ، إبْرازٌ لِكَمالِ الرَّأْفَةِ، (p-299)وَمُبالَغَةٌ في الإعْذارِ.

7:185Page 174

أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ، والأنْفُسِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ مَضْمُونِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، إثْرَ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ إخْلالُهم بِالتَّفَكُّرِ في شَأْنِهِ ﷺ، والهَمْزَةُ لِما ذُكِرَ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَذْكُورِ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ.

والمَلَكُوتُ: المُلْكُ العَظِيمُ؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها، أوْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ، ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّماواتُ والأرْضُ مِن عِظَمِ المُلْكِ وكَمالِ القُدْرَةِ.

﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وفِيما خَلَقَ فِيهِما عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَلَكُوتِ، وتَخْصِيصُهُ بِهِما لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، أوْ وفي مَلَكُوتِ ما خَلَقَ، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما خَلَقَ، مُفِيدٌ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ الدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ بِجَلائِلِ المَصْنُوعاتِ دُونَ دَقائِقِها، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما خَلَقَ فِيهِما مِن جَلِيلٍ ودَقِيقٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ؛ لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى العِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وبِسائِرِ شُئُونِهِ الَّتِي يَنْطِقُ بِها تِلْكَ الآياتُ، فَيُؤْمِنُوا بِها لِاتِّحادِهِما في المَدْلُولِ، فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الأكْوانِ مِمّا عَزَّ وهانَ، دَلِيلٌ لائِحٌ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ، وسَبِيلٌ واضِحٌ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مَلَكُوتِ، و" أنْ " مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها " عَسى " مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو " ﴿أنْ يَكُونَ﴾ "، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ " قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم "، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في أنَّ الشَّأْنَ، عَسى أنْ يَكُونَ الشَّأْنُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم.

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ " يَكُونُ " أجَلُهم، وخَبَرُها " ﴿قَدِ اقْتَرَبَ﴾ " عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ، هو ضَمِيرُ " ﴿أجَلُهُمْ﴾ " لِتَقَدُّمِهِ حُكْمًا، وأيًّا ما كانَ فَمَناطُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ تَأْخِيرُهم لِلنَّظَرِ والتَّأمُّلِ؛ أيْ: لَعَلَّهم يَمُوتُونَ عَمّا قَرِيبٍ، فَما لَهم لا يُسارِعُونَ إلى التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِما كَذَّبُوهُ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأجَلُ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ " هم " لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ لَها وبَحْثِهِمْ عَنْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، مُتَرَتِّبٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، وإخْلالِهِمْ بِالتَّفَكُّرِ والنَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ بَعْدَهُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ.

وَإجْراءُ الضَّمِيرِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَتَفَكَّرُوا، فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ ﷺ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ؛ فَبِأيِّ حَدِيثٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ تَكْذِيبِهِ ومَعَهُ مِثْلُ هَذِهِ الشَّواهِدِ القَوِيَّةِ، كَلّا وهَيْهاتَ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو النِّهايَةُ في البَيانِ.

وَقِيلَ: هو إنْكارٌ وتَبْكِيتٌ لَهم، مُتَرَتِّبٌ عَلى إخْلالِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى التَّأمُّلِ فِيما ذُكِرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، (p-300)فَما لَهم لا يُبادِرُونَ إلى الإيمان بالقرآن قَبْلَ الفَوْتِ، وماذا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأجَلِهِمْ، والمَعْنى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ يُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ.

7:186Page 174

مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦

Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُنْبِئٌ عَنِ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالياءِ والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ أيْ: وهو يَذَرُهم، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهم، وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " فَلا هادِيَ لَهُ "، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرْهم، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ بِالنُّونِ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أيْ: يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهم، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ نَظَرًا إلى لَفْظِ مَن، وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ نَظَرًا إلى مَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ.

7:187Page 174

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْكامِ ضَلالِهِمْ وطُغْيانِهِمْ؛ أيْ: عَنِ القِيامَةِ، وهي مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، وإطْلاقُها عَلَيْها إمّا لِوُقُوعِها بَغْتَةً، أوْ لِسُرْعَةِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ، أوْ لِأنَّها ساعَةٌ عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ طُولِها في نَفْسِها.

قِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هي، وكانَ ذَلِكَ امْتِحانًا مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها. وقِيلَ: السّائِلُونَ قُرَيْشٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِكَسْرِها، وهو ظَرْفُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويَلِيهِ المُبْتَدَأُ أوِ الفِعْلُ المُضارِعُ دُونَ الماضِي، بِخِلافِ " مَتى " حَيْثُ يَلِيها كِلاهُما، قِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن أيٍّ فَعْلانُ مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: أيُّ: وقْتٍ، وهو مِن أوَيْتُ إلى الشَّيْءِ؛ لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ مُتَسانِدٌ إلَيْهِ.

وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ومُرْساها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ أيْ: مَتى إرْساؤُها؛ أيْ: إثْباتُها وتَقْرِيرُها، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أرْساهُ: إذا أثْبَتَهُ وأقَرَّهُ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ الثَّقِيلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾، ومِنهُ: مِرْساةُ السُّفُنِ.

وَمَحَلُّ الجُمْلَةِ؛ قِيلَ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ السّاعَةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ مَحَلَّها النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لا مِنَ المَجْرُورِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾، وفي تَعْلِيقِ السُّؤالِ بِنَفْسِ السّاعَةِ أوَّلًا، وبِوَقْتِ وُقُوعِها ثانِيًا، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ السُّؤالِ نَفْسُها، بِاعْتِبارِ حُلُولِها في وقْتِها المُعَيَّنِ، لا وقْتُها بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَحِلًّا لَها، وقَدْ سُلِكَ هَذا المَسْلَكُ في الجَوابِ المُلَقَّنِ أيْضًا، حَيْثُ أُضِيفَ العِلْمُ بِالمَطْلُوبِ بِالسُّؤالِ إلى ضَمِيرِها، فَأُخْبِرَ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَحَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها﴾؛ أيْ: عِلْمُها بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ.

﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّما عِلْمُ وقْتِ إرْسائِها، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَمَلَ (p-301)النَّظْمَ الكَرِيمَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ ﷺ لِلْجَوابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عِنْدَهُ تَعالى خاصَّةً: أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أحَدًا مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ تِلْكَ الحالَةِ إلى حِينِ قِيامِها، وإقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنْ إظْهارِ أمْرِها بِطَرِيقِ الإخْبارِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ إيّاهُ، فَإنَّهُ أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما أنَّ إخْفاءَ الأجَلِ الخاصِّ لِلْإنْسانِ كَذَلِكَ.

والمَعْنى: لا يَكْشِفُ عَنْها ولا يُظْهِرُ لِلنّاسِ أمْرَها الَّذِي تَسْألُونَنِي عَنْهُ، إلّا هو بِالذّاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ، فَيَتَوَسَّطُ في إظْهارِهِ لَهم، لَكِنْ لا بِأنْ لا يُخْبِرَهم بِوَقْتِها قَبْلَ مَجِيئِهِ كَما هو المَسْؤُولُ، بَلْ بِأنْ يُقِيمَها فَيُشاهِدُوها عِيانًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ التَّجْلِيَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ الكَشْفِ التّامِّ المُزِيلِ لِلْإبْهامِ بِالكُلِّيَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِوَقْتِها﴾؛ أيْ: في وقْتِها، قَيْدٌ لِلتَّجْلِيَةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْها لا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُجَلِّيها إلّا هو في وقْتِها، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ عَلى الِاسْتِثْناءِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ تَجْلِيَتَها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِوَقْتِها، بَلْ بِإظْهارِ عَيْنِها في وقْتِها الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: كَبُرَتْ وشَقَّتْ عَلى أهْلِهِما مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، كُلٌّ مِنهم أهَمَّهُ خَفاؤُها وخُرُوجُها عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ.

وَقِيلَ: عَظُمَتْ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ يُشْفِقُونَ مِنها، ويَخافُونَ شَدائِدَها وأهْوالَها. وقِيلَ: ثَقُلَتْ فِيهِما؛ إذْ لا يُطِيقُها مِنهُما ومِمّا فِيهِما شَيْءٌ أصْلًا.

والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما قَبْلَهُ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ الثِّقَلِ مِن حَيْثُ الخَفاءُ؛ أيْ: لا تَأْتِيكم إلّا فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ، كَما قالَ ﷺ: " «إنَّ السّاعَةَ تَهِيجُ بِالنّاسِ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ في سُوقِهِ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ» .

﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ في تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهُ ﷺ عالِمٌ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ، أوْ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ، إثْرَ بَيانِ خَطَئِهِمْ في أصْلِ السُّؤالِ بِإعْلامِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.

والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الكافِ، جِيءَ بِها بَيانًا لِما يَدْعُوهم إلى السُّؤالِ عَلى زَعْمِهِمْ، وإشْعارًا بِخَطَئِهِمْ في ذَلِكَ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ مُشَبَّهًا حالُكَ عِنْدَهم بِحالِ مَن هو حَفِيٌّ عَنْها؛ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِها، فَعِيلٌ مِن حَفِيَ وحَقِيقَتُهُ، كَأنَّكَ مُبالِغٌ في السُّؤالِ عَنْها، فَإنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ المُبالَغَةِ في العِلْمِ بِها، لِما أنَّ مَن بالَغَ في السُّؤالِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْهُ، اسْتَحْكَمَ عِلْمُهُ بِهِ.

وَمَبْنى التَّرْكِيبِ عَلى المُبالَغَةِ والِاسْتِقْصاءِ، ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ واحْتِفاءُ البَقْلِ؛ أيِ: اسْتِئْصالُهُ، والإحْفاءُ في المَسْألَةِ؛ أيِ: الإلْحافُ فِيها.

وَقِيلَ: " عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْألُونَكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ﴾ " مُعْتَرِضٌ، وصِلَةُ حَفِيٌّ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: حَفِيٌّ بِها، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ.

وَقِيلَ: هو مِنَ الحَفاوَةِ بِمَعْنى: البِرِّ والشَّفَقَةِ، فَإنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ ﷺ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً، فَقُلْ لَنا: مَتى السّاعَةُ، والمَعْنى: يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ تَتَحَفّى بِهِمْ، فَتَخُصُّهم بِتَعْلِيمِ وقْتِها لِأجْلِ القَرابَةِ، وتَزْوِي أمْرَها عَنْ غَيْرِهِمْ؛ فَفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم مِن جِهَتَيْنِ. وقِيلَ: هو مِن حَفِيَ بِالشَّيْءِ بِمَعْنى: فَرِحَ بِهِ، والمَعْنى: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِالسُّؤالِ عَنْها تُحِبُّهُ مَعَ أنَّكَ كارِهٌ لَهُ، لِما أنَّهُ تَعَرُّضٌ لِحَرَمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعِلْمِهِ.

﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِإعادَةِ الجَوابِ الأوَّلِ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ، وتَقْرِيرًا لَهُ، وإشْعارًا بِعِلَّتِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بِإيرادِ اسْمِ الذّاتِ المُنْبِئِ عَنِ (p-302)اسْتِتْباعِها لِصِفاتِ الكَمالِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ.

وَتَمْهِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِجَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ عِلْمِها بِهِ تَعالى، فَبَعْضُهم يُنْكِرُونَها رَأْسًا فَلا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا، وبَعْضُهم يَعْلَمُونَ أنَّها واقِعَةٌ البَتَّةَ، ويَزْعُمُونَ أنَّكَ واقِفٌ عَلى وقْتِ وُقُوعِها فَيَسْألُونَكَ عَنْهُ جَهْلًا، وبَعْضُهم يَدَّعُونَ أنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن مَواجِبِ الرِّسالَةِ، فَيَتَّخِذُونَ السُّؤالَ عَنْهُ ذَرِيعَةً إلى القَدْحِ في رِسالَتِكَ، والمُسْتَثْنى مِن هَؤُلاءِ هُمُ الواقِفُونَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا السّائِلُونَ عَنْها مِنَ اليَهُودِ بِطَرِيقِ الِامْتِحانِ فَهم مُنْتَظِمُونَ في سِلْكِ الجاهِلِينَ، حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ.

7:188Page 175

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ شُرُوعٌ في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ بِبَيانِ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِها، إثْرَ بَيانِ عَجْزِ الكُلِّ عَنْهُ، وإبْطالِ زَعْمِهِمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ سُؤالَهم مِن كَوْنِهِ ﷺ مِمَّنْ يَعْلَمُها، وإعادَةُ الأمْرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الجَوابِ، والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ومُغايَرَتِهِ لِلْأوَّلِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ عَجْزِهِ عَمّا ذُكِرَ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ لِإثْباتِ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.

واللّامُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِأمْلِكُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَفْعًا؛ أيْ: لا أقْدِرُ لِأجْلِ نَفْسِي عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ما ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ ما.

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أمْلِكَهُ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُلْهِمَنِيهِ فَيُمَكِّنَنِي مِنهُ ويُقْدِرَنِي عَلَيْهِ، أوْ لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهَذا أبْلَغُ في إظْهارِ العَجْزِ.

﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الغَيْبِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما بَيْنَ الأشْياءِ مِنَ المُناسَباتِ المُصَحِّحَةِ عادَةً لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، ومِنَ المُبايَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْمُمانَعَةِ والمُدافَعَةِ.

﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾؛ أيْ: لَحَصَّلْتُ كَثِيرًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نِيطَ تَحْصِيلُهُ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْبَشَرِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ ودَفْعِ مَوانِعِهِ.

﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أيِ: السُّوءُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّفَصِّي عَنْهُ بِالتَّوَقِّي عَنْ مُوجِباتِهِ، والمُدافَعَةِ بِمَوانِعِهِ لا سُوءٌ ما، فَإنَّ مِنهُ ما لا مَدْفَعَ لَهُ.

﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾؛ أيْ: ما أنا إلّا عَبْدٌ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ والبِشارَةِ، شَأْنِي حِيازَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، لا الوُقُوفُ عَلى الغُيُوبِ الَّتِي لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ، وقَدْ كَشَفْتُ مِن أمْرِ السّاعَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإنْذارُ مِن مَجِيئِها لا مَحالَةَ واقْتِرابِها، وأمّا تَعْيِينُ وقْتِها فَلَيْسَ ما يَسْتَدْعِيهِ الإنْذارُ، بَلْ هو مِمّا يَقْدَحُ فِيهِ، لِما مَرَّ مِن أنَّ إيهامَهُ أدْعى إلى الِانْزِجارِ عَنِ المَعاصِي، وتَقْدِيمُ النَّذِيرِ عَلى البَشِيرِ لِما أنَّ المَقامَ مَقامُ الإنْذارِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ كَما يَنْتَفِعُونَ بِالبِشارَةِ، وإمّا بِالبَشِيرِ فَقَطْ، وما يَتَعَلَّقُ بِالنَّذِيرِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: نَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ؛ أيِ: الباقِينَ عَلى الكُفْرِ، وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ؛ أيْ: في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ فَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلْكَفَرَةِ في إحْداثِ الإيمانِ، وتَحْذِيرٌ عَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ.

7:189Page 175

۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ جِنايَةِ الكَفَرَةِ في جَراءَتِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِتَذْكِيرِ مَبادِئِ (p-303)أحْوالِهِمُ المُنافِيَةِ لَهُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ.

﴿وَجَعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَلَقَكم داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا، لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ.

﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، أوْ مِن جَسَدِها، لِما يُرْوى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ إذِ الجِنْسِيَّةُ هي المُؤَدِّيَةُ إلى الغايَةِ الآتِيَةِ لا الجُزْئِيَّةُ.

والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَوْجَها﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى الإنْشاءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والأوَّلُ هو الأوْلى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ الثّانِي؛ أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها اطْمِئْنانًا مُصَحِّحًا لِلِازْدِواجِ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ.

وَيُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾؛ أيْ: جامَعَها.

﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ في مَبادِئِ الأمْرِ، فَإنَّهُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً، أوْ عَلَقَةً، أوْ مُضْغَةً، أخَفُّ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ خِفَّتِهِ لِلْإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، في إنْشائِهِ تَعالى إيّاهم مُتَدَرِّجِينَ في أطْوارِ الخَلْقِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ.

﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾؛ أيْ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ كَما كانَتْ قَبْلُ، حَيْثُ قامَتْ وقَعَدَتْ، وأخَذَتْ وتَرَكَتْ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقُرِئَ: ( فَمَرَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ، و( فَمارَتْ ) مِنَ المَوْرِ: وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، أوْ مِنَ المِرْيَةِ: فَظَنَّتِ الحَمْلَ وارْتابَتْ بِهِ.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفَّ عَلَيْها، ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما يَلْقى بَعْضُ الحَبالى مِن حَمْلِهِنَّ مِنَ الكَرْبِ والأذِيَّةِ، ولَمْ تَسْتَثْقِلْهُ كَما يَسْتَثْقِلْنَهُ، فَمَرَّتْ بِهِ؛ أيْ: فَمَضَتْ بِهِ إلى مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْداجٍ ولا إزْلاقٍ؛ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ إذْ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، ولا رَيْبَ في أنَّ الثِّقَلَ بِهَذا المَعْنى لَيْسَ مُقابِلًا لِلْخِفَّةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، إنَّما يُقابِلُها الكَرْبُ الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَهُنَّ مِن أوَّلِ الحَمْلِ إلى آخِرِهِ دُونَ بَعْضٍ أصْلًا، وقُرِئَ: ( أُثْقِلَتْ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أثْقَلَها حَمْلُها.

﴿دَعَوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمّا دَهِمَهُما أمْرٌ لَمْ يَعْهَداهُ ولَمْ يَعْرِفا مَآلَهُ، فاهْتَمّا بِهِ وتَضَرَّعا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّهُما﴾؛ أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ الدُّعاءُ إشارَةٌ إلى أنَّهُما قَدْ صَدَّرا بِهِ دُعاءَهُما، كَما في قَوْلِهِما: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ...﴾ الآيَةَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ بِهِ؛ أيْ: دَعَواهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا ووَعَدا، بِمُقابَلَتِهِ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ.

وَقالا، أوْ قائِلِينَ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾؛ أيْ: ولَدًا مِن جِنْسِنا سَوِيًّا.

﴿لَنَكُونَنَّ﴾ نَحْنُ ومَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِنا.

﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ، وتَرْتِيبُ هَذا الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، لِما أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما عَلَّقا بِهِ دُعاءَهُما أُنْمُوذَجٌ لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ، ومِعْيارٌ لَها ذاتًا، وصِفَةُ وُجُودِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِوُجُودِها، وصَلاحُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلاحِها؛ فالدُّعاءُ في حَقِّهِ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ في حَقِّ الكُلِّ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ، كَأنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا وذُرِّيَّتَنا أوْلادًا صالِحَةً.

وَقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ " ﴿آتَيْتَنا﴾ " أيْضًا لَهُما ولِكُلِّ مَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فالوَجْهُ ظاهِرٌ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ نَظْمَ الكُلِّ (p-304)فِي سِلْكِ الدُّعاءِ أصالَةً يَأْباهُ مَقامُ المُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما هُما بِصَدَدِهِ، وأمّا جَعْلُ ضَمِيرِ " ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ " لِلْكُلِّ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ؛ لِأنَّ تَوْسِيعَ دائِرَةِ الشُّكْرِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالِاعْتِناءِ المَذْكُورِ، بَلْ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском