Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:99–107
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿وَمِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ عَلى الإطْلاقِ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ﴾ أيْ: يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ عَلى وجْهِ الِاصْطِفاءِ والِادِّخارِ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ أيْ: يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿قُرُباتٍ﴾ أيْ: ذَرائِعَ إلَيْها، ولِلْإيذانِ بِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاخْتِصاصِ جُعِلَ كَأنَّهُ نَفْسُ القُرُباتِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنْواعِ القُرُباتِ أوْ أفْرادِها، وهي ثانِي مَفْعُولَيْ "يَتَّخِذُ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صِفَتُها أوْ ظَرْفٌ لِـ"يَتَّخِذُ" ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: وسائِلَ إلَيْها، فَإنَّهُ ﷺ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، ولِذَلِكَ سُنَّ لِلْمُصَدِّقِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَما فَعَلَهُ ﷺ حِينَ قالَ: ««اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»» فَإنَّ ذَلِكَ مَنصِبُهُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ في الفَرِيقِ الأخِيرِ - مَعَ أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في شَأْنِ اتِّخاذِ ما يُنْفِقانِهِ حالًا ومَآلًا، وأنَّ ذِكْرَ اتِّخاذِهِ ذَرِيعَةً إلى القُرُباتِ والصَّلَواتِ مُغْنٍ عَنِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ - لِكَمالِ العِنايَةِ بِإيمانِهِمْ، وبَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ الفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فاتِّصافُهم بِالكُفْرِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ صَرِيحًا.
﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شَهادَةٌ لَهم مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدُوهُ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ، والضَّمِيرُ لِما يُنْفَقُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ مَعَ ما مَرَّ مِن تَعَدُّدِهِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ المُغْنِي عَنِ الجَمْعِ، أيْ: قِرْبَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، وفي إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً وتَصْدِيرِها بِحَرْفَيِ التَّنْبِيةِ والتَّحْقِيقِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يُخْفِي، والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ كَوْنِها قُرْبَةً لَهم لِأنَّها الغايَةُ القُصْوى، وصَلَواتُ الرَّسُولِ مِن ذَرائِعِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ بِهِمْ، وتَفْسِيرٌ لِلْقُرْبَةِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وعَلا: ﴿ (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)﴾ وعِيدٌ لِلْأوَّلِينَ عَقِيبَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، والسِّينُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ وتَقَرُّرِهِ البَتَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَحَقُّقِ الوَعْدِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، قِيلَ: هَذا في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ وقَوْمِهِ، وقِيلَ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقِيلَ في أسْلَمَ وغِفارٍ وجُهَيْنَةَ.
وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ (p-97)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أسْلَمُ وغِفارٌ، وشَيْءٌ مِن جُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن تَمِيمٍ، وأسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وهَوازِنَ، وغَطَفانَ.»
9:100Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ ﴾ بَيانٌ لِفَضائِلِ أشْرافِ المُسْلِمِينَ إثْرَ بَيانِ فَضِيلَةِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا، أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿والأنْصارِ﴾ أهْلِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، والَّذِي آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى و"السّابِقُونَ".
﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ، والمُرادُ بِهِ: كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، وهُمُ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أوِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فالمُرادُ بِـ"السّابِقِينَ" جَمِيعُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومِن بَيانِيَّةٌ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيْ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِما نالُوهُ مِن رِضاهُ المُسْتَتْبِعِ لِجَمِيعِ المَطالِبِ طُرًّا ﴿وَأعَدَّ لَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وقُرِئَ (مِن تَحْتِها) كَما في سائِرِ المَواقِعِ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِبَيانِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في مَراتِبِ الفَضْلِ وعِظَمِ الدَّرَجَةِ مِن مُؤْمِنِي الأعْرابِ.
9:101Page 203
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ أهْلِ البادِيَةِ مِنهُمْ، أيْ: مِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم ﴿مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِما عُطِفَ عَلى خَبَرِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَهُ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا
والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، أيْ: تَمَهَّرُوا فِيهِ، مِن (مَرَنَ) فُلانٌ عَلى عَمَلِهِ و(مَرَدَ) عَلَيْهِ إذا (دَرِبَ) بِهِ و(ضَرِيَ) حَتّى لانَ عَلَيْهِ و(مَهَرَ) فِيهِ، غَيْرَ أنَّ (مَرَدَ) لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، فالتَّمَرُّدُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ شُمُولِ النِّفاقِ، وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ خاصٌّ بِمُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ وهو الأظْهَرُ والأنْسَبُ بِذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِ البادِيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي الأعْرابِ المُجاوِرِينَ لِلْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَمَرُّدِهِمْ، أيْ: لا تَعْرِفُهم أنْتَ لَكِنْ لا بِأعْيانِهِمْ وأسْمائِهِمْ وأنْسابِهِمْ، بَلْ بِعُنْوانِ نِفاقِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَهارَةِ في النِّفاقِ والتَّنَوُّقِ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ (p-98)والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ إلى مَبْلَغٍ يَخْفى عَلَيْكَ حالُهم - مَعَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عُلُوِّ الكَعْبِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في كَمالِ الفِطْنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ، وفي تَعْلِيقِ نَفْيِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحالِهِمْ - مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ، وإيماءٌ إلى أنَّ ما هم فِيهِ مِن صِفَةِ النِّفاقِ لِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيها صارَتْ بِمَنزِلَةِ ذاتِيّاتِهِمْ أوْ مُشَخَّصاتِهِمْ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ مَن لا يَعْرِفُهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ عالِمًا بِهِمْ، وحَمْلُ عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بِأعْيانِهِمْ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بَعْدَ مَجِيءِ هَذا البَيانِ - عَلى أنَّهُ، ﷺ يَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مُنافِقِينَ، لَكِنْ لا يَعْلَمُهم بِأعْيانِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ - عارٍ عَمّا ذُكِرَ مِنَ المُبالَغَةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في فَنِّ النِّفاقِ، أيْ: لا يَقِفُ عَلى سَرائِرِهِمُ المَرْكُوزَةِ في ضَمائِرِهِمْ إلّا مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطانِ الكُفْرِ وإظْهارِ الإخْلاصِ، وفي تَعْلِيقِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَعَلُّقِهِ بِحالِهِمْ - ما مَرَّ في تَعْلِيقِ نَفْيِهِ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، وتَحْقِيقٌ لِعَذابِهِمْ حَسْبَما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ مِن مُوجِباتِهِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ خَطِيبًا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ»» فَأخْرَجَ ناسًا وفَضَحَهُمْ، فَهَذا هو العَذابُ الأوَّلُ، والثّانِي إمّا القَتْلُ، وإمّا عَذابُ القَبْرِ، أوِ الأوَّلُ هو القَتْلُ، والثّانِي عَذابُ القَبْرِ، أوِ الأوَّلُ أخْذُ الزَّكاةِ لِما أنَّهم يَعُدُّونَها مَغْرَمًا بَحْتًا، والثّانِي نَهْكُ الأبْدانِ وإتْعابُها بِالطّاعاتِ الفارِغَةِ عَنِ الثَّوابِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ، أوِ النِّفاقِ المُؤَكَّدِ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"المَرَّتَيْنِ" مُجَرَّدَ التَّكْثِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أيْ: كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ هو عَذابُ النّارِ، وفي تَغْيِيرِ السَّبْكِ بِإسْنادِ عَذابِهِمُ السّابِقِ إلى نُونِ العَظَمَةِ - حَسَبَ إسْنادِ ما قَبْلَهُ مِنَ العِلْمِ وإسْنادِ رَدِّهِمْ إلى العَذابِ اللّاحِقِ إلى أنْفُسِهِمْ - إيذانٌ بِاخْتِلافِهِما حالًا، وأنَّ الأوَّلَ خاصٌّ بِهِمْ وُقُوعًا وزَمانًا يَتَوَلّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والثّانِيَ شامِلٌ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وُقُوعًا وزَمانًا، وإنِ اخْتَلَفَتْ طَبَقاتُ عَذابِهِمْ.
9:102Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿وَآخَرُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعِيفَةِ الهِمَمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى مُنافِقُونَ، أيْ: ومِنهم يَعْنِي: ومِمَّنْ حَوْلَكم ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الَّتِي هي تَخَلُّفُهم عَنِ الغَزْوِ وإيثارُ الدَّعَةِ عَلَيْهِ والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ، ونَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، ولَمْ يُخْفُوا ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، كَما فَعَلَهُ مَنِ اعْتادَ إخْفاءَ ما فِيهِ وإبْرازَ ما يُنافِيهِ مِنَ المُنافِقِينَ، الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَعاذِيرِ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ حَسَبَ دَيْدَنِهِمُ المَأْلُوفِ.
وَهم رَهْطٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ عِنْدَما بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ حَسَبَ عادَتِهِ الكَرِيمَةِ ورَآهم كَذَلِكَ، فَسَألَ عَنْ شَأْنِهِمْ فَقِيلَ: إنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى تَحُلَّهُمْ، فَقالَ ﷺ: ««وَأنا أُقْسِمُ أنْ لا أحُلَّهم حَتّى أُومِرَ فِيهِمْ»» فَنَزَلَتْ.
﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ هو ما سَبَقَ مِنهم مَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والخُرُوجِ إلى المَغازِي السّابِقَةِ وغَيْرِها، وما لَحِقَ مِنَ (p-99)الِاعْتِرافِ بِذُنُوبِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنْ هَذِهِ المَرَّةِ، وتَذَمُّمُهم ونَدامَتُهم عَلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُهُ بِالِاعْتِرافِ لا يُناسِبُ الخَلْطَ، لا سِيَّما عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِتَوارُدِ المُخْتَلِطَيْنِ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَخْلُوطًا ومَخْلُوطًا بِهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَبْدِيلُ الواوِ بِالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ فَإنَّ قَوْلَكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ يَقْتَضِي إيرادَ الماءِ عَلى اللَّبَنِ دُونَ العَكْسِ، وقَوْلَكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ مَعْناهُ: إيقاعُ الخَلْطِ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى اخْتِصاصِ أحَدِهِما بِكَوْنِهِ مَخْلُوطًا بِهِ، وتَرْكُ تِلْكَ الدَّلالَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ كُلٍّ مِنهُما مُتَّصِفًا بِالوَصْفَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِوُرُودِ كُلٍّ مِنَ العَمَلَيْنِ عَلى الآخَرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ أوَّلًا وآخِرًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ التَّوْبَةُ والإثْمُ، وقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِمْ بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى: شاةً بِدِرْهَمٍ.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمُ المَفْهُومَةَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ (عَسى) مِن وُجُوبِ القَبُولِ، فَإنَّها لِلْإطْماعِ الَّذِي هو مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ إيجابٌ وأيُّ إيجابٍ.
9:103Page 203
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ رُوِيَ «أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ ﷺ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا»» فَنَزَلَتْ.
فَلَيْسَتْ هي الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ لِكَوْنِها مَأْمُورًا بِها، ولِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أخَذَ مِنهُمُ الثُّلُثَ وتَرَكَ لَهُمُ الثُّلْثَيْنِ فَوَقَعَ ذَلِكَ بَيانًا لِما في (صَدَقَةً) مِنَ الإجْمالِ، وإنَّما هي كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا تَلَطَّخُوا بِهِ مِن أوْضارِ التَّخَلُّفِ، والتّاءُ لِلْخِطابِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في (خُذْ) أوْ صِفَةٌ لِـ(صَدَقَةً) والتّاءُ لِلْخِطابِ، أوْ لِلصَّدَقَةِ، والعائِدُ عَلى الأوَّلِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ (تُطْهِرُهُمْ) مِن أطْهَرِهِ بِمَعْنى طَهَّرَهُ.
﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ بِإثْباتِ الياءِ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ، أوْ في جَوابِهِ أيْ: وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها، أيْ: تُنْمِي بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ حَسَناتِهِمْ إلى مَراتِبِ المُخْلِصِينَ، أوْ أمْوالَهُمْ، أوْ تُبالِغُ في تَطْهِيرِهِمْ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ في (تُطَهِّرْهُمْ) وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَسَواءٌ جُعِلَتِ التّاءُ لِلْخِطابِ أوْ لِلصَّدَقَةِ، وكَذا إذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ الأُولى حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أوْ صِفَةً لِلصَّدَقَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، فالثّانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى حالًا وصْفَةً مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لِتَوْجِيهِ دُخُولِ الواوِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ وقُرِئَ (صَلَواتِكَ) مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْها، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِها، ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانُهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ والدُّعاءِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ لِما فَرَطَ مِنهُمْ، ومِنَ الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والدُّعاءِ، أوْ سَمِيعٌ يُجِيبُ دُعاءَكَ لَهُمْ، عَلِيمٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيلِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ، وعَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الآيَتَيْنِ مُحَقِّقٌ لِما فِيهِما.(p-100)
9:104Page 203
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ، والضَّمِيرُ إمّا لِلتّائِبِينَ فَهو تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِن قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وتَطْهِيرِ الصَّدَقَةِ، وتَزْكِيَتِها لَهُمْ، وتَقْرِيرٌ لِذَلِكَ، وتَوْطِينٌ لِقُلُوبِهِمْ بِبَيانِ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وأخْذِ صَدَقاتِهِمْ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْ أُسْنِدَ الأخْذُ والتَّطْهِيرُ والتَّزْكِيَةُ إلَيْهِ ﷺ أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ أُولَئِكَ التّائِبُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الصَّحِيحَةَ الخالِصَةَ ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ المُخْلِصِينَ فِيها، ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ "عَنْ"، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا أُولَئِكَ التّائِبُونَ، ووَضْعُ المُظْهَرِ في مَوْضِعِ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العِبادَةِ لِقَبُولِها، وإمّا كافَّةُ العِبادِ، وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًا.
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ صَدَقاتِهِمْ عَلى أنَّ اللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ جِنْسَ الصَّدَقاتِ المُنْدَرِجَ تَحْتَهُ صَدَقاتُهُمُ انْدِراجًا أوَّلِيًا، أيْ: هو الَّذِي يَتَوَلّى قَبُولَ التَّوْبَةِ وأخْذَ الصَّدَقاتِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ التَّطْهِيرِ والتَّزْكِيَةِ، وإنْ كُنْتَ أنْتَ المُباشِرَ لَها ظاهِرًا، وفِيهِ مِن تَقْرِيرِ ما ذُكِرَ ورَفْعِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ ما لا يَخْفى.
﴿وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما يُقَرِّرُهُ مَعَ زِيادَةِ مَعْنى لَيْسَ فِيهِ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ المُخْتَصُّ المُسْتَأْثِرُ بِبُلُوغِ الغايَةِ القُصْوى مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهُ وشَأْنٌ دائِمٌ، والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِـ"يَعْلَمُوا" بِسَدِّ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ، وإمّا لِغَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَمّا تِيبَ عَلى الأوَّلِينَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ فَما لَهُمْ؟! فَنَزَلَتْ.
أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا ما لِلتّائِبِينَ مِنَ الخِصالِ الدّاعِيَةِ إلى التَّكْرِمَةِ، والتَّقْرِيبِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ المُؤْمِنِينَ، والتَّلَقِّي بِحُسْنِ القَبُولِ والمُجالَسَةِ، فَهو تَرْغِيبٌ لَهم في التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
9:105Page 203
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ زِيادَةُ تَرْغِيبٍ لَهم في العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ التَّوْبَةُ، ولِلْأوَّلِينَ في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ لَهم - بَعْدَما بانَ لَهم شَأْنُ التَّوْبَةِ -: اعْمَلُوا ما تَشاءُونَ مِنَ الأعْمالِ، فَظاهِرُهُ تَرْخِيصٌ وتَخْيِيرٌ، وباطِنُهُ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وَرَسُولُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ في الخَبَرِ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ»» والمَعْنى: أنَّ أعْمالَكم غَيْرُ خافِيَةٍ عَلَيْهِمْ كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالرُّؤْيَةِ مَعْناها الحَقِيقِيَّ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها مَآلُها مِنَ الجَزاءِ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَهو خاصٌّ بِالدُّنْيَوِيِّ مِن إظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ والإعْزازِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأجْزِيَةِ وأضْدادِها.
﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن تَهْوِيلِ (p-101)الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الغَيْبِ في الذِّكْرِ لِسَعَةِ عالَمِهِ وزِيادَةِ خَطَرِهِ عَلى الشَّهادَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ، أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوسَةِ، والعِلْمُ بِالعِلَلِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولاتِ، فَوَجَبَ سَبْقُ العِلْمِ بِالغَيْبِ عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ الأعْمالِ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ فالتَّقْدِيمُ حِينَئِذٍ لِتَحْقِيقِ أنَّ نِسْبَةَ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالسِّرِّ والعَلَنِ واحِدَةٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لا لِإيهامِ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ، كَيْفَ لا وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِمَعْلُوماتِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأُمُورِ البارِزَةِ والكامِنَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ رُتْبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى رُتْبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو - أوْ مَبادِؤُهُ القَرِيبَةُ أوِ البَعِيدَةُ - مُضْمَرٌ قَبْلَ ذَلِكَ في القَلْبِ، فَتَعَلُّقُ علمه تعالى بِهِ في حالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِ في حالَتِهِ الثّانِيَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ عَقِيبَ الرَّدِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ المُمْتَدِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ بِذَلِكَ الجَزاءُ بِحَسَبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.
9:106Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وَآخَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى آخَرُونَ قَبْلَهُ، أيْ: ومِنَ المُتَخَلِّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ المَذْكُورِينَ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ وقُرِئَ (مُرْجَئُونَ) مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ، أيْ: أخَّرْتُهُ ومِنهُ المُرْجِئَةُ الَّذِينَ لا يَقْطَعُونَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، لَمْ يُسارِعُوا إلى التَّوْبَةِ والِاعْتِذارِ كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ مِن شَدِّ أنْفُسِهِمْ عَلى السَّوارِي، وإظْهارِ الغَمِّ والجَزَعِ والنَّدَمِ عَلى ما فَعَلُوا، فَوَقَفَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَهى أصْحابَهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ويُكَلِّمُوهُمْ، وكانُوا مِن أصْحابِ بَدْرٍ فَهَجَرُوهُمْ، والنّاسُ في شَأْنِهِمْ عَلى اخْتِلافٍ فَمِن قائِلٍ: هَلَكُوا، وقائِلٍ: عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهم فَصارُوا عِنْدَهم مُرْجَئِينَ لِأمْرِهِ تَعالى ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وقِيلَ: إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَيْسُوا مِنَ المُنافِقِينَ ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهم وصَحَّتْ تَوْبَتُهُمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: مِنهم هَؤُلاءِ إمّا مُعَذَّبِينَ وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آخَرُونَ مُبْتَدَأٌ ومُرْجَوْنَ صِفَتُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الإرْجاءِ وما بَعْدَهُ، وقُرِئَ (واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
9:107Page 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ، أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ؛ لِأنَّها قِصَّةٌ عَلى حِيالِها.
﴿ضِرارًا﴾ أيْ: مُضارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"اتَّخَذُوا"، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: يُضارُّونَ بِذَلِكَ ضِرارًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذُوا"، أيْ: مُضارِّينَ (p-102)لِلْمُؤْمِنِينَ.
رُوِيَ أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قُباءٍ بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُمْ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ في مَسْجِدِهِمْ فَلَمّا فَعَلَهُ ﷺ حَسَدَتْهم إخْوَتُهم بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ، ويُصَلِّي فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ أيْضًا، إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وهو الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاسِقَ، وقَدْ كانَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ يَوْمَئِذٍ ولّى هارِبًا إلى الشّامِ وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ: أنِ اسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ وآتٍ بِجُنُودٍ، ومُخْرِجٌ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَبَنَوْا مَسْجِدًا إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قُباءٍ، وقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ، فَقالَ ﷺ: ﴿إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغُلٍ، وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى صَلَّيْنا فِيهِ﴾ فَلَمّا قَفَلَ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ، فَدَعا بِمالِكِ بْنِ الدُّخْشَمِ، ومَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ، وعامِرِ بْنِ السَّكَنِ، ووَحْشِيٍّ، فَقالَ لَهُمُ: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ"، فَفَعَلُوا، وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ تُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ، وهَلَكَ أبُو عامِرٍ الفاسِقُ بِالشّامِ بِقِنَّسْرِينَ ﴿وَكُفْرًا﴾ تَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِ قُباءٍ مُجْتَمِعِينَ فَيَغَصُّ بِهِمْ فَأرادُوا أنْ يَتَفَرَّقُوا وتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ﴿وَإرْصادًا﴾ إعْدادًا وانْتِظارًا وتَرَقُّبًا ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهو الرّاهِبُ الفاسِقُ، أيْ: لِأجْلِهِ حَتّى يَجِيءَ فَيُصَلِّيَ فِيهِ ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"اتَّخَذُوا"، أيِ: اتَّخَذُوهُ مِن قَبْلُ أنْ يُنافِقُوا بِالتَّخَلُّفِ، حَيْثُ كانُوا بَنَوْهُ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوْ بِـ(حارَبَ) أيْ: حارَبَهُما قَبْلَ اتِّخاذِ هَذا المَسْجِدِ.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ ﴿إلا الحُسْنى﴾ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الصَّلاةُ وذِكْرُ اللَّهِ والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ، أوْ إلّا الإرادَةَ الحُسْنى ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمْ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences