Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:41–58

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:41–58

7:41Page 155

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أيْ: فِراشٌ مِن تَحْتِهِمْ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ومِن تَجْرِيدِيَّةٌ.

﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾؛ أيْ: أغْطِيَةٌ، والتَّنْوِينُ لِلْبَدَلِ عَنِ الإعْلالِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولِلصَّرْفِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقُرِئَ: ( غَواشِ ) عَلى إلْغاءِ المَحْذُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ .

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ.

﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى؛ إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ اتَّصَفُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ القَبِيحَيْنِ، وذِكْرُ الجُرْمِ مَعَ الحِرْمانِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، والظُّلْمِ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الجَرائِمِ والجَرائِرِ.

7:42Page 155

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِآياتِنا، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيِ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي شُرِعَتْ بِالآياتِ، وهَذا بِمُقابَلَةِ الِاسْتِكْبارِ عَنْها.

﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، والخَبَرِ الَّذِي هو جُمْلَةُ.

﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ، بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحْصِيلِهِ، وقُرِئَ: ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ ) .

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وأصْحابُ الجَنَّةِ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، والخَبَرُ أصْحابُ الجَنَّةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.

﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الجَنَّةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها، والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ، أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ، و" فِيها " مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ.

7:43Page 155

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾؛ أيْ: نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الغِلِّ، أوْ نُطَهِّرُها مِنهُ، حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ، وصِيغَةُ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي لَأرْجُوا أنْ أكُونَ أنا، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، مِنهم.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ زِيادَةٌ في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صُدُورِهِمْ، والعامِلُ إمّا مَعْنى الإضافَةِ، وإمّا العامِلُ في المُضافِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ نَزَعْنا، والعامِلُ نَزَعْنا، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ صِفَةِ أحْوالِهِمْ.

﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾؛ أيْ: لِما جَزاؤُهُ هَذا.

﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾؛ أيْ: لِهَذا المَطْلَبِ الأعْلى، أوْ لِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الَّتِي هَذا مِن جُمْلَتِها.

﴿لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ ووَفَّقَنا لَهُ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ نَهْتَدِي وهَدانا الثّانِي (p-229)مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ المُرادِ، أوْ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ: ( ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ ) إلَخْ، بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّها مَبْنِيَّةٌ ومُفَسِّرَةٌ لِلْأُولى.

﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ قالُوهُ تَبَجُّحًا واغْتِباطًا بِما نالُوهُ، وابْتِهاجًا بِإيمانِهِمْ بِما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَتْ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّسُلِ؛ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ جاءُوا بِالحَقِّ، أوْ لَقَدْ جاءُوا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ.

﴿وَنُودُوا﴾؛ أيْ: نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ؛ إمّا لِأنَّهم نُودُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وإمّا لِرَفْعِ مَنزِلَتِها وبُعْدِ رُتْبَتِها، وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّها تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدُوها في الدُّنْيا.

﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ أيْ: أُعْطِيتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم، أوْ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ عَلى أنَّ تِلْكُمُ الجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ الجَنَّةُ صِفَةٌ والخَبَرُ أُورِثْتُمُوها.

7:44Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ تَبَجُّحًا بِحالِهِمْ، وشَماتَةً بِأصْحابِ النّارِ، وتَحْسِيرًا لَهم، لا لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ بِحالِهِمْ، والِاسْتِخْبارِ عَنْ حالِ مُخاطَبِيهِمْ.

﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ حَيْثُ نِلْنا هَذا المَنالَ الجَلِيلَ.

﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ حُذِفَ المَفْعُولُ مِنَ الفِعْلِ الثّانِي إسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ التَّشْرِيفِ بِالخِطابِ عِنْدَ الوَعْدِ. وقِيلَ: لِأنَّ ما ساءَهم مِنَ المَوْعُودِ لَمْ يَكُنْ بِأسْرِهِ مَخْصُوصًا بِهِمْ وعْدًا، كالبَعْثِ والحِسابِ، ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَإنَّهم قَدْ وجَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ حَقًّا، وإنْ لَمْ يَكُنْ وعْدُهُ مَخْصُوصًا بِهِمْ.

﴿قالُوا نَعَمْ﴾؛ أيْ: وجَدْناهُ حَقًّا، وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ.

﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ قِيلَ: هو صاحِبُ الصُّورِ.

﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.

﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِأنِ المُخَفَّفَةِ أوِ المُفَسِّرَةِ، وقُرِئَ بِأنَّ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ ( لَعْنَةَ )، وقُرِئَ: ( إنَّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مُجْرى قالَ.

7:45Page 156

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ رَفْعٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ نَصْبٌ عَلَيْهِ.

﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أيْ: يَبْغُونَ لَها عِوَجًا بِأنْ يَصِفُوها بِالزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُما، والعِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي والأعْيانِ ما لَمْ يَكُنْ مُنْتَصِبًا، وبِالفَتْحِ ما كانَ في المُنْتَصِبِ كالرُّمْحِ والحائِطِ.

﴿وَهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ.

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾، أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِيُمْنَعَ وُصُولُ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى.

﴿وَعَلى الأعْرافِ﴾؛ أيْ: عَلى أعْرافِ الحِجابِ وأعالِيهِ، وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما، جَمْعُ (p-230)عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الفَرَسِ. وقِيلَ: العُرْفُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ، فَإنَّهُ بِظُهُورِهِ أعْرَفُ مِن غَيْرِهِ.

﴿رِجالٌ﴾ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصَّرُوا في العَمَلِ، فَيَجْلِسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ما يَشاءُ. وقِيلَ: قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم كالأنْبِياءِ والشُّهَداءِ، والأخْيارِ والعُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُوَرِ الرِّجالِ.

﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ.

﴿بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها، كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ، فِعْلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعْلَمَةً، أوْ مِن وسَمَ بِالقَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ، وإنَّما يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِالإلْهامِ، أوْ بِتَعْلِيمِ المَلائِكَةِ.

﴿وَنادَوْا﴾؛ أيْ: رِجالُ الأعْرافِ.

﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ حِينَ رَأوْهم.

﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ، أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ.

﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالٌ مِن فاعِلِ نادَوْا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَدْخُلُوها؛ أيْ: نادَوْهم، وهم لَمْ يَدْخُلُوها حالَ كَوْنِهِمْ طامِعِينَ في دُخُولِها مُتَرَقِّبِينَ لَهُ؛ أيْ: لَمْ يَدْخُلُوها، وهم في وقْتِ عَدَمِ الدُّخُولِ طامِعُونَ.

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: إلى جِهَتِهِمْ، وفي عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِأصْحابِ الجَنَّةِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ تَعَلُّقِ أبْصارِهِمْ بِأصْحابِ النّارِ بِالصَّرْفِ، إشْعارٌ بِأنَّ التَّعَلُّقَ الأوَّلَ بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ، والمِيلَ الثّانِي بِخِلافِهِ.

﴿قالُوا﴾ مُتَعَوِّذِينَ بِاللَّهِ تَعالى مِن سُوءِ حالِهِمْ.

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: في النّارِ، وفي وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ، وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ، إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْيَ العَذابِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ ما يُوجِبُهُ ويُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ.

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ كُرِّرَ ذِكْرُهم مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.

﴿رِجالا﴾ مِن رُؤَساءِ الكُفّارِ حِينَ رَأوْهم فِيما بَيْنَ أصْحابِ النّارِ.

﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وعَلى رِياسَتِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿قالُوا﴾ بَدَلٌ مِن نادى.

﴿ما أغْنى عَنْكُمْ﴾ " ما " إمّا الِاسْتِفْهامِيَّةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، أوْ نافِيَةٌ.

﴿جَمْعُكُمْ﴾؛ أيْ: أتْباعُكم وأشْياعُكم، أوْ جَمْعُكم لِلْمالِ.

﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم، واسْتِكْبارُكُمُ المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، أوْ عَلى الخَلْقِ، وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ: ( تَسْتَكْثِرُونَ ) مِنَ الكَثْرَةِ؛ أيْ: مِنَ الأمْوالِ والجُنُودِ.

7:49Page 156

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ، والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَتِ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا، ويَحْلِفُونَ صَرِيحًا أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، أوْ يَفْعَلُونَ ما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ .

﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ أيِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ عَلى رَغَمِ (p-231)أُنُوفِهِمْ.

﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ بَعْدَ هَذا.

﴿وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، أوْ قِيلَ لِأصْحابِ الأعْرافِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنْ حُبِسُوا، وشاهَدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعَرَفُوهم، وقالُوا لَهم ما قالُوا.

والأظْهَرُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأعْرافِ: المُقَصِّرِينَ في العَمَلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ المَقالاتِ وما تَتَفَرَّعُ هي عَلَيْهِ مِنَ المَعْرِفَةِ، لا يَلِيقُ بِمَن لَمْ يَتَعَيَّنْ حالُهُ بَعْدُ.

وَقِيلَ: لَمّا عَيَّرُوا أصْحابَ النّارِ، أقْسَمُوا أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى، أوِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: " ﴿أهَؤُلاءِ﴾ ... " إلَخْ، وقُرِئَ: ( ادْخُلُوا، ودَخَلُوا ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، وتَقْدِيرُهُ: دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا في حَقِّهِمْ: لا خَوْفٌ عَلَيْكم.

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ.

﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾؛ أيْ: صُبُّوهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ النّارِ.

﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن سائِرِ الأشْرِبَةِ لِيُلائِمَ الإضافَةَ، أوْ مِنَ الأطْعِمَةِ عَلى أنَّ الإفاضَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإعْطاءِ بِكَثْرَةٍ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا.

﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: مَنَعَهُما مِنهم مَنعًا كُلِّيًّا، فَلا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ قَطْعًا.

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ كَتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، ونَحْوِهِما، والتَّصْدِيَةِ حَوْلَ البَيْتِ. واللَّهْوُ: صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ، واللَّعِبُ: طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ.

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِزَخارِفِها العاجِلَةِ.

﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ النّاسُ بِالمَنسِيِّ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، وتَرْكِهِمْ في النّارِ تَرْكًا كُلِّيًّا، والفاءُ في " فاليَوْمَ " فَصِيحَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: نَنْساهم مِثْلَ نِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا، حَيْثُ لَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَعْتَدُّوا لَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نَسُوا؛ أيْ: وكَما كانُوا مُنْكِرِينَ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إنْكارًا مُسْتَمِرًّا.

7:52Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ، والأحْكامِ، والمَواعِظِ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً، والمُرادُ بِالكِتابِ: الجِنْسُ، أوْ لِلْمُعاصِرِينَ مِنهم، والكِتابُ هو القرآن.

﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ فَصَّلْناهُ؛ أيْ: عالِمِينَ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ حَتّى جاءَ حَكِيمًا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ، وقُرِئَ: ( فَضَّلْناهُ )؛ أيْ: عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِفَضْلِهِ.

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.

﴿لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِآثارِهِ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ.(p-232)

7:53Page 157

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ، إلّا ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ، بِظُهُورِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ مِن قَبْلِ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ.

﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ جاءُوا بِالحَقِّ.

﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليَوْمَ ويَدْفَعُوا عَنّا العَذابَ.

﴿أوْ نُرَدُّ﴾؛ أيْ: هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَيَشْفَعُوا، أوْ لِأنَّ " أوْ " بِمَعْنى " إلى أنْ "، فَعَلى الأوَّلِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا الشَّفاعَةُ لِدَفْعِ العَذابِ، أوِ الرَّدُّ إلى الدُّنْيا، وعَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ، إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، أوْ لِأمْرٍ واحِدٍ هو الرَّدُّ.

﴿فَنَعْمَلَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: فَنَحْنُ نَعْمَلُ.

﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا.

﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ إلى الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى وشُفَعاؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ.

7:54Page 157

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إثْرَ بَيانِ مَعادِ الكَفَرَةِ؛ أيْ: إنَّ خالِقَكم ومالِكَكُمُ الَّذِي خَلَقَ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ في سِتَّةِ أوْقاتٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، فَإنَّ المُتَعارَفَ أنَّ اليَوْمَ: زَمانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، ولَمْ تَكُنْ هي حِينَئِذٍ، وفي خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ عَلى إبْداعِها دَفْعَةُ دَلِيلٍ عَلى الِاخْتِيارِ، واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ، وحَثٌّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ.

﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾؛ أيِ: اسْتَوى أمْرُهُ واسْتَوْلى، وعَنْ أصْحابِنا: أنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِلا كَيْفٍ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ، مُنَزَّهًا عَنْ الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ.

والعَرْشُ: الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ، سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفاعِهِ، أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المُلْكِ، فَإنَّ الأُمُورَ والتَّدابِيرَ تَنْزِلُ مِنهُ، وقِيلَ: المُلْكُ.

﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾؛ أيْ: يُغَطِّيهِ بِهِ، ولَمْ يُذْكَرِ العَكْسُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُما، ولِذَلِكَ قُرِئَ بِنَصْبِ ( اللَّيْلَ ) ورَفْعِ ( النَّهارُ )، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرارِ.

﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾؛ أيْ: يَعْقُبُهُ سَرِيعًا كالطّالِبِ لَهُ، لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما شَيْءٌ، والحَثِيثُ: فَعِيلٌ مِنَ الحَثِّ، وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ بِمَعْنى حاثًّا أوْ مَحْثُوثًا.

﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾؛ أيْ: خَلَقَهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مُسَخَّراتٍ بِقَضائِهِ وتَصْرِيفِهِ، وقُرِئَ كُلُّها بِالرَّفْعِ عَلى (p-233)الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ فَإنَّهُ المُوجِدُ لِلْكُلِّ، والمُتَصَرِّفُ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ.

﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ في الأُلُوهِيَّةِ وتَعَظَّمَ بِالتَّفَرُّدِ في الربوبية، وتَحْقِيقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا مُتَّخِذِينَ أرْبابًا، فَبُيِّنَ لَهم أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ واحِدٌ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ العالَمَ عَلى تَرْتِيبٍ قَوِيمٍ وتَدْبِيرٍ حَكِيمٍ، فَأبْدَعَ الأفْلاكَ ثُمَّ زَيَّنَها بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ .

وَعَمَدَ إلى الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ، فَخَلَقَ جِسْمًا قابِلًا لِلصُّوَرِ المُتَبَدِّلَةِ والهَيْئاتِ المُخْتَلِفَةِ، ثُمَّ قَسَّمَها لِصُوَرٍ نَوْعِيَّةٍ مُتَبايِنَةِ الآثارِ والأفْعالِ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾؛ أيْ: ما في جِهَةِ السُّفْلِ في يَوْمَيْنِ.

ثُمَّ أنْشَأ أنْواعَ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ بِتَرْكِيبِ مَوادِّها أوَّلًا وتَصْوِيرِها ثانِيًا، كَما قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾، ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾؛ أيْ: مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِما فُصِّلَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ.

ثُمَّ لَمّا تَمَّ لَهُ عالَمُ المُلْكِ، عَمَدَ إلى تَدْبِيرِهِ كالمَلِكَ الجالِسِ عَلى سَرِيرِهِ، فَدَبَّرَ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِتَحْرِيكِ الأفْلاكِ، وتَسْيِيرِ الكَواكِبِ، وتَكْوِيرِ اللَّيالِي والأيّامِ.

ثُمَّ صَرَّحَ بِما هو فَذْلَكَةُ التَّقْرِيرِ ونَتِيجَتُهُ، فَقالَ تَعالى: " ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ " .

7:55Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

ثُمَّ أمَرَ بِأنْ يَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ مُتَذَلِّلِينَ، فَقالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الَّذِي قَدْ عَرَفْتُمْ شُئُونَهُ الجَلِيلَةَ.

﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾؛ أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، فَإنَّ الإخْفاءَ دَلِيلُ الإخْلاصِ.

﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يُحِبُّ دُعاءَ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ نُبِّهَ بِهِ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَجِبُ أنْ لا يَطْلُبَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، كَرُتْبَةِ الأنْبِياءِ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ.

وَقِيلَ: هو الصِّياحُ في الدُّعاءِ والإسْهابُ فِيهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ، وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ "، ثُمَّ قَرَأ: " ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾» " .

7:56Page 157

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بِبَعْثِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وشَرْعِ الأحْكامِ.

﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾؛ أيْ: ذَوِي خَوْفٍ نَظَرًا إلى قُصُورِ أعْمالِكم وعَدَمِ اسْتِحْقاقِكم، وطَمَعٍ نَظَرًا إلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ، ووُفُورِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ.

﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِنَ الإحْسانِ في الدُّعاءِ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ والطَّمَعِ، وتَذْكِيرُ قَرِيبٌ لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهٍ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ والصَّهِيلِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّذْكِيرَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، كَما أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.(p-234)

7:57Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقُرِئَ: ( الرِّيحَ ) .

﴿بُشْرًا﴾ تَخْفِيفُ بُشُرٍ جَمْعِ بَشِيرٍ؛ أيْ: مُبَشِّراتٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ بَشَرَهُ، بِمَعْنى باشِراتٍ أوْ لِلْبِشارَةِ، وقُرِئَ: ( نُشُرًا ) بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ جَمْعُ نَشُورٍ؛ أيْ: ناشِراتٍ، ونَشْرًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ بِمَعْنى ناشِراتٍ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، فَإنَّ الإرْسالَ والنَّشْرَ مُتَقارِبانِ.

﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قَدَّمَ رَحْمَتُهُ الَّتِي هي المَطَرُ

فِإنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ والشَّمالَ تَجْمَعُهُ ... والجَنُوبَ تَدُرُّهُ والدَّبُورَ تُفَرِّقُهُ.

﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾؛ أيْ: حَمَلَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ القِلَّةِ، فَإنَّ المُقِلَّ لِلشَّيْءِ يَسْتَقِلُّهُ.

﴿سَحابًا ثِقالا﴾ بِالماءِ، جَمَعَهُ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّحائِبِ.

﴿سُقْناهُ﴾؛ أيِ: السَّحابَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإفْرادِ اللَّفْظِ.

﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِ ولِمَنفَعَتِهِ، أوْ لِإحْيائِهِ، أوْ لِسَقْيِهِ، وقُرِئَ: ( مَيْتٍ ) .

﴿فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾؛ أيْ: بِالبَلَدِ، أوْ بِالسَّحابِ، أوْ بِالسَّوْقِ، أوْ بِالرِّيحِ، والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الماءِ وهو الظّاهِرُ، وإذا كانَ لِلْبَلَدِ فالباءُ لِلْإلْصاقِ في الأوَّلِ، والظَّرْفِيَّةِ في الثّانِي، وإذا كانَ لِغَيْرِهِ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ.

﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ أنْواعِها.

﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ الإشارَةُ إلى إخْراجِ الثَّمَراتِ، أوْ إلى إحْياءِ البَلَدِ المَيِّتِ؛ أيْ: كَما نُحْيِيهِ بِإحْداثِ القُوَّةِ النّامِيَةِ فِيهِ، وتَطْرِيَتِها بِأنْواعِ النَّباتِ والثَّمَراتِ، نُخْرِجُ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ، ونُحْيِيها بِرَدِّ النُّفُوسِ إلى مَوادِّ أبْدانِها، بَعْدَ جَمْعِها وتَطْرِيَتِها بِالقُوى والحَواسِّ.

﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ، فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى هَذا مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ.

7:58Page 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾؛ أيِ: الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ.

﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ كَثْرَةِ النَّباتِ وحُسْنِهِ وغَزارَةِ نَفْحِهِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ.

﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ قَلِيلًا عَدِيمَ النَّفْعِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: والبَلَدُ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ إلّا نَكِدًا، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا.

وَقُرِئَ: ( لا يَخْرُجُ إلّا نَكَدًا )؛ أيْ: لا يُخْرِجُهُ البَلَدُ إلّا نَكَدًا، فَيَكُونُ إلّا نَكِدًا مَفْعُولَهُ، وقُرِئَ: ( نَكَدًا ) عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: ذا نَكَدٍ، ونَكْدًا بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ.

﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ.

﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾؛ أيْ: نُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها.

﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَعْتَبِرُونَ بِها، وهَذا كَما تَرى مَثَلٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالشَّرائِعِ الَّتِي هي ماءُ حَياةِ القُلُوبِ إلى المُكَلَّفِينَ، المُنْقَسِمِينَ إلى المُقْتَبِسِينَ مِن أنْوارِها، والمَحْرُومِينَ مِن مَغانِمِ آثارِها.(p-235)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском