Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
١ - ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ﴾ أي: اذكر لهم إذا نزلت القيامة، أو: قامت بنفخة البعث في الصّور،فإن في ذكر أحوالها وأهوالها عظة وعبرة. من وقع الطائر: إذا نزل عن طيرانه.والواقعة من أسماء القيامة، وسمّيت بذلك للإيذان بتحقيق وقوعها، كما قال تعالى:(فيومئذ وقعت الواقعة)الحاقة(١٥) وعُبّر عنها بالفعل الماضي،لأنها واقعة حقّاً.
٢ - ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: لا يكون عند وقوعها – إذا أراد الله كوْنها - نفس تكذب على الله، أو نفس كاذبة تكذّب أو تنكر خبر وقوعها، كما كان ذلك من المنكرين لها في الدنيا، بل كلّ نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدّقة بها لتحقّق وقوعها بالمشاهدة. أو: كاذبة بمعنى: تكذيب، أي: ليس لوقعتها تكذيب.و اللام للتّوقيت، كما في: كتبته لخمس خلوْن من كذا.أو: ليس لوقوعها صارف يصرفها، أو دافع يدفعها، بل هي كائنة أصلاً، لا شكّ فيها.
٣ - ﴿خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ﴾ أي: هي خافضة للأشقياء إلى الدركات، رافعة للسعداء إلى الدّرجات، تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، وهم الكفرة الفجرة، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين، من أهل الإيمان.والرفع والخفض يُستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعزّ والإهانة، ونسبتهما إلى القيامة، مجاز.
٤ - ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا﴾ أي: زُلزلت زلزالاً وحُرّكت تحريكاً شديداً، فاهتزّت واضطربت بطولها، وعرضها، وما عليها.يقال: رَجَّه يرُجُّه رجّاً: حرّكه وزلزله، فارتجّ. ومنه: ارتج البحر وغيره: اضطرب، وارتجّ السهم في الغرض:إذا اهتزّ واضطرب، والرّجرجة للاضطراب.و «إذا» بدل من «إذا» الأولى، أو منصوبة ب (خافضةٌ رافعة).
٥ - ﴿وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا﴾ أي: فُتّتت تفتيتاً حتى صارت كالسّويق الملتوت. أو: سيقت وأُذهبت. من بسّ السّويق: إذا لتّه. والبسّ: الفتّ. يقال: بسّ الشيء: إذا فتّه حتى يصير فتاتاً.
٦ - ﴿فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا﴾ أي: فصارت غباراً متفرّقاً منتشراً، أو: كالبهاء، وهو ما يثور مع شعاع الشمس إذا دخل من كوّة، أو ما يتطاير من النار على هيئة الشرر إذا أُضرمت.
٧ - ﴿وَكُنتُمۡ﴾ أيها الناس، يوم القيامة ﴿أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ﴾ أي: أصنافاً ثلاثة، أي: صرتم في ذلك اليوم بما كان في جبلاّتكم وطبائعكم، وما كان من أعمالكم في الدنيا، وما سبق في علم الله فيكم، أصنافاً ثلاثة: صنفان سعداء، وهم: السابقون وأصحاب الميمنة، وصنف أشقياء، وهم: أصحاب المشأمة.والخطاب للأمة الحاضرة والأمم السابقة على سبيل التغليب. وقيل: للأمّة الحاضرة فقط. و«الزوج»: يُطلق على كل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضادّا، كما يُطلق على كلّ واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوان المتزاوج، وعلى كل قرينين فيه وفي غيره، كالخفّ والنّعل.ثم بيّن أحوال هذه الأزواج الثلاثة، فقال:
56:8Page 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
٨ - ﴿فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ﴾ أي: أصحاب ناحية اليمين أو اليُمن والبركة، وهم الذين يُؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنّة، أو يؤتون صحائفهم بأيمانهم. مبتدأ، خبره: ﴿مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ﴾ أي: أيّ شيء هم في صفاتهم وأحوالهم؟ وُضع فيها الظاهر موضع الضمير، لتعظيم شأنهم، وتفخيم حالهم، بدخولهم الجنّة.
56:9Page 534
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
٩ - ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ﴾ أي: أصحاب ناحية الشمال أو الشؤم، وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النّار، أو يُؤتون صحائفهم بشمائلهم، وهو مبتدأ، خبره: ﴿مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ﴾ أي: أيّ شيء هم في صفاتهم وأحوالهم؟ وضع فيها الظاهر موضع الضمير، لتفظيع شأنهم، وتحقير حالهم، بدخولهم النّار.والمراد من وضع الظاهر موضع الضمير في الحالين: تعجيب السامعين من شأن الفريقين وحالهم في الفخامة والفظاعة.
١٠ - ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ﴾ إلى الخيرات في الدنيا وإلى الإيمان والطاعة هم ﴿ٱلسَّٰبِقُونَ﴾ إلى الجنّات في الآخرة.وهم الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة، وهم الذين سارعوا وبادروا إلى فعل الخيرات وكلِّ ما دعا الله إليه وأمر به. والجملة مبتدأ وخبر. أي: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعُرفت فخامتهم.
١١ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المذكور وصفهم وحالهم هم ﴿ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ عند الله بإعلاء منازلهم.
١٢ - ﴿فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ في أعلى علّيين.أو: (والسابقون) إلى الخير، مبتدأ.(السابقون) تأكيد، لتعظيم شأنهم، والخبر: (أولئك المقربون * في جنات النعيم).
١٣ - ﴿ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾: أي: أولئك السابقون المقرّبون جماعة كثيرة من الأمم الماضية، وهم الذين عاصروا الأنبياء والمرسلين – الذين كانوا قبل رسول الله ﷺ – وآمنوا بهم.
١٤ - ﴿وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: من هذه الأمة، وهم الذين عاصروا النبي ﷺ وآمنوا به.ولا شكّ أن جملة الذين عاصروا الأنبياء السّابقين وآمنوا بهم، أكثر ممّن عاصروا النبي ﷺ وآمنوا به، ولذلك عُبّر عن الأوّلين بالثلّة،وهي الجماعة الكثيرة، وقوبلت بالقليل من الآخرين.وقيل – بناء على أن الخطاب لهذه الأمة خاصّة -: إن الثلّة والقليل منها، أي: السابقون المقرّبون ثلّة من صدر هذه الأمة،وقليل ممّن بعدهم.ويحتمل أن تعمّ الآية جميع الأمم، كلّ أمّة بحسبها، فيكون المعنى: (ثلّة من الأولين) أي: جماعة كثيرة من صدر هذه الأمة، وصدر غيرها من الأمم، (وقليل من الآخرين) أي: من متأخّري هذه الأمّة، ومتأخّري غيرها من الأمم. ولا شكّ أن أوّل كلّ أمّة خير من آخرها، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث. والجملة مبتدأ، خبره:
١٥ - ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ﴾ أي: مـستـقـريّـن عـلى سرر منسوجة مشبّكة بالذّهب نسجاً محكماً، للرّاحة والكرامة.يقال: وضن الغزْل يَضنُه: إذا نسجه، و درع موضونة: أي: منسوجة، أو متقاربة النّسج، أو منسوجة حلقتين حلقتين.
١٦ - ﴿مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا﴾ أي: على السّرر ﴿ مُتَقَٰبِلِينَ﴾ ينظر بعضهم إلى وجوه بعض. حالان من الضمير في الخبر.
56:17Page 535
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
١٧ - ﴿يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: يدور حول أهل الجنّة للخدمة ﴿وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان مُبْقوْن أبداً على شكل الولدان في البهاء، أي: على صفة واحدة وسنّ واحدة، لا يهرمون ولا يتغيّرون.
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
١٨ - ﴿بِأَكۡوَابٖ﴾ أي: بأقداح لا عُرى لها ولا خراطيم ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ أي: أوان ذات عرىً وخراطيم، ﴿وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ﴾ أي: إنـاء مـن خمر جاريـة من العيون، أو: خمر جار ظاهر للعيون.
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
١٩ - ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا﴾ أي: لا يصيبهم صُداع بسبب شربها، و «عن» بمعنى باء السببيّة.﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾– بكسر الزاي - أي: لا تُذهب الخمر عقولهم من الشّرب، كما في خمر الدنيا. من أنزف الشاربُ: إذا ذهب عقله. [وفي قراءة: (ولا يُنزَفون) – بفتح الزاي - من نُزِف الشاربُ – كعُنِي -: ذهب عقله]. والمعنى: أن خمر الجنّة لا يحصل لهم منها صداع ولا ذهاب عقل، بخلاف خمر الدنيا.
٢٠ - ﴿وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: مما يختارونه ويرضونه، وينتقون أطايبه.قال ابن كثير: وفي الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخيّر لها.
٢١ - ﴿وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ﴾ أي: ممّا يتمنّون ويرغبون وتشتهيه أنفسهم.روى الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن طير الجنّة كأمثال البُخت، يرعى في شجر الجنّة».وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنّة فتشتهيه، فيخرّ بين يديك مشوياً».
٢٢ - ﴿وَحُورٌ عِينٞ﴾ أي: ولهم في الجنّة نساء حور، أي: بيض أو شديدات سواد العيون وبياضها، عين، أي: واسعات الأعين حسانها. ومفرد حور: حوراء، وهي شديدة سواد العين شديدة بياضها. ومفرد عين: عيناء، وهي واسعة العين حسناؤها. [وفي قراءة: (وحورٍ عينٍ) بالجرّ].
٢٣ - ﴿كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ﴾ أي: المصون المستور في أصدافه ممّا يغيّره، أي: هنّ في صفاء بياضهنّ وحسنهنّ، كاللؤلؤ الذي صين في أصدافه، فلم تمسسه الأيدي، ولم تقع عليه الشمس والهواء، فكان في نهاية الصّفاء، كقوله:(كأنهن بيض مكنون)الصافات(٤٩).
٢٤ - ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: جعلنا لهم ما ذُكر من النعيم للجزاء على أعمالهم. أو: جزيناهم جزاء على ما أحسنوا من العمل في الدنيا.
56:25Page 535
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
٢٥ - ﴿لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّة ﴿لَغۡوٗا﴾ أي: مالا يعتدّ به من الكلام، أو: كلاماً فاحشاً، قبيحاً، باطلاً، لا خير فيـه ﴿وَلَا تَأۡثِيمًا﴾ أي: ولا نسبـةً إلى الإثم، أو: لا ما يوجبه.أي: ولا كلاماً منسوباً إلى الإثم، يُؤْثِم صاحبه.
٢٦ - ﴿إِلَّا قِيلٗا﴾ أي: لكن قولاً: ﴿سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا﴾ فإنهم يسمعونه. أو: إلاّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً.أي: كلاماً طيباً، يُحيّي بعضهم بعضاً بالسّلام. أو يقال لهم: اسلموا ممّا تكرهون سلاماً مباركاً.
56:27Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
٢٧ - ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ﴾ وهم دون السابقين المقرّبين في المنزلة والكرامة ﴿مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ﴾ أي: أيّ شيء شأنهم وحالهم؟ وُضع الظاهر موضع الضمير لتفخيم شأنهم.
٢٨ - ﴿فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ﴾ لا شوك فيه، أي: هم في سدْر، هو شجر النبْق - واحدة: سدْرة - مخضودٍ، قد خُضد شوكه، أي: قطع، فلا شوك فيه.يقال: خضد الشّجر – من باب: ضرب -: إذا قطع شوكه، فهو خضيد و مخضود.أو: هو الموقر بالثمر حملاً حتى تثنَّت أغصانه، من خضدت الغصن، أي: ثنيته.روى الحافظ البيهقي و الحاكم: «أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن شجرة في الجنّة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله ﷺ: وما هي؟ قال: السّدر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله ﷺ: أليس الله تعالى يقول: (في سدر مخضود) خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمراً، تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لوناً من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر».
٢٩ - ﴿وَطَلۡحٖ﴾ هو شجر المـوز، واحـدة: طلحـة ﴿مَّنضُودٖ﴾ أي: متراكب بعضه فوق بعض، قد نُضّد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة.من النَّضْد، وهو الرّصّ، يقال: نضد متاعه – من باب: ضرب -: وضع بعضه على بعض، فهو نضيد ومنضود.
٣٠ - ﴿وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ﴾ أي: دائم لا يتقلّص، ممتدّ، منبسط، لا يزول، وهو ظلّ أشجار الجنّة.والعرب تقول لكلّ مالا انقطاع له: ممدود، والجنّة كلّها ظلّ لا شمس معه.وفي الصحيحين ومسند أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «إن في الجنّة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم: (وظلّ ممدود)».وفي الصحيحين أيضاً عن أبي سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعديّ عن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المضمر السريع، مائة عام، ما يقطعها».
٣١ - ﴿وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ﴾ أي: مصبوب يجري – في غير أخاديد – حيث شاءوا. يقال: سكبه سكباً: صبّه.أمّا شراب السابقين، فهو الكأس من الخمر المعين.
٣٢ - ﴿وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ﴾ متنوعة في الطعوم والروائح والألوان.
٣٣ - ﴿لَّا مَقۡطُوعَةٖ﴾ في وقت من الأوقات –كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات -﴿وَلَا مَمۡنُوعَةٖ﴾ أي: لا تمتنع على من أرادها في أي وقت وعلى أي صفة، بل هي معدّة لمن أرادها، دائم أكلها مستمرّ أبداً. أما فاكهة السابقين فإنهم يتخيّرونها تخيّراً.
٣٤ - ﴿وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ﴾ على الأسرّة والأرائك، أو منضّدة مرتفعة في منازلها.روى النسائي والترمذي – وقال: حسن غريب - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (وفرش مرفوعة) قال: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام».
56:35Page 535
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
٣٥ - ﴿إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ﴾ أي: الحور العين ﴿إنشاءً﴾ أي: خلقناهنّ خلقاً جديداً من غير توالد. أو: أنشأنا نساء الدنيا إنشاءً جديداً، بأن أعدناهنّ في النشأة الأخرى، بعد الكبر والهرم، شباباً.وفي الحديث عند الترمذي في «الشمائل»:«أن امرأة عجوزا أتت رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يُدخلني الجنّة، فقال: إن الجنة لا تدخلها عجوز فولّت تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (إنّا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهنّ أبكاراً)».
٣٦ - ﴿فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا﴾ أي: عذارى، لم يطمثهن أحد قبل أزواجهن. وفي الحديث عند الطبراني عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً».
٣٧ - ﴿عُرُبًا﴾ – بضم الراء وسكونها: قراءتان – أي: متحبّبات إلى أزواجهن، يُحسنّ التبعّل. جمع عروب، كرُسُل ورسول. من أعرب إذا بيّن.﴿أَتۡرَابٗا﴾ أي: مستويات في سنّ واحدة، كأنهن أشبهْن في التساوي الترائب، وهي ضلوع الصّدر، جمع تِرْب، كشبه وأشباه.
٣٨ - ﴿لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ﴾ أي: أنشأناهنّ وجعلناهنّ لأصحاب اليمين.
٣٩ - ﴿ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: أصحابُ اليمين – وهم دون السابقين منزلة - جماعة كثيرة من الأمم الماضية – وهم أمم الأنبياء قبل رسول الله ﷺ -.
٤٠ - ﴿وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: و جماعة كثيرة من هذه الأمة - أمة محمد ﷺ - أو: جماعة ممّن شاهد النبي ﷺ وآمن به،وجماعة ممّن لم يشاهده وآمن به – وهذا على اعتبار أن الخطاب خاصّ بهذه الأمّة –.روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعاً من أمّتي».وقيل: ثلّة من الأولين: أي: من سابقي هذه الأمة وغيرها من الأمم، وثلّة من الآخرين: أي: ممّن تابعهم على الإيمان من آخر هذه الأمة، وغيرها من الأمم.
56:41Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
٤١ - ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾ وهم الذين يؤخذون ذات الشمال إلى النّار ﴿مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: أيّ شيء شأنهم وحالهم؟ وضع الظاهر موضع المضمر لتفظيع شأنهم وتحقير حالهم.
٤٢ - ﴿فِي سَمُومٖ ﴾ أي: هم في ريح حارة شديدة من النار تدخل في مسامّ البدن، وتفعل فيه فعل السّم.﴿وَحَمِيمٖ﴾ أي: ماء متناه في الحرارة، شديدها، بالغ الغاية فيها.
٤٣ - ﴿وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ﴾ أي: من دخان شديد السّواد، أو: من نار.والعرب تقول لكلّ شيء وصفته بشدّة السّواد: أسود يحموم، من الأحمّ أو من الحَمَم، وهما الأسود من كل شيء، كما في «اللسان».وتسميته «ظلاً» على سبيل التهكم بهم، كما قال: (انطلقوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللّهب)المرسلات(٣٠).
٤٤ - ﴿لَّا بَارِدٖ﴾ كغيره من الظّلال، يُستروح به ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ أي: ولا نافع لمن يأوي إليه من أذى الحرّ.
56:45Page 535
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
٤٥ - ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ﴾ أي: فــي دار الدنـيـا ﴿مُتۡرَفِينَ﴾ أي: متنعّمين بَطِرين، متّبعين هوى أنفسهم، مقبلين على لذّاتها، ليس لهم رادع عن معاصي الله، حيث ألهاهم الأمل عن حسن العمل!.
56:46Page 535
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
٤٦ - ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ أي: يقيمون ويداومون ﴿عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ أي: الذنب العظيم البالغ الغاية في العِظَم، وهو الشرك بالله، أي: كانوا لا يتوبون عنه.وقيل: على القسم على إنكار البعث، المشار إليه بقوله سبحانه: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت)النحل(٣٨).
56:47Page 535
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
٤٧ - ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ﴾ بيان لاستدلالهم الفاسد على عدم البعث: ﴿أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ﴾ أي: كيف نبعث أحياء بعد الموت والبلى؟ إنكار منهم للبعث واستبعاد له.
٤٨ - ﴿أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ﴾ أي: أوَ آباؤنا الذين ماتوا وصاروا تراباً وعظاماً، مبعوثون كذلك؟ والهمزة للاستفهام الإنكاريّ واستبعاد وقوع البعث، داخلة على واو العطف. [وفي قراءة: ( أوْ آباؤءنا) بسكون الواو، عطفاً ب «أو» والمعطوف عليه محلّ إنّ واسمها].
56:49Page 535
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
٤٩ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد: ﴿إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: من الأمم جميعاً، متقدّمو الخلْق ومتأخِّروهم.
56:50Page 535
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."
٥٠ - ﴿لَمَجۡمُوعُونَ﴾ بعد البعث ﴿إِلَىٰ مِيقَٰتِ﴾ أي: وقت ﴿يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ﴾ هو يوم القيامة.
56:51Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
٥١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ﴾ عن الحقّ والهدى ﴿ٱلۡمُكَذِّبُونَ﴾ بوعد الله ووعيده.
٥٢ - ﴿لَأٓكِلُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِن شَجَرٖ﴾ كريه المنظر والطعم والرائحة ﴿مِّن زَقُّومٖ﴾ بيان للشجر.أو: لآكلون شجراً هو الزّقوم. ف «مِنْ» الأولى ابتدائية، والثانية بيانية.
٥٣ - ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا﴾ أي: مـن شجــر الزّقــوم ﴿ٱلۡبُطُونَ﴾ فطعامهم الزّقوم.
٥٤ - ﴿فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ﴾ أي: على الزّقوم المأكـول ﴿مِنَ ٱلۡحَمِيمِ﴾ أي: الماء البالغ نهاية الحرارة والغليان، فشرابهم الحميم.
٥٥ - ﴿فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ﴾ – بضمّ الشين وفتحها، قراءتان – ﴿ٱلۡهِيمِ﴾ أي: الإبل العطاش، التي لا تَرْوى بالماء، لداء يُصيبها، يُسمّى الهيام، فلا تزال تشرب حتى تهلك، أو تسقم سقما شديداً.جمع أهيم للمذكّر،وهيماء للمؤنث، أو جمع هيمان للذكر وهيمى للأنثى، كعطشان وعطشى.وقيل: الهيم: الرّمل، أي أن أهل النار يشربون الحميم شرب الرمل للماء، فلا يرتوون.
56:56Page 536
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
٥٦ - ﴿هَٰذَا﴾ أي: المذكور من أنواع العذاب من شجر الزقوم وشراب الحميم هو ﴿نُزُلُهُمۡ﴾ أي: ضيافتهم وما أُعدّ لهم أوّل قدومهم ﴿يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. والنزل: ما يُعدّ للضيف أوّل نزوله، تكرمةً له، وتسميته «نزلاً» تهكّم بهم.
56:57Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
٥٧ - ﴿نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ﴾ أي: ابتدأنا خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكوراً ﴿فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلا تصدّقون بالخلْق؟إذ إن إقرارهم بأن الخالق هو الله، مقترن بما يُنبئ عن خلافه وهو الشرك والعصيان – كان الإقرار بمنزلة العدم والإنكار، فحضّوا على التصديق بذلك!أو: إنه حثّ على التصديق بالبعث وترك إنكاره، أي: فهلاّ تصدّقون بالبعث، إذ القادر على البداءة، قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى !ثم ذكر أربعة أدّلة على القدرة على البعث:خلق الإنسان. والنبات. والماء العذب، وهو سبب حياتهما.وخلقُه النار، وهي ضدّ الماء، وفيها الإنذار والنفع العظيم.
٥٨ - ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ أي: أخبروني! ما تقذفونه من النّطف أو المنيّ في أرحام النّساء؟
56:59Page 536
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
٥٩ - ﴿ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ﴾ أي: المنيّ، أي: تقدّرونه وتصوّرونه بشراً سوياً؟ ﴿أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ له، أي: بل أنحن، لا غيرنا، المقدّرون المصوّرون له؟يقال: أمْنى النطفة و مناها – من باب: رمى -: قذفها.ومفعول «أرأيتم» الأول: الاسم الموصول، والثاني: الجملة الاستفهاميّة بعده.و «أم» منقطعة لوقوع جملة بعدها، وتقدّر ب «بل» وهمزة الاستفهام التقريريّ، أي: «بل أنحن» فيكون الكلام مشتملاً على استفهامين: الأول: (ءأنتم تخلقونه)؟ وجوابه: لا.والثاني: مأخوذ من «أم»، أي: بل أنحن الخالقون؟ وجوابه: نعم.وكذا يُقال في نظائره بعد، الآيات: (٦٣ - ٧٢).
56:60Page 536
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
٦٠ - ﴿نَحۡنُ قَدَّرۡنَا﴾ – بتشديد الدال وتخفيفها، قراءتان – ﴿بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ﴾ أي: صرّفناه بينكم وقسّمناه عليكم، ووقّتناه لكل فرد من أفرادكم، فمنكم من يموت كبيراً ومنكم من يموت صغيراً.﴿وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ﴾ أي: بمغلوبين، أو: بعاجزين في أنفسكم وآجالكم.
56:61Page 536
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
٦١ - ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ﴾ أي: عن إهلاككم، وأن نبدّل منكم أشباهكم، أو: عن أن نجعل أمثالكم مكانكم.﴿وَنُنشِئَكُمۡ﴾ أي: نخلقكم ﴿فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ من الصّور والهيئات والأشكال والصّفات والأحوال، أي: في الدنيا.وقيل: المعنى: ننشئكم في البعث على غير صوركم وهيئاتكم في الدنيا، فكيف نعجز عن إعادتكم؟
56:62Page 536
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
٦٢ - ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ وهي ابتداء الخلق، من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئاً مذكوراً.﴿فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فهلا تتذكّرون أن القادر على النشأة الأولى وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة، بطريق الأوْلى والأحرى؟ كقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧).[وفي قراءة: (تذّكّرون) وفيه إدغام التاء الثانية في الأصل، في الذّال].
٦٣ - ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ﴾ أي: أخبروني! البذْر الذي تُلقونه في الأرض.والحرث: إثارة الأرض وفلاحتها للزراعة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences