Al-Jami' al-WajizAn‑Nisa · 4:1–10

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

النساء

An-Nisa

The Women · Medinan · 176 ayahs

4:1Page 77

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allāh, through whom1 you ask one another,2 and the wombs.3 Indeed Allāh is ever,4 over you, an Observer.5

١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ بامتثال ما أوجب به وأمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، مع الإخلاص والمحبة له والرجاء في ثوابه، والخوف من عقابه. ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ أي: فرّعكم من أصل واحد وأوجدكم منه، وهو آدم عليه السلام، خلقه من تراب ﴿وَخَلَقَ مِنۡهَا﴾ أي: من تلك النفس، من جنسها ونوعها ﴿زَوۡجَهَا﴾ وهي حوّاء، خلقها من ضلع من أضلاعه اليسرى، ليسكن إليها، وتسكن إليه، كما قال تعالى:(وجعل منها زوجها ليسكن إليها)الأعراف(١٨٩).﴿وَبَثَّ مِنۡهُمَا﴾ أي: نشر وفرّق من آدم وزوجه بالتوالد والتناسل ﴿رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ﴾ كثيرة، ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بطاعتكم إياه، وباتقاء موجبات نقمته ﴿ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ﴾ فيما بينكم، أي: يسأل بعضكم بعضاً بالله، كقولكم: أسألك بالله وأنشدك بالله. وقيل: واتقوا الله الذي تعاقدون به وتعاهدون به. [وفي قراءة:بالتشديد (تسّاءلون) وأصله: تتساءلون، وفيه إدغام التاء في الأصل في السين] .﴿وَٱلۡأَرۡحَامَۚ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن صلوها بالبر والإحسان، فإنها مما أمر الله به أن يوصل. [وفي قراءة : (والأرحامِ) بالجر عطفاً على الضمير في «به»] أي: تساءلون بالله و بالأرحام، فقد كانوا يتناشدون بالرحم، كقولهم: أسألك بالله و بالرحم. والأرحام: جمع رحم، وهي القرابة، وهي اسم جامع لجميع القرابات من الرجال والنساء من جهة الأب أو الأم، من غير فرق بين المحْرم وغيره، مشتقة من الرحمة، لأن القرابة من شأنهم أن يتراحموا، ويعطف بعضهم على بعض.و كرر الأمر بالتقوى للمبالغة والتأكيد. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ أي: حافظاً لأعمالكم خيرها وشرها، يحصي عليكم كل شيء، فيجازيكم بها. أو مطلعاً على جميع أموركم وأحوالكم في سركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه منكم شيء. مأخوذ من: رقبه، إذا حفظه. ومنه: المرقب، للمكان العالي، الذي يشرف منه الرقيب، ليطلع على ما دونه. والله كان ولم يزل متصفاً بذلك، لذا وجب أن يُخاف ويُتقى. وفي الحديث الصحيح:«اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك»، وهو إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب جل و علا. وفي الآية: بيان إلى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة، ليعطف بعضهم على بعض، ويحث أغنياءهم على فقرائهم، كما ثبت في حديث جرير بن عبد الله البجلي عند مسلم في «صحيحه» أنه ﷺ حضّهم على الصدقة فقال:«تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره» ، أي: ليتصدق . و إرشاد إلى الأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، مقروناً بالأمر بتقوى الله، ليؤكد القيام بحق الله، وحق العباد. وتنبيه على القيام بحق الأزواج والزوجات في غير معصية الله.

4:2Page 77

وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

٢ - ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ﴾ أي: أعطوا الذين لا أب لهم، ولم يبلغوا الحُلم، ﴿أَمۡوَٰلَهُمۡۖ﴾ كاملة موفرة، إذا بلغوا الرشد، ولا يعطون المال إلا بعد ارتفاع اسم اليتم عنهم بالبلوغ والرشد. والخطاب في الآية للأولياء والأوصياء على اليتامى، وفيه الأمر بترك أموالهم التي في تصرف أوليائهم سالمة غير متعرّض لها بسوء، حتى تؤدى إليهم كاملة حين بلوغهم الرشد.قيل : نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فطلب اليتيم من وليّه ماله، فمنعه،فترافعا للنبي ﷺ، فنزلت.﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ﴾ أي: لا تستبدلوا الحرام، وهو أكل مال اليتيم بغير حق ﴿بِٱلطَّيِّبِۖ﴾ الحلال الذي لا حرج فيه ولا تبعة. وفي الآية: نهي لهم عن أن يصنعوا صنيع أهل الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الجيد من أموال اليتامى، ويعوّضونه بالرديء من أموالهم. وقيل: لا تأكلوا أموال اليتامى بغير حق، وهي محرّمة عليكم، وتَدَعوا الحلال من أموالكم. ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ﴾ بضمّها ﴿إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ﴾ أي: لا تأكلوها مع أموالكم، وتسوّوا بينهما في الانتفاع. والمراد بالنهي: تحريم التصرف في أموال اليتامى بشتى التصرفات الضارة بهم.وخص الأكل بالذكر، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف. ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: أكل أموالهم بغير حق، وضمها إلى أموالكم. ﴿كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا﴾ أي: إثماً أو ذنباً أو ظلماً عظيماً، فاجتنبوه. وهو اسم مصدر، من حاب يحوب حوباً، إذا اكتسب إثماً، ويطلق الحوب على الهلاك والبلاء. وتحوّب، أي: تأثّم. وفي الحديث عند أبي داود في «سننه»:«اغفر لنا حوْبنا وخطايانا». وفي الآية: مشروعية الولاية على اليتيم، لأن من لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله. والأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله، حفظه وتنميته، والقيام بما يصلحه، وعدم تعريضه للهلاك والضياع.

4:3Page 77

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hands possess [i.e., slaves]. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

٣ - سبب نزول الآية:أخرج البخاري عن عائشة: أن رجلاً كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عَذْق( أي: نخلة بحملها) وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه:(وإن خفتم ألا تقسطوا) الآية. زاد في لفظ: وكانت شريكته في ذلك العذْق وفي ماله. ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ﴾ أيها الأولياء، أو الأوصياء ﴿أَلَّا تُقۡسِطُواْ﴾ أي: أن لا تعدلوا ولا تُنصفوا . من أقسط بمعنى:عدل ﴿فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ أي: في يتامى النساء اللاتي في حجوركم وتحت ولايتكم، وخفتم الجور والظلم في نكاحهن، وغلب على ظنكم عدم القيام بحقهن والتقصير فيه، إما لعدم إعطائهن مهر مثلهن، أو: لعدم العدل في صداقهن وأمرهن ، أو: لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن من النساء ﴿فَٱنكِحُواْ﴾ أي: فتزوجوا ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾ أي: ما حل لكم ﴿مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ سواهن، أي: ما استحسنتم من النساء ممن هن حلال لكم، من غير يتيماتكم-اللاتي في حجوركم وتحت ولايتكم-فإنهن كثير ولم يضيق الله عليكم، فانكحوا ﴿مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ﴾ أي: تزوجوا اثنتين، أوثلاثا،ً أوأربعاً ، ولا تزيدوا على ذلك، إذ تحرم الزيادة على أربع. ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ﴾ أي: فإن علمتـم وغلب على ظنكم أنكم لا تعدلون في تعداد النساء بين الأكثر من الواحدة في القَسْم و النفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم- كما علمتم أنكم لا تعدلون في حق اليتامى منهن - ﴿فَوَٰحِدَةً﴾ أي: فانكحوا أو الزموا زوجة واحدةً. ومفهومه: إباحة الزيادة على الواحدة إذا أمن الجوْر في القسم والنفقة والحقوق. [وفي قراءة بالرفع: (فواحدةٌ)]. ﴿أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ﴾ من الإماء والجواري والسراري، وإن كثر عددهن. والمراد: نكاحهن بطريق مِلْك اليمين، لا بطريق الزواج إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات، فلا يجب قَسْمٌ بينهن، ولكن يُستحب ، فمن فعل فحسن، ومن لا، فلا حرج. والقَسْم: العدل في المبيت. ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: نكاح الأربع فقط، أو اختيار الزوجة الواحدة والاقتصار عليها، أو التسرّي بملك اليمين. ﴿أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ أي: أقرب إلى أن لا تميلـوا الميل كله مع إحداهن على حساب الأخرى، بدلاً من العدل بينهن- و هذا في نكاح الأربع، وتعداد الحرائر فقط- أو: أقرب إلى أن لا تجوروا ولا تظلموا في النفقة والقَسْم وحقوق بعضهن على حساب غيرهن. والعوْل في الأصل: الميل المحسوس، يقال: عال الميزان عولاً، إذا مال، ثم نُقل إلى الميل المعنوي: وهو الجوْر، ومنه: عال الحاكم في الحكم، إذا قسط وجار وظلم.وقيل: (ألا تعولوا) أي: لئلا تكثر عيالكم، أو: لئلا تفتقروا. يقال: عال يعول، إذا كثر عياله، أو عال الرجل يعيل عيلةً، إذا افتقر، ومنه قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة)التوبة(٢٨)، أي: فقراً.والقول الأول أظهر، لأن كثرة العائلة يُخشى من تعداد الحرائر، كما يُخشى من تعداد الإماء والسراري.فائدة فقهيةكانت اليتيمة في الجاهلية تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن يتزوجها دون أن يعدل في صداقها و مهرها، فلا يعطيها من الصداق ما يعطيها غيره من الأزواج- لكونها يتيمة- فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يعدلوا فيهن، بإكمال الصداق، و سائر حقوق الزوجية لهن، رعاية ليُتْمهن، وأُمروا أن ينكحوا من غيرهن ما حلّ لهم إن غلب على ظنهم التقصير في حقوق اليتامى وعدم العدل فيهن. فالآية على معنى: خُذ ما طابت به نفسك ودع هذه اليتيمة، لا تَضُرَّ بها، ولا تعضلها.روى البخاري عن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى:(و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) قالت:«هذه اليتيمة تكون في حجر وليها،تشركه في ماله،ويعجبه مالها و جمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يعدل في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن و يبلغوا بهن أعلى سنّتهن في الصداق، و أُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن». نكاح ما طاب من النساء يكون وفقاً لحديث رسول الله ﷺ عند الجماعة:«تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك». وفيه اختيار ذات الدين على غيرها لفضلها وجلالها. علم الله تعالى أن مصلحة المسلمين من رجال ونساء، قد تستدعي تعدد الزوجات، بل قد توجبه في بعض الحالات- كحالة الحرب من قلة الرجال وكثرة النساء في المجتمع- وعلم كذلك أن التعدد المطلق مظنة الجور والظلم والفساد، فأباح التعدد، وحدد غايته بأربع، بحيث لا يجوز الزيادة في الجمع بين الزوجات بأكثر من أربع. وقيّد الإباحة بالعدل بينهن، فيما يستطيع الإنسان العدل فيه بالقسم والنفقة وحقوق الزوجية، بحسب طاقته البشرية، فإن عجز عن العدل بينهن لم يجز له التعدد. و أما جمْعه ﷺ بين أكثر من أربع إلى تسع - كما ثبت في الصحيح-فإنما هو من خصائصه الثابتة دون غيره من الأمة، لما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والدارقطني والنسائي في «سننه»: أن غيلان بن سلمة الثقفي، كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً، ويفارق سائرهن. وفي رواية: أنه قال له:«اختر منهن أربعاً». ولما رواه الشافعي في «مسنده» عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله ﷺ:«اختر أربعاً، أيتهن شئت، وفارق الأخرى».و وجه الدلالة: أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع، لسوّغ لهما رسول الله ﷺ ذلك، ولكن أمره لهما بإمساك أربع، وفراق سائرهن، دليل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال.وهو قول الجمهور من السلف و الخلف.

4:4Page 77

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2

٤ - ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ﴾ أي: وأعطوهن مهورهن ﴿نِحۡلَةٗۚ﴾ أي: عطية واجبة أو فريضة لازمة، عن رضا وطيب نفس منكم، والخطاب هنا للأزواج. والصّدُقات: جمع صَدُقة - بفتح الصاد وضم الدال - وهي كالصداق، أي: ما يُعطى للزوجة من المهر، ويُسمى: أجراً وفريضة. والنّحلة في الأصل: العطية على سبيل التبرع، يقال: نحله كذا نِحلةً ونُحْلاً، إذا أعطاه إياه عن طيب نفس منه، بلا مقابلة عِوض. ﴿فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا﴾ أي: فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق، فوهبنه لكم، أو سمحن لكم - عن رضاً واختيار- بإسقاط شيء منه، أو تأخيره أو المعاوضة عنه.﴿فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا﴾ أي: حلالاً طيباً سائغاً ﴿مَّرِيٓـٔٗا﴾ أي: محمود العاقبة والمغبّة، لا حرج عليكم فيه ولا تبعة. والمراد: أنه حلال خالص من الشوائب، وذلك إن طابت نفسها له بالصداق بعد تسميته ، أو عن شيء منه، إذ المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم: إنما هو طيبة النفس، لا مجرد الموافقة بالألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، من غير إضرار بهن ولا خديعة لهن. وعن ابن عباس قال: «إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنىء مرىء، كما قال الله». يقال: هَنِىءَ الطعامُ وهَنُؤ هَنَاءة، وهَنَأنى الطعام، وهنأ لي يَهْنِئُني ويَهْنَؤُني، صار هنيئاً، أي: سائغاً. ويقال: مَرأ الطعام، مَراءة ، فهو مَرىء، أي: هنيء حميد المغبّة. وفي الآية: دليل على أن للمرأة التصرف في مالها - ولو بالتبرع - إن كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك، فليس لعطيّتها حكم. و أنه ليس لوليها من الصداق شيء إلا ما طابت به نفسها منه. وأن المهر يُدفع للمرأة ، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها في قوله:(صدُقاتهن)، والإضافة تقتضي التمليك.

4:5Page 77

وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥

And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

٥ - ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ﴾ أيها الأولياء ﴿ٱلسُّفَهَآءَ﴾ الذين لا يحسنون التصرف في الأموال، من الرجال والنساء والصبيان واليتامى . جمع سفيه: وهو من لا يحسن التصرف في المال، فلا يهتدى- لضعف إدراكه وقلة حيلته - إلى وجوه النفع التي تصلح المال، ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه، وتذهب به، إما لعدم عقله، كالمجنون والمعتوه ونحوهما، وإما لعدم رشده، كالصغير، فإنه مسلوب العبارة، وإما لسوء تصرفه وقلة إدراكه وضعف حيلته، لنقص العقل أو الدين، كالمبذّر ونحوه، وإما لإفلاسه و كثرة ديْنه وضيق ماله عن الوفاء لغرمائه، كالمدين المفلس، فهؤلاء جميعاً يحجُر الحاكم عليهم وعلى أموالهم، ومنه يُؤخذ حكم «الحجْرُ على السفهاء». ﴿أَمۡوَٰلَكُمُ﴾ أي: أموال السفهاء التي في أيديكم وتحت ولايتكم. وأضيفت الأموال إلى الأولياء، للتنبيه على أن أموال السفهاء كأنها عينُ أموال الأولياء، مبالغةً في حملهم على وجوب المحافظة عليها، وحسن التصرف فيها، وعدم تعريضها للأخطار، كما يفعل الأولياء في أموالهم حفظاً ورعاية وتنمية. ﴿ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا﴾ [وفي قراءة: بحذف الألف: ( قِيَماً)] فبها قِوام معايشكم وصلاح أموركم. فنهى الله الأولياء أن يعطوا السفهاء أموالهم، خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده، تقوم بمعاشهم و صلاح أمورهم في دينهم و دنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام بها، فإذا أفسدوها كانوا عالة عليكم. ﴿وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا﴾ أي: اجعلوا لهم- أيها الأولياء- من أموالهم رزقاً ينفقونه على أنفسهم، ويكتسبون به في معاشهم. والمراد: ارزقوهم منها و من ثمرتها وكسبها، لا من أصلها و ذاتها، وذلك بالتجارة فيها .﴿وَٱكۡسُوهُمۡ﴾ أي: وأنفقوا عليهم من كسوتهم ومؤونتهم، وابذلوا لهم من أموالهم ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية ﴿وَقُولُواْ لَهُمۡ﴾ أيها الأولياء ﴿قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ و عِدوهم وعْداً حسناً بأن تدفعوا إليهم أموالهم إذا رشدوا. وفي الآية: دليل على أن نفقة السفيه تكون في ماله، إذا كان له مال، لقوله:(وارزقوهم فيها واكسوهم). وفيه دليل أيضاً: على أن قول الولي مقبول فيما يدّعيه من النفقة و الكسوة، لأن الله جعله مؤتمناً على مالهم، فلزم قبول قول الأمين.

4:6Page 77

وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.

٦ - ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ أيها الأولياء، أي: اختبروهم - و المراد: عقولهم وأفهامهم- قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال، وحُسن التصرف فيها، وجرّبوهم بما يليق بأحوالهم، بدفع شيء من أموالهم إليهم، وسؤالهم حسن التّصرف فيه، ليعلم حقيقة حاله، ويتبين بذلك رشده من سفهه، وامتحنوهم بتعرّف صلاحهم في دينهم وحسن أخلاقهم. فإن استمر السفيه على حاله، غير محسن للتصرف في ماله وحاله، لم يدفع إليه ماله، ويبقى محجوراً عليه. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ﴾ أي: الحُلُم وصاروا أهلاً له. وعلامات بلوغ النكاح:عند الذكور: الاحتلام- وهو نزول المني- والإنبات- و هو إنبات الشعر- أو السنّ، وهو استكمال خمس عشرة سنة، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال:«عُرضت على رسول الله ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني». وعند الإناث: الحيض والحمل. ﴿فَإِنۡ ءَانَسۡتُم﴾ أي: علمتم وتبينتم وأبصرتم وأحسستم ﴿مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا﴾ أي: صلاحاً في دينهم وعقولهم، وإصلاحاً وحفظاً لأموالهم، واهتداءً لحسن التصرف فيها، بعدم تبذيرها، ووضعها في مواضعها ﴿فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ﴾ كاملة موفرة دون تأجيل. و على هذا : فإذا بلغ السفيه النكاح وتبين رشده وصلاحه في دينه وماله، انْفَكّ عنه الحَجْر، فيُسلّم إليه ماله الذي تحت يد وليه ووصيه. ﴿وَلَا تَأۡكُلُوهَآ﴾ أيها الأولياء ﴿إِسۡرَافٗا﴾ أي: مسرفين مبذّرين لها بغير حق، متجاوزين حد الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم إلى الحرام الذي حرمه عليكم من أموالهم. والإسراف: الإفراط و التبذير والتقصير . وضده: القصد.﴿وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ﴾ أي: ولا تأكلوا أموالهم مسارعين في إنفاقها مبادرين كبرهم و رشدهم، بأن تفرطوا في إنفاقها حال صغرهم.أو:لا تأكلوها مبادرين إلى إنفاقها مخافة أن يكبروا رشداء فيحوزوا أموالهم فينتزعوها من أيديكم ويمنعوكم منها. والبدار: المبادرة و المسارعة إلى الشيء. ويكبَرُ: مضارع كَبِرَ، كتعب، يستعمل في السنّ. ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا﴾ من الأولياء ﴿فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ﴾ أي: فليكف عن أكل مال اليتيم، وليعف نفسه عنه وليستغن بماله. ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرٗا﴾ من الأولياء يمنعه الاشتغال بمال اليتيم عن الكسب ﴿فَلۡيَأۡكُلۡ﴾ من مال اليتيم ﴿بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ شرعاً وعرفاً غير مسرف، أي: بقدر أجرة عمله، و قيامه عليه وإصلاحه له، ومثله قوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده)الإسراء(٣٤). وقيل: (فليأكل بالمعروف) قدر حاجته غير مترفّه بأموال اليتامى، ولا مبالغ في التنعُّم بالمأكول والمشروب والملبوس. و المعروف هنا: ما سدّ جوْعته و وارى عوْرته.و قيل: إن الولي ليس له أن يأكل من مال اليتيم إلا قرضا أو بأجر المثل.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم، وأبي داود، والنسائي: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيماً، عنده مال، وليس لي مال، آكل من ماله؟ قال:«كل بالمعروف غير مسرف».﴿فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ﴾ أي: إلى اليتامى ﴿أَمۡوَٰلَهُمۡ﴾ بعد بلوغهم الحلم، وإيناسكم الرشد منهم، والصلاح في دينهم، وحالهم، وحفظ أموالهم ﴿فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ الشهود بأنهم تسلموها منكم، وبرئت ذمتكم منها، لتندفع عنكم التهم، ولئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلّمه، فترجعوا إلى البيّنة.وهذا الأمر للأولياء بالإشهاد على تسليم أموال اليتامى لهم بعد بلوغهم رشدهم: إنما هو أمر إرشاد وبيان، لا أمر وجوب. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ أي: محاسباً لكم، شاهداً عليكم في الدفع والقبض، رقيباً على أعمالكم، حافظاً لها، فلا تخالفوا ما أمرتم به حال قيامكم على مال اليتيم قبل بلوغه، وحال تسليمكم له بعد بلوغه ورشده. وفي الحديث عند مسلم، أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر:«يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تُأمّرنّ على اثنين، ولا تَلِينّ مال يتيم». يقال: حسبه يحسبه حسباً: إذا عده، وهو حال أو تمييز، وفاعل «كفى»: اسم الجلالة.فائدة فقهيةقال العلماء: الولي الذي يلي مال اليتيم له أن يأكل من أقل الأمرين: أُجرة مثله، أو مقدار حاجته. واختلفوا هل يردّ الولي المال الذي أكله إذا أيسر؟ على قولين: الأول: لا يرد المال الذي أكله- لقاء أجرة عمله وقدر حاجته- لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيراً، والآية أباحت الأكل من غير بدل، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي. الثاني: نعم، يرد المال الذي أكله، لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح الأكل للحاجة وعلى قدرها، فيرد بدله، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وعليه، فإن كان الأكل بمقدار أجرة عمله فليس فيه رد إذا أيسر، وإن كان الأكل والاستقراض للحاجة، ففيه الرد إذا أيسر. قلت: وهو الأولى عندي لوضوحه. والله تعالى أعلم.

4:7Page 78

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

٧ - أسباب نزول الآية:قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، لأنهم حسب زعمهم أهل الحرب والقتال، والنهب والسلب، ولا يورِّثون النساء ولا الأطفال شيئاً، فأنزل الله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون)- الآية. وروى ابن مردويه عن جابر قال: أتت أم كحَّة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنتين قد مات أبوهما، وليس لهما شيء، فأنزل الله الآية. وأخرج أبو الشيخ وابن حبان في «الفرائض» عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون البنات ولا الصغار من الذكور، حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار، وترك ابنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه، وهما عَصَبة، فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته رسول الله ﷺ، فذكرت له ذلك، فقال: «ما أدري ما أقول؟» فنزلت. ﴿لِّلرِّجَالِ﴾ أي: الذكور من الأولاد والأقرباء صغاراً أو كباراً ﴿نَصِيبٞ﴾ أي: حظ أو قسط وحصة ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ أي: خلّف ﴿ٱلۡوَٰلِدَانِ﴾ أي: الأب والأم ﴿وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾ المتوفّوْن، من المال بعد موتهم، وهو عموم بعد خصوص. ﴿وَلِلنِّسَآءِ﴾ أي: الإناث من الأولاد والقريبات صغاراً أو كباراً ﴿ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ﴾ المتوفّوْن، من المال بعد موتهم- ولو كان مما لا يصلح إلا للرجال، كالسلاح، أو للنساء، كالحلي- ﴿مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ﴾ أي: من المال. والمراد: مال التركة ﴿أَوۡ كَثُرَۚ﴾ لئلا يُتوهّم أن النساء، أو الوالدين ليس لهم نصيب إلا في المال الكثير. فجعله الله بما شرع بعلمه وحكمته ﴿نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا﴾ أي: حقاً ثابتاً واجباً، لا يجوز التعرّض لإبطاله أو نقضه. أو: مقتطعاً مقدراً محدوداً، بتسليمه إلى الورثة. وفي الآية: إرشاد إلى أن الجميع في حكم الله سواء، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يُدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجية.

4:8Page 78

وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.

٨ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ﴾ أي: قسمة الميراث والتركة ﴿أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: ذوو القرابة من غير الوارثين ﴿وَ﴾ كذا ﴿ٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ﴾ والمستحقون من الفقراء الذين لا يجدون ما يكفيهم من المال ﴿فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ﴾ أي: فارضخوا لهم من مال المتوَفَّى وتركته نصيبا قبل قسمته على الورثة.والرضخ: إعطاء الشيء ليس بالكثير، فيعطون من هذا المال بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة، براً بهم، وصدقة عليهم، وإحساناً إليهم، وجبراً لخواطرهم، وتطييباً لقلوبهم ، فإن نفوسهم متشوِّفة إليه وقلوبهم متطلعة عليه، تتوق إلى شيء منه. والأمر بإعطاء القرابة غير الوارثين، واليتامى والمساكين، من مال المتوَفَّى قبل قسمته، أمر ندْب واستحباب، لا أمر وجوب، فإن كل من له تطلع وتشوُّف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول:«إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه، فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة، أو لقمتين». ﴿وَقُولُواْ لَهُمۡ﴾ أيها الأولياء، إن لم يكن ثمَّ رضخٌ وإعطاءٌ، لكون الورثة صغاراً -مثلاً- ﴿قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ أي: قولاً جميلاً، ورداً حسناً، ليس فيه منٌّ ولا أذى، بل خيراً ودعاءً.

4:9Page 78

وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.

٩ - ﴿وَلۡيَخۡشَ﴾ أي: وليخف من ظلم اليتامى الأولياءُ و الأوصياءُ ﴿ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾ أي: قاربوا أن يتركوا بعد موتهم ﴿ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا﴾ أي: أولاداً صغاراً لهم ﴿خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ﴾ العَيْلة- أي: الفقر- والضّيعة من بعدهم، وأن لا يُحسن إليهم من يليهم من الأولياء غيرهم ﴿فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في أمر اليتامى- الذين في حجورهم وتحت ولايتهم- وفي مباشرة أموالهم، وليعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية بمثل ما يحبون أن تُعامل به ذريتهم الضعاف من بعدهم. وفي الآية: وعظ للأولياء بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم وتحت ولايتهم بمثل ما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم، أي: عامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم بمثل ما تحب أن تُعامل به ذريتك من بعدك. ﴿وَلۡيَقُولُواْ﴾ أي: الأولياء لليتامى ﴿قَوۡلٗا سَدِيدًا﴾ أي: صواباً وعدلاً موافقاً للحق، هادياً لهم إلى محاسن الأقوال والأفعال، وإلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، كما يقولون ذلك لأولادهم. يقال: سدّ يسدُّ سَداداً وسُدوداً، أصاب في قوله وفعله، فهو سديد. وأمر سديد وأسَدّ: قاصدٌ. وقيل: إن الخطاب في الآية لمن يحضر من حضرته الوفاة، فأجنف في وصيته بما يضُر ورثته، فأمر الله من يحضره أن يتقي الله، فيأمره بتقوى الله والعدل في وصيته، وأن يقول له قولاً موافقاً للحق والعدل، فينظر الحاضر لورثة المحتضر، كما يُحب أن يُنظر لورثته إذا خشي عليهم الجنف والضّيعة.ويؤيده: ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:«لا»، قال: فالشطر؟ قال:«لا»، قال: فالثلث؟ قال:«الثلث، والثلث كثير»، ثم قال:«إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». قال العلماء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استُحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، وإن كانوا فقراء استُحب له أن ينقص الثلث، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس، قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال:«الثلث، والثلث كثير».

4:10Page 78

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].

١٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ﴾ من الأولياء والأوصياء، أو الورثة ، أو القضاة ﴿أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا﴾ بغير حق ولا سبب شرعي، فيخرج بهذا القيد -ما تقدم- من جواز الأكل بالمعروف للولي الفقير، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى.ولكن من أكلها ظلماً ف ﴿إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ ﴾ أي: مِلأها ﴿نَارٗاۖ﴾ تتأجج فيها وفي أفواههم يوم القيامة، بسبب ما أكلوه من أموال اليتامى. ﴿وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا﴾ [وفي قراءة: بضم الياء بالبناء للمفعول: (وسيُصْلوْن )] أي: وسيدخلون ناراً هائلة شديدة متوقدة اللهب محرقة، جزاء أكلهم أموال اليتامى ظلماً. يقال: صليت الرجل ناراً: إذا أدخلته فيها وجعلته يصلاها، وصليت اللحم وغيره - من صَلَى، كرَمَى - إذا شويته. والسعير: الجمر المشتعل، يقال: سعرت النار - من سَعَر، كمنع- وأسعرتها وسعّرتها: إذا أوقدتها وألهبتها وأشعلتها، واستعرت الحرب: اشتدت. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:«اجتنبوا السبع الموبقات قيل: و ما هن، قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وروى ابن مردويه، عن أبي برزة، أن رسول الله ﷺ قال:«يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)». وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«أحرِّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم» أي: أوصيكم باجتناب مالهما . و رواه النسائي بسند جيد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском