Abu as-Su'udAt‑Tawbah · 9:18–27

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:18–27

9:18Page 189

إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨

The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

(p-51)﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في إيرادِ صِيغَةِ الجَمْعِ كَما مَرَّ فِيما مَرَّ، خَلا أنَّ إرادَةَ جَمِيعِ المَساجِدِ وإدْراجَ المَسْجِدِ الحَرامِ في ذَلِكَ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِمُقْتَضى الحالِ، فَإنَّ الإيجابَ لَيْسَ كالسَّلْبِ، وقَدْ قُرِئَ بِالإفْرادِ أيْضًا، والمُرادُ هَهُنا أيْضًا قَصْرُ تَحَقُّقِ العِمارَةِ ووُجُودِها عَلى المُؤْمِنِينَ لا قَصْرُ جَوازِها ولِياقَتِها، أيْ: إنَّما يَصِحُّ ويَسْتَقِيمُ أنْ يَعْمُرَها عِمارَةً يُعْتَدُّ بِها ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بِما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ عَلى ما عَلِمَ مِنَ الدِّينِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتْمًا، وقِيلَ: هو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمان باللَّهِ خاصَّةً، فَإنَّ أحَدَ جُزْأيْ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ عِلْمٌ لِلْكُلِّ، أيْ: إنَّما يَعْمُرُها مَن جَمَعَ هَذِهِ الكِمالاتِ العِلْمِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ، والمُرادُ بِالعِمارَةِ ما يَعُمُّ مَرَمَّةَ ما اسْتَرَمَّ مِنها، وقَمَّها، وتَنْظِيفَها، وتَزْيِينَها بِالفُرُشِ، وتَنْوِيرَها بِالسُّرُجِ، وإدامَةَ العِبادَةِ والذِّكْرِ، ودِراسَةَ العُلُومِ فِيها، ونَحْوَ ذَلِكَ، وصِيانَتَها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا.

وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ».»

وَقالَ ﷺ: ««قالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي، فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرِهِ».»

وَعَنْهُ ﷺ: ««مَن ألِفَ المَسْجِدَ ألِفَهُ اللَّهُ تَعالى».»

وَقالَ ﷺ: ««إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ».»

وَعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ««مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْءُهُ».»

﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ فَعَمِلَ بِمُوجِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ غَيْرَ آخِذٍ لَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا خَشْيَةُ ظالِمٍ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ الخَشْيَةِ عِنْدَ القِتالِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وَأمّا الخَوْفُ الجِبِلِّيُّ مِنَ الأُمُورِ المَخُوفَةِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ، ولا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ والخِطابِ، وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم.

﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ إلى مَباغِيهِمْ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها مِن فُنُونِ المَطالِبِ العَلِيَّةِ، وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ السَّنِيَّةِ في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يَحْسَبُونَ أنَّهم في ذَلِكَ مُحْسِنُونَ، ولِتَوْبِيخِهِمْ بِقَطْعِهِمْ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِن هَذِهِ الكِمالاتِ - إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى - فَما بالُ الكَفَرَةِ وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهُمْ؟! وفِيهِ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَرْغِيبٌ لَهم في تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاعْتِذارِ بِاللَّهِ تَعالى.

9:19Page 189

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ لا يُتَصَوَّرُ تَشْبِيهُهُما بِالأعْيانِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ (p-52)الجانِبَيْنِ، أيْ: أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ... إلَخْ؟ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ) أوْ (أجَعَلْتُمُوها كَإيمانِ مَن آمَنَ)... إلَخْ.

وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو المُتَبادَرُ مِن تَخْصِيصِ ذِكْرِ الإيمانِ بِجانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ ونَحْوِهِما عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ ونَظائِرِهِما، وهو المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ لِلْفَرِيقِ الثّانِي، وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ، وجَعْلُ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لا يُجْدِي كَثِيرَ نَفْعٍ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ أيْضًا، أمّا عَلى الأوَّلِ فَهو تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ، ومَدارُهُ عَلى إنْكارِ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ - مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورِينَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ - بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ، وأمّا اعْتِبارُ مُقارَنَتِهِما لَهُ - كَما قِيلَ - فَيَأْباهُ المَقامُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ آنِفًا حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ بِالمَرَّةِ؟! وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِما بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رَدُّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ التَّنْزِيلِيُّ، ولَوِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن تَشْبِيهِ المَعْدُومِ بِالمَوْجُودِ.

فالمَعْنى: أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ، أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ بَيْنِهِما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ - وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ - لَكِنَّهُما - وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ - بِمَعْزِلٍ عَنْ صَلاحِيَّةِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ، أوْ يُشَبَّهَ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ مِن حَيْثُ اتِّصافُ كُلٍّ مِنهُما بِوَصْفَيْهِما، ومِن ضَرُورَتِهِ عَدَمُ التَّساوِي بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبَيْنَ الآخِرَيْنِ؛ لِأنَّهُ المَدارُ في التَّفاوُتِ بَيْنَ المَوْصُوفَيْنِ، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارِ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ - مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ إنَّما هي الأفْضَلِيَّةُ دُونَ التَّساوِي والتَّشابُهِ - لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ نَفْيَ التَّساوِي والتَّشابُهِ نَفْيٌ لِلْأفْضَلِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ المَذْكُورِ وتَأْكِيدِهِ، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولَيِ الجَعْلِ، والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسَوَّيْتُمْ بَيْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَفاوِتِينَ عِنْدَهُ تَعالى؟!

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مَعَ ظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ ضالُّونَ في هَذا الجَعْلِ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وتَمْيِيزِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ، وظالِمُونَ بِوَضْعِ كُلٍّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِعَدَمِ التَّساوِي بَيْنَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

9:20Page 189

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ (p-53)لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ، وضَلالِ المُشْرِكِينَ وظُلْمِهِمْ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ، لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، أيْ: هم بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِها كائِنًا مَن كانَ، وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِنَ الكِمالاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها السِّقايَةُ والعِمارَةُ.

﴿وَأُولَئِكَ﴾ أيِ: المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الرِّفْعَةِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ، أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ، كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ، وأمّا عَلى الثّانِي فَهو تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ.

رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا قالَ لِلْعَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بَعْدَ إسْلامِهِ: يا عَمِّ ألا تُهاجِرُونَ؟ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ؛ أسْقِي حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ، وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، فَلَمّا نَزَلَتْ قالَ: ما أُرانِي إلّا تارِكَ سِقايَتَنا، فَقالَ ﷺ: ««أقِيمُوا عَلى سِقايَتِكُمْ، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا».»

وَرَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ – فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ اسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَدَخَلَ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَذِهِ الآيَةَ.

والمَعْنى: أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والرِّفْعَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ، أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ في جانِبِ المُشَبَّهِ - مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا - تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ، وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يُتْرَكْ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا؛ تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ، وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ، ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ، ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ - ظاهِرٌ، وكَذا أعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فالمُرادُ بِهِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لَهم إلى مَعْرِفَةِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ، وظُلْمُهم بِوَضْعِ كُلٍّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، ولا الظُّلْمُ عُمُومًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ المُطْلَقِ ادِّعاءٌ كَما مَرَّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

9:21Page 190

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿رَبُّهم بِرَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ كَبِيرٍ ﴿وَجَنّاتٍ﴾ عالِيَةٍ ﴿لَهم فِيها﴾ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ نِعَمٌ لا نَفادَ لَها، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية تَأْكِيدٌ لِلْمُبَشَّرِ بِهِ وتَرْبِيَةٌ لَهُ.

9:22Page 190

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنّاتِ ﴿أبَدًا﴾ تَأْكِيدٌ لِلْخُلُودِ؛ لِزِيادَةِ تَوْضِيحِ المُرادِ بِهِ، إذْ قَدْ يُرادُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا قَدْرَ عِنْدَهُ لِأجُورِ الدُّنْيا، أوْ لِلْأعْمالِ الَّتِي في مُقابَلَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

(p-54)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَهْيٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ عَنْ مُوالاةِ فَرْدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بِقَضِيَّةِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجُمَعِ المُوجِبَةِ لِانْقِسامِ الآحادِ إلى الآحادِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ لا عَنْ مُوالاةِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ النَّظْمِ دِلالَةً لا عِبارَةً.

والآيَةُ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ، فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشِيرَتَنا، وذَهَبْتْ تِجاراتُنا، وهَلَكَتْ أمْوالُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، وبَقِينا ضائِعِينَ، فَنَزَلَتْ، فَهاجَرُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْتِيهِ ابْنُهُ، أوْ أبُوهُ، أوْ أخُوهُ، أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ولا يُنْزِلُهُ ولا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ نَهْيًا عَنْ مُوالاتِهِمْ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا يَطْعَمُ أحَدُكم طَعْمَ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ، ويُبْغِضَ في اللَّهِ، حَتّى يُحِبَّ في اللَّهِ أبْعَدَ النّاسِ مِنهُ، ويُبْغِضَ في اللَّهِ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ».»

﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ﴾ أيِ: اخْتارُوهُ ﴿عَلى الإيمانِ﴾ وأصَرُّوا عَلَيْهِ إصْرارًا لا يُرْجى مَعَهُ الإقْلاعُ عَنْهُ أصْلًا، وتَعْلِيقُ النَّهْيِ عَنِ المُوالاةِ بِذَلِكَ لِما أنَّها قَبْلَ ذَلِكَ رُبَّما تُؤَدِّي بِهِمْ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ شُعُورِهِمْ بِمَحاسِنِ الدِّينِ.

﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ: واحِدًا مِنهم - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - وإفْرادُ الضَّمِيرِ في الفِعْلِ لِمُراعاةِ لَفْظِ المَوْصُولِ، ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ، لا أنَّ المُرادَ تَوَلِّي فَرْدٍ واحِدٍ، وكَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ لِلْجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُتَوَلُّونَ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، كَأنَّ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ كَلا ظُلْمٍ عِنْدَ ظُلْمِهِمْ.

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وأمْرٌ لَهُ ﷺ بِأنْ يُثَبِّتَ المُؤْمِنِينَ، ويُقَوِّيَ عَزائِمَهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن مُوالاةِ الآباءِ والإخْوانِ، ويُزَهِّدَهم فِيهِمْ، وفِيمَن يَجْرِي مَجْراهم مِنَ الأبْناءِ والأزْواجِ، ويَقْطَعَ عَلائِقَهم عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا وزِينَتِها عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّرْهِيبِ.

﴿إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكُمْ﴾ لَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ فِيما سَلَفَ؛ لِأنَّ مُوالاةَ الأبْناءِ والأزْواجِ غَيْرُ مُعْتادٍ بِخِلافِ المَحَبَّةِ ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيْ: أقْرِباؤُهم مَأْخُوذٌ مِنَ العِشْرَةِ، أيِ: الصُّحْبَةِ، وقِيلَ: مِنَ العَشَرَةِ فَإنَّهم جَماعَةٌ تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ كَعَقْدِ العِشْرَةِ، وقُرِئَ (عَشِيراتُكم وعَشائِرُكُمْ) ﴿وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ: اكْتَسَبْتُمُوها، وإنَّما وُصِفَتْ بِذَلِكَ إيماءً إلى عِزَّتِها عِنْدَهم لِحُصُولِها بِكَدِّ اليَمِينِ ﴿وَتِجارَةٌ﴾ أيْ: أمْتِعَةٌ اشْتَرَيْتُمُوها لِلتِّجارَةِ والرِّبْحُ ﴿تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ بِفَواتِ وقْتِ رَواجِها بِغَيْبَتِكم عَنْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ في أيّامِ المَوْسِمِ ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها مِنَ الدُّورِ والبَساتِينِ، والتَّعَرُّضُ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى مَحَبَّةِ ما ذُكِرَ (p-55)مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، لَيْسَ لِتَناسِي ما فِيها مِن مَبادِئِ المَحَبَّةِ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها، وأنَّها مَعَ ما لَها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يُؤْثَرَ حُبُّها عَلى حُبِّهِ تَعالى وحُبِّ رَسُولِهِ ﷺ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ .

﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِالحُبِّ الِاخْتِيارِيِّ المُسْتَتْبِعِ لِأثَرِهِ، الَّذِي هو المُلازَمَةُ وعَدَمُ المُفارَقَةِ، لا الحُبُّ الجِبِلِّيُّ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ، فَإنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ التَّكْلِيفِ الدّائِرِ عَلى الطّاقَةِ ﴿وَجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ نُظِمَ حُبُّهُ في سِلْكِ حُبِّ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وحُبِّ رَسُولِهِ ﷺ تَنْوِيهًا لِشَأْنِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحَبَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكْرَهَ، وإيذانًا بِأنَّ مَحَبَّتَهُ راجِعَةٌ إلى مَحَبَّتِهِما، فَإنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ قِتالِ أعْدائِهِما لِأجْلِ عَداوَتِهِمْ، فَمَن يُحِبُّهُما يَجِبُ أنْ يُحِبَّ قِتالَ مَن لا يُحِبُّهُما ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: هي عُقُوبَةٌ عاجِلَةٌ أوْ آجِلَةٌ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، أوِ القَوْمَ الفاسِقِينَ كافَّةً، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمْ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًا، أيْ: لا يُرْشِدُهم إلى ما هو خَيْرٌ لَهُمْ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الوَعِيدِ ما لا يَكادُ يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا مَن تَدارَكَهُ لُطْفٌ مِن رَبِّهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

9:25Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً ﴿فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ مِنَ الحُرُوبِ، وهي مَواقِعُها ومَقاماتُها، والمُرادُ بِها: وقَعاتُ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ (فِي مَواطِنَ) بِحَذْفِ المُضافِ في أحَدِهِما، أيْ: ومَوْطِنِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أوْ في أيّامِ مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ لِلْإيماءِ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن قِلَّةِ الثَّباتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وقِيلَ المُرادُ بِـ"المَوْطِنِ" الوَقْتُ كَمَقْتَلِ الحُسَيْنِ، وقِيلَ: (يَوْمَ حُنَيْنٍ) مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (نَصَرَكُمُ) أيْ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ.

﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ حَنِينٍ) ولا مَنعَ فِيهِ مِن عَطْفِهِ عَلى مَحَلِّ الظَّرْفِ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَثْرَةٌ ولا إعْجابٌ، إذْ لَيْسَ مِن قَضِيَّةِ العَطْفِ مُشارَكَةُ المَعْطُوفَيْنِ فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ المَعْطُوفُ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

وَحُنَيْنٌ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، كانَتْ فِيهِ الوَقْعَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ - وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا؛ عَشَرَةُ آلافٍ مِنهم مَن شَهِدَ فَتَحَ مَكَّةَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ - وبَيْنَ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ فِيمَن ضامَّهم مِن أمْدادِ سائِرِ العَرَبِ، وكانُوا الجَمَّ الغَفِيرَ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ الأنْصارِيُّ -: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاقْتَتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا، فانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ وخَلَّوُا الذَّرارِيَّ، فَأكَبَّ المُسْلِمُونَ عَلى الغَنائِمِ، فَتَنادى المُشْرِكُونَ: يا حُماةَ السُّوءِ، اذْكُرُوا الفَضائِحَ، فَتَراجَعُوا، فَأدْرَكَتِ المُسْلِمِينَ كَلِمَةُ الإعْجابِ فانْكَشَفُوا، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ والإغْناءُ إعْطاءُ ما يُدْفَعُ بِهِ الحاجَةُ، أيْ: لَمْ تُعْطِكم تِلْكَ الكَثْرَةُ ما تَدْفَعُونَ بِهِ حاجَتَكم شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحْبِها وسَعَتِها عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: لا تَجِدُونَ فِيها مَفَرًّا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نُفُوسُكم مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ، ولا تَثْبُتُونَ فِيها كَمَن لا يَسَعُهُ مَكانٌ.

﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ (p-56)بَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ، وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا عَمُّهُ العَبّاسُ آخِذًا بِلِجامِ بَغْلَتِهِ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ آخِذًا بِرِكابِهِ، وهو يَرْكُضُ البَغْلَةَ نَحْوَ المُشْرِكِينَ، وهو يَقُولُ: «أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ».»

رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَحْمِلُ عَلى الكُفّارِ، فَيَفِرُّونَ، ثُمَّ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ، فَيَقِفُ لَهُمْ، فَعَلَ ذَلِكَ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، قالَ العَبّاسُ: كُنْتُ أكُفَّ البَغْلَةَ لِئَلّا تُسْرِعَ بِهِ نَحْوَ المُشْرِكِينَ، وناهِيكَ بِهَذِهِ الواحِدَةِ شَهادَةَ صِدْقٍ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ في الشَّجاعَةِ ورِباطَةِ الجَأْشِ سَبّاقًا لِلْغاياتِ القاصِيَةِ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا لِكَوْنِهِ مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: يا رَبِّ ائْتِنِي بِما وعَدْتَنِي، وقالَ لِلْعَبّاسِ - وكانَ صَيِّتًا -: صِحْ بِالنّاسِ، فَنادى الأنْصارَ فَخْذًا فَخْذًا، ثُمَّ نادى يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَرُّوا عَنَقًا واحِدًا وهم يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

9:26Page 190

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: رَحْمَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ بِها القُلُوبُ، وتَطْمَئِنُّ إلَيْها اطْمِئْنانًا كُلِّيًا مُسْتَتْبِعًا لِلنَّصْرِ القَرِيبِ، وأمّا مُطَلَّقُ السَّكِينَةِ فَقَدْ كانَتْ حاصِلَةٌ لَهُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا.

﴿وَعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى رَسُولِهِ، وتَوْسِيطُ الجارِّ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، أيِ: المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وقِيلَ: عَلى الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ عَلى الكُلِّ، وهو الأنْسَبُ، ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الإيمانِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الإنْزالِ.

﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ أيْ: بِأبْصارِكم كَما يَرى بَعْضُكم بَعْضًا، وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلَيْهِمُ البَياضُ عَلى خُيُولٍ بُلْقٍ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: هَكَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ، فَأخَذَ كَفًّا مِنَ التُّرابِ فَرَمى بِهِ نَحْوَ المُشْرِكِينَ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدًا إلّا امْتَلَأتْ بِهِ عَيْناهُ، ثُمَّ قالَ ﷺ: ««انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ».»

واخْتَلَفُوا في عَدَدِ المَلائِكَةِ يَوْمَئِذٍ، فَقِيلَ: خَمْسَةُ آلافٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وقِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وفي قِتالِهِمْ أيْضًا فَقِيلَ: قاتَلُوا، وقِيلَ: لَمْ يُقاتِلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإنَّما كانَ نُزُولُهم لِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِإلْقاءِ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ، وتَأْيِيدِهِمْ بِذَلِكَ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ، فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْتافَنا.

﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ﴿وَذَلِكَ﴾ أيْ: ما فُعِلَ بِهِمْ مِمّا ذُكِرَ ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ﴾ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ مِنهم لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: يُوَفِّقُهُ لِلْإسْلامِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَمّا سَلَفَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿رَحِيمٌ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ويُثِيبُهم.

رُوِيَ «أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وبايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّ النّاسِ، وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا، وأُخِذَتْ أمْوالُنا، قِيلَ: سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ، وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى، فَقالَ ﷺ: «إنَّ عِنْدِي ما تَرَوْنَ إنَّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ اخْتارُوا (p-57)إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكُمْ، وإمّا أمْوالَكُمْ»» قالُوا: ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ««إنَّ هَؤُلاءِ جاءُونا مُسْلِمِينَ، وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ، ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ فَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ، قالُوا: قَدْ رَضِينا وسَلَّمْنا، فَقالَ ﷺ: إنّا لا نَدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى، فَمُرُوا عُرَفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْنا»» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ العُرَفاءُ أنَّهم قَدْ رَضُوا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском