Al-Jami' al-WajizAl‑Fath · 48:1–25

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الفتح

Al-Fath

The Victory · Medinan · 29 ayahs

48:1Page 511

إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١

Indeed, We have given you, [O Muḥammad], a clear conquest1

١ - ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا﴾ أي: بيّنا ظاهراً جليّا، والمراد به: صلح الحديبية، عند الجمهور، وسُمّي هذا الصّلح فتحاً: لاشتراكهما في الظهور على المشركين، فإنه حصل بسبب هذا الصلح خير عظيم، حيث آمن الناس، ودخلوا في دين الله أفواجاً، فكثُر بهم سواد الإسلام، وانتشر العلم والإيمان.وقيل: هو إخبار عن فتح مكّة. والتعبير عنه بالماضي قبل وقوعه، لتحقّقه.قال ابن عطيّة: والقول الأول هو الصحيح. قلت: وهو كما قال.

48:2Page 511

لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢

That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path

٢ - ﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ المراد بالغفران هنا: هو كناية عن عدم المؤاخذة. والمراد بالذّنب: ما كان منه خلاف الأوْلى بالنسبة إلى مقامه ﷺ، فهو من باب: حسناتُ الأبرار، سيئاتُ المقرّبين.أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه ﷺ وبين الذنوب كلّها، فلا يصدر منه ذنب، لأن الغَفْر هو السَّتْر.والسَّتْر: إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوّة، أو بين الذنب وعقوبته، وهو اللائق بغيره ﷺ.واللام في (ليغفر) للعلّة الغائيّة، أي أن مجموع المتعاطفات الأربعة - وهي: المغفرة، وتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز – غاية للفتح المبين، ومسبَّب عنه، لا كلّ واحد منها.والمعنى: يسّرنا لك هذا الفتح المبين، لإتمام النّعمة عليك، وهدايتك إلى الصّراط المستقيم، ولنصرك نصراً عزيزاً مؤزّراً. ولمّا امتنّ الله عليه بهذه النّعم، صدّرها بما هو أعظم، وهي المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزّي الدنيا والآخرة، فليست المغفرة مسبَّبة عن الفتح.أي: ليجمع لك الله مع المغفرة: تمام النعمة في الفتح، وهداية الصراط المستقيم، والنّصر العزيز.وقوله: (ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر):أي: ما كان قبل الفتح وبعده، أو: قبل الرسالة وبعدها.﴿وَيُتِمَّ﴾ أي: بهذا الفتح المبين ﴿نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ﴾ في الدنيا والآخرة، بإظهار دينك على الدين كلّه وإعلائه، ﴿وَيَهۡدِيَكَ﴾ به ﴿صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم، والدين القويم.

48:3Page 511

وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣

And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.

٣ - ﴿وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ﴾ بهذا الفتح ﴿نَصۡرًا عَزِيزًا﴾ أي: غالباً منيعاً، ذا عزّ، فلا ذلّ معه، لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع.وفي الحديث عند أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن المغيرة بن شعبة، قال: كان النبي ﷺ يصلّي حتى تورّمت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً».ورواه أحمد ومسلم من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى، قام حتى تتفطّر رجلاه، فقالت له عائشة: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: «يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً».

48:4Page 511

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤

It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.

٤ - ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: أوجد الطمأنينة، وجعل الثبات والسكون في قلوبهم، بهذا الصّلح الذي ترتّب عليه الأمن بعد الخوف.﴿لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾ أي: يقيناً على يقينهم، بسبب تلك السكينة والطمأنينة ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ من الملائكة والإنس والجنّ وغيرها، يدبّر أمرهم كيف يشاء، فيسلّط بعضهم على بعض تارة، ويوقع بينهم السّلم والصلح أخرى، حسبما تقتضيه مشيئته، ومن ذلك هذا الصلح العظيم والفتح المبين. فالمراد: جنود الله تعالى التي ثبّت بها المؤمنين.ويحتمل أن يكون المعنى: (ولله جنود السماوات والأرض) فلو أراد نصر دينه بغيركم، لفعل.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٗا﴾ في أمره وصنعه و تقديره وتدبيره، أي: لم يزل متّصفاً بذلك.

48:5Page 511

لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥

[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –

٥ - ﴿لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دبّر الله ما دبّر من أمر هذا الصلح، ليشكر المؤمنون نعمته عليهم، فيُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها.﴿وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ﴾ أي: يغطّيها ويسترها، فلا يُظهرها، والمراد: يمحو أثرها ولا يعاقب عليها ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ﴾ أي: الوعد بإدخالهم الجنّة وتكفير سيئاتهم ﴿عِندَ ٱللَّهِ﴾ وفي حكمه ﴿فَوۡزًا عَظِيمٗا﴾.فعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». رواه أحمد.وعند أحمد و الشيخين من حديث أنس بن مالك – المتقدّم - أن النبي ﷺ، قال: «لقد أنزلت عليّ الليلة آية أحبُّ إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم: (ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر)، فقالوا: هنيئاً مريئا يا رسول الله، بيّن الله عزّ وجل ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه ﷺ: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) حتى بلغ: (فوزاً عظيماً)».

48:6Page 511

وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦

And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.

٦ - ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ﴾ أي: دبّر الله أمر هذا الصّلح، ليتغيّظ أعداؤهم من المنافقين والمشركين، فيعذّبهم بالنار في الآخـرة، وبالغـمّ والقهـر والأسـر والقتل في الدنيـا ﴿ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ﴾ – بفتح السين وضمّها في الموضعين، قراءتان - أي: ظنّ الأمر الفاسد المذموم، وهو أن الله تعالى لا ينصر رسوله والمؤمنين، وأنهم لا يرجعون إلى المدينة أبداً، لاستئصالهم بمكة، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام.﴿عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ﴾ بالذلّ والهوان والعذاب. دعاء عليهم بأن يحيق بهم ما تربّصوه برسول الله والمؤمنين.والدائرة في الأصل: الخطّ المحيط بالمركز، ثم استُعملت في النّازلة المحيطة بمن نزلت به، إلاّ أن أكثر ما تُستعمل في المكروه.﴿وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ﴾ أي: أبعدهم وطردهم عن رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا﴾ أي: مرجعاً ومآلاً.

48:7Page 511

وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧

And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

٧ - ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ من الملائكة والإنس والجنّ والشياطين وغيرها ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه، غالباً على أمره، قاهراً لكل شيء ﴿حكيماً﴾ في صنعه وتقديره وتدبيره، أي: لم يزل متّصفا بذلك.والآية تأكيد لقدرته تعالى على الانتقام من أعداء الإسلام، وإعلاء كلمته، وإظهار دينه على الدين كلّه. وفي إبدال قوله: (عليماً) بقوله: (عزيزاً) لإفادة معنى القهر والقمع والغلبة إذ المقام هنا مقام تهديد ووعيد، وفيما سبق مقام تدبير شؤون الخلق.

48:8Page 511

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨

Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

٨ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ﴾ يا محمد ﴿شَٰهِدٗا﴾ على أمّتك وعلى غيرها من الأمم، يوم القيامة، بتبليغ الرسالة إليهم ﴿وَمُبَشِّرٗا﴾ للمؤمنين بالثواب الديني، والدنيوي، والأخروي، ﴿وَنَذِيرٗا﴾ أي: منذراً ومخوّفا للكافرين بالعقاب العاجل والآجل.

48:9Page 511

لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩

That you [people] may believe in Allāh and His Messenger and honor him and respect him [i.e., the Prophet (ﷺ)] and exalt Him [i.e., Allāh] morning and afternoon.

٩ - ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ أي: إنما أرسلناه بالشهادة والبشارة والنّذارة، لتؤمنوا بالله ورسوله، وتطيعوهما في كلّ ما أمرا به.﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [وفي قراءة بزايين:(وتعزّزوه)] أي: تنصروه، أو: تعظّموه بنصرة دينه ﴿وَتُوَقِّرُوهُۚ ﴾ أي: تجلّوه وتعظّموه و تبجّلوه.فالتعزير: النصرة مع التعظيم.والتوقير: التعظيم والإجلال والتفخيم والتبجيل.والضميران لله تعالى، بقرينة قوله: (وتسبّحوه)، أو: هما لرسوله ﷺ.﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: الله تعالى، تنزّهوه عمّا لا يليق به، أو تصلّوا له تعالى ﴿بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ أي: غُدوة وعشيّاً.أي: أولّ النهار وآخره، والمراد: ظاهرهما، أو جميع النّهار، ويُكْنى عن جميع الشيء بطرفيه، كما يقال: شرقاً وغرباً: لجميع الدنيا.[وفي قراءة بالياء في الأفعال الأربعة: (ليؤمنوا، ويعزّروه، و يوقّروه، ويسبّحوه)].

48:10Page 512

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠

Indeed, those who pledge allegiance to you, [O Muḥammad] - they are actually pledging allegiance to Allāh. The hand1 of Allāh is over their hands.2 So he who breaks his word only breaks it to the detriment of himself. And he who fulfills that which he has promised Allāh - He will give him a great reward.

١٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ أي: بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان بالحديبية، على ألاّ يفرّوا، أو: على الموت، وكانوا ألفا وأربعمائة أو ألفا وخمسمائة – كما في الصحيحين عن جابر بن عبد الله – ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي: يطيعونه، لأن المقصود من البيعة: طاعة الله، وامتثال أمره، فكأنهم إنما يعقدون عقد البيعة مع الله، وعُبّر عن ذلك بالبيعة، مشاكلة، والآية كقوله:(من يطع الرسول فقد أطاع الله)النساء(٨٠).﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ﴾ في المبايعة، أي: أنه تعالى حاضر معهم، مطّلع على مبايعتهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فكأنه تعالى هو المبايع بواسطة رسوله ﷺ.ومذهب السلف في الآية: إثبات صفة اليد لله تبارك وتعالى على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله، بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تأويل.والخلف يؤولون اليد بالقوّة، أي: قوّة الله ونُصرته،فوق قوتهم ونصرتهم، كما يقال: اليد لفلان، أي: الغلبة والقوّة والنصرة له.ومذهب السّلف في هذا أوْلى وأسلم وأحكم وأعلم.أو: يد الله بالوفاء بما وعدهم به من الخير، فوق أيديهم، كما رُوي عن ابن عباس.وفي الحديث: عند ابن أبي حاتم عن أبي جرير مرفوعاً: قال رسول الله ﷺ: «من سلّ سيفه في سبيل الله فقد بايع الله». ومثله قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة)التوبة(١١١).وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر الأسود: «والله ليبعثنّه الله يوم القيامة، له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بالحقّ، فمن استلمه، فقد بايع الله تعالى، ثم قرأ رسول الله ﷺ:(إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)».﴿فَمَن نَّكَثَ﴾ أي: نقض البيعة أو العهد بعد إبرامه ﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ﴾ أي: ينقض ﴿عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ﴾ لأن وبال نقضه راجع إليه، والله غنيّ عنه.وقوله: (نكث) أي: نقض العهد بعد إبرامه، كما تنكث خيوط الصوف المغزول بعد إبرامه.وأصله من النّكث – بالكسر -: وهو أن تنقض أخلاق الأكسية البالية، فتُغزل ثانية.﴿وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ﴾ أي: ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله بالصبر عند اللقاء والثبات عند مواجهة الأعداء.يقال: وَفَى بالعهد وأَوْفَى به: إذا تمّمه.﴿فَسَيُؤۡتِيهِ﴾ – بالياء والنون، قراءتان - ﴿أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ هو الجنّة. وفي الحديث عند أحمد عن جابر،عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وروى الحميدي عن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «أنتم خير أهل الأرض اليوم».وقوله: (بما عاهد عليهُ الله) بضم الهاء في «عليهُ» توصّلاً إلى تفخيم لفظ الجلالة، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعرِ به الكلامُ. وفي قراءة: بكسر الهاء، لمناسبة الياء، نقله العلاّمة الآلوسيّ.

48:11Page 512

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١

Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.

١١ - ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ وهم الذين خلّفهم الله عن صحبتك، والخروج معك إلى مكّة معتمراً عام الحديبية، حين استنفرتهم ليخرجوا معك إلى مكّة، حذراً من قريش أن يعرضوا لك بحرب أو يصدّوك عن البيت الحرام، فتثاقلوا عنك وتخلّفوا، وخافوا القتال، وقالوا: لن يرجع محمد وأصحابه من هذه السّفرة، ففضحهم الله بهذه الآية، وأعلم رسوله بقولهم، واعتذارهم عن الخروج معه، قبل أن يرجع إليهم.والمخلّفون: جمع مُخلّف، وهو المتروك في مكان، خلف الخارجين من البلد، كالنساء والصّبيان.والأعراب: هم سكان البادية، والمراد بهم: من كان حول المدينة من غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والدّيل.أي: سيقول لك هؤلاء المخلّفون من الأعراب معتذرين عن تخلّفهم في الخروج معك إلى مكّة عام الحديبية: ﴿شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا﴾ أي: عن الخروج معك، وليس لنا من يقوم بهم، ويخلُفنا فيهم.﴿فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ﴾ الله، ما وقع منّا من التخلّف عنك بسبب الأهل والأموال.قال تعالى مكذّبا لهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم﴾ أي: من الاعتذار وطلب الاستغفار ﴿مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ﴾ فهم كاذبون في ذلك كلّه.﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا﴾ أي: فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من شيء ﴿إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا﴾ – بفتح الضاد وضمّها، قراءتان - أي: إنزال ما يضرّكم من ضياع الأمـوال، وهلاك الأهـل ﴿أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ﴾ من نصر وغنيمة؟ أي: لا أحد يقدر أن يردّ ما أراده الله فيكم. والاستفهام بمعنى النفي.﴿بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: بجميع ما تعملونه من الأعمال، ومن جملتها تخلّفكم واعتذاركم ﴿خَبِيرَۢا﴾ أي: لم يزل تعالى متّصفا بذلك، فهو العليم بسرائركم وضمائركم، وقد علم أن تخلّفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق الذي في قلوبكم، وما خطر لكم من الظنون الفاسدة بالله، الناشئة عن عدم الثقة به تعالى.

48:12Page 512

بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢

But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."

١٢ - ﴿بَلۡ ظَنَنتُمۡ﴾ أي: اعتقدتم ﴿أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا﴾ أي: أنهم لن يعودوا إلى المدينة، بل يُستأصلون بالقتل، فلا يرجعون إلى أهليهم أبداً.و«بل» في هذا الموضع والذي قبله للانتقال من غرض إلى آخر.﴿وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ﴾ الظنّ الفاسد ﴿فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ فقبلتموه حيث حسّنه لكم الشيطان وسوّله ﴿وَظَنَنتُمۡ﴾ بالله ﴿ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ﴾ – بفتح السين وضمّها، قراءتان، كما تقدّم – أن الله لا ينصر دينه ورسوله.﴿وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا﴾ أي: وكنتم في علم الله تعالى قوماً هالكين مستوجبين لسخط الله، فاسدين في أعمالكم ونيّاتكم، لا تصلحون لشيء من الخير. أو: كنتم هلكى عند الله بهذا الظنّ.من بار الشيءُ: هَلَك وفَسَد، وبور في الأصل: مصدر كالهُلْك، يوصف به المفرد والمثنّى والجمع، والمذكر والمؤنّث، واستُعمل مؤوّلا باسم الفاعل.وقيل: جمع بائر، كحائل وحُول.

48:13Page 512

وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣

And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.

١٣ - ﴿وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ أي: من لم يخلـص النيـة والعمـل لله تعـالى في الظاهر والباطـن ﴿فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا﴾ أي: هيّأنا ﴿لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ بالله ورسوله ﴿سَعِيرٗا﴾ أي: ناراً مسعورة موقدة ملتهبة. يقال: سَعَرتُ النار – من باب: مَنَع – أوقدتها وهيجّتها، كسعّرتُها وأسعرتُها.

48:14Page 512

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

١٤ - ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: هو تعالى الحاكم المالك المتصرّف فيهما بما يشاء، من الأحكام القدرية والشرعية والجزائية ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ من عباده أن يغفر له ويستر ذنبه رحمةً وفضلاً ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ﴾ أن يُعذّبه، علماً وحكمةً وعدلاً.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، أي: لم يزل تعالى متّصفا بذلك.

48:15Page 512

سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2

١٥ - ﴿سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ﴾ من الأعراب، الذين تخلّفوا عن الخروج معك إلى الحديبية: ﴿إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ﴾ أي: قصدتم السّيـر﴿إِلَىٰ مَغَانِمَ﴾ هـي مغانـم خيبـر ﴿لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ﴾ أي: اتركونا نخرج معكم لخيبر، ودعونا نتبعكم ونشهد معكم قتال أهلها.يُقال: ذَرْهُ، أي: دَعْهُ، وهو يَذَرُه، أي: يَدَعُه، ولم يُستعمل منه الماضي والمصدر واسم الفاعل اكتفاء بقولهم: تَرَكهُ ترْكاً، فهو تارك.﴿يُرِيدُونَ﴾ بذلك القول ﴿أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ﴾ أي: حُكمه أو: وعده الذي وعد به أهل الحديبية خاصّة بغنائم خيبر، كما قال تعالى: (وأثابهم فتحا قريبا ١٨ ومغانم كثيرة يأخذونها ١٩)الفتح(١٨ -١٩).[وفي قراءة: (كَلِم الله) – بكسر اللام - أي: مواعيده أهل الحديبية خاصّة بغنائم خيبر، واختصاصهم بها] ﴿قُل﴾ لهم: ﴿لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ﴾ أي: وعدنا بغنائم خيبر قبل رجوعنا من الحديبية، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ أي: المخلّفون من الأعراب: ﴿بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ﴾ أي: بل ما يمنعكم من الإذن لنا في الخروج معكم إلى خيبر، إلاّ الحسد، لئلا نشرككم في الغنيمة.﴿بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ عن الله، أو: من أمر الدّين، ولا يفهمون منه ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ وهو علمهم بأمر الدنيا، أما قصد القتال لله، وإصلاح النيّة له، وصدق الإيمان به، فذلك شيء لا يفقهونه.وأصل القصّة: أنه لما انصرف النبي ﷺ ومن معه من المسلمين، من الحديبية، وعدهم الله فتح خيبر، وخصّهم بغنائمها، دون من لم يشهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها، قال هؤلاء المخلّفون ما قالوا.ثم إن رسول الله ﷺ رجع إلى المدينة بعد صلح الحديبية فأقام بها بقية ذي الحجّة من سنة ستّ، وأوائل المحرّم من سنة سبع، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها، وغنم فيها غنائم كثيرة.

48:16Page 513

قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦

Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."

١٦ - ﴿قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ اختباراً وامتحاناً: ﴿سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ﴾ أي: إلى قتال قوم ﴿أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ أي: ذوي نجدة وقوّة وشدّة في الحرب، وهم: فارس أو الروم، أو: هوازن وغطفان يوم حنين – وكان قتالهم بعد فتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة - أو: بنو حنيفة، أهل اليمامة، أصحاب مسيلمة الكذّاب – وكان قتالهم أيام الردّة في زمن أبي بكر الصديق -.﴿تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ﴾ فلا يكون لكم معهم إلاّ أحد أمرين: إمّا المقاتلة، أو الدخول في الإسلام، بلا قتال، بل باختيار منهم.﴿فَإِن تُطِيعُواْ﴾ إلى قتالهم، أي: تستجيبوا وتنفروا في الجهاد، وتؤدّوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ﴾ وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة.﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ﴾ عـن الجهـاد وتعـرضـوا عن القـتـال ﴿كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ﴾ أي: عام الحديبية، حين دُعيتم، فتخلّفتم﴿يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلما بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة.

48:17Page 513

لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧

There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.

١٧ - ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ﴾ في ترك الجهـاد، أي: ليس على هؤلاء المعذورين بمثل هذه الأعذار، إثم في التخلّف عن الجهاد، لكون هذه الأعذار مرخِّصة لهم في التخلّف عنه ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ فيما أمرا به امتثالاً، ونهيا عنه اجتناباً ﴿يُدۡخِلۡهُ﴾ – بالياء والنون، قراءتان – ﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ﴾ عن الجهاد، ويعرض عن طاعة الله ورسوله، ﴿يُعَذِّبۡهُ﴾ – بالياء والنون، قراءتان - ﴿عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ في الدنيا بالمذلة والهوان، وفي الآخرة بالنّار.

48:18Page 513

۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨

Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1

١٨ - ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ هم أهل الحديبية – إلا الجدّ بن قيس، كان من أهـل النفاق – ﴿إِذۡ يُبَايِعُونَكَ﴾ بيعة الرضوان ﴿تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ هي شجرة سَمُرة بأرض الحديبية، وقد تقدّم أنهم كانوا ألفا وأربعمائة، أو ألفا وخمسمائة، بايعوا رسول الله ﷺ على أن يناجزوا قريشاً وأن لا يفرّوا.وفي رواية في الصحيحين: أنهم بايعوه على الموت، وذلك لمّا أشيع بين المسلمين خبر مقتل عثمان بن عفان – رضي الله عنه – بمكّة.﴿فَعَلِمَ﴾ الله ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ من الإيمان والطاعة، والصدق والعزيمة والوفاء بالعهد ﴿فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: الصّبر والطمأنينة والوقار والثبات، وسكون النفس، حين شرط المشركون شروطهم على رسول الله ﷺ في هذا الصّلح.﴿وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ هو فتح خيبر، وكان إثر انصرافهم من الحديبية، عام سبع من الهجرة.

48:19Page 513

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩

And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

١٩ - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ﴾ أي: وأثابهم مغانم كثيرة، هي غنائم خيبر، وكانت لأهل الحديبية خاصّة، جزاءً لهم على القيام بطاعة الله ومرضاته.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه، غالباً على أمره،قاهراً لكلّ شيء ﴿حَكِيمٗا﴾ في أقواله وأفعاله،وقضائه وقدره، أي: لم يزل تعالى متّصفاً بذلك.روى ابن أبي حاتم، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع، قال: بينما نحن قائلون، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: أيها الناس، البيعة، البيعة، نزل روح القُدس، قال: فسرنا إلى رسول الله ﷺ، وهو تحت شجرة سمُرة، فبايعناه،فذلك قوله تعالى:(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) الآية.

48:20Page 513

وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.

٢٠ - ﴿وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا﴾ بما سيفتحه الله عليكم من الفتوحات والغنائم إلى يوم القيامة﴿فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ﴾ أي: غنيمة خيبر ﴿وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ﴾ أي: أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين خفّوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرّعب، فنكصوا على أعقباهم مدبرين.وكذلك كفّ أيدي الذين خلّفتموهم وراء ظهوركم في المدينة عن نسائكم وأهليكم، ولم ينلكم سوء ممّا كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال.وقيل: كفّ أيدي قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح والمهادنة.﴿وَلِتَكُونَ﴾ أي: هذه الغنيمة المعجّلة ﴿ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: عبرة ودلالة يستدلّون بها على صدق وعد الله لهم، وصدق رسوله ﷺ ﴿وَيَهۡدِيَكُمۡ﴾ أي: بتلك الآية ﴿صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ بأن يثبتكم على الهداية إلى طريق الحقّ علماً، وقولاً، وعملاً.

48:21Page 513

وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢١

And [He promises] other [victories] that you were [so far] unable to [realize] which Allāh has already encompassed.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

٢١ - ﴿وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا﴾ أي: وعجّل لكم مغانم أخرى، هي مغانم هوازن في غزوة حُنين، أو: فتح مكّة، أو: فتح بلاد فارس والروم، أو: هو كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة، لم تقدروا عليها، لما كان فيها من الجولة قبل ذلك.﴿قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ﴾ أي: قدر عليها، واستولى، ويسّر فتحها لكم، فأظهركم عليها، وأظفركم بها، أي: علم أنها ستكون لكم، فهي كائنة لكم بأمر الله وقدرته.أو: أعدّها لكم، أو حفظها لكم فهي كالشيء الذي أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور محفوظ لا يفوت.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا﴾ لا يعجزه شيء،كائنا ما كان، أي: لم يزل تعالى متصفا بذلك.

48:22Page 513

وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢

And if those [Makkans] who disbelieve had fought you, they would have turned their backs [in flight]. Then they would not find a protector or a helper.

٢٢ - ﴿وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هم: كفار قريش بالحديبية ﴿لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ﴾ فارّين منهزمين ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا﴾ يتولّى أمرهم ويواليهم على قتالكم ﴿وَلَا نَصِيرٗا﴾ ينصرهم عليكم، بل هم مخذولون مغلوبون.

48:23Page 513

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣

[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.

٢٣ - ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ﴾ مصدر مؤكّد لمضمون الجملة قبله، من نصر المؤمنين، وهزيمة الكافرين، أي: سنّ الله في ذلك سنّة، وهي عادته تعالى في خلقه ﴿ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ﴾ أي: مضت في أمثالهم من أهل الكفر، من رفْع الحق، ووضْع الباطل، ونصر أوليائه على أعدائه.﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾ منه، بل هي ثابتة مستمرة في خلقه.

48:24Page 514

وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤

And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

٢٤ - سبب نزول الآية:أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي: عن أنس بن مالك، قال: لمّا كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه، ثمانون رجلاً من أهل مكّة بالسلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرّة رسول الله ﷺ، فدعا عليهم، فأُخذوا، فأعتقهم، فعفا عنهم، فأنزل الله: (وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) الآية.وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع. وأحمد والنسائي نحوه من حديث عبد الله بن المغفل المزنيّ، وفيه: أنهم كانوا ثلاثين شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم،...، فخلّى سبيلهم، فأنزل الله الآية.وأخرج ابن إسحاق نحوه في السيرة من حديث ابن عباس.﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ﴾ أي: كفّ أيدي المشركين من أهل مكّة عن المسلمين ﴿وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم﴾ أي: وكفّ أيدي المسلمين عن المشركين ﴿بِبَطۡنِ مَكَّةَ﴾ أي: بالحديبية قرب مكة، والمراد بمكّة: الحرم، والحديبية منه، أو هي ملاصقة له.﴿مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ أي: أظهركم عليهم وأعلاكم، وهم الثمانون رجلاً من أهل مكّة الذين هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من التنعيم، يريدون غرّتهم، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ – بالتاء واليـاء، قـراءتـان - ﴿بَصِيرًا﴾ لا يخفى عليه من ذلك شيء، أي: لم يزل تعالى متّصفا بذلك.

48:25Page 514

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥

They are the ones who disbelieved and obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām while the offering1 was prevented from reaching its place of sacrifice. And if not for believing men and believing women whom you did not know - that you might trample [i.e., kill] them and there would befall you because of them dishonor without [your] knowledge - [you would have been permitted to enter Makkah]. [This was so] that Allāh might admit to His mercy whom He willed. If they had been apart [from them], We would have punished those who disbelieved among them with painful punishment

٢٥ - ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: هم الكفّار دون غيرهم، وهم، كفّار مكّة ومن مالأهم من العرب على نصرتهم على رسول الله ﷺ وأصحابه.﴿وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ أي: منعوكم عن الوصول إليه لأداء نسك العمرة، وأنتم أهله، وأحقّ به ﴿وَٱلۡهَدۡيَ﴾ أي: وصدّوا الهدْيَ ومنعوه، وهو ما يُهدى إلى البيت الحرام، وهي البُدْن التي ساقها رسول الله ﷺ ﴿مَعۡكُوفًا﴾ أي: محبوساً، حال، أي: حال كون الهدْي محبوساً ﴿أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ﴾ أي: مكانه الذي يحلّ نحره فيه،وهو حرم مكّة.بدل اشتمال. وكان الهدْي سبعين بَدَنة، فرخّص الله لهم ذلك الموضع من الحديبية محلاّ للنّحر، وكان خارج الحرم.وفيه دليل على أن الحرم هو محلّ ذبح الهدْي.يقال: عَكَفه يعْكُفُه ويعْكِفُه عكْفاً: حبسه، وعكف عليه عكُوفاً: أقبل عليه مواظباً.﴿وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ﴾ موجودون بين ظهراني الكفّار بمكّة، وهم: المستضعفون منهم، ممّن يكتم إيمانه،ويخفيه عنهم ﴿لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ﴾ بصفة الإيمان، ولم تعرفوهم بأعيانهم، حبسهم المشركون عنكم فلا يستطيعون الخروج من مكّة ﴿أَن تَطَـُٔوهُمۡ﴾ أي: تدوسوهم بالقتل والإيقاع بهم.والمراد: تهلكوهم، بدل من ضمير «تعلموهم»، أي: أن تقتلوهم مع الكفّار، لو أذن الله لكم بالفتح بدل الصّلح.﴿فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم﴾ أي: من جهة هؤلاء المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات ﴿مَّعَرَّةُۢ ﴾ أي: مكروه وأذى، أو سُبّة، أو: مشقّة من كفّارة وعيب، أو: إثم وغرامة ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ﴾ منكم بهم، فتقتلوهم لجهلكم بإيمانهم.والمراد بالمعرّة: السُّبّة والعيب، إذ يقول المشركون: إنّ المسلمين قد قتلوا من هم على دينهم، أو يلزمكم بمقتلهم كفّارة وغرامة، وهي كفّّارة قتل الخطأ: عتق رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين.يقال: عَرَّه يعُرُّه عَرّاً: إذا أصابه بمكروه، والمعرّة: مفعلة منه.وجواب «لولا» محذوف، تقديره: لأذن لكم في قتال مشركي مكّة، ليُنزل بهم بأسه.والمعنى: ولولا كراهةُ أن تُهلكوا أناساً مؤمنين بين ظهراني الكفّار بمكّة، جاهلين بهم وبإيمانهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه وأذى، أو مشقّة من كفّارة وعيب، لما كفّ الله أيديكم عنهم – أي: عن أهل مكة – ولأذن لكم في قتالهم.أخرج الطبراني وأبو يعلى عن حبيب ابن سباع، قال: قاتلت رسول الله ﷺ أوّل النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النّهار مسلماً، وفينا نزلت: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين. فلو لم يكفّ الله أيدي المؤمنين عن كفّار مكّة في ذلك اليوم، لانجرّ الأمر إلى إهلاك هؤلاء النفر المستضعفين بين ظهرانيهم، فيصيب المؤمنين من ذلك مكروه وأذى.﴿لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ أي: فعل ما ذُكر من كفّ أيدي المؤمنين عن كفّار مكّة، ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده، وهم المستضعفون من المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة بين ظهراني المشركين، فيتمّم لهم أجورهم، بإخراجهم من بينهم، وفكّ أسرهم، ورفع العذاب عنهم، وليرجع كثير من أهل مكة إلى الإسلام. أو: ليدخلكم في رحمته بحفظكم من المعرّة.﴿لَوۡ تَزَيَّلُواْ﴾ أي: أولئك المستضعفون من المؤمنين والمؤمنات، أي: لو تميّزوا عن الكفّار، وخرجوا من مكّة، ﴿لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من أهل مكّة حينئذ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بالقتل والسّبي، أو ما سواهما.و «منهم»: للبيان لا للتبعيض، والجملة مقرّرة لما قبلها.وقوله: (تزيّلوا): يقال: زِلْتُه زَيْلاً، أي: مِزْتُه، وزيّله فتزيّل: فرّقه فتفرّق.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском