Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:176–183

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:176–183

7:176Page 173

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَناطِ ما ذُكِرَ مِنِ انْسِلاخِهِ مِنَ الآياتِ، ووُقُوعِهِ في مَهاوِي الغَوايَةِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِوُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ؛ أيْ: ولَوْ شِئْنا رَفْعَهُ.

﴿لَرَفَعْناهُ﴾؛ أيْ: إلى المَنازِلِ العالِيَةِ لِلْأبْرارِ، العالِمِينَ بِتِلْكَ الآياتِ والعامِلِينَ بِمُوجَبِها، لَكِنْ لا بِمَحْضِ مَشِيئَتِنا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ أصْلًا، فَإنَّهُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى تَعْلِيقِ الأجْزِيَةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْعِبادِ، بَلْ مَعَ مُباشَرَتِهِ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلى الرَّفْعِ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى تَحْصِيلِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِها﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ بِأنْ عَمِلَ بِمُوجَبِها، فَإنَّ اخْتِيارَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا في حُصُولِهِ، ولا في تَرَتُّبِ الرَّفْعِ عَلَيْهِ، بَلْ كِلاهُما بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ خَلْقَهُ تَعالى مَنُوطٌ بِذَلِكَ البَتَّةَ حَسَبَ جَرَيانِ العادَةِ الإلَهِيَّةِ.

وَقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ في الِاسْتِدْراكِ بِأنْ أُسْنِدَ ما يُؤَدِّي إلى نَقِيضِ التّالِي إلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ مَعَ أنَّ الإخْلادَ إلَيْها أيْضًا مِمّا لا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ إلّا بِخَلْقِهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِمُباشَرَتِهِ لِسَبَبِهِ، لَرَفَعْناهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي أقْوى أسْبابِ الرَّفْعِ، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْهُ لِمُباشَرَتِهِ لِسَبَبِ نَقِيضِهِ، فَتُرِكَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ؛ تَعْوِيلًا عَلى إشْعارِ المَذْكُورِ بِالمَطْوِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ (p-293)لِفَضْلِهِ﴾ .

وَتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورَيْنِ بِمَقامِهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ الرَّفْعَ مُرادٌ لَهُ تَعالى بِالذّاتِ، وتَفَضُّلٌ مَحْضٌ عَلَيْهِ لا دَخْلَ فِيهِ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، كَيْفَ لا وجَمِيعُ أفْعالِهِ ومَبادِيها مِن نِعَمِهِ تَعالى وتَفَضُّلاتِهِ، وإنَّ نَقِيضَهُ إنَّما أصابَهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ عَلى مُوجَبِ الوَعِيدِ، لا بِالإرادَةِ الذّاتِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ، كَما قِيلَ في وجْهِ ذِكْرِ الإرادَةِ مَعَ الخَيْرِ والمَسِّ مَعَ الضُّرِّ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وهو السِّرُّ في جَرَيانِ السُّنَّةِ القرآنيَّةِ عَلى إسْنادِ الخَيْرِ إلَيْهِ تَعالى، وإضافَةِ الشَّرِّ إلى الغَيْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ.

والإخْلادُ إلى الشَّيْءِ: المَيْلُ إلَيْهِ مَعَ الِاطْمِئْنانِ بِهِ، والمُرادُ بِالأرْضِ: الدُّنْيا، وقِيلَ: السُّفالَةُ، والمَعْنى: ولَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيا الدَّنِيَّةَ عَلى المَنازِلِ السَّنِيَّةِ، أوِ الضَّعَةَ والسَّفالَةَ عَلى الرِّفْعَةِ والجَلالَةِ.

﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ مُعْرِضًا عَنْ تِلْكَ الآياتِ الجَلِيلَةِ، فانْحَطَّ أبْلَغَ انْحِطاطٍ، وارْتَدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ.

وَإلى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ لِما أنَّهُ أخَسُّ الحَيَواناتِ وأسْفَلُها.

وَقَدْ مُثِّلَ حالُهُ بِأخَسِّ أحْوالِهِ وأذَلِّها، حَيْثُ قِيلَ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾؛ أيْ: فَحالُهُ الَّتِي هي مَثَلٌ في السُّوءِ، كَصِفَتِهِ في أرْذَلِ أحْوالِهِ، وهي حالَةُ دَوامِ اللَّهَثِ بِهِ في حالَتَيِ التَّعَبِ والرّاحَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَتَرَدّى إلى ما لا غايَةَ وراءَهُ في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: فَصارَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ... إلَخْ؛ لِلْإيذانِ بِدَوامِ اتِّصافِهِ لِتِلْكَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ، وكَمالِ اسْتِقْرارِهِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها، والخِطابُ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِ.

واللَّهَثُ: إدْلاعُ اللِّسانِ بِالتَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ؛ أيْ: هو ضَيِّقُ الحالِ مَكْرُوبٌ، دائِمُ اللَّهَثِ سَواءً هَيَّجْتَهُ وأزْعَجْتَهُ بِالطَّرْدِ العَنِيفِ، أوْ تَرَكْتَهُ عَلى حالِهِ، فَإنَّهُ في الكِلابِ طَبْعٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْضِ الهَواءِ المُتَسَخِّنِ، وجَلْبِ الهَواءِ البارِدِ بِسُهُولَةٍ، لِضَعْفِ قَلْبِها وانْقِطاعِ فُؤادِها، بِخِلافِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ فَإنَّها لا تَحْتاجُ إلى التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ، ولا يَلْحَقُها الكَرْبُ والمُضايَقَةُ إلّا عِنْدَ التَّعَبِ والإعْياءِ.

والشَّرْطِيَّةُ مَعَ أُخْتِها تَفْسِيرٌ لِما أُبْهِمُ في المَثَلِ، وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ فِيهِ، وتَوْضِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ بِبَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ .

وَقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكَلْبِ، بِناءً عَلى خُرُوجِهِما مِن حَقِيقَةِ الشَّرْطِ، وتَحَوُّلِهِما إلى مَعْنى التَّسْوِيَةِ حَسَبَ تَحَوُّلِ الِاسْتِفْهامَيْنِ المُتَناقِضَيْنِ إلَيْهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: لاهِثًا في الحالَتَيْنِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا اعْتَراهُ بَعْدَ الِانْسِلاخِ مِن سُوءِ الحالِ، واضْطِرامِ القَلْبِ، ودَوامِ القَلَقِ والِاضْطِرابِ، وعَدَمِ الِاسْتِراحَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِمّا ذُكِرَ مِن حالِ الكَلْبِ.

وَقِيلَ: لَمّا دَعا بُلْعُمُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، خَرَجَ لِسانُهُ فَتَدَلّى عَلى صَدْرِهِ، وجَعَلَ يَلْهَثُ كالكَلْبِ إلى أنْ هَلَكَ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحالَةِ الخَسِيسَةِ مَنسُوبَةً إلى الكَلْبِ، أوْ إلى المُنْسَلِخِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها في الخِسَّةِ والدَّناءَةِ؛ أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ السَّيِّءُ.

﴿مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ، حَيْثُ أُوتُوا في التَّوْراةِ ما أُوتُوا مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ، وذِكْرِ القرآن المُعْجِزِ وما فِيهِ، فَصَدَّقُوهُ وبَشَّرُوا النّاسَ بِاقْتِرابِ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، وانْسَلَخُوا مِن حُكْمِ التَّوْراةِ.

﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالسَّلْبِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: إذا تَحَقَّقَ أنَّ المَثَلَ المَذْكُورَ مَثَلُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، فاقْصُصْهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْكَ.

﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَقِفُونَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ ويَنْزَجِرُونَ (p-294)عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، ويَعْلَمُونَ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ فَيَزْدادُونَ إيقانًا بِكَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فاقْصُصِ القِصَصَ راجِيًا لِتَفَكُّرِهِمْ؛ أيْ:، أوْ رَجاءً لِتَفَكُّرِهِمْ.

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

﴿ساءَ مَثَلا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ حالِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ كَحالِ الكَلْبِ، أوِ المُنْسَلِخِ، وساءَ بِمَعْنى بِئْسَ، وفاعِلُها مُضْمَرٌ فِيها، ومَثَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لَهُ.

والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وحَيْثُ وجَبَ التَّصادُقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاعِلِ والتَّمْيِيزِ، وجَبَ المَصِيرُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إمّا إلَيْهِ وهو الظّاهِرُ؛ أيْ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ ... إلَخْ، أوْ إلى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: ساءَ أصْحابُ مَثَلِ القَوْمِ ... إلَخْ.

وَقُرِئَ: ( ساءَ مَثَلُ القَوْمِ ) وإعادَةُ القَوْمِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُهم؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ السُّوءِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِرَبْطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِهِ، فَإنَّهُ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، بِمَعْنى: جَمَعُوا بَيْنَ تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْها وعِلْمِهِمْ بِها، وبَيْنَ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً، أوْ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ بِمَعْنى: وما ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ إلّا أنْفُسَهم، فَإنَّ وبالَهُ لا يَتَخَطّاها، وأيًّا ما كانَ، فَفي " يَظْلِمُونَ " لَمْحٌ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِالآياتِ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ، وأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مُعْتَبَرٌ في القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ.

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ لَمّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَقُصَّ قَصَصَ المُنْسَلِخِ عَلى هَؤُلاءِ الضّالِّينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِهِ لِيَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلادِ إلى الضَّلالَةِ، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ، عُقِّبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ، سِوى كَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ العَبْدِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، كَسائِرِ أفْعالِ العِبادِ.

فالمُرادُ بِهَذِهِ الهِدايَةِ ما يُوجِبُ الِاهْتِداءَ قَطْعًا، لَكِنْ لا لِأنَّ حَقِيقَتَها الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ البَتَّةَ، بَلْ لِأنَّها الفَرْدُ الكامِلُ مِن حَقِيقَةِ الهِدايَةِ الَّتِي هي الدَّلالَةُ إلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ؛ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ إلَيْها، كَما سَبَقَ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

وَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِاهْتِداءِ مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإفادَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِظُهُورِ اسْتِلْزامِ هِدايَتِهِ تَعالى لِلِاهْتِداءِ، ويُحْمَلُ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ الِاهْتِداءِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ كَمالٌ جَسِيمٌ ونَفْعٌ عَظِيمٌ، لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ لَكَفاهُ، بَلْ هو قَصْرُ الِاهْتِداءِ عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، حَسْبَما يَقْضِي بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ؛ فالمَعْنى: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ؛ أيْ: يَخْلُقْ فِيهِ الِاهْتِداءَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَهو المُهْتَدِي لا غَيْرُ كائِنًا مَن كانَ.

﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ بِأنْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ الِاهْتِداءَ، بَلْ خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَةَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ نَحْوَها.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالضَّلالَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ.

﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾؛ أيِ: الكامِلُونَ في الخُسْرانِ لا غَيْرُ، وإفْرادُ " المُهْتَدِي " نَظَرًا إلى لَفْظِ " مَن "، وجَمْعُ " الخاسِرِينَ " نَظَرًا إلى مَعْناها؛ لِلْإيذانِ بِاتِّحادِ مِنهاجِ الهُدى وتَفَرُّقِ (p-295)طُرُقِ الضَّلالِ.

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ؛ أيْ: خَلَقْنا.

﴿لِجَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها،

وَتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَثِيرًا﴾؛ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا بِهِ، لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْها إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِكَثِيرًا؛ أيْ: كائِنًا مِنهُما، وتَقْدِيمُ الجِنِّ؛ لِأنَّهم أعْرَقُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعلمه تعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ.

فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ، مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِكَمالِهِ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ لا بِحَسَبِ الفِطْرَةِ حَقِيقَةً، بَلْ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ عَنْ صَرْفِها إلى تَحْصِيلِهِ، وهَذا وصْفٌ لَها بِكَمالِ الإغْراقِ في القَساوَةِ، فَإنَّها حَيْثُ لَمْ يَتَأتَّ مِنها الفِقْهُ بِحالٍ، فَكَأنَّها خُلِقَتْ غَيْرَ قابِلَةٍ لَهُ رَأْسًا، وكَذا الحالُ في أعْيُنِهِمْ وآذانِهِمْ.

وَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ؛ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْقَهُوا بِها شَيْئًا مِمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْقَهَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ مُخِلٌّ بِالإفْصاحِ عَنْ كَوْنِهِ حالَهم.

﴿وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فِيما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ والسَّمْعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ، لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ، كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ؛ أيْ: لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، وإعادَةُ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، لِتَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وفي إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم.

ثُمَّ وصْفِها بِعَدَمِ الشُّعُورِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها، ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ ما لا يَخْفى.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ.

﴿كالأنْعامِ﴾؛ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها.

﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، فَتَجْتَهِدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ جُهْدِها، مَعَ كَوْنِها بِمَعْزِلٍ مِنَ الخُلُودِ، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا (p-296)كَذَلِكَ، حَيْثُ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ، فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ المُقِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الخالِدِ.

وَقِيلَ: لِأنَّها تَعْرِفُ صاحِبَها وتَذْكُرُهُ وتُطِيعُهُ، وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، ولا يَذْكُرُونَهُ، ولا يُطِيعُونَهُ، وفي الخَبَرِ كُلُّ شَيْءٍ أطْوَعُ لِلَّهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما مَرَّ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها.

﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، المُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُخَصَّ بِهِمْ الِاسْمُ ولا يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِمْ، كَيْفَ لا وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِن شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا مِن شُئُونِ ما سِواهُ شَيْئًا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، أصْنامَهُمُ الَّتِي هي مِن أخَسِّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى.

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعالى، وكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بِذَلِكَ، الغافِلِينَ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، إثْرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمُ التّامَّةِ وضَلالَتِهِمُ الطّامَّةِ.

والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ؛ أيِ: الأسْماءُ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ، وأجَلُّها لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها.

﴿فادْعُوهُ بِها﴾؛ أيْ: فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ.

﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الإلْحادُ واللَّحْدُ: المَيْلُ والِانْحِرافُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ: إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، وقُرِئَ: ( يَلْحِدُونَ ) مِنَ الثُّلاثِيِّ؛ أيْ: يَمِيلُونَ في شَأْنِها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، إمّا بِأنْ يُسَمُّوهُ تَعالى بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، أوْ بِما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا، كَما في قَوْلِ أهْلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِمِ، يا أبْيَضَ الوَجْهِ، يا بَخِي، ونَحْوِ ذَلِكَ.

فالمُرادُ بِالتَّرْكِ المَأْمُورِ بِهِ: الِاجْتِنابُ عَنْ ذَلِكَ، وبِأسْمائِهِ ما أطْلَقُوهُ عَلَيْهِ تَعالى، وسَمَّوْهُ بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ لا أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَرْكُ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: يُلْحِدُونَ فِيها، وإمّا بِأنْ يَعْدِلُوا عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَعالى بِبَعْضِ أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ، كَما قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ سِوى رَحْمانِ اليَمامَةِ.

فالمُرادُ بِالتَّرْكِ: الِاجْتِنابُ أيْضًا، وبِالأسْماءِ: أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً؛ فالمَعْنى: سَمُّوهُ تَعالى بِجَمِيعِ أسْمائِهِ الحُسْنى، واجْتَنِبُوا إخْراجَ بَعْضِها مِنَ البَيْنِ، وإمّا بِأنْ يُطْلِقُوها عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما سَمَّوْا أصْنامَهم آلِهَةً، وإمّا بِأنْ يَشْتَقُّوا مِن بَعْضِها أسْماءَ أصْنامِهِمْ، كَما اشْتَقُّوا اللّاتَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ.

فالمُرادُ بِالأسْماءِ: أسْماؤُهُ تَعالى حَقِيقَةً، كَما في الوَجْهِ الثّانِي، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ مَعَ التَّجْرِيدِ عَنِ الوَصْفِ في الكُلِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْحادَهم في نَفْسِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الوَصْفِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّرْكِ حِينَئِذٍ: الِاجْتِنابَ عَنْ ذَلِكَ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا الإلْحادِ عَنِ المُؤْمِنِينَ ليُؤْمَرُوا بِتَرْكِهِ، بَلْ هو الإعْراضُ عَنْهم وعَدَمُ المُبالاةِ بِما فَعَلُوا، تَرَقُّبًا لِنُزُولِ العُقُوبَةِ بِهِمْ عَنْ قَرِيبٍ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِعَدَمِ المُبالاةِ والإعْراضِ عَنِ المُجازاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمْ لا نُبالِي بِإلْحادِهِمْ ولا نَتَصَدّى لِمُجازاتِهِمْ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ يُنْزَلُ بِهِمْ عُقُوبَتُهُ، وتَتَشَفَّوْنَ بِذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فالمَعْنى: اجْتَنِبُوا إلْحادَهم كَيْلا يُصِيبَكم ما أصابَهم، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عُقُوبَةُ إلْحادِهِمْ.

7:181Page 174

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ (p-297)مَن عَدا المَذْكُورِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ والإلْحادِ عَنِ الحَقِّ، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ ...﴾ إلَخْ؛ أيْ: وبَعْضُ مَن خَلَقْنا، أوْ وبَعْضٌ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ؛ أيْ: طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ يَهْدُونَ النّاسَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ، وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ في الحُكُوماتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم ولا يَجُورُونَ فِيها.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأها: " هَذِهِ لَكم، وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ ...﴾ " الآيَةَ. وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى» "، ورُوِيَ: " «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي طائِفَةٌ عَلى الحَقِّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» "، ورُوِيَ: " «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم ولا مَن خالَفَهم، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم ظاهِرُونَ» " .

وَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ ما لا يَخْفى، والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِمْ بِهِدايَةِ النّاسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اهْتِداءَهم في أنْفُسِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ.

7:182Page 174

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي بِهِ يَهْدِي الهادُونَ، وبِهِ يَعْدِلُ العادِلُونَ، وحَمْلُ النّاسِ عَلى الِاهْتِداءِ بِهِ عَلى وجْهِ التَّرْهِيبِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَشْرِيفِها، واسْتِعْظامِ الإقْدامِ عَلى تَكْذِيبِها؛ أيْ: والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي هي مِعْيارُ الحَقِّ، ومِصْداقُ الصِّدْقِ والعَدْلِ.

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أيْ: نَسْتَدْنِيهِمُ البَتَّةَ إلى الهَلاكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، والِاسْتِدْراجُ: اسْتِفْعالٌ مِن دَرَجَ؛ إمّا بِمَعْنى: صَعِدَ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ، سَواءً كانَ بِطَرِيقِ الصُّعُودِ، أوِ الهُبُوطِ، أوْ الِاسْتِقامَةِ، وإمّا بِمَعْنى: مَشى مَشْيًا ضَعِيفًا، وإمّا بِمَعْنى: طَوى.

والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَعْنى المُرادِ، الَّذِي هو النَّقْلُ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَهالِكِ لِيَبْلُغَ أقْصى مَراتِبِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِطَلَبِ كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ المُلائِمَةِ لِلْمُنْتَقِلِ المُوافِقَةِ لِهَواهُ، بِحَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ ذَلِكَ تَرَقٍّ في مَراقِي مَنافِعِهِ، مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ تَرَدٍّ في مَهاوِي مَصارِعِهِ، فاسْتِدْراجُهُ سُبْحانَهُ إيّاهم: أنْ يُواتِرَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، فَيَحْسَبُوا أنَّها لُطْفٌ لَهم مِنهُ تَعالى، فَيَزْدادُوا بَطَرًا وطُغْيانًا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المَطْلُوبَ تَدَرُّجُهم في مَراتِبِ النِّعَمِ، بَلْ هو تَدَرُّجُهم في مَدارِجِ المَعاصِي إلى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى أفْظَعِ حالٍ وأشْنَعِها، والأوَّلُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: سَنَسْتَدْرِجُهُمُ اسْتِدْراجًا كائِنًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَقْرِيبٌ مِنهُ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ.

7:183Page 174

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ السِّينِ، لِما أنَّ الإمْلاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإمْهالِ والإطالَةِ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ التَّدْرِيجِيَّةِ، كالِاسْتِدْراجِ الحاصِلِ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هو فِعْلٌ يَحْصُلُ دُفْعَةً، وإنَّما الحاصِلُ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ آثارُهُ (p-298)وَأحْكامُهُ لا نَفْسُهُ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن الِافْتِنانِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، لِابْتِنائِهِ عَلى تَجْدِيدِ القَصْدِ والعَزِيمَةِ.

وَأمّا إنَّ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ بِمَحْضِ التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ، والِاسْتِدْراجِ بِتَوَسُّطِ المُدَبَّراتِ، فَمَبْناهُ دَلالَةُ نُونِ العَظَمَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، وأنّى ذَلِكَ وإلّا لاحْتُرِزَ عَنْ إيرادِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم ...﴾ الآيَةَ، بَلْ إنَّما إيرادُها في أمْثالِ هَذِهِ المَوارِدِ بِطَرِيقِ الجَرَيانِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.

﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ أيْ: قَوِيٌّ لا يُدافَعُ بِقُوَّةٍ ولا بِحِيلَةٍ، والمُرادُ بِهِ: إمّا الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ مَعَ نَتِيجَتِهِما الَّتِي هي الأخْذُ الشَّدِيدُ عَلى غِرَّةٍ، فَتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا لِما أنَّ ظاهِرَهُ لُطْفٌ وباطِنَهُ قَهْرٌ، وإمّا نَفْسُ ذَلِكَ الأخْذِ فَقَطْ؛ فالتَّسْمِيَةُ لِكَوْنِ مُقَدِّماتِهِ كَذَلِكَ.

وَأمّا أنَّ حَقِيقَةَ الكَيْدِ هو الأخْذُ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ إظْهارُ خِلافِ ما أبْطَنَهُ، فَمِمّا لا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ، ضَرُورَةَ اسْتِدْعائِهِ لِاعْتِبارِ القَيْدِ المَذْكُورِ حَتْمًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском