Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الفاتحة
Al-Fatihah
The Opener · Meccan · 7 ayahs
1:1Page 1
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١
In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2
١ - ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾أي:بذكر الله تعالى وتسميته أبتدىء وأقرأ. والابتداء بالبسملة : إرشاد من الله تعالى لعباده، في شروع كل أمر قولي أو فعلي، بذكر اسمه تعالى تبركا واستعانة به على تمامه وقبوله وأنه لا حول ولا قوة إلا به.و المتعلق بالباء في(بسم الله): إما مقدر باسم تقديره: باسم الله أبتدئ، كما في قوله تعالى(بسم الله مجريها ومرساها)هود(٤١)، أو بفعل تقديره: أبدأ باسم الله، كما في قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)العلق(١). و(الله): علم على الرب تبارك وتعالى وذاته العلية، لم يسم به غيره، موصوف بجميع صفات الكمال والجلال وصفات الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وهو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق. و أصله: «إلاه» على فعال، بمعنى: مفعول، لأنه مألوه، أي: معبود.والإله: هو المعبود بحق.قال تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم...)الحشر(٢٢-٢٤).و(الرحمن الرحيم): اسمان مشتقان من الرحمة وهي الإحسان والتفضل بالنعم.و(الرحمن) على وزن فعلان: ذو الرحمة التي وسعت كل شيء ، لعمومها في الدارين جميع خلقه، وهو اسم له تعالى لم يسم به غيره، كما في قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)الإسراء(١١٥)، وكقوله سبحانه : (الرحمن على العرش استوى)طه(٥). وفي الحديث القدسي: عن عبد الرحمن ابن عوف، مرفوعا:«قال الله : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». أخرجه الترمذي. و(الرحيم): من يرحم غيره بالفعل ، ومنه: إيصال الرحمة إلى المرحوم ، على وزن فعيل بمعنى فاعل، كقولهم: قدير، بمعنى: قادر، قال تعالى: (وكان بالمؤمنين رحيماً) الأحزاب (٤٣). و اختلف في البسملة على أقوال :فقيل :هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها. و قيل : هي بعض آية من أول كل سورة. أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها.وقيل: إنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل بين السور.قلت: وهو الراجح عندي، لحديث أبي هريرة المتقدم عند مسلم: «قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين...» و فيه : أنه بدأ ب (الحمد لله رب العالمين) دون البسملة ، ولحديث أبي سعيد بن المعلى عند أحمد والبخاري و فيه :«لأعلمنك أعظم سورة في القرآن...(الحمد لله رب العالمين)» ولم يذكر البسملة . وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل.
1:2Page 1
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -
٢ - ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾هو خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، متضمناً أمره وإرشاده لعباده أن يثنوا عليه بالقلب واللسان بما هو أهله، من حمد وتمجيد وتنزيه عن شريك أو نظير أو مماثل.و (الحمد) هو الثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية. أو هو: الثناء بالقول على الجميل الاختياري ويكون باللسان فقط، ويكون لكمال المحمود ولو في غير مقابلة نعمة.ويقابله الشكر وهو: الثناء على المحمود بصفاته المتعدية.وقيل: هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، ويكون باللسان والقلب والجوارح، ويكون في مقابلة نعمة.والله تعالى له الحمد كله والشكر كله، كما قال ابن عباس:«الحمد لله هو الشكر لله وهو الاستخذاء له والإقرار بنعمته وهدايته». والألف واللام في (الحمد) لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما في الحديث عند أحمد: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله». وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال:«أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله». أخرجه الترمذي و النسائي و ابن ماجه. وعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ». أخرجه ابن ماجه والبيهقي بسند حسن. وعن ابن عمر في حديث العبد الذي قال: «يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها.. فقال الله لهما: اكتباها كما قالها عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها». أخرجه ابن ماجه. و(رب العالمين) أي: مربيهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والقائم عليهم بما يصلحهم في معاشهم ومعادهم. والرب هو المالك المتصرف، وهو السيد والمصلح والمدبر.والرب أيضا : المعبود بحق، وفيه: معنى التربية والعناية وهو اسم من أسماء الله تعالى وصفة لذاته، لا يستعمل لغيره إلا مضافاً، كقولك: رب البيت. ويقال لمن ملك شيئاً : ربّه، ولمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربّه. وفي الحديث عند مسلم: «هل لك من نعمة ترُبُّها عليه» أي: تحفظها وتربيها عنده؟. وأصل الرب: مصدر بمعنى التربية، وهي بلوغ الشيء كماله حسب استعداده شيئا فشيئا. واسم الفاعل منه: المربي، فالرب على هذا المعنى صفة فعل. و(العالمين) جمع عالم ، وهو كل موجود سوى الله، وهو جمع لا واحد له من لفظه ، شامل لكل أصناف العوالم من المخلوقات. قال تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين)الشعراء(٢٣-٢٤). والعالم مشتق كذلك من العلامة، لأنه علم على وجود الخالق ووحدانيته، وجمع بالياء والنون جمع عقلاء، تغليباً.
٣ - ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ تقدم تفسيرها، وهو واسع الرحمة ودائمها في الدنيا و الآخرة. و(الرحمن): ذو الرحمة الواسعة، فتدل على الصفة. و(الرحيم): من يرحم غيره ويوصل الرحمة إلى المرحوم فتدل على الفعل.و في الدعاء المأثور عند البزار والبيهقي، قوله ﷺ:«رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما».و قد جاء الوصف ب(الرحمن الرحيم) بعد الوصف ب(رب العالمين) من باب قرن الترغيب بالترهيب. وفيه: جمع بين الرهبة منه تعالى والرغبة إليه، ليكون أعون على طاعته وأرجى لعبادته، وهو كقوله تعالى: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم)الحجر(٤٩-٥٠) وقوله: (إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم)الأنعام(١٦٥). وعند مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً:«لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد».
٤ - ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [بإثبات الألف بعد الميم: (مالك)، وبحذفها: (مَلِك)، قراءتان] أي: صاحب الملك في يوم الجزاء والقضاء والحساب ، والمتصرف فيه بالأمر والنهي دون سواه. وفيه إشارة إلى إثبات الجزاء بالعدل المطلق على الأعمال. و (مالك) : مأخوذ من المِلك-بكسر الميم- أي: مالك الأمر كله يوم القيامة ، وهي كقوله: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون)مريم(٤٠).و (ملك) : مأخوذة من المُلك -بضم الميم- كقوله تعالى: (لمن الملك اليوم)غافر(١٦) وقوله: (الملك يومئذ الحق للرحمن)الفرقان(٢٦). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً:«يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك». وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما سواه. والفرق بين الوصفين في حقه تعالى: أن المالك صفة لفعله، والملك صفة لذاته. و(الدين): الجزاء والحساب ، كقوله تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت)غافر(١٧) وقوله سبحانه: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق)النور(٢٥) وقوله تعالى : (أءنا لمدينون)الصافات(٥٣) أي: مجزيون ومحاسبون. وفي الحديث عن شداد بن أوس، مرفوعاً:«الكيّس من دان نفسه -أي: حاسبها - وعمل لما بعد الموت». أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.وفي «القاموس»: دنته بصنيعه ديناً- بفتح الدال وكسرها- أي: جزيته وحاسبته، ويقال: كما تدين تدان، أي: تجزى وتحاسب، والله الديان، أي: المجازي.
٥ - ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾أي: نخصك بكمال العبادة والطاعة فلا نخضع ولا نذل إلا لك، ولا ندعو سواك، إقراراً بكمال الألوهية والربوبية والتوحيد ، ونخصك بكمال الاستعانة على العبادة والطاعة في جميع أمورنا، فلا نعبد سواك ، ولا نستعين بغيرك.و العبادة: أقصى غايات الخضوع والتذلل.وفي الشرع: جماع كمال المحبة والخضوع والخوف ، مع استشعار القلب عظمة المعبود ، و هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة منها والباطنة . وقدم المفعول(إياك) وكرر للاهتمام والحصر. أي: لا نعبد إلا إياك ، وهو تبرؤ من الشرك، ولا نستعين إلا بك، وهو تبرؤ من الحول والقوة إلا بالله والتفويض إليه. واستعمال كاف الخطاب في (إياك) تحول للكلام من الغيبة إلى المواجهة، للإشعار بأن العبد- بعد الثناء على الله وحمده وتمجيده- قريب وماثل بين يديه. وجيء بالنون في قوله: (نعبد) و(نستعين)، لقصد التواضع ، لا للتعظيم، والمراد منها : الإخبار عن جنس العباد، فكأن العبد أخبر عن نفسه وعن غيره من المؤمنين بالعبادة التي خلقوا جميعا لأجلها والاستعانة عليها. و العبادة تأتي بمعنى الطاعة كما في قوله سبحانه وتعالى: (ألا تعبدوا الشيطان)يس(٦٠)، وبمعنى الدعاء، كما في قوله تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي)غافر(٦٠)، وبمعنى التوحيد، كما في قوله جل جلاله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)الذاريات(٥٦).والاستعانة: طلب المعونة منه تعالى والتوكل عليه في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. وفي هذا المعنى قوله تعالى:(فاعبده وتوكل عليه)هود(١٢٣) وقوله: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا)الملك(٢٩).وفي الحديث:«إذا استعنت فاستعن بالله». أخرجه الترمذي. وقدمت العبادة على الاستعانة لأنها وسيلة الإجابة وهي المقصودة، وتقديمها قبل طلب الحاجة أقرب وأدعى إلى الإجابة ، فهي من باب تقديم العام على الخاص ، وتقديم حقه تعالى على حق عبده.
٦ - ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [بالصاد، والسين: (سراط)، وإشمام الصاد زاياً] أي: عرفنا ووفقنا للثبات على الطريق الواضح القويم الذي لا اعوجاج فيه.أو: أرشدنا إلى الاستقامة على امتثال أوامرك واجتناب نواهيك. أو: ألهمنا وأرنا طريق الحق الهادي إلى رضاك الذي وفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وهو دين الإسلام ، أو العلم بالحق والعمل به.و الهداية: هي الإرشاد و البيان كقوله تعالى: (و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم )الشورى (٥٢)، أو التوفيق، وهي خاصة بالله تعالى ، كقوله:(إنك لا تهدي من أحببت)القصص(٥٦)، أو الدلالة الموصلة إلى المطلوب. وتعدى بنفسها كما في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) وتعدي ب «إلى» كما في قوله: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم)الصافات(٢٣)، وتعدى باللام، كما في قوله: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)الأعراف(٤٣) أي: الحمد لله الذي وفقنا وجعلنا له أهلاً. وطلب الهداية معناه: الاستزادة منها كقوله: (والذين اهتدوا زادهم هدى)محمد(١٧). وعقب بالسؤال في (اهدنا) بعد الثناء على المسئول تبارك وتعالى في (الحمد لله رب العالمين) ، ليكون أنجح للحاجة وأنجع للإجابة. وهذا من أكمل أحوال السائل أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته. و(الصراط المستقيم): الطريق الواضح السوي القصد الذي لا اعوجاج فيه.والمراد منه: الطريق الحق أو دين الإسلام.وفي حديث النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال:«ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران ، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعْوجّوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم». أخرجه أحمد والترمذي والنسائي.
1:7Page 1
صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧
The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have earned [Your] anger or of those who are astray.
٧ - ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [بكسر الهاء وضمها: (عليهُم)،قراءتان].و المعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهم أهل الهداية والاستقامة، غير صراط المغضوب عليهم، وهم: اليهود، ولا صراط الضالين، وهم: النصارى، ومن كان على شاكلتهم من أهل الملل والنّحل الأخرى من غير المسلمين. و(الذين أنعمت عليهم) نظيره: قوله تعالى في سورة النساء(٦٩): (ومن يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) وهم أهل العلم بالحق والعمل به. و(المغضوب عليهم) هم اليهود الذين علموا الحق وعدلوا عنه ولم يعملوا به. قال تعالى في اليهود: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه)المائدة(٦٠). و(الضالين) هم النصارى الذين جهلوا الحق وفقدوا العلم وعموا عنه فضلوا وأضلوا. قال تعالى في النصارى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل)المائدة(٧٧).وفي الحديث عن عدي بن حاتم قال: «سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم) قال: هم اليهود، (ولا الضالين) قال:هم النصارى». أخرجه أحمد والترمذي.وقد أفادت الآية أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا من كان على شاكلتهم من غير المسلمين.والغضب صفة أثبتها الله تعالى لنفسه، على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال أوصافه، نؤمن بها ونفوض إليه تعالى علم حقيقتها بالنسبة إليه، مع تنزيهه تعالى عن مشابهة الحوادث. وأثرها: الانتقام والعذاب. والضلال : العدول عن الطريق السوي، والذهاب عن سنن القصد، وطريق الحق، وفي «القاموس»: ضل اللبن في الماء: إذا غاب فيه.ومن بديع الأسلوب: إسناد الإنعام إليه تعالى في قوله: (أنعمت عليهم)، وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم) وإن كان هو الفاعل لذلك حقيقة، وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به في قوله: (ولا الضالين) وإن كان هو الذي أضلهم بقدره، فهو سبحانه المنفرد بالهداية والإضلال. ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمين) ومعناها: اللهم استجب- اسم فعل أمر مبني على الفتح- لما روي عن أبي هريرة أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول». رواه أبو داود وابن ماجه وزاد فيه: «فيرتج بها المسجد».و أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام:(غير المغضوب عليهم و لا الضالين) فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». و أخرج الترمذي وحسنه ، و النسائي و الحاكم وصححه ، و البيهقي عن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله قرأ: (غير المغضوب عليهم و لا الضالين) فقال: «آمين» ، يمد بها صوته .وقد اشتملت سورة الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، و هو إفراد الله تعالى بأفعاله، كالخلق و الرزق والإماتة و الإحياء، و ذلك في قوله: (رب العالمين).توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، كالعبادة والطاعة و السؤال و الدعاء والاستعانة ، وذلك في قوله: (الله) وقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين). توحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال و الجلال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ من غير تشبيه ولا تمثيل و لا تكييف و لا تعطيل و لا تأويل، وذلك في قوله سبحانه: ( الحمد لله). أفاده السعدي في «تيسيره» . فائدة فقهيةاختلف العلماء: هل تتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم يجزئ غيرها؟ على قولين: الأول: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه: لا تتعين قراءة الفاتحة، ومهما قرأ من القرآن أجزأه، واستدلوا بعموم قوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن)، وبما ثبت في «الصحيحين» من حديث المسيء صلاته، أن النبي ﷺ قال له:«ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة. الثاني: وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه: تتعين قراءة الفاتحة ولا تجزئ الصلاة بدونها، واستدلوا بحديث أبي هريرة عند مسلم عن رسول الله ﷺ قال:«من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا- غير تمام». وحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت. وحديث:«لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن». أخرجه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة. قلت: والمتعين عندي: قول الجمهور وهو وجوب قراءة الفاتحة، وعدم إجزاء الصلاة بدونها، لقوة دليلهم.واختلفوا: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ على ثلاثة أقوال: الأول: ذهب الجمهور: إلى أنها تجب على المأموم كما تجب على الإمام والمنفرد ، لعموم الأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة .الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا في السرية ولا في الجهرية، لحديث:«من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». أخرجه أحمد عن جابر بن عبد الله، وفي إسناده ضعف.الثالث: وذهب غيرهم: إلى أنه تجب على المأموم في السرية لا في الجهرية، لحديث:«إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا». أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري. قلت: والمتعين عندي: وجوبها على الإمام والمأموم في السرية و الجهرية كما قال الجمهور ، للأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة .و الله تعالى أعلم .انتهى تفسير سورة الفاتحة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences