Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
١ - ﴿تَبَارَكَ﴾ أي: تعالى على كل شيء وتقدّس وتعاظم وتمجّد في صفاته وأفعاله .أو : تكاثر خيره وتزايد تنزيهه عن كل نقص .﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ﴾ أي: القرآن، وسُمّي بذلك: لفَرْقه بين الحقّ والباطل﴿عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ﴾ محمّد ﷺ، كقوله : (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)الكهف(١).﴿لِيَكُونَ﴾ ذلك التنزيـل عــلى عبــده محـمّــد ﷺ ﴿لِلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: الإنـس والجنّ ﴿نَذِيرًا﴾ أي: مخوّفاً من عذاب الله وبأسه ونقمته ، منذراً لهم عن بعثهم بعد الموت ، وحشرهم إلى الله، والجزاء بأعمالهم . و الآية كقوله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)الأعراف(١٥٨).وفي الحديث عند أحمد: «بعثتُ إلى الأحمر والأسود». وقال ﷺ : «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة ، وبعثتُ إلى الناس عامّة» .رواه البخاريوالبركة: الكثرة من كلّ خير. قال الفرّاء : إن «تبارك» و «تقدّس» في العربية واحد، ومعناهما : العظمة.ف «تبارك» : تفاعلٌ من البركة المستقرّة الثابتة الدائمة.والفرقان: القرآن الذي يفرق بين الحقّ والباطل ، ويميز الهدى من الضلال، والغي من الرشاد، والحلال من الحرام.ونزّل: فعّل، من التكرّر والتكثّر، فتنزيله: إنزاله مرّة بعد مرّة، وفي حال بعد حال ، منجماً على حسب الحوادث ، ليكون البيان به أبلغ ، والتأثير به أعظم .والآية كقوله:(والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل)النساء(١٣٦) لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة ، والقرآن نزل منجما مفرّقا مفصلاً ، آيات بعد آيات ، وأحكاما بعد أحكام، وسوراً بعد سور، وهذا أبلغ وأشدّ اعتناء بمن أنزل عليه ، كما قال تعالى في هذه السورة ، آية ٣٢ : (وقال الذين كفروا لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتلناه ترتيلا).وقوله : (على عبده) : وصفٌ له بالعبودية ، تكريماً له و تشريفاً، وذلك في مقام الامتنان عليه بتنزيل القرآن، فهي صفة مدح وثناء ، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)الإسراء(١) وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه ، فقال : (وأنه لمّا قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً)الجنّ(١٩) .
25:2Page 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
٢ - ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ دون غيره ، فهو المتصرّف فيهما وحده، وفي جميع من فيهما، والكلّ مفتقر إليه في الوجود والبقاء، مذعنون لعظمته، خاضعون لربوبيّته، فقراء إلى رحمته .﴿وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا﴾ فيه ردّ على اليهود الذين قالوا: (عزير ابن الله)التوبة(٣٠)والنصارى الذين قالوا: (المسيح ابن الله)التوبة(٣٠) .﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ﴾ وفيه ردّ على طوائف المشركين من الوثنية و الثنوية وأهل الشرك الخفيّ. والآية تنزيه لذات الله عن اتخاذ الولد وعن الشريك، فهو الغني بذاته من جميع الوجوه، والمخلوقون مفتقرون إليه ، فقراء من جميع الوجوه .﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ من المخلوقات والموجودات، في العالميْن: العُلْويّ والسفليّ .﴿فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ أي: سوّاه تسوية، وهيأه لما أراد به من الخصائص، والأفعال اللائقة به ولما يصلح له، تهيئة بديعة بحكمته وفْق إرادته، فجرت المقادير على ما خلق وقدّر، كقوله : (الذي خلق فسوّى ٢ والذي قدّر فهدى ٣)الأعلى(٢-٣) وقوله – حكاية عن موسى عليه السلام-: (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)طه(٥٠).فكلّ شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربّه، ومليكه، وإلهه، وكل شيء تحت قهره وتدبيره، وتسخيره وتقديره .
25:3Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
٣ - ﴿وَٱتَّخَذُواْ﴾ أي: المشركون ﴿مِن دُونِهِۦٓ﴾ أي: غير الله ﴿ءَالِهَةٗ﴾ أي: أصناماً، وقد وصفها الله بسبع صفات هي : ﴿لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا﴾ أي: لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء.﴿وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ أي: يخلقهم الله تعالى﴿وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا﴾ أي: دفعه ورفعه ﴿وَلَا نَفۡعٗا﴾ أي: جَرَّه وجَلْبه ، فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم ؟والضرّ والنفع نكرة في سياق النفي، فتعمّ .﴿وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا﴾ أي: لا يقدرون على إماتة الأحياء ﴿وَلَا حَيَوٰةٗ﴾ ولا على إحـياء الموتى، في الدنيا ﴿وَلَا نُشُورٗا﴾ ولا على بعثهم بعد الموت في الآخرة . والنشور : مصدر نشر الموتى نشوراً. أي: ليس لهم من ذلك شيء ، فلا يملكون إماتة لأحد ، ولا إحياء له، ولا بعثاً للأموات ، بل كلّ ذلك مرجعه إلى الله تعالى ، الذي له الخلق والأمر ، وبيده النفع والضرّ ، الذي يحي ويميت ويبعث من في القبور .فكيف يتخذون من دون الله آلهة هذا شأنها ووصفها ؟ تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً .
25:4Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
٤ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ هم مشركو قريش وغيرهم: ﴿ إِنۡ هَٰذَآ ﴾ أي: ما القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ﴿إِلَّآ إِفۡكٌ﴾ أي: كذب وبهتان ﴿ٱفۡتَرَىٰهُ﴾ محمد ، أي: اختلقه واخترعه وتخرّصه من تلقاء نفسه ﴿وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ﴾ أي: على افترائه واختلاقه ﴿قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ﴾ من أهل الكتاب.والقائلون بذلك صناديد المشركين: كأبي جهل والنضر بن الحارث وأشياعهما ، فقد كانوا يقولون: إن محمداً استعان على جمع القرآن بقوم آخرين .قال الله تعالى : ﴿فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا﴾ أي: جاءوا بظلم عظيم، وكذب فظيع لا تُبلغ غايته و لا تدرك نهايته ، انحرفوا به عن جادّة الحق والإنصاف. أو : فقد جاءوا بهذا القول ، أي: قالوا ظلماً عظيماً، وكذبا ظاهراً، وقولاً باطلاً .والزُّور في الأصل : تحسين الباطل، مأخوذ من الزَّوَر ، وهو الميل في الزَّوْر (و هو أعلى الصدر) .وأطلق على الكذب زُورٌ لما فيه من الميل عن الصدق والانحراف عن الحق .و الظلم : وضع الشيء في غير موضعه.
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
٥ - ﴿وَقَالُوٓاْ﴾ أيضاً في القرآن : هو ﴿أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: أكاذيبهم وأباطيلهم وأحاديثهم التي سطّروها في كتبهم. جمع أسطورة ، بالضم .﴿ٱكۡتَتَبَهَا﴾ أي: انتسخها محمد من ذلك القوم بغيره، أي: أمر غيره بكتابتها له. أو: استنسخها ، وجمعها، وكتبها لنفسه.﴿فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ﴾ أي تلك الأساطير تُقرأ عليه ، أو: تُلقى عليه، بعد اكتتابها ليحفظها ﴿بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا﴾ أي: غدوة وعشيّا، أو: أوّل النهار وآخره. والمراد: دائماً.وهذا القول منهم كذب وزور وبهتان، فإنه قد نشأ بين أظهرهم، من أول مولده إلى أن بعثه الله نحواً من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه ، وصدقه ونزاهته، وبرّه وأمانته ، وكان معروفا عندهم بالصادق الأمين، فلما أكرمه الله بالرسالة، نصبوا له العداوة، ورموه بهذه الأقوال الباطلة، وحاروا في أمره، فتارة يقولون: ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون، وتارة كذّاب، وهو برىء من ذلك كلّه.و الآية كقوله سبحانه: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا)الفرقان(٩).قال تعالى ردّا عليهم:
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
٦ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد ردّا على افترائهم: ﴿أَنزَلَهُ﴾ أي: القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين ، الله ﴿ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ﴾ أي: الغيب ﴿فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: يعلم غيب السماوات والأرض، فيعلم كلّ ما يغيب ويخفى، وعلمه بالسرائر ، كعلمه بالظواهر.والمعنى: ليس ذلك مما يُفترى أو يُفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين، من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي، أنزله الذي يعلم الغيب في السماوات والأرض.فوجه إقامة الحجة عليهم : أن الذي أنزله ، هو المحيط علمه بكل شيء ، فيستحيل ويمتنع أن يقول أحد أو يتقوّل عليه هذا القرآن ، ويقول: هو من عند الله، وما هو من عند الله، فلا يمكن لأحد أن ينكر هذا القرآن، إلا بعد إنكار علم الله، وهذا لا يكون أبداً ، فالقرآن إذن لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة .﴿إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا﴾ لمن تاب إليه، وأناب ﴿رَّحِيمٗا﴾ بهم، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، وقد فعلوا مقتضاها، وحيث قَبِل توبتهم ، بعد الرجوع عن المعاصي، فإنه كثير المغفرة والرحمة .والآية دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمة الله واسعة ، وأن من تاب إلى الله تاب الله عليه . فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم، وفجورهم وبهتانهم، يدعوهم إلى التوبة، والإقلاع عمّا هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى:(أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم)المائدة(٧٤).
25:7Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
٧ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: الكفّار ، المكذّبون للرسالة، تعنّتاً وعناداً ، وتكذيبا للحق بلا حجة ، ولا دليل منهم :﴿مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ﴾ أي: ما لهذا الذي ادّعى الرسالة، فقد سمّوه رسولا، تهكّما منهم ، واستهزاء وسخرية.﴿يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ﴾ كما نأكله ، و يحتاج إليه ، كما نحتاج إليه؟﴿وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ﴾ أي: يتردّد فيها وإليها طلبا للتكسب والمعاش والتجارة ، كما نتردّد ؟أي إنّ هذا من خصائص البشر، فإنه لو كان رسولاً حقاً ، فإنه يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الطعام والكسب، زعموا .﴿لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ﴾ أي: هلاّ أنزل إليه ملك من عند الله ﴿فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا﴾ يعضده ويساعده في الإنذار، ويصدّقه ، ويشهد له بالرّسالة ؟وهذا القول منهم ، كما قال فرعون في موسى عليه السلام : (فلولا أُلقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين)الزخرف(٥٣) .وقد اشتمل قولهم على ستّ قبائح ، آخرها قوله : (إلاّ رجلا مسحوراً). وقد ردّ الله تعالى عليها إجمالاً في البعض، وتفصيلاً في البعض الآخر، إلى أن قال:(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاّ إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)الفرقان(٢٠).
25:8Page 360
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
٨ - وقالوا : ﴿أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ﴾ أي: أو ينزل عليه من السماء مال عظيم يغنيه عن التماس المعاش بالأسواق وعن طلب الرزق . وأصل الكَنْز: جعلُ المال بعضه على بعض و حفظه ، من كَنَز التمر في الوعاء : إذا حفظه .﴿أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ﴾ أي: بستان ذو شجر يدرّ عليه الخير﴿يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ﴾ أي: من ثمارها، فيستغني بها عن طلب الرزق .[وفي قراءة : (نأكل) بالنون ، أي: نحن ، فيكون له مزية علينا بها] .وسمّي البستان جنّة : لستره الأرض بأشجاره ، من الجنِّ : وهو ستر الشيء عن الحاسّة .﴿وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: الكافرون للمؤمنين: ﴿إِن﴾ ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا﴾ أي: مخدوعاً، مغلوباً على عقله بالسّحر .والسّحر عندهم معروف بتأثيره في العقول ، فما حملهم على هذا القول إلاّ ظلمهم لأنفسهم ، لا اشتباهاً منهم.قال تعالى رداً عليهم:
25:9Page 360
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
٩ - ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمد ﴿كَيۡفَ ضَرَبُوا﴾ أي: الكفارُ ﴿لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ﴾ بالمسحور، والمحتاج إلى كنز ينفق منه ، وإلى مَلَك يقوم بالأمر معه ، ليتوصّلوا بها إلى تكذيبك .والأمثال: الأقوال النادرة ، كقولهم: ساحر أو شاعر أو مجنون أو كذّاب، والاقتراحات الغريبة ، وهي ما ذكروه هاهنا من إنزال مَلَك ، أو إلقاء كنز إليه.﴿فَضَلُّواْ﴾ بذلك عن الصواب والهدى ﴿فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا﴾ أي: طريقاً إليه إذ التمسوه في غير ما بُعثت به، أو إلى القدح في نبوّتك ورسالتك .وذلك أن كلّ من خرج عن طريق الحقّ والهدى، فإنه ضالّ حيثما توجّه، لأن الحق واحد لا يتعدّد ، ومنهجه متحد ، يُصدّق بعضه بعضاً.
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
١٠ - ﴿تَبَارَكَ﴾ أي: تعالى وتعاظم، وتقدّس وتمجّد، أو تكاثر خيره﴿ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ﴾ الذي اقترحوه من الكنز والبستان﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَيَجۡعَل لَّكَ﴾ فيها ﴿قُصُورَۢا﴾. والقصر: البيت من الحجارة، وبيت الطين. [وفي قراءة: (ويجعلُ لك قصورا) بالرفع استئنافاً ]. أي: إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما اقترحوه من الكنز والجنّة ، وذلك بأن يعجّل لك فيها مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور المشيّدة، فقدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك . ولكنه تعالى – لمّا كانت الدنيا عنده لا تزن جناح بعوضة – أعطى منها أولياءه و رسله، ما اقتضته حكمته منها.
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
١١ - ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ﴾ أي: القيامة. والآية انتقال من حكاية كفرهم وتكذيبهم بأمر التوحيد والنبوّة ، إلى حكاية كفرهم وتكذيبهم بأمر المعاد، وفيه دليل على أن تلك الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها ، إنما صدرت منهم تكذيبا بالحق وعناداً، وتعنّتاً وظلما وجحوداً ، لا طلبا للحق، ولا تبصراً أو استرشاداً.﴿وَأَعۡتَدۡنَا﴾ أي: أرصدنا و أعددنا و هيأنا ﴿لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أي: ناراً عظيمة ، شديدة الاشتعال. أو : ناراً مسعّرة ، أي: مشتدّة ، تُسعّر عليهم و تتّقد.
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
١٢ - ﴿إِذَا رَأَتۡهُم﴾ أي: قابلتهم تلك النار المستعرة، وهي نار جهنّم، أو كانت بمرأى منهم ﴿مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ أي: في مقام المحشر، قبل وصولهم إليها ، ووصولها إليهم ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا﴾ أي: صوت غليان وفوران شديد من التلهّب والتوقّد والاشتعال.والتغيظ في الأصل: إظهار الغيظ، وهو شدّة الغضب الكامن في القلب.﴿وَزَفِيرٗا﴾ أي: صوتاً شديداً .وهو في الأصل: ترديد النَّفَس من شدّة الغمّ حتى تنتفخ منه الضّلوع، فإذا اشتدّ كان له صوت يُسمع.وسماع التغيظ: رؤيته وعلمه .والآية كقوله تعالى في سورة تبارك الآية ٧ : (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور تكاد تميز من الغيظ) أي: يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدّة غيظها على من كفر بالله.
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
١٣ - ﴿وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا﴾ أي: من جهنم ﴿مَكَانٗا ضَيِّقٗا﴾ [وفي قراءة: بالتخفيف(ضيْقا)] و ذلك بأن يضيق عليهم. و وصف المكان بالضيّق: للدلالة على زيادة الشّدة، وتناهي البلاء.﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ أي: مصفّدين ، قد قُرنت وجُمعت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال ، أو: مقرّنين في السلاسل والأصفاد ، بعضهم مع بعض، أو مع الشياطين الذين أضلّوهم. والتشديد للتكثير .﴿دَعَوۡاْ هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان الضيق ﴿ثُبُورٗا﴾ أي: هلاكاً، أو : ويلاً وحسرة وندامة ، يتمنّون الهلاك لأنفسهم، وينادونه قائلين: واثُبوراه، لما حلّ بهم من البلاء والعذاب.
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
١٤ - فيقال لهم: ﴿لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا﴾ أي: لا تدعوا على أنفسكم بالثّبور و الهلاك ، دعاءً واحداً ﴿وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا﴾ أي: بل ادعوه أدعية كثيرة، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشدّ من ذلك ، لطول مدّته، وعدم تناهيه. والمراد: إقناطهم عن حصول ما يتمنّونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه من شدة العذاب.يقال: ثَبَر يَثْبُر ثبوراً ، وثبره الله: أهلكه هلاكاً لا ينتعش بعده ، ومنه قول موسى لفرعون :(وإني لأظنّك يا فرعون مثبوراً)الإسراء(١٠٢) أي: هالكاً.وفي الحديث : أن رسول الله ﷺ سُئل عن قول الله تعالى: (وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين) فقال: «والذي نفسي بيده إنهم ليُستكرهون في النار، كما يُستكره الوتد في الحائط» .وروى الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أوّل من يُكسى حلّة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه ، وذريّته من بعده، وهوينادي: يا ثبوراه ، وينادون : يا ثبورهم ، حتى يقفوا على النار، فيقول : يا ثبوراه ، ويقولون : يا ثبورهم ، فيقال لهم : (لا تدعوا اليوم ثبورا واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً )».
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
١٥ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لأولئك المكذبين: ﴿أَذَٰلِكَ﴾ المذكور من الوعيد، وصفة النار، وعذاب جهنّم ﴿خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿ٱلۡمُتَّقُونَۚ﴾ من عباد الله، المؤمنون بالله ورسوله، القائمون على شريعته ﴿كَانَتۡ لَهُمۡ﴾ في علم الله تعالى ﴿جَزَآءٗ﴾ أي: ثواباً على تقواهم وطاعتهم لله ﴿وَمَصِيرٗا﴾ أي: مرجعاً، أو: موئلاً ومآلاً يرجعون إليها، ويستقرّون فيها ويخلدون؟
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
١٦ - ﴿لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ من النعيم، وضروب الملاذّ ﴿خَٰلِدِينَۚ﴾ خلوداً دائماً سرمديّا، بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء . أي: لابثين في الجنة ماكثين . وهي حال لازمة .﴿كَانَ﴾ وعدهم ما ذُكر من دخول الجنة ونيل نعيمها ﴿عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا﴾ يسأله من وُعد به - وهم المؤمنون- :(ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)آل عمران(١٩٤). أو تسأله لهم الملائكة : (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتّهم)غافر(٨).فهم يسألونه الوفاء به، وهو تعالى مجيبهم إلى ذلك (ومن أوفى بعهده من الله)التوبة(١١١).أو: (كان على ربك وعدا مسئولا) أي موعوداً جديراً حقيقاً بأن يُسأل ويُطلب ، لعظم شأنه ، و المنافسة فيه.أو: كان وعداً واجباً، لابدّ أن يقع ، وأن يكون .والآية كقوله في سورة الصّافّات آية ٦٢ في ذكر حال أهل الجنّة: (أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم) الآيات.
25:17Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
١٧ - ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ﴾ أي: المشركين بالله المكذّبين لرسله، وذلك يوم القيامة [وفي قراءة: بالنون (نحشرهم)] ﴿وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: غيره، من الملائكة ، وعزير، وعيسى ، والجنّ ، وسائر العقلاء المعبودين .وإطلاق «ما » على العقلاء حقيقةٌ أو مجاز.﴿فَيَقُولُ﴾ الله تعالى [وفي قراءة : (فنقول) بالنون ] للمعبودين إثباتاً للحجّة على العابدين :﴿ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي:أوقعتموهم في الضلال بأمركم ودعوتكم إياهم إلى عبادتكم من دوني ﴿أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: أخطأوا طريق الحقّ بأنفسم، إذ عبدوكم من دون الله ، من غير دعوة منكم لهم ؟وهو استفهام تقريع و توبيخ وتبكيت للعابدين .
25:18Page 361
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
١٨ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: المعبودون: ﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك عمّا لا يليق بك ، وتبرئة ممّا زعمه المشركون من الأنداد لك ، وفيه معنى التعجّب ممّا قيل لهم. ﴿مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ﴾ أي: ما صحّ ولا استقام لنا ونحن عبادك المطيعون لك، أو: لا يليق بنا، ولا يحسن منّا ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ﴾ أي: غيرك ﴿مِنۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ نعبدهم ونتولاّهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك، ومتبرّين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحداً بعبادتنا ؟ أو نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا يعبده من دونك؟ هذا لا يكون ، ولا يُتصوّر أن يكون أبدا.[وقرأ أبو جعفر المدني بالبناء للمفعول(ما كان ينبغي لنا أن نُتّخَذ من دونك من أولياءَ) فنُعبَد و نُتَولّى ونُدعى].﴿وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ﴾ من قبلهم، بإطالة العمر، وبالنّعم،وسعة الرّزق ، والمال والصحّة ليعرفوا حقّها وشكرها ، فانهمكوا في الشهوات ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ﴾ أي: غفلوا عن ذكرك والإيمان بك.أو: عن التذكّر لآيات ألوهيتك ودلائل وحدانيتك.أو: تركوا الموعظة وما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك ﴿وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا﴾ أي: هلكى ، غلب عليهم الشقاء والخذلان .والمعنى: أنهم صاروا بنسيانهم لذكرك بائرين ، هالكين، لا خير فيهم .أو: فاسدين ، حيث جعلوا أسباب الهداية، بسوء اختيارهم ، ذريعة للغواية .جمع بائر: من البوار، وهو الهلاك، وأصله : فرط الكساد ، يقال: بارت السوق: إذا خلت من المشترين ، وبار الطعام: إذا لم يكن له طالب ، وأطلق على الهلاك، لكون البائر كالهالك .والآية كقوله: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون ٤١)سبأ(٤٠-٤١).فذكر المعبودون المانع من اتباع العابدين لهم للهدى، وهو التمتّع في الدنيا وملاذّها وشهواتها ، وعدم المقتضي للهدى ، وهو أنهم قوم بور، لا خير فيهم .
25:19Page 361
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
١٩ - قال تعالى – مخاطباً للمشركين العابدين لغير الله - : ﴿ فَقَدۡ كَذَّبُوكُم﴾ أي: الذين عبدتّم وأشركتم من دون الله ، أي: كذّب المعبودون العابدين﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ أنهم آلهة، وأنهم لكم أولياء ، يقرّبونكم إلى الله زلفى، أو في قولكم: (هؤلاء أضلّونا) . و الآية كقوله : (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين)الأحقاف(٦).﴿فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ﴾[وفي قراءة: بالياء (يستطيعون)] أي: لا أنتم، ولا هم تملكون ﴿صَرۡفٗا﴾ أي: دفعاً للعذاب عنكم ولا عنهم قبل حلوله ﴿وَلَا نَصۡرٗا﴾ أي: منعاً لكم منه بعد حلوله.وأصل الصّرف : ردّ الشيء من حالة إلى أخرى. والمعنى : لا يستطيع هؤلاء الكفّار العابدون لغير الله – لمّا كذبهم المعبودون – صرفاً ولا دفعاً للعذاب الذي عذبهم الله به، ولا يجدون أحداً ينصرهم من عذاب الله.﴿وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ﴾ – أيها المؤمنون المكلّفون – أي: يشرك بالله ﴿ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ﴾ أي: شديداً في الآخرة. كقوله سبحانه: (إن الشرك لظلم عظيم)لقمان(١٣).
25:20Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
٢٠ - ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ ﴾ أي: للتكسّب والتجارة، وأنت مثلهم في ذلك، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، فلست بدعا من الرسل، وليس ذلك بمناف لحال النبوة ومنصب الرسالة ، فلماذا يقولون إذن: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)؟ فهل الحاجات البشرية تنافي الرسالة والنبوة ؟ لا. و نظير هذه الآية قوله: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام)الأنبياء(٨).﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً﴾ أي: ابتلاءً واختباراً و امتحاناً . أي: اختبرنا بعضكم ببعض ، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممّن يعصي، فكلّ واحد مختبَر بضدّه، الغنيّ بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع ، وهكذا ، فالأغنياء امتحان للفقراء ، ليظهر هل يصبرون ؟ والفقراء امتحان للأغنياء، ليظهر هل يشكرون؟ وفيه تسلية له ﷺ عن قولهم: (أو يُلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها)الفرقان(٨).أو المعنى : أن الله ابتلى المرسلين بالمُرسَل إليهم.﴿أَتَصۡبِرُونَۗ﴾ على الحق ، أو على ما ترون من هذه الحال الشديدة، والابتلاء العظيم؟ استفهام بمعنى الأمر ، أي: اصبروا .﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا﴾ بمن يصبر، وبمن يجزع .أو: بمن يستحقّ أن يُوحى إليه، كقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)الأنعام(١٢٤). أو: بمن يستحقّ أن يهديه الله أو يضلّه .وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعاً: «يقول الله تعالى: إنّي مبتليك ومبتل بك» .وفي مسند أحمد : أنه ﷺ خُيّر بين أن يكون نبياً مَلِكاً أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً .
25:21Page 362
۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١
And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.
٢١ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يأملون وعداً ، ولا يخافون وعيداً ، كناية عن إنكارهم البعث والحشر وما فيهما من الوعد والوعيد . أو : لا يؤمّلون لقاء جزائنا بالخير، لإنكارهم ذلك، وكفرهم بالبعث والحشر ، قالوا تعنّتا في كفرهم وعناداً: ﴿لَوۡلَآ﴾ أي: هلاّ ﴿أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: بالرسالة، كما تنزل على الأنبياء – كما أخبر الله عنهم في سورة الأنعام، آية ١٢٤: (قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله). أو: هلاّ نزلت علينا الملائكة تشهد لك بالرسالة وتخبرنا أنك رسول الله ، كقولهم:(أو تأتي بالله والملائكة قبيلا)الإسراء(٩٢).أو: هلاّ أنزل علينا الملائكة فكانوا رسلاً إلينا بدلاً من البشر.﴿أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ﴾ عياناً ، فيخبرنا بأن محمداً رسول من عنده .قال تعالى: ﴿لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ أي: تكبروا ﴿فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: في شأنها، أو أضمروا الاستكبار عن الحق، والعناد في قلوبهم ﴿وَعَتَوۡ﴾ أي: طغوا وبغوا .﴿عُتُوّٗا كَبِيرٗا﴾ حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وتجرؤوا هذه الجرأة بطلبهم رؤية الله تعالى في الدنيا. أو: جاوزوا الحدّ في الظلم والطغيان تجاوزاً بالغاً أقصى غايته ، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر، حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم، وجاوزوا ذلك إلى رؤية الله ومخاطبته في الدنيا، فأي كِبْر وعتوّ أعظم من هذا وأبلغ ؟و (عتوا): مصدر عتا يعتُو عُتواًّ بالواو على أصله ، بخلاف عُتياّ بالإبدال في سورة مريم .
25:22Page 362
يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢
The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2
٢٢ - ﴿يَوۡمَ يَرَوۡنَ﴾ أي:اذكر يوم يرى المجرمون ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ﴾ عند الموت، وقت الاحتضار، أو: عند الحشر، يوم القيامة . ﴿لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: الكافرين ، بخلاف المؤمنين ، فلهم البشرى بالجنّة .و الآية إعلام بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة ، وهو وقت الموت، أو يوم القيامة، قد حرمهم الله فيه البشرى . أما عند الموت: فحين تبشّرهم الملائكة بالنار ، وتقول للكافر عند خروج روحه ، كما في حديث البراء عند أحمد مرفوعا : «اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم وظلّ من يحموم» فتأبى الخروج وتتفرّق في البدن، فيضربونه ، كما قال تعالى : (ولو ترى إذ يتوفّى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم)الأنفال(٥٠) وقال تعالى: (ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم)الأنعام(٩٣) .وهذا بخلاف حال المؤمنين فإنهم عند الاحتضار يُبشرون بالخيرات، وحصول المسرّات، كما قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)فصلت(٣٠) .وفي حديث البراء بن عازب عند أحمد مرفوعا: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: «اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان وربّ غير غضبان». وأما في القبر: فحين يأتيهم منكر ونكير، فيسألانهم عن ربّهم ونبيهم و دينهم، فلا يجدون جواباً ينجيهم، فيحلّون بهم من العذاب ما الله به عليم .وأمّا يوم القيامة : فحين تسوقهم الملائكة إلى النار. و على هذا فإن الملائكة في هذين اليومين – يوم الممات ويوم المعاد – تتجلى للمؤمنين وللكافرين ، فتبشّر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتبشّر الكافرين بالخيبة والخسران .﴿وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا﴾ أي: وتقول الملائكة للمجرمين: حراماً محرّماً عليكم الغفران والجنة والبشرى و الفلاح في هذا اليوم . أو منعاً ممنوعاً.أو: يقول المجرمون حين يرون الملائكة: (حجراً محجوراً) أي: حراماً محرّماً عليكم التعرّض لنا. وكان الرجل في الجاهلية يقول ذلك إذا لقي من يخافه في شهر حرام ، أو في الحرم ، فيأمن شرّه ، فقالوها يوم القيامة أو عند الموت ، ظانين أنها تنفعهم فيه ، كما كانت تنفعهم في الدنيا. و القول الأول أوْلى.و الحِجْرُ – بالكسر ويُفتح - : الحرام ، وأصله : المنع. ومنه قولهم: حجر القاضي على فلان: إذا منعه التصرّف، إما لسفه أو صغرٍ ، أو نحو ذلك.و منه يقال للعقل: «حِجْر» لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي مالا يليق. و (محجوراً) : صفة مؤكدة للمعنى، كما في قولهم: موت مائت .
25:23Page 362
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.
٢٣ - ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ﴾ أي: وعَمَدْنا، أو:توجّهت إرادتنا إلى ما عمله الكافرون في الدنيا من أعمال الخير والبرّ ، كصدقة ، وصلة رحم، وإغاثة ملهوف، وقرى ضيف، مما كانوا يراؤون به، ابتغاء السمعة والشهرة، ويرونه من مكارمهم ﴿فَجَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: يوم القيامة، بسبب كفرهم وشركهم وجحودهم ﴿هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾ أي: باطلاً مضمحلاّ ، لا ثواب له ولا جدوى ، كالهباء المنثور، مفرّقا ذاهباً. والهباء : ما يخرج من الكوّة مع ضوء الشمس ، شبيهاً بالغبار. والمنثور: المتفرّق الذاهب كلّ مذهب، الذي لا يتأتّى جمعه.شُبهت به هذه الأعمال يوم القيامة، مع الكفر، في عدم الجدوى والنفع ، وذلك أن هذه الأعمال، وإن كانت خيراً ، إلاّ أنها فقدت شرطها الشرعي، وهو الإيمان بالله، والإخلاص له ، والمتابعة لشرع الله، فكلّ عمل لا يكون خالصاً لله ، وعلى الشريعة المرضية، فباطل لا قيمة له.وقد تقدّم أنهم يجازون بهذه الأعمال في الدنيا.والآية كقوله سبحانه و تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)النور(٣٩) وقوله: (مثل الذين كفروا بربّهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف)إبراهيم(١٨) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences