Abu as-Su'udAl‑Hijr · 15:56–86

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:56–86

15:56Page 265

قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ﴾ ؟! اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ: لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ، والصَّوابِ فَلا يَعْرِفُونَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ، وكَمالَ عِلْمِهِ وقدرته، كَما قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ. ومُرادُهُ نَفْيُ القُنُوطِ عَنْ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، أيْ: لَيْسَ بِي قُنُوطٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما الَّذِي أقُولُ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِي لِفَيَضانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ عَلَيَّ. وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ النُّونِ وبِكَسْرِها مِن قَنَطَ بِالفَتْحِ ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُفاوَضَةُ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً، بَلْ مَعَ سارَّةَ أيْضًا حَسْبَما شُرِحَ في سُورَةِ هُودٍ. ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ هُناكَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ هَهُنا.

15:57Page 265

قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٧

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ قَوْلِهِ السّابِقِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: أمْرُكم وشَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ بَيْنَهُما مَقالَةً مَطْوِيَّةً لَهم أُشِيرَ بِهِ إلى مَكانِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ... الآيَةَ. فَإنَّ قَوْلَهُ الأخِيرَ لَيْسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ الأوَّلِ، بَلْ هو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ " فَإنَّ تَوْسِيطَ. قالَ: بَيْنَ قَوْلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ، وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ، بَلْ غَيْرِهِ، ثُمَّ خِطابُهُ لَهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَعْدَ ما كانَ خِطابُهُ السّابِقُ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقالَتَهُمُ المَطْوِيَّةَ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً لِبَيانِ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا، فَكَأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُكم مُجَرَّدَ البِشارَةِ، فَماذا هُوَ؟ فَلا حاجَةَ إلى الِالتِجاءِ إلى أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ كُلَّ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةَ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا ذَوِي عَدَدٍ. والبِشارَةُ لا تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، ولِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِالواحِدِ في زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَرْيَمَ، ولا إلى أنَّهم بَشَّرُوهُ في تَضاعِيفِ الحالِ لِإزالَةِ الوَجَلِ، ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَءُوا بِها فَتَأمَّلْ.

15:58Page 265

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٥٨

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ لَكِنْ وُصِفُوا بِالإجْرامِ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ذَمًّا لَهُمْ، واسْتِهانَةً بِهِمْ.

15:59Page 265

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٩

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، أيْ: إلى قَوْمٍ أجْرَمُوا جَمِيعًا، إلّا آلَ لُوطٍ. فالقَوْمُ والإرْسالُ شامِلانِ لِلْمُجْرِمِينَ وغَيْرِهِمْ، والمَعْنى: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ أجْرَمَ كُلُّهم إلّا آلَ لُوطٍ لِنُهْلِكَ الأوَّلِينَ، ونُنَجِّيَ الآخَرِينَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ أيْ: لُوطًا، وآلَهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ أيْ: مِمّا يُصِيبُ القَوْمَ، فَإنَّهُ (p-83)اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ لِعَدَمِ إجْرامِهِمْ، أوْ لِبَيانِ ما فُهِمَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مِن مُطْلَقِ عَدَمِ شُمُولِ العَذابِ لَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكَوْنِ حالِهِمْ بَيْنَ بَيْنَ، أوْ لِتَعْلِيلِهِ فَإنَّ مَن تَعَلَّقَ بِهِمُ التَّنْجِيَةُ بِمَنجًى مِن شُمُولِ العَذابِ، أوْ مُنْقَطِعٌ مِن قَوْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا لَمُنَجُّوهُمْ" مُتَّصِلٌ بِآلَ لُوطٍ جارٍ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى:

15:60Page 265

إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠

Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1

﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن آلِ لُوطٍ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ. وعَلى الأوَّلِ مِنَ الضَّمِيرِ خاصَّةً لِاخْتِلافِ الحُكْمَيْنِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ اعْتِراضًا. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ.

﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ الباقِينَ مَعَ الكَفَرَةِ لِتُهْلَكَ مَعَهم. وقُرِئَ: (قَدَرْنا) بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما عُلِّقَ فِعْلُ التَّقْدِيرِ مَعَ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِأفْعالِ القُلُوبِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى قُلْنا؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ قَوْلٌ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ، وإسْنادُهم لَهُ إلى أنْفُسِهِمْ، وهو فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ الزُّلْفى والِاخْتِصاصِ.

15:61Page 265

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١

And when the messengers came to the family of Lot,

﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ إهْلاكِ المُجْرِمِينَ، وتَنْجِيَةِ آلِ لُوطٍ حَسْبَما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ، ثُمَّ فُصِّلَ في التَّعْلِيلِ نَوْعَ تَفْصِيلٍ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهم لِتَحْقِيقِ ما أُرْسِلُوا بِهِ مِنَ الإهْلاكِ والتَّنْجِيَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ابْتِداءَ مَجِيئِهِمْ، بَلْ مُطْلَقُ كَيْنُونَتِهِمْ عِنْدَ آلِ لُوطٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

15:62Page 265

قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٦٢

He said, "Indeed, you are people unknown."

﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إنَّما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ لِما لَمْ يُشاهِدْ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ مَقاساتِهِ الشَّدائِدَ، ومُعاناتِهِ المَكايِدَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِهِمْ ما يُرِيدُونَ ما هو المَعْهُودُ، والمُعْتادُ مِنَ الإعانَةِ، والإمْدادِ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ عِنْدَ تَجَشُّمِهِ في تَخْلِيصِهِمْ إنْكارًا لِخِذْلانِهِمْ لَهُ، وتَرْكِ نُصْرَتِهِ في مِثْلِ تِلْكَ المُضايَقَةِ المُعْتَرِيَةِ لَهُ بِسَبَبِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مُباشِرِينَ مَعَهُ لِأسْبابِ المُدافَعَةِ، والمُمانَعَةِ حَتّى ألْجَأتْهُ إلى أنْ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ، لا أنَّهُ قالَهُ عِنْدَ ابْتِداءِ وُرُودِهِمْ لَهُ خَوْفًا أنْ يَطْرُقُوهُ بِشَرٍّ، كَما قِيلَ: كَيْفَ لا، وهم بِجَوابِهِمُ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى:

15:63Page 265

قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ فَيَمْتَرُونَ فِيهِ، ويُكَذِّبُونَكَ، قَدْ قَشَرُوا العَصا، وبَيَّنُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَلِيَّةَ الأمْرِ؟ فَأنّى يُمْكِنُ أنْ يَعْتَرِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ المَساءَةُ، وضِيقُ الذَّرْعِ؟ ولَيْسَتْ كَلِمَةُ "بَلْ" إضْرابًا عَنْ مُوجَبِ الخَوْفِ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى ما جِئْناكَ بِما تُنْكِرُنا لِأجْلِهِ بَلْ بِما يَسُرُّكَ وتَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، بَلْ هي إضْرابٌ عَمّا فَهِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَرْكِ النُّصْرَةِ لَهُ. والمَعْنى: ما خَذَلْناكَ، وما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَهم بَلْ جِئْناكَ بِما يُدَمِّرُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَكَ حِينَ كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ. ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ المُجادَلَةِ لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ بِشارَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإهْلاكِ (p-84)قَوْمِهِ، وتَنْجِيَةِ آلِهِ عَقِيبَ ذِكْرِ بِشارَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِما، وحَيْثُ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّجاةِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِها أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما فَعَلَ القَوْمُ، وما فُعِلَ بِهِمْ. ولَمْ يُبالِ بِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ ثِقَةً بِمُراعاتِهِ في مَواقِعَ أُخَرَ، ونِسْبَةُ المَجِيءِ بِالعَذابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ نازِلٌ بِالقَوْمِ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ لا بِطْرِيقِ نُزُولِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهم جاءُوهُ، وفَوَّضُوا أمْرَهُ إلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ.

15:64Page 265

وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

﴿وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِاليَقِينِ الَّذِي لا مَجالَ فِيهِ لِلِامْتِراءِ والشَّكِّ، وهو عَذابُهم عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الِامْتِراءِ عَنْهُ، أوِ المُرادُ بِالحَقِّ: الإخْبارُ بِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، أيْ: أتَيْناكَ فِيما قُلْنا بِالخَبَرِ الحَقِّ، أيِ: المُطابِقِ لِلْواقِعِ. وإنّا لَصادِقُونَ في ذَلِكَ الخَبَرِ، أوْ في كُلِّ كَلامٍ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْكِيدٌ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

15:65Page 265

فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ شُرُوعٌ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ النَّجاةِ، أيِ اذْهَبْ بِهِمْ في اللَّيْلِ. وقُرِئَ: بِالوَصْلِ. وكِلاهُما مِنَ السُّرى: وهو السَّيْرُ في اللَّيْلِ، وقُرِئَ: فَـ (سِرْ) مِنَ السَّيْرِ.

﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ، أوْ مِن آخِرِهِ قالَ:

؎ افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

وَقِيلَ: هو بَعْدَ ما مَضى مِنهُ شَيْءٌ صالِحٌ.

﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ وكُنْ عَلى أثَرِهِمْ تَذُودُهُمْ، وتُسْرِعُ بِهِمْ، وتَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِمْ. ولَعَلَّ إيثارَ الِاتِّباعِ عَلى السَّوْقِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، إذِ السَّوْقُ رُبَّما يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ عَلى بَعْضٍ مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْزَمُهُ عادَةً الغَفْلَةُ عَنْ حالِ المُتَأخِّرِ، والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنكَ ومِنهم ﴿أحَدٌ﴾، فَيَرى ما وراءَهُ مِنَ الهَوْلِ فَلا يُطِيقُهُ، أوْ يُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ، أوْ ولا يَنْصَرِفْ مِنكم أحَدٌ، ولا يَتَخَلَّفْ لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ العَذابُ. وقِيلَ: نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى المُهاجَرَةِ، أوْ هو نَهْيٌ عَنْ رَبْطِ القَلْبِ بِما خَلَّفُوهُ، أوْ هو لِلْإسْراعِ في السَّيْرِ، فَإنَّ المُلْتَفِتَ قَلَّما يَخْلُو عَنْ أدْنى وقْفَةٍ، وعَدَمُ ذِكْرِ اسْتِثْناءِ المَرْأةِ مِنَ الإسْراءِ، والِالتِفاتُ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ وُقُوعِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما عَرَفْتَ مِرارًا لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِالمُضِيِّ إلَيْهِ، وهو الشّامُ أوْ مِصْرُ. وحَذْفُ الصِّلَتَيْنِ عَلى الِاتِّساعِ المَشْهُورِ، وإيثارُ المُضِيِّ إلى ما ذُكِرَ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ، واللُّحُوقِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأهَمِّيَّةِ النَّجاةِ، ولِمُراعاةِ المُناسِبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَلَفَ مِنَ الغابِرِينَ.

15:66Page 265

وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

﴿وَقَضَيْنا﴾ أيْ: أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ﴾ مَقْضِيًّا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ "إلى" ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، وإيثارُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ، الَّتِي هي مَدارُ ثُبُوتِ الحُكْمِ، أيْ: دابِرَ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ، وإيرادُ صِيغَةِ المَفْعُولِ بَدَلَ صِيغَةِ المُضارِعِ لِكَوْنِها أدْخَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الوُقُوعِ، وفي لَفْظِ القَضاءِ، والتَّعْبِيرِ عَنِ العَذابِ بِالأمْرِ، والإشارَةِ (p-85)إلَيْهِ بِذَلِكَ، وتَأْخِيرِهِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ، وإبْهامِهِ أوَّلًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ ثانِيًا، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ الأمْرِ، وفَظاعَتِهِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى: أنَّهم يُسْتَأْصَلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصُّبْحِ، وهو حالٌ مِن هَؤُلاءِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ، وفي مَقْطُوعٍ، وجَمْعُهُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، فَإنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى: مُدْبِرِي هَؤُلاءِ.

15:67Page 265

وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧

And the people of the city came rejoicing.1

﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنِ القَوْمِ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى مَكانِ الأضْيافِ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا حَسْبَما نَبَّهَ عَلَيْهِ، أيْ: جاءَ أهْلُ سَدُومَ مَنزِلَ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ: مُسْتَبْشِرِينَ بِأضْيافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طَمَعًا فِيهِمْ.

15:68Page 265

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيْفُ حَيْثُ كانَ مَصْدَرًا في الأصْلِ، أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ، والمُتَعَدِّدِ، والمُذَكِّرِ، والمُؤَنَّثِ، وإطْلاقُهُ عَلى المَلائِكَةِ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِهِمْ في زِيِّ الضَّيْفِ. والتَّأْكِيدُ لَيْسَ لِإنْكارِهِمْ بِذَلِكَ بَلْ لِتَحْقِيقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإظْهارِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِهِمْ، وتَشَمُّرِهِ لِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ، وحِمايَتِهِمْ مِنَ السُّوءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ: عِنْدَهم بِأنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِسُوءٍ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِي عِنْدَكم قَدْرٌ، وحُرْمَةٌ أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن أُسِيءُ إلى ضَيْفِهِ فَقَدْ أُسِيءَ إلَيْهِ، يُقالُ: فَضَحَهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً، إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ.

15:69Page 265

وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩

And fear Allāh and do not disgrace me."

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُباشَرَتِكم لِما يَسُؤُونِي، ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ أيْ: لا تُذِلُّونِي، ولا تُهِينُونِي بِالتَّعَرُّضِ لِمَن أجَرْتُهُمْ، بِمِثْلِ تِلْكَ الفَعْلَةِ الخَبِيثَةِ. وحَيْثُ كانَ التَّعَرُّضُ لَهم بَعْدَ أنْ نَهاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: "فَلا تَفْضَحُونِ" أكْثَرَ تَأْثِيرًا في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأجْلَبَ لِلْعارِ إلَيْهِ، إذِ التَّعَرُّضُ لِلْجارِ قَبْلَ شُعُورِ المُجِيرِ بِذَلِكَ، رُبَّما يُتَسامَحُ فِيهِ. وأمّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُناصَبَةِ لِحِمايَتِهِ، والذَّبِّ عَنْهُ، فَذاكَ أعْظَمُ العارِ، عَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا يَعْتَرِيهِ مِن جِهَتِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ لَجاجِهِمْ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِمُخالَفَتِهِ بِالخِزْيِ، وأمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الفاحِشَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ تَقْوى اللَّهِ تَعالى في رُكُوبِ الفاحِشَةِ، ولا يُساعِدُهُ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ عَنْ أمْرَيْنِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

15:70Page 265

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَنِ التَّعَرُّضِ لَهم بِمَنعِهِمْ عَنّا، وضِيافَتِهِمْ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ، ولَمْ نَنْهَكَ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الغُرَباءِ بِالسُّوءِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ، وكانُوا قَدْ نَهَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أنْ يُجِيرَ أحَدًا، فَكَأنَّهم قالُوا: ما ذَكَرْتَ مِنَ الفَضِيحَةِ، والخِزْيِ، إنَّما جاءَكَ مِن قِبَلِكَ لا مِن قِبَلِنا إذْ لَوْلا تَعَرُّضُكَ لِما نَتَصَدّى لَهُ لَما اعْتَراكَ (p-86)تِلْكَ الحالَةُ، ولَمّا رَآهم لا يُقْلِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ.

15:71Page 266

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١

[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."

﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ يَعْنِي نِساءَ القَوْمِ، فَإنَّ نَبِيَ كُلِّ أُمَّةٍ بِمَنزِلَةِ أبِيهِمْ، أوْ بَناتِهِ حَقِيقَةً، أيْ: فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ يَطْلُبُونَهُنَّ، ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ، وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ المُناكَحَةِ بَيْنَ المُسْلِماتِ والكُفّارِ. وقَدْ فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: قَضاءَ الوَطَرِ، أوْ ما أقُولُ لَكم.

15:72Page 266

لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢

By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

﴿لَعَمْرُكَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِحَياةِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي. وهي لُغَةٌ في العُمُرِ يَخْتَصُّ بِهِ القَسَمُ إيثارًا لِلْخِفَّةِ، لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى الألْسِنَةِ.

﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾ غَوايَتِهِمْ، أوْ شَدَّةِ غُلْمَتِهِمُ الَّتِي أزالَتْ عُقُولَهُمْ، وتَمْيِيزَهم بَيْنَ الخَطَأِ والصَّوابِ.

﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ، ويَتَمادَوْنَ. فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ النُّصْحَ؟ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

15:73Page 266

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣

So the shriek1 seized them at sunrise.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيِ: الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ الهائِلَةُ، وقِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ.

15:74Page 266

فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾ عالِيَ المَدِينَةِ، أوْ عالِيَ قُراهُمْ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سافِلَها﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، وهو أدْخَلُ في الهَوْلِ، والفَظاعَةِ مِنَ العَكْسِ كَما مَرَّ ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ، قَبْلَ تَمامِ الِانْقِلابِ ﴿حِجارَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرًا، أوْ طِينٍ عَلَيْهِ كِتابٌ، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ.

15:75Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥

Indeed in that are signs for those who discern.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ ﴿لآياتٍ﴾ لَعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ، ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أيِ: المُتَفَكِّرِينَ المُتَفَرِّسِينَ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ في نَظَرِهِمْ حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ الشَّيْءِ بِسِمَتِهِ.

15:76Page 266

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦

And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.

﴿وَإنَّها﴾ أيِ: المَدِينَةُ، أوِ القُرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٌ ثابِتٌ يَسْلُكُهُ النّاسُ، ويَرَوْنَ آثارَها.

15:77Page 266

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧

Indeed in that is a sign for the believers.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِينَةِ، أوِ القُرى، أوْ في كَوْنِها بِمَرٍّ، أيْ: مِنَ النّاسِ يُشاهِدُونَها في ذَهابِهِمْ، وإيابِهِمْ.

﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّ ما حاقَ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي تَرَكَ دِيارَهم بَلاقِعَ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ، أوِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وإفْرادُ الآيَةِ بَعْدَ جَمْعِها فِيما سَبَقَ لِما أنَّ المَشاهَدَ هَهُنا بَقِيَّةُ الآثارِ لا كُلُّ القِصَّةِ كَما فِيما سَلَفَ.

15:78Page 266

وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨

And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,

(p-87)﴿وَإنْ كانَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ وهُمْ: قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأيْكَةُ: الشَّجَرَةُ المُلْتَفَّةُ المُتَكاثِفَةُ، وكانَ عامَّةُ شَجَرِهِمُ المُقْلُ، وكانُوا يَسْكُنُونَها، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ ﴿لَظالِمِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ عَنِ الحَدِّ.

15:79Page 266

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ بِالعَذابِ. رُوِيَ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ بَعَثَ سَحابَةً، فالتَجَئُوا إلَيْها يَلْتَمِسُونَ الرَّوْحَ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنها نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، فَهو عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

﴿وَإنَّهُما﴾ يَعْنِي: سَدُومُ والأيْكَةُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ ومَدْيَنُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِما، فَذِكْرُ أحَدِهِما مُنَبِّهٌ عَلى الآخَرِ ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ سُمِّيَ بِهِ الطَّرِيقُ، ومُطْمَرُ البِناءِ، واللَّوْحُ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ؛ لِأنَّها مِمّا يُؤْتَمُّ بِهِ.

15:80Page 266

وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠

And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.

﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ يَعْنِي ثَمُودَ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: صالِحًا. فَإنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كَذَّبَ الجَمِيعَ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، والأُصُولِ الَّتِي لا تُخَلَّفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ، والأعْصارِ. وقِيلَ المُرادُ: صالِحٌ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ. كَما قِيلَ: الخُبَيْبُونَ؛ لِخُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأصْحابِهِ. والحِجْرُ: وادٍ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ.

15:81Page 266

وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

﴿وَآتَيْناهم آياتِنا﴾ وهي الآياتُ المُنَزَّلَةُ عَلى نَبِيِّهِمْ، أوِ المُعْجِزاتُ مِنَ النّاقَةِ، وسَقْيِها وشِرْبِها ودَرِّها، أوِ الأدِلَّةُ المَنصُوبَةُ لَهم.

﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ إعْراضًا كُلِّيًّا، بَلْ كانُوا مُعارِضِينَ لَها حَيْثُ فَعَلُوا بِالنّاقَةِ ما فَعَلُوا.

15:82Page 266

وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ مِنَ الِانْهِدامِ، ونَقْبِ اللُّصُوصِ، وتَخْرِيبِ الأعْداءِ لِوِثاقَتِها، أوْ مِنَ العَذابِ لِحُسْبانِهِمْ أنَّ ذَلِكَ يَحْمِيهِمْ مِنهُ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ: "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذارًا أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» ".

15:83Page 266

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣

But the shriek seized them at early morning,

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ وهَكَذا وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ. قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: أتَتْهم مِنَ السَّماءِ صَيْحَةٌ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ في الأرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ. ولَعَلَّها مِن رَوادِفِ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ تَمَوُّجًا شَدِيدًا يُفْضِي إلَيْها، كَما مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ.

15:84Page 266

فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤

So nothing availed them [from] what they used to earn.

(p-88)﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن بِناءِ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ، والأمْوالِ الوافِرَةِ، والعُدَدِ المُتَكاثِرَةِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإغْناءِ الخاصِّ بِوَقْتِ نُزُولِ العَذابِ، حَسْبَما كانُوا يَرْجُونَهُ لا عَدَمُ الإغْناءِ المُطْلَقِ، فَإنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ.

15:85Page 266

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ لا يُلائِمُ اسْتِمْرارَ الفَسادِ، واسْتِقْرارَ الشُّرُورِ، ولِذَلِكَ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إهْلاكَ أمْثالِ هَؤُلاءِ دَفْعًا لِفَسادِهِمْ وإرْشادًا لِمَن بَقِيَ إلى الصَّلاحِ، أوْ إلّا بِسَبَبِ العَدْلِ، والإنْصافِ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعالى لَكَ فِيها مِمَّنْ كَذَّبَكَ ﴿فاصْفَحِ﴾ أيْ: أعْرِضْ عَنْهم ﴿الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ إعْراضًا جَمِيلًا، وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهُمْ، ولا تَعْجَلْ بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ، وعامِلْهم مُعامَلَةَ الصَّفُوحِ الحَلِيمِ، وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

15:86Page 266

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الَّذِي يُبَلِّغُكَ إلى غايَةِ الكَمالِ ﴿هُوَ الخَلاقُ﴾ لَكَ ولَهم ولِسائِرِ المَوْجُوداتِ عَلى الإطْلاقِ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِكَ، وأحْوالِهِمْ. بِتَفاصِيلِها فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا جَرى بَيْنَكَ وبَيْنَهم. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ تَكِلَ جَمِيعَ الأُمُورِ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمْ، أوْ هو الَّذِي خَلَقَكُمْ، وعَلِمَ تَفاصِيلَ أحْوالِكُمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلَحَ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّفْحِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ، وأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو الخالِقُ، وهو صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، والخَلّاقُ مُخْتَصٌّ بِالكَثِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском