Abu as-Su'udAl‑Isra · 17:23–36

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:23–36

17:23Page 284

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣

And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.

(p-166)﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ أيْ: أمَرَ أمْرًا مُبْرَمًا، وقُرِئَ: (وَأوْصى رَبُّكَ) (وَوَصّى رَبُّكَ) ﴿ألاَّ تَعْبُدُواْ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا إيّاهُ﴾ . عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، و "لا" نافِيَةٌ، أوْ أيْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ، ولا ناهِيَةٌ؛ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ، ونِهايَةُ الإنْعامِ، وهو كالتَّفْصِيلِ لِلسَّعْيِ لِلْآخِرَةِ.

﴿وَبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ: وبِأنْ تُحْسِنُوا بِهِما، أوْ وأحْسِنُوا بِهِما.

﴿إحْسانًا﴾ لِأنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرُ لِلْوُجُودِ والتَّعَيُّشِ.

﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ إمّا مُرَكَّبَةٌ مِن "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ، و "ما" المَزِيدَةُ لِتَأْكِيدِها، ولِذَلِكَ دَخَلَ الفِعْلَ نُونُ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى "عِنْدَكَ": في كَنَفِكَ، وكَفالَتِكَ. وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى وُرُودِهِ، فَإنَّهُ مَدارُ تَضاعُفِ الرِّعايَةِ والإحْسانِ. و "أحَدُهُما" فاعِلٌ لِلْفِعْلِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظَّرْفِ، والمَفْعُولِ لِئَلّا يَطُولَ الكَلامُ بِهِ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (يَبْلُغانِ) فَأحَدُهُما بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وكِلاهُما عَطْفٌ عَلَيْهِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِ كِلاهُما تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ الخِطابِ في عِنْدَكَ، وفِيما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ ما سَبَقَ عَلى الجَمْعِ لِلِاحْتِرازِ عَنِ التِباسِ المُرادِ، فَإنَّ المَقْصُودَ نَهْيُ كُلِّ أحَدٍ عَنْ تَأْفِيفِ والِدَيْهِ، ونَهْرِهِما، ولَوْ قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ، أوْ بِالتَّثْنِيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَرامُ.

﴿فَلا تَقُلْ لَهُما﴾ أيْ: لِواحِدٍ مِنهُما حالَتَيِ الِانْفِرادِ، والِاجْتِماعِ.

﴿أُفٍّ﴾ وهو صَوْتٌ يُنْبِئُ عَنْ تَضَجُّرٍ، أوِ اسْمُ فِعْلٍ هو أتَضَجَّرُ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ بِلا تَنْوِينٍ، وبِالفَتْحِ والضَّمِّ مُنَوَّنًا، وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، أيْ: لا تَتَضَجَّرْ بِها تَسْتَقْذِرْ مِنهُما، وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤَنِهِما، وبِهَذا النَّهْيِ يُفْهَمُ النَّهْيُ عَنْ سائِرِ ما يُؤْذِيهِما بِدَلالَةِ النَّصِّ، وقَدْ خَصَّ بِالذِّكْرِ بَعْضَهُ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ فَقِيلَ: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ أيْ: لا تَزْجُرْهُما عَمّا لا يُعْجِبُكَ بِإغْلاظٍ. قِيلَ: النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ.

﴿وَقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ، ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ ذا كَرَمٍ، أوْ هو وصْفٌ لَهُ بِوَصْفِ صاحِبِهِ، أيْ: قَوْلًا صادِرًا عَنْ كَرَمٍ ولُطْفٍ، وهو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأدَبِ، ويَسْتَدْعِيهِ النُّزُولُ عَلى المُرُوءَةِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ: يا أباهُ، ويا أُمّاهُ كَدَأْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ. مَعَ ما بِهِ مِنَ الكُفْرِ، ولا يَدْعُوهُما بِأسْمائِهِما، فَإنَّهُ مِنَ الجَفاءِ، وسُوءِ الأدَبِ، ودَيْدَنُ الدُّعّارِ. وسُئِلَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ عَنْ بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقالَ: أنْ لا تَقُومَ إلى خِدْمَتِهِما عَنْ كَسَلٍ. وقِيلَ: أنْ لا تَرْفَعَ صَوْتَكَ عَلَيْهِما، ولا تَنْظُرَ إلَيْهِما شَزْرًا، ولا يَرَيا مِنكَ مُخالَفَةً في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ، وأنْ تَتَرَحَّمَ عَلَيْهِما ما عاشا، وتَدْعُوَ لَهُما إذا ماتا، وتَقُومَ بِخِدْمَةِ أوْدائِهِما مِن بَعْدِهِما، فَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «إنَّ مِن أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» ".

17:24Page 284

وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤

And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."

﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إلانَةِ الجانِبِ، والتَّواضُعِ، والتَّذَلُّلِ لَهُما، فَإنَّ إعْزازَهُما لا يَكُونُ إلّا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ، أوْ جُعِلَ لِذُلِّهِ جَناحٌ كَما جَعَلَ لَبِيدٌ في قَوْلِهِ:

؎ وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وقَرَّةٍ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها

لِلْقَرَّةِ زِمامًا، ولِلشَّمالِ يَدًا تَشْبِيهًا لَهُ بِطائِرٍ يَخْفِضُ جَناحَهُ لِأفْراخِهِ تَرْبِيَةً لَها، وشَفَقَةً عَلَيْها، وأمّا جَعْلُ خَفْضِ الجَناحِ عِبارَةً عَنْ تَرْكِ الطَّيَرانِ كَما فَعَلَهُ القَفّالُ فَلا يُناسِبُ (p-167)المَقامَ.

﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ، وعَطْفِكَ عَلَيْهِما، ورِقَّتِكَ لَهُما، لِافْتِقارِهِما اليَوْمَ إلى مَن كانَ أفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ بَلِ ادْعُ اللَّهَ لَهُما بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ الباقِيَةِ، ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ بِرَحْمَتِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ، والأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الهِدايَةُ إلى الإسْلامِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ كُفْرَهُما.

﴿كَما رَبَّيانِي﴾ "الكافُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: رَحْمَةً مِثْلَ تَرْبِيَتِهِما لِي، أوْ مِثْلَ رَحْمَتِهِما لِي. عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ رَحْمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُما الرَّحْمَةُ والتَّرْبِيَةُ مَعًا، وقَدْ ذُكِرَ أحَدُهُما في أحَدِ الجانِبَيْنِ، والآخِرُ في الآخَرِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية في مَطْلَعِ الدُّعاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ ارْحَمْهُما، ورَبِّهِما كَما رَحِمانِي ورَبَّيانِي ﴿صَغِيرًا﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ تَرْبِيَتِهِما لِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ ولَقَدْ بالَغَ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْصِيَةِ بِهِما حَيْثُ افْتَتَحَها بِأنْ شَفَعَ الإحْسانَ إلَيْهِما بِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، ونَظَمَها في سِلْكِ القَضاءِ بِهِما مَعًا، ثُمَّ ضَيَّقَ الأمْرَ في بابِ مُراعاتِهِما حَتّى لَمْ يُرَخِّصْ في أدْنى كَلِمَةٍ تَنْفَلِتُ مِنَ المُتَضَجِّرِ مَعَ ما لَهُ مِن مُوجِباتِ الضَّجَرِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وخَتَمَها بِأنْ جَعَلَ رَحْمَتَهُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مُشَبَّهَةً بِتَرْبِيَتِهِما، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَيْنِ، وسُخْطُهُ في سُخْطِهِما» ". ورُوِيَ «يَفْعَلُ البارُّ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النّارَ، ويَفْعَلَ العاقُّ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ» . «وَقالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولِيا مِنِّي في الصِّغَرِ، فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما؟ قالَ: لا، فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ، وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ، وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وأنْتَ تُرِيدُ مَوْتَهُما.» ورُوِيَ «أنَّ شَيْخًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ ابْنِي هَذا لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وإنَّهُ لا يُنْفِقُ عَلَيَّ مِن مالِهِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: إنَّ هَذا الشَّيْخَ قَدْ أنْشَأ في ابْنِهِ أبْياتًا، ما قُرِعَ سَمْعٌ بِمِثْلِها فاسْتَنْشِدْها فَأنْشَدَها الشَّيْخُ، فَقالَ:

؎ غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا ومُنْتُكَ يافِعًا ∗∗∗ تَعُلُّ بِما أجْنِي عَلَيْكَ وتَنْهَلُ

؎ إذا لَيْلَةٌ ضاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أبِتْ ∗∗∗ لِسُقْمِكَ إلّا باكِيًا أتَمَلْمَلُ

؎ كَأنِّي أنا المَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ∗∗∗ طُرِقْتَ بِهِ دُونِي وعَيْنَيَّ تَهْمُلُ

؎ فَلَمّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغايَةَ الَّتِي ∗∗∗ إلَيْها مَدى ما كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ

؎ جَعَلْتَ جَزائِي غِلْظَةً وفَظاظَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ أنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ

؎ فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ∗∗∗ فَعَلْتَ كَما الجارُ المُجاوِرُ يَفْعَلُ

فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: "أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ".»

17:25Page 284

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥

Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ مِنَ البِرِّ والعُقُوقِ، ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ، والبِرِّ دُونَ العُقُوقِ، والفَسادِ ﴿فَإنَّهُ﴾ تَعالى ﴿كانَ لِلأوّابِينَ﴾ أيِ: الرَّجّاعِينَ إلَيْهِ تَعالى عَمّا فَرَطَ مِنهم مِمّا لا يَكادُ يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ ﴿غَفُورًا﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَن نَوْعِ تَقْصِيرٍ، أوْ أذِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ، أوْ قَوْلِيَّةٍ. وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْدِيدِ في الأمْرِ بِمُراعاةِ حُقُوقِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

17:26Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

﴿وَآتِ ذا القُرْبى﴾ أيْ: ذا القَرابَةِ ﴿حَقَّهُ﴾ تَوْصِيَةٌ بِالأقارِبِ إثْرَ التَّوْصِيَةِ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ: المَحارِمُ، وبِحَقِّهِمُ النَّفَقَةُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ في حَقِّهِما المُواساةُ المالِيَّةُ لا مَحالَةَ، أيْ: وآتِهِما حَقَّهُما مِمّا كانَ مُفْتَرَضًا بِمَكَّةَ بِمَنزِلَةِ الزَّكاةِ، وكَذا النَّهْيُ عَنِ التَّبْذِيرِ، وعَنِ الإفْراطِ في القَبْضِ (p-168)والبَسْطِ فَإنَّ الكُلَّ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.

﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ نَهْيٌ عَنْ صَرْفِ المالِ إلى مَن سِواهم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، فَإنَّ التَّبْذِيرَ تَفْرِيقٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَأْخُوذٌ مِن تَفْرِيقِ حَبّاتٍ، وإلْقائِها كَيْفَما كانَ مِن غَيْرِ تَعَهُّدٍ لِمَواقِعِهِ لا عَنِ الإكْثارِ في صَرْفِهِ إلَيْهِمْ، وإلّا لَناسَبَهُ الإسْرافُ الَّذِي هو تَجاوُزُ الحَدِّ في صَرْفِهِ، وقَدْ نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾ وكِلاهُما مَذْمُومٌ.

17:27Page 284

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّبْذِيرِ بِبَيانِ أنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ مَلْزُوزًا في قَرْنِ الشَّياطِينِ، والمُرادُ "بِالأُخُوَّةِ" المُماثِلَةُ التّامَّةُ في كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِن صِفاتِ السُّوءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّبْذِيرُ، أيْ: كانُوا بِما فَعَلُوا مِنَ التَّبْذِيرِ أمْثالَ الشَّياطِينِ، أوِ الصَّداقَةُ، والمُلازَمَةُ، أيْ: كانُوا أصْدِقاءَهُمْ، وأتْباعَهم فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّبْذِيرِ، والصَّرْفِ في المَعاصِي، فَإنَّهم كانُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ، ويَتَياسَرُونَ عَلَيْها، ويُبَذِّرُونَ أمْوالَهم في السُّمْعَةِ، وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَباهِي والمَلاهِي، أوِ المُقارَنَةُ، أيْ: قُرَناءَهم في النّارِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ.

﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مِن تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ، أيْ: مُبالِغًا في كُفْرانِ نِعْمَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوى والقُدَرُ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ هي لَهُ مِن أنْواعِ المَعاصِي، والإفْسادِ في الأرْضِ، وإضْلالِ النّاسِ، وحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، وكُفْرانِ نِعَمِهِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وصَرْفِها إلى غَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أوْصافِهِ القَبِيحَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّبْذِيرَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ مَصْرَفِها مِن بابِ الكُفْرانِ المُقابِلِ لِلشُّكْرِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِلْإشْعارِ بِكَمالِ عُتُوِّهِ، فَإنَّ كُفْرانَ نِعْمَةِ الرَّبِّ مَعَ كَوْنِ الربوبية مِن قُوى الدَّواعِي إلى شُكْرِها غايَةُ الكُفْرانِ، ونِهايَةُ الضَّلالِ والطُّغْيانِ.

17:28Page 285

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أيْ: إنِ اعْتَراكَ أمْرٌ اضْطَرَّكَ إلى أنْ تُعْرِضَ عَنْ أُولَئِكَ المُسْتَحِقِّينَ، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: لِفَقْدِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، فَإنَّ الفَقْدَ سَبَبٌ لِلِابْتِغاءِ.

﴿تَرْجُوها﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِتُعْطِيَهُمْ، وكانَ ﷺ إذا سُئِلَ شَيْئًا، ولَيْسَ عِنْدَهُ أعْرَضَ عَنِ السّائِلِ، وسَكَتَ حَياءً. فَأُمِرَ بِتَعَهُّدِهِمْ بِالقَوْلِ الجَمِيلِ لِئَلّا تَعْتَرِيَهِمُ الوَحْشَةُ بِسُكُوتِهِ ﷺ فَقِيلَ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ سَهْلًا لَيِّنًا، وعِدْهم وعْدًا جَمِيلًا مِن يَسِرَ الأمْرُ نَحْوَ: سَعِدَ. أوْ قُلْ لَهم رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ، عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لَهم يُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ فَقْرَهم.

17:29Page 285

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ تَمْثِيلانِ لِمَنعِ الشَّحِيحِ، وإسْرافِ المُبَذِّرِ زَجْرًا لَهُما عَنْهُما، وحَمْلًا عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ الِاقْتِصادِ:

؎ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ

وَحَيْثُ كانَ قُبْحُ الشُّحِّ مُقارِنًا لَهُ مَعْلُومًا مِن أوَّلِ الأمْرِ رُوعِيَ ذَلِكَ في التَّصْوِيرِ بِأقْبَحِ الصُّوَرِ، ولَمّا كانَ غائِلَةُ الإسْرافِ في آخِرِهِ بُيِّنَ قُبْحُهُ في أثَرِهِ فَقِيلَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أيْ: فَتَصِيرَ مَلُومًا عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ، وعِنْدَ نَفْسِكَ إذا احْتَجْتَ، ونَدِمْتَ عَلى ما فَعَلْتَ.

﴿مَحْسُورًا﴾ نادِمًا، أوْ مُنْقَطِعًا بِكَ لا شَيْءَ عِنْدَكَ مِن حَسَرَهُ السَّفَرُ إذا بَلَغَ مِنهُ، وما قِيلَ: مِن أنَّهُ (p-169)رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ إذْ أتاهُ صَبِيٌّ، فَقالَ: إنْ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا، فَقالَ ﷺ: مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ فَعُدْ إلَيْنا، فَذَهَبَ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ لَهُ: قُلْ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَدَخَلَ ﷺ دارَهُ، ونَزَعَ قَمِيصَهُ، وأعْطاهُ وقَعَدَ عُرْيانًا، وأذَّنَ بِلالٌ، وانْتَظَرُوا. فَلَمْ يَخْرُجْ لِلصَّلاةِ،» فَنَزَلَتْ، فَيَأْباهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، خَلا آياتٍ في آخِرِها كَذا ما قِيلَ: «إنَّهُ ﷺ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وكَذا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ، فَجاءَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ فَأنْشَدَ يَقُولُ:

؎ أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ

؎ وما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ

؎ وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ

فَقالَ ﷺ: يا أبا بَكْرٍ، اقْطَعْ لِسانَهُ عَنِّي أعْطِهِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ»، وكانُوا جَمِيعًا مِنَ المُؤَلِّفَةِ القُلُوبُ، فَنَزَلَتْ:

17:30Page 285

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما مَرَّ، أيْ: يُوَسِّعُهُ عَلى بَعْضٍ، ويُضَيِّقُهُ عَلى آخَرِينَ حَسْبَما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، فَلَيْسَ ما يُرْهِقُكَ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي تُحْوِجُكَ إلى الإعْراضِ عَنِ السّائِلِينَ، أوْ نَفاذِ ما في يَدِكَ إذا بَسَطْتَها كُلَّ البَسْطِ إلّا لِمَصْلَحَتِكَ.

﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ، أيْ: يَعْلَمُ سِرَّهُمْ، وعَلَنَهم، فَيَعْلَمُ مِن مَصالِحِهِمْ ما يَخْفى عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ مِن أمْرِ اللَّهِ العالِمِ بِالسَّرائِرِ، والظَّواهِرِ الَّذِي بِيَدِهِ خَزائِنُ السَّمَواتِ والأرْضِ، وأمّا العِبادُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَقْتَصِدُوا، وأنْ يُرادَ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ تارَةً، ويَقْبِضُ أُخْرى، فاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَلا تَقْبِضُوا كُلَّ القَبْضِ، ولا تَبْسُطُوا كُلَّ البَسْطِ، وأنْ يُرادَ أنَّهُ تَعالى يَبْسُطُ ويَقْدِرُ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ. فَلا تَبْسُطُوا عَلى مَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ:

17:31Page 285

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ أيْ: مَخافَةَ فَقْرٍ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الخاءِ. كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ مَخافَةَ الفَقْرِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ لا أنْتُمْ فَلا تَخافُوا الفاقَةَ بِناءً عَلى عِلْمِكم بِعَجْزِكم عَنْ تَحْصِيلِ رِزْقِهِمْ، وهو ضَمانٌ لِرِزْقِهِمْ، وتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ بِإبْطالِ مُوجِبِهِ في زَعْمِهِمْ، وتَقْدِيمُ ضَمِيرِ الأوْلادِ عَلى المُخاطَبِينَ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِمْ في إفاضَةِ الرِّزْقِ، أوْ لِأنَّ الباعِثَ عَلى القَتْلِ هُناكَ الإمْلاقُ النّاجِزُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: مِن إمْلاقٍ وهَهُنا الإمْلاقُ المُتَوَقَّعُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: خَشْيَةَ إمْلاقٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَرْزُقُهم مِن غَيْرِ أنْ يُنْتَقَصَ مَن رِزْقِكم شَيْءٌ، فَيَعْتَرِيَكم ما تَخْشَوْنَهُ، وإيّاكم أيْضًا رِزْقًا إلى رِزْقِكم.

﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ بِبَيانِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في نَفْسِهِ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ، والخِطْأُ: الذَّنْبُ والإثْمُ، يُقالُ خَطِئَ خِطْأً، كَأثِمَ إثْمًا. وقُرِئَ: بِالفَتْحِ والسُّكُونِ وبِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْناهُ كالحِذْرِ والحَذَرِ. وقِيلَ: بِمَعْنى ضِدِّ الصَّوابِ، وبِكَسْرِ الخاءِ والمَدِّ وبِفَتْحِها مَمْدُودًا وبِفَتْحِها وحَذْفِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِها كَذَلِكَ.

17:32Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِمُباشَرَةِ مَبادِئِهِ القَرِيبَةِ أوِ البَعِيدَةِ فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإنَّما نَهى عَنْ قُرْبانِهِ عَلى خِلافِ ما سَبَقَ، ولَحِقَ مِنَ القَتْلِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ نَفْسِهِ، ولِأنَّ قُرْبانَهُ داعٍ إلى مُباشَرَتِهِ، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ (p-170)عَنْهُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ، والنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ عَلى الإطْلاقِ. بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَتْلٌ لِلْأوْلادِ لِما أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْأنْسابِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مَيِّتٌ حُكْمًا ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ فِعْلَةً ظاهِرَةَ القُبْحِ مُتَجاوِزَةً عَنِ الحَدِّ.

﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ أيْ بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ، فَإنَّهُ غَصْبُ الأبْضاعِ المُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ أمْرِ الأنْسابِ، وهَيَجانِ الفِتَنِ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «إذا زَنى العَبْدُ خَرَجَ مِنهُ الإيمانُ، فَكانَ عَلى رَأْسِهِ كالظُّلَّةِ، فَإذا انْقَطَعَ رَجَعَ إلَيْهِ» ". وقالَ ﷺ: " «لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» ". وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﷺ: " «إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَ خِصالٍ ثَلاثٌ في الدُّنْيا، وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ. وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَسُخْطُ اللَّهِ تَعالى، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ» ".

17:33Page 285

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ عَمْدًا. فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، أوْ مُلْتَبِسِينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ.

﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ، أوْ يُبِيحُهُ لِلْقاتِلِ حَتّى إنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إباحَتُهُ لِغَيْرِ القاتِلِ، فَإنَّ مَن عَلَيْهِ القِصاصُ إذا قَتَلَهُ غَيْرُ مَن لَهُ القِصاصُ يُقْتَصُّ لَهُ، ولا يُفِيدُهُ قَوْلُ الوَلِيِّ أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ، ما لَمْ يَكُنِ الأمْرُ ظاهِرًا.

﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ لِمَن يَلِي أمْرَهُ مِنَ الوارِثِ، أوِ السُّلْطانِ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ ﴿سُلْطانًا﴾ تَسَلُّطًا، واسْتِيلاءً عَلى القاتِلِ يُؤاخِذُهُ بِالقِصاصِ، أوْ بِالدِّيَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِنايَتُهُ، أوْ حُجَّةً غالِبَةً.

﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ وقُرِئَ: (لا نُسْرِفْ) ﴿فِي القَتْلِ﴾ أيْ: لا يُسْرِفُ الوَلِيُّ في أمْرِ القَتْلِ بِأنْ يَتَجاوَزَ الحَدَّ المَشْرُوعَ، بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ المُثْلَةَ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ مِن أقارِبِهِ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ الِاثْنَيْنِ مَكانَ الواحِدِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ بِأنْ يَقْتُلَ القاتِلَ في مادَّةِ الدِّيَةِ. وقُرِئَ: بِصِيغَةِ النَّفْيِ مُبالَغَةً في إفادَةِ مَعْنى النَّهْيِ.

﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، أوِ الدِّيَةَ، وأمَرَ الحُكّامَ بِمَعُونَتِهِ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَلا يَبْغِ ما وراءَ حَقِّهِ، ولا يَسْتَزِدْ عَلَيْهِ، ولا يَخْرُجْ مِن دائِرَةِ أمْرِ النّاصِرِ، أوْ لِلْمَقْتُولِ ظُلْمًا عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِما ذُكِرَ فَلا يُسْرِفْ ولِيُّهُ في شَأْنِهِ، أوْ لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ ظُلْمًا وإسْرافًا، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّمِيرَ في "لا يُسْرِفْ" لِلْقاتِلِ الأوَّلِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (فَلا تُسْرِفُوا). والضَّمِيرانِ في التَّعْلِيلِ عائِدانِ إلى الوَلِيِّ، أوِ المَقْتُولِ. فالمُرادُ بِـ "الإسْرافِ" حِينَئِذٍ إسْرافُ القاتِلِ عَلى نَفْسِهِ بِتَعْرِيضِهِ لَها لِلْهَلاكِ العاجِلِ والآجِلِ، لا الإسْرافُ وتَجاوُزُ الحَدِّ في القَتْلِ، أيْ: لا يُسْرِفُ عَلى نَفْسِهِ في شَأْنِ القَتْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ .

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ نَهْيٌ عَنْ قُرْبانِهِ لِما ذُكِرَ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ (p-171)عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، ومِن إفْضاءِ ذَلِكَ إلَيْهِ، ولِلتَّوَسُّلِ إلى الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ، والطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ والطَّرائِقِ، وهي حِفْظُهُ واسْتِثْمارُهُ.

﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِثْناءِ لا لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ فَقَطْ.

﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ سَواءٌ جَرى بَيْنَكم وبَيْنَ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَكم وبَيْنَ غَيْرِكم مِنَ النّاسِ. والإيفاءُ بِالعَهْدِ، والوَفاءُ بِهِ، هو القِيامُ بِمُقْتَضاهُ، والمُحافَظَةُ عَلَيْهِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالباءِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيفاءِ الحِسِّيِّ، كَإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ.

﴿إنَّ العَهْدَ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ مُطْلَقُ العَهْدِ المُنْتَظِمِ لِلْعَهْدِ المَعْهُودِ.

﴿كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ، وجَعْلِ الضَّمِيرِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًا في اسْمِ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: مَشْهُودٌ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ عَلى أنَّ أصْلَهُ الحَكِيمُ قائِلُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ، وجُعِلَ الضَّمِيرُ مُسْتَكِنًا في الحَكِيمِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْيِيلًا، كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ: لَمْ نُكِثْتَ، وهَلّا وُفِّيَ بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ، كَما يُقالُ لِلْمَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ .

17:35Page 285

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ولا تُخْسِرُوهُ.

﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم لِلْمُشْتَرِينَ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِذَلِكَ لِما أنَّ التَّطْفِيفَ هُناكَ يَكُونُ، وأمّا وقْتُ الِاكْتِيالِ عَلى النّاسِ فَلا حاجَةَ إلى الأمْرِ بِالتَّعْدِيلِ، قالَ تَعالى: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ... الآيَةَ.

﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ وهُوَ: القَرَسْطُونُ. وقِيلَ: كُلُّ مِيزانٍ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَرَبِيَّةِ القرآن لِانْتِظامِ المُعَرَّباتِ في سِلْكِ الكَلِمِ العَرَبِيَّةِ. وقُرِئَ: بِضَمِّ القافِ ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ أيِ: العَدْلِ السَّوِيِّ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِاسْتِقامَتِهِ عَنِ الأمْرِ بِإيفاءِ الوَزْنِ لِما أنَّ عِنْدَ اسْتِقامَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ الجَوْرُ غالِبًا بِخِلافِ الكَيْلِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ التَّطْفِيفُ مَعَ اسْتِقامَةِ الآلَةِ كَما أنَّ الِاكْتِفاءَ بِإيفاءِ الكَيْلِ عَنِ الأمْرِ بِتَعْدِيلِهِ، لِما أنَّ إيفاءَهُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ تَعْدِيلِ المِكْيالِ، وقَدْ أُمِرَ بِتَقْوِيمِهِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيفاءُ الكَيْلِ، والوَزْنِ بِالمِيزانِ السَّوِيِّ.

﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا إذْ هو أمانَةٌ تُوجِبُ الرَّغْبَةَ في مُعامَلَتِهِ، والذِّكْرَ الجَمِيلَ بَيْنَ النّاسِ.

﴿وَأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ عاقِبَةً تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ، والمُرادُ ما يَئُولُ إلَيْهِ.

17:36Page 285

وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦

And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.

﴿وَلا تَقْفُ﴾ ولا تَتْبَعْ مِن قَفا أثَرَهُ إذا تَبِعَهُ، وقُرِئَ: (وَلا تَقُفْ) مِن قافَ أثَرَهُ، أيْ: قَفاهُ. ومِنهُ القافَةُ في جَمْعِ القائِفِ.

﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَكُنْ في اتِّباعِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلِ كَمَن يَتَّبِعُ مَسْلَكًا لا يَدْرِي أنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَقْصِدِهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن مَنَعَ اتِّباعَ الظَّنِّ، وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِـ "العِلْمِ" هو الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ المُسْتَفادُ مِن سَنَدٍ قَطْعِيًّا كانَ أوْ ظَنِّيًّا، واسْتِعْمالُهُ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا يُنْكَرُ شُيُوعُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ. وقِيلَ: بِالرَّمْيِ وشَهادَةِ الزُّورِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعالى في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» ". ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:

؎ ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ رُمِينا

﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وقُرِئَ: بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ المَقْلُوبَةِ مِنَ الهَمْزَةِ عِنْدَ ضَمِّ الفاءِ.

﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ (p-172)أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ، فَأُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ لَمّا كانَ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى أصْحابِها هَذا، وإنَّ أُولاءِ وإنْ غَلَبَ في العُقَلاءِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِذا الَّذِي يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ جاءَ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا، قالَ:

؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ

﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أيْ: كانَ كُلٌّ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى كُلٍّ، وكَذا الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ القافِي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إذِ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: كُنْتَ عَنْهُ مَسْؤُولًا. وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ قَدْ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَسْؤُولًا مُعَلَّلًا بِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ لا يَلْتَبِسُ بِالمُبْتَدَأِ، وهو السَّبَبُ في مَنعِ تَقْدِيمِ الفاعِلِ وما يَقُومُ مَقامَهُ، ولَكِنَّ النَّحّاسَ حَكى الإجْماعَ عَلى عَدَمِ جَوازِ تَقْدِيمِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ إذا كانَ جارًّا ومَجْرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن بابِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ويُحْذَفُ الجارُّ مِنَ المُفَسَّرِ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ مُسْتَكِنًا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَسْؤُولًا مُسْنَدًا إلى المَصْدَرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ، وأنْ يَكُونَ فاعِلُهُ المَصْدَرَ، وهو السُّؤالُ. و "عَنْهُ" في مَحَلِّ النَّصْبِ، وسَألَ ابْنُ جِنِّي أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ فِيكَ يُرْغَبُ وقالَ: لا يَرْتَفِعُ بِما بَعْدَهُ فَأيْنَ المَرْفُوعُ، فَقالَ: المَصْدَرُ. أيْ: فِيكَ يُرْغَبُ الرَّغْبَةُ بِمَعْنى تُفْعَلُ الرَّغْبَةُ، كَما في قَوْلِهِمْ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، وُجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ، أوْ فاعِلُهُ ضَمِيرَ كُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: كانَ صاحِبُهُ عَنْهُ مَسْؤُولًا، أوْ مَسْؤُولًا صاحِبُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском