Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
السجدة
As-Sajdah
The Prostration · Meccan · 30 ayahs
١ - ﴿الٓمٓ﴾ وهي للبيان والتنبيه والتحدي والإعجاز، وقد تقدّم ذلك في أول سورة البقرة. والله تعالى أعلم بمراده بذلك.
32:2Page 415
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.
٢ - ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: القرآن ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك ولا مرية في كونه منزّلاً ﴿مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾.وقوله: (تنزيل الكتاب) مبتدأ، خبره: (من ربّ العالمين). وجملة: (لا ريب فيه) معترضة بينهما، أو حال من الكتاب. أو خبر أوّل، وما بعدها خبر ثان.
32:3Page 415
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.
٣ - ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ﴾ أي: بل أيقول المشركون: اختلق محمد القرآن، وافتعله من تلقاء نفسه ؟ف «أم» منقطعة، بمعنى: بل التي للإضراب وهمزةِ الاستفهام، إنكاراً لقول المشركين المكذبين لرسول الله ﷺ، وتعجّباً منه لظهور عجز بلغائهم عن معارضته.والافتراء: الاختلاق، يقال: افترى الكذب، أي: اختلقه، وأصله من الفَرْي بمعنى: قطع الجلد، وأكثر ما يكون للإفساد.قال تعالى رادّاً عليهم: ﴿بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿لِتُنذِرَ﴾ بالقرآن ﴿قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ وهم العرب، كانوا أمّة أمّية، ولم يأتهم رسول، وغير العرب أيضاً مدعوّون لهذا الدّين.﴿لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ أي: لأجل أن يهتدوا بإنذارك، فيتّبعوا الحقّ الذي جئت به.
32:4Page 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?
٤ - ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ﴾ والله أعلم بمراده بتلك الأيام، هل هي من أيام الدنيا، أم أطوار زمنيّة لا نعلم حقيقة أطوالها !.﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواء يليق بجلاله وكماله، أي: علا وارتفع، بلا كيف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تأويل، ولا تحريف ولا تعطيل. والاستواء في اللغة: العلوّ والارتفاع. والعرش: سقف المخلوقات و أعظمها.وفي الآية إثبات صفة استواء الله على عرشه بما يليق بجلاله وكماله، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ﴾ أي: من غيره ﴿مِن وَلِيّٖ﴾ يلي أمركم، أو: ناصر ينصركم ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ يشفع لكم عنده للنجاة من العذاب، أي: ليس لكم من دون الله من ولي يواليكم، ويتولى أموركم، فيردّ عنكم عذابه، أو ناصر ينصركم إن أراد بكم ضُرا، ولا شفيع يشفع لكم عنده.وأصل الشفاعة: الانضمام إلى آخر، ناصراً له سائلاً عنه، وأكثر ما يُستعمل في انضمام من هو أعلى حُرمة ومرتبة إلى من هو أدنى.﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ – أيها العابدون غيره، المتوكّلون على من سواه – هذا، تذكّر تدبّر وتفكّر، فتتعظون وتؤمنون؟
32:5Page 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
٥ - ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: يحكم الله شئون الدنيا كلّها، السماوية والأرضية، مدّة الدنيا إلى أن تقوم الساعة، أي: يريدها محكمة متقنة حسبما تقتضيه الحكمة.﴿ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ﴾ أي: يرجع،أو يصير الأمر والتدبير إليه تعالى، أو يصعد الأمر و يرتفع إليه ﴿فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا، وهو يوم القيامة، ليحكم بين عباده، فيما شأنه أن يحكم فيه بما يريد، وقد يكون هذا اليوم كخمسين ألف سنة،كما في سورة المعارج، الآية (٤): (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).أي: أن صيرورة الأمر كلّه إلى الله تعالى يوم القيامة. فالتدبير: الإحكام والإتقان، وهو هنا: إرادة الأشياء على هذا النحو. والأمر: الشأن. والمراد: شئون الدنيا كلّها.والجارّان متعلقان به، أي: شئون الدنيا كلّها، السماوية والأرضية.والعروج: الارتفاع والصيرورة إليه تعالى. واليوم: يوم القيامة، ويتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدّة، فيعادل في حالة: ألف سنة من سني الدنيا، وفي حالة: خمسين ألفا منها، هذا بالنسبة إلى الكافر.وأمّا المؤمن: فيكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا،كما جاء في الحديث.وقد يكون المعنى: يدبّر أمر الدنيا القدري والشرعي بأسباب من السماء، أي: من الملائكة وغيرها، نازلةً أحكامها وآثارها إلى الأرض، فيسعد بها ويشقي، ويغني ويُفقر، ويُعزّ ويذلّ، ويُكرم ويُهين، ويرفع أقواماً ويضع آخرين، وينزّل الأرزاق والآجال، ثم يرجع ذلك الأمر، ويصعد ذلك التدبير إليه تعالى في يوم مقداره كألف سنة من أيام الدنيا.أو: يدبّر أمر الحوادث اليومية، ويحكمها بقضائه وقدره، فتتنزّل بها الملائكة من السماء إلى الأرض، ثم تعرج إليه، أي: تصعد إليه الملائكة بأعمال العباد في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا، ولكنّ الملك يقطعها في طرفة عين. كما قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزّل الأمر بينهنَّ )الطلاق(١٢).
32:6Page 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
٦ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الخالق المدبّر لهذه الأمور ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: ما غاب عن الخلق، وما حضر وشوهد. أو ما يكون منها و ما كان، فهو شهيد على أعمال عباده، يُرفع إليه صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرهـا ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه، المنيع في سلطانه، الذيعزّ كل شيء، فقهره وغلبه ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بأوليائه وأهل طاعته.
32:7Page 415
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
٧ - ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ أي: أتقن وأحكم كلّ شيء خلقه، أو: أوجده محكماً متقناً على وَفْق ما أراده سبحانه، واقتضته الحكمة، واستدعته المصلحة.[وفي قراءة: (خَلْقه) – بسكون اللام – أي: أحسن خلْق كلّ شيء، فهو بدل اشتمال منه، والقراء الأولى بفتح اللام، فعل ماض، صفة] .﴿وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ﴾ أي: آدم – عليه السلام – ﴿مِن طِينٖ﴾ فصار على أحسن صورة، وأبدع شكل.
32:8Page 415
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ﴾ أي: نسل آدم، أو: ذريته ناشئة ﴿مِن سُلَٰلَةٖ﴾ أي: من خلاصة ﴿مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ﴾ أي: ممتهن ضعيف،لا يُعتنى به، وهو المني. والمهين: الحقير والضعيف والقليل، وسميت الذرية سلالة: لأنها تُسلّ من الأصل، وتنفصل عنه.
32:9Page 415
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
٩ - ﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ﴾ أي: خَلْق آدم – أو الإنسان عموماً – أي: قوّمه، بتصوير أعضائه وتكميلها، أو: عدّل خَلْقه، وسوّى شكله وناسب بين أعضائه.﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ﴾ أي: جعله حياً بعد أن كان جماداً بنفخ الروح فيه.و إضافة الروح إليه تعالى للتشريف والتكريم، كبيت الله.وفي الحديث الصحيح: «ثم ينزل إليه الملك، فينفخ فيه الروح».﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ﴾ أي: الأسماع ﴿ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ﴾ أي: القلوب أو العقول، تكميلاً لنعمته عليكم، وتتميماً لتسويته لخلقكم، ولتدركوا بها الحق والهدى.﴿قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ الله الذي خلقكم وصوركم.و هو بيان لكفرهم بنعم الله، وتركهم لشكرها والقيام بحقّها من استعمالها في طاعة الله، إلاّ فيما ندر من الأحوال. و «ما» مؤكدة للقلّة.
32:10Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
١٠ - ﴿وَقَالُوٓاْ﴾ أي: منكرو البعث والمعاد على وجه الاستبعاد: ﴿أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ذهبنا وغِبنا، أو: ضِعْنا فيها، بأن صرنا تراباً بعد الموت، مختلطا بترابها.من قولهم: ضلّ الماء في اللبن: إذا غاب فيه.﴿أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ﴾ أي: أنُبعث، و نصير أحياء، ونخلق بعد الموت خلقاً جديداً.والاستفهام للإنكار والاستبعاد.قال الله تعالى: ﴿بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ﴾ بالبعث والنشور ﴿كَٰفِرُونَ﴾ أي: جاحدون له، كِبْراً وعناداً.
32:11Page 415
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
١١ - ﴿قُلۡ﴾ لهم بياناً للحق ورداً على زعمهم الباطل: ﴿يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ﴾ أي: يستوفي نفوسكم ولا يُبقي أحداً منكم ﴿ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ﴾ أي: بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم، وله أعوان، كما ورد في الحديث: أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم، تناولها ملك الموت.﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [و في قراءة بالبناء للفاعل:(تَرجعون)] أي: تصيرون إليه أحياءً بالبعث والنشور، لا إلى غيره، للحساب والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم.وأصل التوفّي: أخذ الشيء وافياً تامّا، يقال: توفّاه الله، أي: استوفى روحه وقَبضه، وتوفّيت مالي: استوفيته. والتفعّل والاستفعال يلتقيان، تقول: تقضّيته واستقضيته، وتعجّلته واستعجلته.
32:12Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
١٢ - ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ أي: الكافرون عموماً ﴿نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ﴾ أي: مُطرقوها، مطأطئوها، من الخزي والحياء والندم ﴿عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ في موقف الحساب، على ما فرط منهم في الدنيا من الكفر والمعاصي.من النكْس، وهو قلب الشيء على رأسه كالتنكيس، وفعله من باب «نصر» .وجواب (لو) محذوف، تقديره: لرأيت العجب، أو: لرأيت أمرا فظيعاً، يقولون: (ربنا أبصرنا) ما كنا نُنكره، ونُكذّب به من البعث ﴿وَسَمِعۡنَا﴾ منك تصديق الرسل فيما كذّبناهم فيه. أو: أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك، فنحن الآن نسمع قولك، ونطيع أمرك.كما قال تعالى:(أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا)مريم(٣٨).﴿َٱرۡجِعۡنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعۡمَلۡ﴾ عملاً ﴿صَٰلِحًا﴾ فيها، كما أمرتنا ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب الآن، مصدّقون بالذي جاء به محمد ﷺ.أي: قد أيقنّا وتحقّقنا الآن أن وعدك حق ولقاءك حق. وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، فأنّى لهم ذلك؟ قال سبحانه و تعـالى: (ولو رُدوا لعـادوا لما نهـوا عنـه وإنهـم لكاذبون )الأنعام(٢٨).
32:13Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
١٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا﴾ أي: ولو شئنا إيتاء كل نفس رشدها وتوفيقها إلى الإيمان، لآتيناها إيّاه، فهدينا الناس جميعاً، فلم يكفر منهم أحد، كقوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً)يونس(٩٩).﴿وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي﴾ أي: ثبت، و وجب، وتحقّق قولي ونفذ قضائي:﴿لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ﴾ أي: الجنّ ﴿وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ أي: سبقت كلمتي، وقضيتُ قضائي فيهم، فهذا هو القول الذي وجب من الله، وحقّ على عباده، ونفذ فيه قضاؤه، لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الضلال والشقاوة، فقد سبق في علم الله أنهم يؤثرون الضلال على الهدي لفساد استعدادهم، فلم يشأ إعطاءهم الهدى، وإنما شاء إعطاءه لمن علم أنهم يختارون الهدى على الضلال لنقاء نفوسهم، وكمال استعدادهم، ومشيئة الله لأفعال العباد منوطة باختيارهم إيّاها المعلوم لله أزلاً.والجنّة: الجنّ، وسُمّوا بذلك لاستتارهم عن الأنظار، من الجَنّ – بفتح الجيم -: وهو السّتر.قال تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)الأعراف(٢٧).
32:14Page 416
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
١٤ - ويقال للمجرمين على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿فَذُوقُواْ﴾ أي: العذاب ﴿بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ﴾ أي: بسبب ترككم الإيمان به والعمل له، وتكذيبكم إيّاه، واستبعادكم وقوعه.﴿إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ﴾ أي: تركناكم في العذاب، غير مُلْتفت إليكم،كالشيء المنسيّ، جزاء نسيانكم لقاء هذا اليوم، أو: عاملناكم معاملة الناسي، جزاءً من جنس عملكم، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ولكن هذا من باب المقابلة والمشاكلة اللفظية، فكما نَسيتم نُسيتم، كما قال تعالى: (فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا)الجاثية(٣٤).﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ﴾ أي: العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبداً ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي: في الدنيا من الكفر والتكذيب والمعاصي، كما قال تعالى:(فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً)النبأ(٣٠).
32:15Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
١٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: يصدّق بها وينتفع، وهي القرآن، أو الآيات التنزيلية والتكوينية ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا﴾ أي: وُعظوا بها ﴿خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ﴾ أي: سقطوا ساجدين لله تعالى، تواضعاً له، وخشوعاً وخوفاً من عذابه.﴿وَسَبَّحُواْ﴾ متلبّسين ﴿بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ﴾ أي: نزّهوه تعالى عن كل مالا يليق بكماله وجلاله، أو: قالوا: سبحان الله وبحمده.﴿وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ عن الإيمان والطاعة، والاتباع والانقياد لآيات الله، بل كانوا خاضعين لها، خضوع ذكر لله، وفرح بمعرفته.
32:16Page 416
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
١٦ - ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ أي: تتنحى، وترتفع جنوبهم عن فراش النوم ومواضعه للعبادة، وقيام الليل.والتجافى: التنحّى إلى جهة فوق، وأصله: من جفا السّرج عن فرسه: إذا رفعه، كأجفاه، ويقال: تجافى عن مكانه: إذا لم يلزمه.والجنوب – بضم الجيم -: جمع جَنْب، وأصله: الجارحة المعروفة، أريد به الشخص.والمضاجع: جمع مضجع، وهو مكان الاتكاء للنوم.والمراد: هجرهم النوم وقيامهم ليلاً للتهجّد والعبادة والصلاة.﴿يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا﴾ من عقابه ﴿وَطَمَعٗا﴾ في رحمته ورضوانه وثوابه.﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ في سبيل الله، أي: يتصدّقون الصدقات الواجبة والمستحبة، و هما: صدقة الفرض، وصدقة النّفل. فيجمعون بين القربات اللازمة والمتعدّية.
32:17Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
١٧ - ﴿ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ﴾ من النفوس، أي: أيَّ نفس كانت، لأنها نكرة في سياق النفي، فتعمّ، أي: فلا يعلم أحد ﴿مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم﴾ أي: ما خُبّئ لهؤلاء الذين عُدّدت مناقبهم ﴿مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ﴾ أي: مما تقرّ به أعينهم، وتُسرّ به قلوبهم، من الأجر والثواب.[وفي قراءة: (ما أُخْفي لهم) بسكون الياء، مضارع، والفاعل هو الله جل في علاه، أي: ما أخفاه الله لهم، مما تقرّ به أعينهم من موجبات المسرّة والفرح].﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا، فكما صلّوا في الليل، ودعوا، وأخفوا العمل عن أعين الناس، جازاهم الله من جنس عملهم، فأخفى أجرهم إلى يوم القيامة.فائدة حديثيةوقد ورد في معنى هذه الآيات (١٦ - ١٧) عدد من الأحاديث، منها:ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي، عن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ، قال: قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) الآية.وما أخرجه مسلم عن المغيرة ابن شعبة، والترمذي، و قال: حسن صحيح، قال رسول الله ﷺ: «سأل موسى ربّه: ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة، الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربّ، كيف وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربّ، فيقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربّ، فيقول: هذا لك، وعشرة أمثاله معه، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال – أي: موسى -: ربّ فأعلاهم منزلة ؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيديّ، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: و مصداقه من كتاب الله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) - الآية».وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث معاذ بن جبل، قال:«قلت: يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسّره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) حتى بلغ: (جزاء بما كانوا يعملون)» الحديث.
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
١٨ - ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا﴾ بالله وآياته، متّبعا لرسله ﴿كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ﴾ أي: خارجاً عن طاعة ربّه، مكذّبا لرسله؟﴿لَّا يَسۡتَوُۥنَ﴾ عند الله يوم القيامة، فلا مساواة بينهما عقلاً وشرعاً، كما قال تعالى:(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)الجاثية(٢١). وقال: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون)الحشر(٢٠).ثم فصّل حكم كلّ منهم، فقال:
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
١٩ - ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: صدّقت قلوبهم بآيات الله، وعملوا بمقتضى هذا التصديق ﴿فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ أي: الجنّات التي يأوون إليها ويسكنون ﴿نُزُلَۢا﴾ أي: ثواباً. أو: ضيافة وكرامة، أو: عطاءً. وأصله: ما يُهيأ ويُعدّ للضيف النازل من الطعام والشراب والصّلة، ثم عمَّ كلّ عطاء.﴿بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم الصالحة، وكون العمل سبباً إنما هو بمحض فضل الله تعالى وكرمه.
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
٢٠ - ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ أي: خرجوا عن طاعة الله، وطاعة رسله، بالكفر والتكذيب ﴿فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ﴾ أي: منزلهم الذي يصيرون إليه، ومسكنهم الذي يستقرّون فيه، هو النّار ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ﴾ أي: من النار ﴿أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ كقوله في سورة الحجّ الآية ٢٢: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها)، إشارة إلى دوام العذاب واستمراره.﴿وَقِيلَ لَهُمۡ﴾ تقريعاً وتوبيخاً – والقائل هم خزنة جهنّم من الملائكة أو هو الله عز وجلّ: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
٢١ - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم﴾ أي: أهل مكّة ﴿مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ﴾ أي: الأقرب، وهو عذاب الدنيا، من المصائب والأسقام والآفات، في الأنفس والأموال، أو: القتل والأسر يوم بدر، أو: عذاب القبر﴿دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ أي: قبل عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ عمّا هم فيه من الشرك والمعاصي،بسبب ما ينزل بهم من العذاب، إلى الإيمان والطاعة، ويتوبون من ذنوبهم، كما قال تعالى:(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون)الروم(٤١).
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
٢٢ - ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ﴾ أي: القرآن ﴿ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ﴾ فلم يُقبل عليها بكليّته بل تركها وجحدها وتناساها.﴿إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ المعرضين عن آيات الله ﴿مُنتَقِمُونَ﴾ أشدّ انتقام وأفظعه. والآية فيها تهديد أكيد،ووعيد شديد لمن أعرض عن آيات الله بعد تذكيره بها.
32:23Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
٢٣ - ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة ﴿فَلَا تَكُن﴾ يا محمد ﴿فِي مِرۡيَةٖ﴾ أي: في شك وريبة ﴿مِّن لِّقَآئِهِۦۖ﴾ أي: من لقاء موسى عليه السلام، وقد التقيا ليلة الإسراء. وفي الحديث: «رأيت ليلة أُسري بي موسى بن عمران، رجلاً آدم جعداً، كأنه من رجال شنوءة ». وروى ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (فلا تكن في مرية من لقائه) قال: من لقاء موسى ربّه عزّ وجلّ – أخرجه الطبراني -.وقيل: من لقاء موسى الكتاب، أي: تلقّيه إياه، بقبول ورضاً وتحمّل لشدائد الدّعوة به، أي: فكن مثله في ذلك. وقيل: من لقائك يا محمد الكتاب، أي: القرآن، كلقاء موسى الكتاب.﴿وَجَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: موسى أو الكتاب الذي آتيناه موسى ﴿هُدٗى﴾ أي: هادياً ﴿لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ من الضلالة كقوله: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً)الإسراء(٢) أو: جعلناه رشاداً يرشدون باتباعه.
32:24Page 417
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
٢٤ - ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ﴾ أي: من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةٗ﴾ أي: قادة ورؤساء في الدين ﴿يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا﴾ أي: يهدون الناس إلى الحقّ ويدعونهم إلى الخير، بأمرنا لهم بذلك ﴿لَمَّا صَبَرُواْۖ﴾ على دينهم، وعلى أوامر الله، ومشاق التكليف، وعلى البلاء من عدوّهم، أو: لمّا صبروا على الدعوة إلى الله، والأذى في سبيله، وصبروا عن الدنيا، [وفي قراءة: (لِماَ صبروا) بكســر اللام، وتخفيف الميم].﴿وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ التكوينية والتنزيلية، الدالة على قدرتنا و وحدانيتنا ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدّقون، ويعلمون أنها الحقّ، فوصلوا بذلك إلى درجة اليقين، وهو العلم التام، الموجب للعمل، وكما قيل: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
32:25Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: يحكم ويقضي بين المؤمنين والكافرين من بني إسرائيل يوم القيامة. ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، وقيل: يقضي بيه الأنبياء وأممهم.
32:26Page 417
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
٢٦ - ﴿أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم﴾ أي: أَغَفِلوا! ولم يُبيِّن لهم مآل أمرهم، أو طريق الحقّ، كثرةُ من أهلكنا من قبلهم ﴿مِّنَ ٱلۡقُرُونِ﴾ أي: من الأمم الخالية، بسبب كفرهم؟! أي: فكذلك هم يُهلكون.والمراد بهم: كفّار مكة المكذّبين لرسول الله ﷺ. وقوله: «يهد» من الهداية، وهو الدّلالة الموصّلة للمطلوب.﴿يَمۡشُونَ﴾ حال من الضمير في «لهم»، أي: حال كون هؤلاء المكذّبين يمشون ﴿فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ﴾ أي: في مساكن أولئك المهلكين من الأمم الماضية، كعاد وثمود وغيرهم، ليعتبروا ويتّعظوا ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور، من ذهاب أولئك القوم وإهلاكهم، بسبب تكذيبهم الرّسل. ﴿لَأٓيَٰتٍۚ﴾ أي: دلالات على قدرتنا، وعبراً ومواعظ ﴿أَفَلَا يَسۡمَعُونَ﴾ لها، ويتّعظون بها، سماع تدبّر وتفكّر واتّعاظ فيؤمنوا ؟والقرن من الناس: القوم المقترنون في زمن واحد.
32:27Page 417
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
٢٧ - ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي: أَعَموا، ولم يشاهدوا ﴿أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ﴾ أي: اليابسة الجرداء التي لا نبات فيها أو: التي جُرز نباتها وقُطع، إما لعدم الماء، أو: لرعي النّبات، كما قال تعالى:(وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا)الكهف(٨).﴿فَنُخۡرِجُ بِهِۦ﴾ أي: بالماء المسوق إلى تلك الأرض ﴿زَرۡعٗا﴾ أي: نباتاً مختلف الأنواع﴿تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ﴾ وهو نبات البهائم، من ورق وحبّ، ونحوهما، ﴿وَأَنفُسُهُمۡۚ﴾ وهو طعام الناس ﴿أَفَلَا يُبۡصِرُونَ﴾ هذه النّعم، فيشكرون المنعم، ويوحدّونه، ويعلمون أنّا نقدر على إعادتهم وإحيائهم بعد موتهم، كإحيائنا الأرض الجرز بعد موتها؟
32:28Page 417
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
٢٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: كفار مكّة، أو: عموم الكفّار، للمؤمنين: ﴿مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ﴾ أي: النصر علينا،أو: الفصل في الخصومة، بيننا و بينكم؟ أو: متى هذا الفتح الذي تعدوننا به، وهو يوم القيامة الذي يقضي الله فيه بين عباده ؟ أو: متى يحلّ بنا عذاب الله في الدنيا؟والفتح: القضاء والحكم والفصل، كقوله: (فافتح بيني وبينهم فتحا)الشعراء(١١٨)، وقوله: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق)سبأ(٢٦).﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في دعواكم.يقولون ذلك استهزاءً وتكذيباً، واستبعاداً لوقوع بأس الله بهم، وعناداً.
32:29Page 417
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
٢٩ - ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ﴾ أي: يوم القيامة أو وقت نزول العذاب بهم في الدنيا ﴿لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ﴾ لكونه إيمان ضرورة واضطرار، لا إيمان يقين واختيار، أو: لا ينفع الذين ماتوا على الكفر إيمانهم في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة ﴿وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ﴾ أي: يُمهلون ويؤخّرون لتوبة أو معذرة، أو ليؤمنوا.
32:30Page 417
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
٣٠ - ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ﴾ يا محمد،أي: عن سفه هؤلاء المشركين وتكذيبهم، ﴿وَٱنتَظِرۡ﴾ أمر الله فيهم، إمّا بإنزال العذاب عليهم في الدنيا، أو بمجيء يوم الفتح - وهو يوم القيامة – فإن الله منجز لك ما وعدك، من النصر على من خالفك في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ بك حوادث الزمن، من موت أو قتل، أو سوء ونحوها، أي: يتربّصون بكم الدوائر، أو الغلبة عليكم،كما قال تعالى: (أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون)الطور(٣٠) ولكن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.انتهى تفسير سورة السجدة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences