Abu as-Su'udAt‑Tawbah · 9:36–43

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:36–43

9:36Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ: عَدَدَها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ، وهو مَعْمُولٌ لَها؛ لِأنَّها مَصْدَرٌ ﴿اثْنا عَشَرَ﴾ خَبَرٌ لِـ"إنَّ" ﴿شَهْرًا﴾ تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ، كَما في قَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الدَّنانِيرِ عِشْرُونَ دِينارًا، والمُرادُ: الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ إذْ عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ فِيما أثْبَتَهُ وأوْجَبَهُ، وهو صِفَةُ ﴿ (اثْنا عَشَرَ)﴾ أيِ: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مُثْبَتًا في كِتابِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِالكِتابِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَعْنى: إنَّ هَذا أمْرٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأجْرامَ والحَرَكاتِ والأزْمِنَةَ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ﴿أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ ﷺ في خُطْبَتِهِ في حِجَّةِ الوَداعِ: ««ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ»» والمَعْنى: رَجَعَتِ الأشْهُرُ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحِلِّ والحُرْمَةِ، وعادَ الحَجُّ إلى ذِي الحِجَّةِ بَعْدَما كانُوا أزالُوهُ عَنْ مَحَلِّهِ بِالنَّسِيءِ الَّذِي أحْدَثُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ وافَقَتْ حَجَّةُ الوَداعِ ذا الحِجَّةِ، وكانَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -قَبْلَها في ذِي القَعْدَةِ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ المُعَيَّنَةِ المَعْدُودَةِ - وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ المُشارِ إلَيْهِ - هو ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَقِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَتِ العَرَبُ قَدْ تَمَسَّكَتْ بِهِ وِراثَةً مِنهُما، وكانُوا يُعَظِّمُونَ الأشْهُرَ الحُرُمَ ويَكْرَهُونَ القِتالَ فِيها، حَتّى إنَّهُ لَوْ لَقِيَ رَجُلٌ قاتِلَ أبِيهِ أوْ أخِيهِ لَمْ يُهِجْهُ، وسَمَّوْا رَجَبًا الأصَمَّ، ومُنْصِلَ الأسِنَّةِ حَتّى أحْدَثُوا النَّسِيءَ فَغَيَّرُوا.

﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِهِنَّ، وارْتِكابِ ما حُرِّمَ فِيهِنَّ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ القِتالِ فِيهِنَّ مَنسُوخَةٌ، وأنَّ الظُّلْمَ ارْتِكابُ المَعاصِي فِيهِنَّ، فَإنَّهُ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ.

وَعَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ ولا في الأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، وما نُسِخَتْ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ (p-64)ﷺ حَصَرَ طائِفًا، وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالٍ وذِي القِعْدَةِ.

﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ: جَمِيعًا، وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ، فَإنَّ الجَمِيعَ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ، وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: مَعَكم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ فِيما تُباشِرُونَهُ مِنَ القِتالِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَهُ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى، وحَثًّا لِلْقاصِرِينَ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في النَّصْرِ، وقِيلَ: هي بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم.

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ هو مَصْدَرُ (نَسَأهُ) إذا أخَّرَهُ نَسَأً ونَساءً ونَسِيئًا، نَحْوُ: مَسَّ مَسًّا ومِساسًا ومَسِيسًا، وقُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا، وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وتَشْدِيدِ الياءِ الأُولى فِيها، كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ، وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ حَتّى رَفَضُوا خُصُوصَ الأشْهُرِ، واعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ العَدَدِ، ورُبَّما زادُوا في عَدَدِ الشُّهُورِ بِأنْ يَجْعَلُوها ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِيَتَّسِعَ لَهُمُ الوَقْتُ ويَجْعَلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ حُرُمًا، ولِذَلِكَ نُصَّ عَلى العَدَدِ المُعَيَّنِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، أيْ: إنَّما تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ لِأنَّهُ تَحْلِيلُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ وتَحْرِيمُ ما حَلَّلَهُ، فَهو كَفْرٌ آخَرُ مَضْمُومٌ إلى كُفْرِهِمْ ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَلالًا عَلى ضَلالِهِمُ القَدِيمِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الأفْعالِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ: يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِمَبادِئِهِ وأسْبابِهِ، وهو المَعْنِيُّ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، وقِيلَ: المُضِلُّونَ حِينَئِذٍ رُؤَساؤُهُمْ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ أتْباعِهِمْ، وقُرِئَ (يَضَلُّ) بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَّلَ يُضَلِّلُ و(نُضِلُّ) بِنُونِ العَظَمَةِ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أيِ: الشَّهْرَ المُؤَخَّرَ ﴿عامًا﴾ مِنَ الأعْوامِ ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِمّا لَيْسَ بِحَرامٍ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ أيْ: يُحافِظُونَ عَلى حُرْمَتِهِ كَما كانَتْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ بِاعْتِبارِ إحْلالِهِمْ لَهُ في العامِ الماضِي، أوْ لِإسْنادِهِمْ لَهُ إلى آلِهَتِهِمْ كَما سَيَجِيءُ ﴿عامًا﴾ آخَرَ، إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَغْيِيرِهِ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وكانَ إذا هَمَّ النّاسُ بِالصَّدَرِ مِنَ المَوْسِمِ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ويَقُولُ: لا مَرَدَّ لِما قَضَيْتُ، وأنا الَّذِي لا أُعابُ ولا أُجابُ، فَيَقُولُ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ أنْ يَنْسَئَهم شَهْرًا يُغَيِّرُونَ فِيهِ، فَيَقُولُ: إنَّ صَفَرَ العامَ حَرامٌ، فَإذا قالَ: ذَلِكَ حَلُّوا الأوْتارَ، ونَزَعُوا الأسِنَّةَ والأزِجَّةَ، وإنْ قالَ: حَلالٌ، عَقَدُوا الأوْتارَ، وشَدُّوا الأزِجَّةَ، وأغارُوا.

وَقِيلَ: هو جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ، وكانَ مُطاعًا في الجاهِلِيَّةِ، كانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ، فَيُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحِلُّوهُ، ثُمَّ يَقُومُ في العامِ القابِلِ فَيَقُولُ: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ، وقِيلَ: هو رَجُلٌ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: القَلَمَّسُ، قالَ قائِلُهُمْ:

؎ ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسْ

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أوَّلُ مَن سَنَّ النَّسِيءَ عُمَرُ بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ، والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ، أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، والعامِلُ عامِلُهُ.

﴿لِيُواطِئُوا﴾ أيْ: لِيُوافِقُوا ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ الثّانِي، أوْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَجْمُوعِ الفِعْلَيْنِ ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بِخُصُوصِهِ مِنَ الأشْهُرِ المُعَيَّنَةِ ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ وقُرِئَ عَلى البِناءِ (p-65)لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: جَعَلَ أعْمالَهم مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: خَذَلَهم حَتّى حَسِبُوا قَبِيحَ أعْمالِهِمْ حَسَنًا، فاسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ البَتَّةَ، وإنَّما يَهْدِيهِمْ إلى ما يُوَصِّلُ إلَيْهِ عِنْدَ سُلُوكِهِ، وهم قَدْ صَدُّوا عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ فَتاهُوا في تِيهِ الضَّلالِ.

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ رُجُوعٌ إلى حَثِّ المُؤْمِنِينَ وتَجْرِيدِ عَزائِمِهِمْ عَلى قِتالِ الكَفَرَةِ إثْرَ بَيانِ طَرَفٍ مِن قَبائِحِهِمُ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ ﴿ما لَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَباطَأْتُمْ وتَقاعَسْتُمْ، أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، أيْ (أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ)، أوْ (حاصِلٌ لَكُمْ)، أوْ: ما تَصْنَعُونَ حِينَ قالَ لَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ: (انْفِرُوا) أيِ: اخْرُجُوا إلى الغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَثاقِلِينَ، عَلى أنَّ الفِعْلَ ماضٍ لَفْظًا مُضارِعٌ مَعْنًى،كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَثاقَلُونَ، فالعامِلُ في الظَّرْفِ الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في لَكُمْ، أوْ مَعْنى الفِعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ الحالُ، أيْ: ما لَكم مُتَثاقِلِينَ حِينَ قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا؟! وقُرِئَ (أثّاقَلْتُمْ) عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ، فالعامِلُ في الظَّرْفِ حِينَئِذٍ إنَّما هو الأوَّلُ.

﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اثّاقَلْتُمْ) عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، أيِ: اثّاقَلْتُمْ ماثِلِينَ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها الفانِيَةِ عَمّا قَلِيلٍ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ الغَزْوِ ومَتاعِبَهُ المُسْتَتْبِعَةَ لِلرّاحِلَةِ الخالِدَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أوْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ودِيارِكُمْ، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في سَنَةِ عَشْرٍ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ، اسْتُنْفِرُوا في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَحْطٍ وقَيْظٍ، وقَدْ أدْرَكَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ، وطابَتْ ظِلالُها مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وقِيلَ: ما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزاها إلّا ورّى بِغَيْرِها إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإنَّهُ ﷺ بَيَّنَ لَهُمُ المَقْصِدَ فِيها لِيَسْتَعِدُّوا لَها.

﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وغُرُورِها ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها الدّائِمِ ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أيْ: فَما التَّمَتُّعُ بِها وبِلَذائِذِها ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ أيْ: مُسْتَحْقَرٌ لا يُؤْبَهُ لَهُ، وفي تَرْشِيحِ الحَياةِ الدُّنْيا - بِما يُؤْذِنُ بِنَفاسَتِها ويَسْتَدْعِي الرَّغْبَةَ فِيها - وتَجْرِيدِ الآخِرَةِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا ودَناءَتِها، وعِظَمِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعُلُوِّها.

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ أيْ: إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: يُهْلِكْكم بِسَبَبٍ فَظِيعٍ هائِلٍ كَقَحْطٍ ونَحْوِهِ ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بِكم - بَعْدَ إهْلاكِكم - ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وصَفَهم بِالمُغايِرَةِ لَهم لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، والتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ بِالدَّلالَةِ عَلى المُغايَرَةِ الوَصْفِيَّةِ والذّاتِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلِاسْتِئْصالِ، أيْ: قَوْمًا مُطِيعِينَ مُؤْثِرِينَ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، لَيْسُوا مِن أوْلادِكم ولا أرْحامِكم كَأهْلِ اليَمَنِ، وأبْناءِ فارِسَ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى (p-66)شِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى.

﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نُصْرَةِ دِينِهِ أصْلًا، فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ والنُّصْرَةِ، وكانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا لا مَحالَةَ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى إهْلاكِكم والإتْيانِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ.

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ الَّذِي قَدْ نَصَرَهُ في وقْتِ ضَرُورَةٍ أشَدَّ مِن هَذِهِ المَرَّةِ، فَحُذِفَ الجَزاءُ وأُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ، أوْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ لَهُ النُّصْرَةَ حَتّى نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ.

﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: تَسَبَّبُوا لِخُرُوجِهِ حَيْثُ أُذِنَ لَهُ ﷺ في ذَلِكَ حِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﷺ وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي النّاقِصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ ﷺ ثانِيًا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ورابِعُ أرْبَعَةٍ ونَحْوُ ذَلِكَ - أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدَهُ، بِأنْ يُقالَ: ثالِثٌ ثَلاثَةً ورابِعٌ أرْبَعَةً، وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ مِن سُورَةِ المائِدَةِ، وجَعْلُهُ ﷺ ثانِيَهُما لِمَشْيِ الصِّدِّيقِ أمامَهُ، ودُخُولِهِ في الغارِ أوَّلًا؛ لِكَنْسِهِ وتَسْوِيَةِ البِساطِ - كَما ذُكِرَ في الأخْبارِ - تَمَحُّلٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ أخْرَجَهُ) بَدَلُ البَعْضِ، إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ، والغارُ ثُقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أوْ ظَرْفٌ لِـ(ثانِيَ) ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أيِ: الصِّدِّيقِ ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ بِالعَوْنِ والعِصْمَةِ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ: الوِلايَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي لا تَحُومُ حَوْلَ صاحِبِها شائِبَةُ شَيْءٍ مِنَ الحُزْنِ، وما هو المَشْهُورُ مِنِ اخْتِصاصِ (مَعَ) بِالمَتْبُوعِ، فالمُرادُ بِما فِيهِ مِنَ المَتْبُوعِيَّةِ هو المَتْبُوعِيَّةُ في الأمْرِ المُباشِرِ.

رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الغارِ، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ نُصَبِ اليَوْمَ ذَهَبَ دِينُ اللَّهِ، فَقالَ ﷺ: "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما"» وقِيلَ: «لَمّا دَخَلا الغارَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى حَمامَتَيْنِ فَباضَتا في أسْفَلِهِ، والعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ أعْمِ أبْصارَهُمْ"» فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَ الغارِ ولا يَفْطَنُونَ، قَدْ أخَذَ اللَّهُ تَعالى أبْصارَهم عَنْهُ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ طَبَقَةِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وسابِقَةِ صُحْبَتِهِ ما لا يَخْفى، ولِذَلِكَ قالُوا: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أمَنَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ ﴿عَلَيْهِ﴾ عَلى النَّبِيِّ - ﷺ – فالمُرادُ بِها ما لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ الخَوْفِ أصْلًا، أوْ عَلى صاحِبِهِ إذْ هو المُنْزَعِجُ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَكانَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ﴿وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ عَطْفٌ عَلى (نَصَرَهُ اللَّهُ) والجُنُودُ هُمُ المَلائِكَةُ النّازِلُونَ يَوْمَ بَدْرٍ والأحْزابِ وحُنَيْنٍ، وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ، ويَأْباهُ وصْفُهم بِعَدَمِ رُؤْيَةِ المُخاطَبِينَ لَهم.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ يَعْنِي: الشِّرْكَ أوْ دَعْوَةَ الكُفْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ لا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ (p-67)الإنْجاءِ، بَلْ بِالقَتْلِ والأسْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ أيِ: التَّوْحِيدُ، أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ ﴿هِيَ العُلْيا﴾ لا يُدانِيها شَيْءٌ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها في نَفْسِها كَذَلِكَ، لا يَتَبَدَّلُ شَأْنُها ولا يَتَغَيَّرُ حالُها دُونَ غَيْرِها مِنَ الكَلِمِ، ولِذَلِكَ وُسِّطَ ضَمِيرُ الفِعْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (كَلِمَةَ الَّذِينَ) ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ ﴿حَكِيمٌ﴾ في حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ.

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

﴿انْفِرُوا﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالنُّفُورِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ والإنْكارِ عَلى المُساهَلَةِ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ كانَ مِن يُسْرٍ وعُسْرٍ حاصِلَيْنِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِنَ الصِّحَةِ والمَرَضِ، أوِ الغِنى والفَقْرِ، أوْ قِلَّةِ العِيالِ وكَثْرَتِهِمْ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَظِمُهُ مُساعَدَةُ الأسْبابِ وعَدَمُها بَعْدَ الإمْكانِ والقُدْرَةِ في الجُمْلَةِ.

وَما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِما مِن قَوْلِهِمْ "خِفاقًا" لِقِلَّةِ عِيالِكم و"ثِقالًا" لِكَثْرَتِها، أوْ "خِفاقًا" مِنَ السِّلاحِ و"ثِقالًا" مِنهُ، أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ شَبانًا وشُيُوخًا، أوْ مَهازِيلَ وسِمانًا، أوْ صِحاحًا ومِراضًا - لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الأمْرَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ مُقارَنَةٍ لِلْباقِي.

«وَعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟ قالَ ﷺ: "نَعَمْ"» حَتّى نَزَلَ: ﴿ (لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ)﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ... الآيَةَ.

﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيجابٌ لِلْجِهادِ بِهِما إنْ أمْكَنَ، وبِأحَدِهِما عِنْدَ إمْكانِهِ وإعْوازِ الآخَرِ، حَتّى إنَّ مَن ساعَدَهُ النَّفْسُ والمالُ يُجاهِدُ بِهِما، ومَن ساعَدَهُ المالُ دُونَ النَّفْسِ يُغَزّى مَكانَهُ مَن حالُهُ عَلى عَكْسِ حالِهِ، إلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقِيلَ: هو إيجابٌ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ فَقَطْ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النَّفِيرِ والجِهادِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا يُبْتَغى بِتَرْكِهِ مِنَ الرّاحَةِ، والدَّعَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ - إذْ لا احْتِمالَ لِغَيْرِ الصِّدْقِ في أخْبارِ اللَّهِ تَعالى - فَبادِرُوا إلَيْهِ.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

﴿لَوْ كانَ﴾ صَرْفٌ لِلْخِطابِ عَنْهُمْ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْدِيدًا لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ قَوْلًا وفِعْلًا عَلى طَرِيقِ المُباثَّةِ، وبَيانًا لِدَناءَةِ هِمَمِهِمْ وسائِرِ رَذائِلِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ العَرَضُ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، أيْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ غَنْمًا سَهْلَ المَأْخَذِ قَرِيبَ المالِ ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ ذا قَصْدٍ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ في النَّفِيرِ طَمَعًا في الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وتَعْلِيقُ الِاتِّباعِ بِكِلا الأمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ السَّفَرِ فَقَطْ ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الشّاطَّةُ الشّاقَّةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ، وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الغَزْوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِاللَّهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَيَحْلِفُونَ)، أوْ هو مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ، والقَوْلُ مُرادٌ عَلى الوَجْهَيْنِ، أيْ: سَيَحْلِفُونَ (p-68)بِاللَّهِ اعْتِذارًا عِنْدَ قُفُولِكَ قائِلِينَ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أوْ سَيَحْلِفُونَ قائِلِينَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا... إلَخْ، أيْ: لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةٌ مِن جِهَةِ العُدَّةِ، أوْ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ، أوْ مِن جِهَتِهِما جَمِيعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم مِنَ الكَذِبِ والتَّعَلُّلِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهم (لَوِ اسْتَطَعْنا) في قُوَّةِ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ" وتَصْدِيقٌ لَهُ، والإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِنهم بَعْدَ القُفُولِ - وقَدْ وقَعَ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ - مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. وقُرِئَ (لَوُ اسْتَطَعْنا) بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ .

﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ؛ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إهْلاكٌ لِلنَّفْسِ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ««اليَمِينُ الفاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ»» أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهُمْ، أوْ مِن فاعِلِ (خَرَجْنا) جِئْ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنْهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَهْلَكُ أنْفُسَنا، أيْ: لَخَرَجْنا مَعَكم مُهْلِكِينَ أنْفُسَنا، كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مَكانَ لَأفْعَلَنَّ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وفِيما ادَّعَوْا ضِمْنًا مِنِ انْتِفاءِ تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ، حَيْثُ كانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ ولَمْ يَخْرُجُوا.

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ عَفا عَنْهُ ﷺ ما وقَعَ مِنهُ عِنْدَ اسْتِئْذانِ المُتَخَلِّفِينَ في التَّخَلُّفِ، مُعْتَذِرِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، وإذْنُهُ اعْتِمادًا عَلى أيْمانِهِمْ ومَواثِيقِهِمْ لِخُلُوِّها عَنِ المُزاحِمِ مِن تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ، الَّذِي هو التَّأنِّي والتَّوَقُّفُ إلى انْجِلاءِ الأمْرِ وانْكِشافِ الحالِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأيِّ سَبَبٍ أذِنْتَ لَهم في التَّخَلُّفِ حِينَ اعْتَلُّوا بِعِلَلِهِمْ، بَيانٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالعَفْوِ مِن تَرْكِ الأوْلى، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ أُمُورُهُ ﷺ مَنُوطَةً بِأسْبابٍ قَوِيَّةٍ مُوجِبَةٍ لَها، أوْ مُصَحِّحَةٍ، وأنَّ ما أبْرَزُوهُ في مَعْرِضِ التَّعَلُّلِ والِاعْتِذارِ مَشْفُوعًا بِالأيْمانِ كانَ بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإذْنِ قَبْلَ ظُهُورِ صِدْقِهِ، وكِلْتا اللّامَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإذْنِ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى، فَإنَّ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْلِيغِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِجَمِيعِ المُسْتَأْذِنِينَ، وتَوَجُّهُ الإنْكارِ إلى الإذْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ لا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ بَعْضِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مِن عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ مِن جِهَةِ المالِ، أوْ مِن جِهَةِ البَدَنِ، أوْ مِن جِهَتِهِما مَعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم هُناكَ ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ، فَتُعامِلَ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَحِقُّهُ، وهو بَيانٌ لِذَلِكَ الأوْلى الأفْضَلِ، وتَخْصِيصٌ لَهُ - ﷺ – عَلَيْهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (حَتّى) - سَواءٌ كانَتْ بِمَعْنى اللّامِ أوْ بِمَعْنى إلى - لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ إذْنُهُ ﷺ لَهم مُعَلِّلًا أوْ مُغِيًّا بِالتَّبَيُّنِ والعِلْمِ، ويَكُونُ تَوَجُّهُ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وذَلِكَ بَيِّنُ الفَسادِ بَلْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهُمْ؟ وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَنْجَلِيَ الأمْرُ؟ كَما هو قَضِيَّةُ الحَزْمِ.

قالَ قَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأُسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى كَما تَسْمَعُونَ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِأنْ عَبَّرَ عَنِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌ عَلى الحُدُوثِ، وعَنِ الفَرِيقِ الثّانِي بِاسْمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلدَّوامِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الأوَّلِينَ صِدْقٌ حادِثٌ في أمْرٍ خاصٍّ غَيْرُ مُصَحِّحٍ لِنَظْمِهِمْ في سِلْكِ الصّادِقِينَ، وأنَّ ما صَدَرَ مِنَ الآخِرِينَ (p-69)وَإنْ كانَ كَذِبًا حادِثًا مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ خاصٍّ - لَكِنَّهُ أمْرٌ جارٍ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ، ناشِئٌ عَنْ رُسُوخِهِمْ في الكَذِبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ظُهُورِ الصِّدْقِ بِالتَّبَيُّنِ، وعَمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ بِالعِلْمِ لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ مَدْلُولَ الخَبَرِ هو الصِّدْقُ، والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، فَظُهُورُ صِدْقِهِ إنَّما هو تَبَيُّنُ ذَلِكَ المَدْلُولِ وانْقِطاعُ احْتِمالِ نَقِيضِهِ بَعْدَما كانَ مُحْتَمِلًا لَهُ احْتِمالًا عَقْلِيًّا، وأمّا كَذِبُهُ فَأمْرٌ حادِثٌ لا دِلالَةَ لِلْخَبَرِ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ حَتّى يَكُونَ ظُهُورُهُ تَبَيُّنًا لَهُ، بَلْ هو نَقِيضٌ لِمَدْلُولِهِ فَما يَتَعَلَّقُ بِهِ يَكُونُ عِلْمًا مُسْتَأْنَفًا، وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لا إلى المَعْلُومِينَ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ إسْنادِ التَّبَيُّنِ إلى الأوَّلِينَ - لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا عِلْمُهُ ﷺ بِهِمْ ومُؤاخَذَتُهم بِمُوجِبِهِ بِخِلافِ الأوَّلِينَ، حَيْثُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ، ومَن لَمْ يَنْتَبِهْ لِهَذا قالَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ مَن صَدَقَ في عُذْرِهِ مِمَّنْ كَذَبَ فِيهِ.

وَإسْنادُ التَّبَيُّنِ إلى الأوَّلِينَ وتَعْلِيقُ العِلْمِ بِالآخِرِينَ - مَعَ أنَّ مَدارَ الإسْنادِ والتَّعَلُّقِ أوَّلًا وبِالذّاتِ هو وصْفُ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - لِما أنَّ المَقْصِدَ هو العِلْمُ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِما بِوَصْفَيْهِما المَذْكُورَيْنِ ومُعامَلَتِهِما بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِما لا العِلْمُ بِوَصْفَيْهِما بِذاتَيْهِما، أوْ بِاعْتِبارِ قِيامِهِما بِمَوْصُوفَيْهِما.

هَذا، وفي تَصْدِيرِ فاتِحَةِ الخِطابِ بِبِشارَةِ العَفْوِ دُونَ ما يُوهِمُ العِتابَ مِن مُراعاةِ جانِبِهِ ﷺ وتَعَهُّدِهِ بِحُسْنِ المُفاوَضَةِ، ولُطْفِ المُراجِعَةِ ما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألباب.

قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إلى هَذا اللُّطْفِ، بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْفُوِّ، ولَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ - وبِئْسَما فَعَلَ فِيما قالَ وكَتَبَ - مَن زَعَمَ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وأنَّ مَعْناهُ: أخْطَأْتَ وبِئْسَما فَعَلْتَ، هَبْ أنَّهُ كِنايَةٌ ألَيْسَ إيثارُها عَلى التَّصْرِيحِ بِالجِنايَةِ لِلتَّلْطِيفِ في الخِطابِ، والتَّخْفِيفِ في العِتابِ، وهَبْ أنَّ العَفْوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَطَأِ، فَهَلْ هو مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ مِنَ القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ بِحَيْثُ يُصَحِّحُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ المُشافَهَةِ بِالسُّوءِ، أوْ يُسَوِّغُ إنْشاءَ الِاسْتِقْباحِ بِكَلِمَةِ (بِئْسَما) المُنْبِئَةِ عَنْ بُلُوغِ القُبْحِ إلى رُتْبَةٍ يُتَعَجَّبُ مِنها.

وَلا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في خُرُوجِهِمْ مُصْلِحَةٌ لِلدِّينِ، أوْ مَنفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، بَلْ كانَ فِيهِ فَسادٌ وخَبالٌ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ ... إلَخْ، وقَدْ كَرِهَهُ سُبْحانَهُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ ... الآيَةَ.

نَعَمْ، كانَ الأوْلى تَأْخِيرُ الإذْنِ حَتّى يَظْهَرَ كَذِبُهم آثِرَ ذِي أثِيرٍ، ويَفْتَضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ولا يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمَتُّعِ بِالعَيْشِ عَلى الأمْنِ والدَّعَةِ، ولا يَتَسَنّى لَهُمُ الِابْتِهاجُ فِيما بَيْنَهُمْ، بِأنَّهم غَرُّوهُ ﷺ وأرْضَوْهُ بِالأكاذِيبِ، عَلى أنَّهُ لَمْ يَهْنَأْ لَهم عَيْشٌ، ولا قَرَّتْ لَهم عَيْنٌ إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى أمْنٍ واطْمِئْنانٍ، بَلْ كانُوا عَلى خَوْفٍ مِن ظُهُورِ أمْرِهِمْ وقَدْ كانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском