Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:85–94
7:85Page 161
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥
And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوعِيَ هَهُنا ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ؛ أيْ: وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ، وهم أوْلادُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شُعَيْبَ بْنَ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجَرَ بْنِ مَدْيَنَ.
وَقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ. وقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ يَثْرُونَ بْنِ مَدْيَنَ، وكانَ يُقالُ لَهُ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ، وكانُوا أهْلَ بَخْسٍ لِلْمَكايِيلِ والمَوازِينِ مَعَ كُفْرِهِمْ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ (p-247)عَلى سُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم ؟ فَقِيلَ: قالَ.
﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾؛ أيْ: مُعْجِزَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِلَةٌ لِفاعِلِهِ، مُؤَكِّدَةٌ لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن تَنْكِيرِهِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّكم، ومالِكِ أُمُورِكم.
وَلَمْ يُذْكَرْ مُعْجِزَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في القرآن العَظِيمِ، كَما لَمْ يُذْكَرْ أكْثَرُ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَمِنها ما رُوِيَ مِن مُحارَبَةِ عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّنِّينَ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ غَنَمَهُ، ومِنها وِلادَةُ الغَنَمِ الدُّرْعَ خاصَّةً حِينَ وعَدَ أنْ يَكُونَ لَهُ الدُّرْعُ مِن أوْلادِها، ومِنها وُقُوعُ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِهِ في المَرّاتِ السَّبْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُسْتَنْبَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقِيلَ: البَيِّنَةُ: مَجِيئُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾؛ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ نَيِّرٌ، عُبِّرَ بِهِما عَمّا آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ.
﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ﴾؛ أيِ: المِكْيالَ، كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِيزانَ﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ الآلَةُ، وإنْ جازَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا كالمِيعادِ. وقِيلَ: آلَةُ الكَيْلِ، والوَزْنُ عَلى الإضْمارِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى مَجِيءِ البَيِّنَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى اعْبُدُوا، فَإنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى مُوجِبَةٌ لِلِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي الَّتِي مُعْظَمُها بَعْدَ الكُفْرِ البَخْسُ الَّذِي كانُوا يُباشِرُونَهُ.
﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الَّتِي تَشْتَرُونَها بِهِما مُعْتَمِدِينَ عَلى تَمامِهِما، أيَّ شَيْءٍ كانَ، وأيَّ مِقْدارٍ كانَ، فَإنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ، والقَلِيلَ والكَثِيرَ.
وَقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ، قالَ زُهَيْرٌ:
أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ ... وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالكُفْرِ والحَيْفِ.
﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بَعْدَ ما أصْلَحَ أمْرَها وأهْلَها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بِإجْراءِ الشَّرائِعِ، أوْ أصْلَحُوا فِيها، وإضافَتُهُ إلَيْها كَإضافَةِ مَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ، ومَعْنى الخَيْرِيَّةِ: إمّا الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، أوْ في الإنْسانِيَّةِ وحُسْنِ الأُحْدُوثَةِ، وما يَطْلُبُونَهُ مِنَ التَّكَسُّبِ والرِّبْحِ؛ لِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوهم بِالأمانَةِ، رَغِبُوا في مُعامَلَتِهِمْ ومُتاجَرَتِهِمْ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي هَذا.
7:86Page 161
وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦
And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.
﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ. وصِراطُ الحَقِّ وإنْ كانَ واحِدًا، لَكِنَّهُ يَتَشَعَّبُ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ، وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ.
وَقِيلَ: كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى المَراصِدِ، فَيَقُولُونَ لِمَن يُرِيدُ شُعْيَبًا: إنَّهُ كَذّابٌ لا يَفْتِنَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، ويَتَوَعَّدُونَ لِمَن آمَنَ بِهِ، وقِيلَ: يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ.
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيِ: السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ المُظْهَرُ مَوْقِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ، ودَلالَةً عَلى عِظَمِ ما يَصُدُّونَ عَنْهُ، وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ، أوِ الإيمان باللَّهِ، أوْ بِكُلِّ صِراطٍ، عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُرُقِ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ، ولَوْ كانَ مَفْعُولَ " تُوعِدُونَ " لَقِيلَ: وتَصُدُّونَهم، وتُوعِدُونَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقْعُدُوا.
﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أيْ: وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِأنَّها مُعْوَجَّةٌ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ. (p-248)
﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ والمالِ.
﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم مِن عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، واعْتَبِرُوا بِهِمْ.
7:87Page 161
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧
And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."
﴿وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ.
﴿وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: بِهِ، أوْ لَمْ يَفْعَلُوا الإيمانَ.
﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ.
7:88Page 162
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨
Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذِهِ المَواعِظَ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ المُسْتَكْبِرُونَ، مُتَطاوِلِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْصاءِ عَلَيْهِ، والِامْتِناعِ مِنَ الطّاعَةِ لَهُ، بَلْ بالِغِينَ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ إلى أنْ قَصَدُوا اسْتِتْباعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما هم فِيهِ وأتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ، واجْتَرَءُوا عَلى إكْراهِهِمْ عَلَيْهِ بِوَعِيدِ النَّفْيِ، وخاطَبُوهُ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ.
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِنِسْبَةِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا وإلى المُؤْمِنِينَ ثانِيًا، بِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإخْراجِ، وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِيهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَكَ﴾ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ لا بِالإيمانِ، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ غايَةِ الوَقاحَةِ والطُّغْيانِ؛ أيْ: واللَّهِ لِنُخْرِجَنَّكَ وأتْباعَكَ.
﴿مِن قَرْيَتِنا﴾ بُغْضًا لَكم ودَفْعًا لِفِتْنَتِكُمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُساكَنَةِ والجِوارِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لِيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ البَتَّةَ، عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ هو العَوْدُ، وإنَّما ذُكِرَ النَّفْيُ والإجْلاءُ لِمَحْضِ القَسْرِ والإلْجاءِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ عَدَمُ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجَوابِ الإخْراجِ، كَأنَّهم قالُوا: لا نَدَعُكم فِيما بَيْنَنا حَتّى تَدْخُلُوا في مِلَّتِنا، وإدْخالُهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خِطابِ العَوْدِ مَعَ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِلَّتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، إنَّما هو بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ، وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: أوْ لَنُعِيدَنَّكم، عَلى طَرِيقَةِ ما قَبْلَهُ، لِما أنَّ مُرادَهم أنْ يَعُودُوا إلَيْها بِصُورَةِ الطَّواعِيَةِ، حِذارَ الإخْراجِ بِاخْتِيارِ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ، لا إعادَتُهم بِسائِرِ وُجُوهِ الإكْراهِ والتَّعْذِيبِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ؛ أيْ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وتَكْذِيبًا لَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ.
﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ باقِيًا عَلى حالِهِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " في مِثْلِ هَذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ، تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ مُلاحَظَةً قَصْدِيَّةً، إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ، بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ (p-249)بِالذّاتِ، أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ، أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ، بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ، وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ، أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ، أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى.
وَلِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ، ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها، الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها عِنْدَ تَعَدُّدِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ في الخَبَرِ المُوجَبِ والمَنفِيِّ، والأمْرِ والنَّهْيِ، كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ جَوادٌ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا، أوْ بَخِيلٌ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا، وكَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلَيْهِ ولَوْ أساءَ إلَيْكَ، ولا تُهِنْهُ ولَوْ أهانَكَ، لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ سالِمًا عَمّا يُغَيِّرُهُ.
وَأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ لِتَغَيُّرِهِ بِوُرُودِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الأصْلَ في الكُلِّ واحِدٌ، إلّا أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها، وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو نَفْسُ مَدْلُولِهِ، وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أوْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وأنَّ ما في حَيِّزِ " لَوْ " مُقَرَّرٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، لِما أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " مُتَعَلِّقَةٌ فِيهِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَذْكُورُ، وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو مَدْلُولُهُ لا مَدْلُولُ المَذْكُورِ، وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ لا مِن ضَمِيرِ المَذْكُورِ كَما سَيَأْتِي.
وَأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنْكارُ مَدْلُولِهِ مِن حَيْثُ مُقارَنَتُهُ لِلْحالَةِ المَذْكُورَةِ، وأمّا تَقْدِيرُ مُقارَنَتِهِ لِغَيْرِها فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ، وأنَّ ما في حَيِّزِ " لَوْ " لا يُقْصَدُ اسْتِبْعادُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ يُقْصَدُ الإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُقَرَّرٌ، إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الِاسْتِبْعادِ مُبالَغَةً في الإنْكارِ مِن جِهَةِ أنَّ العَوْدَ مِمّا يُنْكَرُ عِنْدَ كَوْنِ الكَراهَةِ أمْرًا مُسْتَبْعَدًا، فَكَيْفَ بِهِ عِنْدَ كَوْنِها أمْرًا مُحَقَّقًا ومُعامَلَةً مَعَ المُخاطَبِينَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ لِاسْتِنْزالِهِمْ مِن رُتْبَةِ العِنادِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكَراهَةِ مُجَرَّدَ كَراهَةِ المُؤْمِنِينَ لِلْعَوْدِ في مِلَّةِ الكُفْرِ ابْتِداءً، حَتّى يُقالَ: إنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم، فَكَيْفَ تَكُونُ مُسْتَبْعَدَةً عِنْدَهم، بَلْ إنَّما هي كَراهَتُهم لَهُ بَعْدَ وعِيدِ الإخْراجِ، الَّذِي جُعِلَ قَرِينًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا ...﴾ الآيَةَ، فَإنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَها ويَطْمَعُونَ في أنَّهم حِينَئِذٍ يَخْتارُونَ العَوْدَ خَشْيَةَ الإخْراجِ؛ إذْ رُبَّ مَكْرُوهٍ يُخْتارُ عِنْدَ حُلُولِ ما هو أشَدُّ مِنهُ وأفْظَعُ.
والتَّقْدِيرُ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ، ولَوْ كُنّا كارِهِينَ غَيْرَ مُبالِينَ بِالإكْراهِ؛ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، إذْ مَآلُهُ أنَعُودُ فِيها حالَ عَدَمِ الكَراهَةِ، وحالَ الكَراهَةِ إنْكارًا لِما تُفِيدُهُ كَلِمَتُهُمُ الشَّنِيعَةُ بِإطْلاقِها مِنَ العَوْدِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ، غَيْرَ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحالَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي أشَدُّ الأحْوالِ، مُنافاةً لِلْعَوْدِ وأكْثَرُها بُعْدًا مِنهُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ، وثِقَةً بِإغْنائِها عَنْ ذِكْرِ الأُولى إغْناءً واضِحًا؛ لِأنَّ العَوْدَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ حِينَ تَحَقَّقَ مَعَ الكَراهَةِ عَلى ما يُوجِبُهُ كَلامُهم؛ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ عَدَمِها أوْلى، إنْ قُلْتَ: النَّفْيُ المُسْتَفادُ مِنَ الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ صَرِيحِ النَّفْيِ.
وَلا رَيْبَ في أنَّ الأوْلَوِيَّةَ هُناكَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْيِ، ألا يُرى أنَّ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما ذُكِرَ مِن مِثالِ النَّفْيِ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها، أعْنِي: عَدَمَ الغِنى، هو عَدَمُ الإعْطاءِ لا نَفْسُهُ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما نَحْنُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الكَراهَةِ عَدَمُ العَوْدِ لا نَفْسُهُ، إذْ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُنا: أنَعُودُ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: لا نَعُودُ، فَلِمَ اخْتَلَفَ الحالُ بَيْنَهُما ؟
قُلْتُ: لِما أنَّ مَناطَ الأوْلَوِيَّةِ هو الحُكْمُ (p-250)الَّذِي أُرِيدَ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَلِكَ في مِثالِ النَّفْيِ عَدَمُ الإعْطاءِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المَذْكُورِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهو نَفْسُ العَوْدِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ، أعْنِي: قَوْلَهم: لَتَعُودُنَّ
وَأمّا الِاسْتِفْهامُ فَخارِجٌ عَنْهُ، وارِدٌ عَلَيْهِ لِإبْطالِ ما يُفِيدُهُ ونَفْيِ ما يَقْتَضِيهِ، لا أنَّهُ مِن تَمامِهِ كَما في صُورَةِ النَّفْيِ، وتَوْضِيحُهُ أنَّ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ فَرْقًا مَعْنَوِيًّا تَخْتَلِفُ بِهِ أحْكامُهُما، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنِ اعْتِبارِ الأوْلَوِيَّةِ في أحَدِهِما بِالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِهِ، وفي الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلَّقِهِ؛ ولِذَلِكَ لا تَسْتَقِيمُ إقامَةُ أحَدِهِما مُقامَ الآخَرِ عَلى وجْهِ الكُلِّيَّةِ، ألا يُرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ مَكانَ أنَعُودُ فِيها ... إلَخْ: لا نَعُودُ فِيها ولَوْ كُنّا كارِهِينَ، لاخْتَلَّ المَعْنى اخْتِلالًا فاحِشًا؛ لِأنَّ مَدْلُولَ الأوَّلِ نَفِيُ العَوْدِ المُقَيَّدِ بِحالِ الكَراهَةِ، ومَدْلُولَ الثّانِي تَقْيِيدُ العَوْدِ المَنفِيِّ بِها، وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ يُباشِرُ نَفْسَ الفِعْلِ ويَنْفِيهِ، وما يُذْكَرُ بَعْدَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مَنفِيٌّ، وأمّا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فَإنَّها تُباشِرُ الفِعْلَ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِما بَعْدَهُ، لِما أنَّ دَلالَتَها عَلى الإنْكارِ والنَّفْيِ لَيْسَتْ بِدَلالَةٍ وضْعِيَّةٍ كَدَلالَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، حَتّى يَتَعَلَّقَ مَعْناها بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، ويَكُونَ ما بَعْدَهُ راجِعًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مَنفِيٌّ، بَلْ هي دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما يُذْكَرُ بَعْدَ الفِعْلِ مِن مَوانِعِهِ ودَواعِي إنْكارِهِ ونَفْيِهِ حَتْمًا، لِيَكُونَ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْهَمْزَةِ عَنْ حَقِيقَتِها إلى مَعْنى الإنْكارِ والنَّفْيِ، ثُمَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ نَفْيَ الحُكْمِ عَلى كُلِّ حالٍ مَعَ الِاقْتِصادِ عَلى ذِكْرِ بَعْضٍ مِنها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما عَداها لِاسْتِلْزامِ تَحَقُّقِهِ مَعَهُ تَحَقُّقَهُ مَعَ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وكانَتْ حالُ الكَراهَةِ عِنْدَ كَوْنِها قَيْدًا لِنَفْسِ العَوْدِ كَذَلِكَ؛ أيْ: مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ، ضَرُورَةَ أنَّ تَحَقُّقَ العَوْدِ في حالِ الكَراهَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحَقُّقِهِ في حالِ عَدَمِها البَتَّةَ، وعِنْدَ كَوْنِها قَيْدًا لِنَفْيِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ أيْ: غَيْرَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِها، ضَرُورَةَ أنَّ نَفْيَ العَوْدِ في حالِ الكَراهَةِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ في غَيْرِها، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ فَإنَّ نَفْيَهُ في حالِ الإرادَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِهِ في حالِ الكَراهَةِ قَطْعًا، اسْتَقامَ الأوَّلُ لِإفادَتِهِ نَفْيَ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ما ذِكْرِ ما هو مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الأُخْرى.
وَلَمْ يَسْتَقِمِ الثّانِي لِعَدَمِ إفادَتِهِ إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، إنْ قِيلَ: فَما وجْهُ اسْتِقامَتِهِما جَمِيعًا عِنْدَ ذِكْرِ المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، حَيْثُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: لا نَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ، كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ ولَوْ كُنّا كارِهِينَ، مَعَ أنَّ المُقَدَّرَ في حُكْمِ المَلْفُوظِ؛ قُلْنا: وجْهُها أنَّ كُلًّا مِنهُما يُفِيدُ مَعْنًى صَحِيحًا في نَفْسِهِ، لا أنَّ مَعْنى أحَدِهِما عَيْنُ مَعْنى الآخَرِ، أوْ مُتَلازِمانِ مُتَّفِقانِ في جَمِيعِ الأحْكامِ، كَيْفَ لا ومَدْلُولُ الأوَّلِ أنَّ العَوْدَ مُنْتَفٍ في الحالَتَيْنِ، ومَدْلُولُ الثّانِي مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مُنْتَفٍ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ ذِكْرِهِما مَعًا، غَيْرَ أنَّ الثّانِيَ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ حالَةِ الكَراهَةِ عَلى عَكْسِ المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّهُ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِهِ فِيهِما مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ حالَةِ الإرادَةِ.
7:89Page 162
قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩
We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (p-251)أيْ: كَذِبًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم.
﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا عَظِيمًا، حَيْثُ نَزْعُمُ حِينَئِذٍ أنَّ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَنا أنَّ ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ باطِلٌ، وأنَّ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ حَقٌّ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ حُذِفَ عَنْهُ اللّامُ، تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا ... إلَخْ.
﴿وَما يَكُونُ لَنا﴾؛ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَنا.
﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَوْدِنا فِيها.
وَذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَكُونُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّنا﴾ فَإنَّ التَّعَرُّضَ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم مِمّا يُنْبِئُ عَنِ اسْتِحالَةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِارْتِدادِهِمْ قَطْعًا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾، فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى لَهم مِنها مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِعَوْدِهِمْ فِيها.
وَقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا. وقِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِذَلِكَ بَيانَ أنَّ العَوْدَ فِيها في حَيِّزِ الإمْكانِ وخَطَرِ الوُقُوعِ، بِناءً عَلى كَوْنِ مَشِيئَتِهِ تَعالى كَذَلِكَ، بَلْ بَيانَ اسْتِحالَةِ وُقُوعِها، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وهَيْهاتَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لَهُ.
﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَهو مُحِيطٌ بِكُلِّ ما كانَ وما يَكُونُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُ عِبادِهِ وعَزائِمُهم ونِيّاتُهم، وما هو اللّائِقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، فَمُحالٌ مِن لُطْفِهِ أنْ يَشاءَ عَوْدَنا فِيها بَعْدَ ما نَجّانا مِنها، مَعَ اعْتِصامِنا بِهِ خاصَّةً حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾؛ أيْ: في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ بِإنْجائِنا مِنَ الإشْراكِ بِالكُلِّيَّةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والجُؤارِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ إعْراضٌ عَنْ مُقاوَلَتِهِمْ إثْرَ ما ظَهَرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ، بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا، وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ لِفَصْلِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِما يَلِيقُ بِحالِ كُلِّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أيِ: احْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ، والفَتاحَةُ الحُكُومَةُ، أوْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْكَشِفَ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم، ويَتَمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ مِن فَتَحَ المُشْكِلَ إذا بَيَّنَهُ.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ.
7:90Page 162
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."
﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ﴾ ... " إلَخْ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ ودُونَهم في الرُّتْبَةِ، شَأْنُهُمُ الوَساطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ العامَّةِ، والقِيامُ بِأُمُورِهِمْ حَسْبَما يَراهُ المُسْتَكْبِرُونَ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِينَ، وتَغْيِيرُ الصِّلَةِ لِما أنَّ مَدارَ قَوْلِهِمْ هَذا هو الكُفْرُ، كَما أنَّ مَناطَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ هو الِاسْتِكْبارُ؛ أيْ: قالَ أشْرافُهُمُ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ لِأعْقابِهِمْ بَعْدَ ما شاهَدُوا صَلابَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ، وخافُوا أنْ يَسْتَنْبُوا قَوْمَهم تَثْبِيطًا لَهم عَنِ الإيمانِ بِهِ، وتَنْفِيرًا لَهم عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ واللَّهِ ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ ودَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَ آبائِكم.
﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾؛ أيْ: في الدِّينِ لِاشْتِرائِكُمُ الضَّلالَةَ بِهُداكم، أوْ في الدُّنْيا لِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ.
وَإذَنْ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ " إنَّ " وخَبَرِها، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ (p-252)جَوابَيِ الشَّرْطِ، والقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ.
7:91Page 162
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وهَكَذا في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾؛ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّها مِن مَبادِئِ الرَّجْفَةِ، فَأُسْنِدَ هَلاكُهم إلى السَّبَبِ القَرِيبِ تارَةً وإلى البَعِيدِ أُخْرى.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾؛ أيْ: في مَدِينَتِهِمْ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ .
﴿جاثِمِينَ﴾؛ أيْ: مَيِّتِينَ لازِمِينَ لِأماكِنِهِمْ لا بَراحَ لَهم مِنها.
7:92Page 162
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢
Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِشُؤْمِ قَوْلِهِمْ فِيما سَبَقَ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾، وعُقُوبَتِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ.
والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾؛ أيِ: اسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ وصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا بِقَرْيَتِهِمْ أصْلًا؛ أيْ: عُوقِبُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وصارُوا هُمُ المُخْرَجِينَ مِنَ القَرْيَةِ إخْراجًا لا دُخُولَ بَعْدَهُ أبَدًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِعُقُوبَةِ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ، وإعادَةُ المَوْصُولِ، والصِّلَةُ كَما هي، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ هو الَّذِي اسْتَوْجَبَ العُقُوبَتَيْنِ؛ أيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبُوا بِمَقالَتِهِمُ الأخِيرَةِ، فَصارُوا هُمُ الخاسِرِينَ لِلدُّنْيا والدِّينِ، لا المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهَذا القَصْرِ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْجائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ...﴾ إلَخْ.
7:93Page 162
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣
And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما هَلَكُوا، تَأسُّفًا بِهِمْ لِشِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أحْزَنُ حُزْنًا شَدِيدًا.
﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾؛ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لَيْسُوا أهْلَ حُزْنٍ، لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، أوْ قالَهُ اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ شِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: لَقَدْ بالَغْتُ في الإبْلاغِ والإنْذارِ، وبَذَلْتُ وُسْعِي في النُّصْحِ والإشْفاقِ، فَلَمْ تُصَدِّقُوا قَوْلِي، فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم، وقُرِئَ: ( أِيسى ) بِإمالَتَيْنِ.
7:94Page 162
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤
And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allāh].
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى بَيانِ أحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ، إثْرَ بَيانِ أحْوالِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ تَفْصِيلًا، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: مِن نَبِيٍّ كُذِّبَ، أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها.
﴿إلا أخَذْنا أهْلَها﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، و" أخَذْنا " في مَحَلِّ النَّصْبِ مِن فاعِلِ أرْسَلْنا، والفِعْلُ الماضِي لا يَقَعُ بَعْدَ " إلّا " إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ: إمّا تَقْدِيرُ " قَدْ " كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أوْ مُقارَنَةُ " قَدْ " كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا حالَ كَوْنِنا آخِذِينَ (p-253)أهْلَها.
﴿بِالبَأْساءِ﴾ بِالبُؤْسِ والفَقْرِ.
﴿والضَّرّاءِ﴾ بِالضُّرِّ والمَرَضِ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ الإرْسالِ مُقارِنٌ لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ بِالآخِرَةِ، لِاسْتِكْبارِهِمْ عَنِ اتِّباعِ نَبِيِّهِمْ وتَعَزُّزِهِمْ عَلَيْهِ، حَسْبَما فَعَلَتِ الأُمَمُ المَذْكُورَةُ.
﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ كَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، ويَحُطُّوا أرْدِيَةَ الكِبْرِ والعِزَّةِ عَنْ أكْتافِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences