Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
١ - ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله وآياته ورسله، من أهل مكّـة وغيرهـم وجحـدوا توحيـد الله وعبـدوا غيـره، ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: منعوا غيرهم وصرفوهم عن الإسلام والإيمان بالله وتصديق نبيّه.من الصّدّ، يقال: صدّه عن الأمر صدّاً: منعه وصرفه عنه، كأصدّ. أو: أعرضوا عن الإسلام.من الصّدود، يقال: صدّ عنه صدوداً: أعرض عنه.﴿أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ أي: أبطلها وأحبطها وأذهبها فلا نفع لها بأن جعلها على غير هدىً ورشاد، وهذا يشمل أعمالهم التي عملوها ليكيدوا بها الحقّ وأهله، بأن جعل الدائرة عليهم، بنصرته لرسوله ﷺ، وإظهار دينه على الدين كلّه، وأعمالَ البرّ والمكارم، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وقرى الأضياف، ونحوها، بأن جعلها ضلالا، غيرَ هدىً، وغير رشاد، لأنهم عملوها على غير استقامة، فلم يجعل لها في الآخرة ثواباً ولا جزاء، كقوله: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)الفرقان(٢٣).من الضلال، وأصله: العدول عن الطريق المستقيم، وضدّه الهداية.
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وأركانهم وظواهرهم.﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ﴾ أي: القرآن، وهو من باب عطف الخاصّ على العامّ.وخصّ سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ بالذكر، مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور قبله، تنبيهاً على شرفه، وعلوّ مكانه، ودليلاً على كونه شرطاً في صحّة الإيمان بعد بعثته ﷺ.﴿وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ﴾ أي: والإيمان بما أنزل على محمد وأنه كلام الله، هو الحق الثابت من ربّهم الذي لا شكّ فيه ﴿كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ﴾ أي: أزال ومحا عنهم، وغفر لهم، أو: ستر عنهم بالإيمان والعمل الصالح، سيئ أعمالهم التي عملوها قبل الإيمان، فلم يعاقبهم عليها.من الكَفْر، وأصله: ستر الشيء وتغطيته، واستعمل في المحو مجازاً.﴿وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ﴾ أي: شأنهم وحالهم، أو: أمرهم، في الدّين والدنيا، بالتوفيق، والتأييد، فعصمهم عن المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير، وأصلح نيّاتهم فيها.وفي حديث تشميت العاطس: «يهديكم الله، ويُصلح بالكم». رواه الترمذي.
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
٣ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الإضلال لأعمال الكافرين، والتكفير لسيئات المؤمنين، أو: ذلك الجـزاء العادل ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بسبب أنّ ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ﴾ وهو كلّ غاية لا يُراد بها وجه الله، من الشرك بالله والعمل بمعاصيه.﴿وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ﴾ وهو كلّ ما أمر الله باتباعه، من التوحيد والإيمان والعلم والعمل بالطاعات.﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك البيان ﴿لِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ﴾ أي: يبيّن لهم أحوال الفريقين وأوصافها، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهي: اتباع المؤمنين الحقّ وفوزهم، واتباع الكافرين الباطل وخسرانهم.أو: يبيّن لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.
47:4Page 507
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤
So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.
٤ - ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: في الحرب والقتال، والمراد بهم: المشركون ومن لا ذمّة لهم من أهل الكتاب.والآية: أمر بجهاد الكفّار بعد بيان خسرانهم، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في الحرب معهم، وحثّ على التصميم وعدم الهوادة في مواجهة الكافر الحربيّ.﴿فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم ضرباً في الحرب، فحُذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، مضافاً إلى المفعول به، وهو مجاز عن القتل، أي: فاقتلوهم.وعُبِّر عن القتل بضرب الرّقاب، لتصوير القتل بأبشع صورة، وهو جزّ العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وأشرف أعضائه، و لأن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة.﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ﴾ أي: أوسعتموهم وأكثرتم فيهم القتل، وأوهنتموهم بالجراح والأسر، ومنعتموهم النّهوض والحركة.والمراد: غلبتموهم وقهرتموهم.﴿فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ﴾ أي: فأحكموا قيد من أسرتموهم، لئلاّ يُفلتوا منكم.والمعنى: حتى إذا أثخنتموهم، ورأيتم الأسر أوْلى وأصلح، فأسروهم، وشدّوا وثاقهم. يقال: أثخن في الأرض إثخاناً: سار إلى العدوّ وأوسعهم قتلاً. وأثخنتُه: أوهنتُه بالجراحة وأضعفتُه.والوثاق – بفتح الواو وكسرها - اسم لما يوثق به، كالقيد والحبل ونحوه، وجمعه: وُثُق، كعناق وعُنٌق.﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ﴾ أي: فإمّا تمنّون عليهم بعد الأسر بالإطلاق منّاً بغير عوض، مصدر بدل من اللفظ بفعله ﴿وَإِمَّا فِدَآءً﴾ أي: وإمّا تفدون فداءً عن إطلاقهم، بمال أو بأسرى من المسلمين.والمنّ: إطلاق بغير عوض، مجاناً. يقال: منّ عليه: إذ أثقله بالنّعمة، واصطنع عنده صنيعة. والفداء: ما يُفدى به الأسير من الأسر، من مال ونحوه، ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدّم.والآية في المنّ على الأسارى، أو مفاداتهم بمال ونحوه، محكمة عند الجمهور، وذهب الحنفية إلى أنها منسوخة بآية:(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)التوبة(٥). والأوّل أوْلى.﴿حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ﴾ أي: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلاّ بها، كالسّلاح وغيره من الآلات المعروفة في الحروب قديماً وحديثاً.و وضعها: كناية عن انقضاء الحرب بهزيمة العدوّ، أو بالموادعة والمسالمة والمهادنة، فالأوزار هنا كالأحمال وزناً ومعنىً.وقيل: المعنى: (حتى تضع الحرب أوزارها) أي: آثامها، والمراد: أوزار المحاربين من أهلها، وهم الكفّار، بأن يُسلموا ويتوبوا إلى الله، أو يدخلوا في العهد مع المسلمين.وقيل: المعنى: حتى لا يكون حرب مع الكفّار،كما في قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ، حتى يقاتل آخرهم الدّجال». رواه أبو داود.فكأنه شرع هذا الحكم في الحرب من القتل والأسر، إلى أن لا يبقى حرب.وقيل: حتى لا يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)البقرة(١٩٣).وجامع المعنى: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.و «حتّى» عند الجمهور: غاية للقتل أو للأسر، أو للمنّ والفداء معاً، أو للمجموع من قوله تعالى: (فضرب الرقاب) إلى آخره، بمعنى أن هذه الأحكام من القتل أو الأسر والمنّ والفداء جارية فيهم، حتى لا تبقى حرب مع المشركين بزوال شوكتهم.وعند الحنفية: غاية للمنّ والفداء، إن حُملت الحرب على حرب بدر، أي: يُمنّ عليهم ويفادون حتى تضع هذه الحرب أوزارها. وغاية للقتل والأسر، إن حُملت على جنس الحرب، أي: أنهم يُقتلون ويُأسرون حتى لا تبقى حرب مع المشركين، بمعنى: ألاّ يبقى لهم شوكة.والآية محكمة، والإمام ملزم قبل الإثخان بالقتل فقط، وبعد الإثخان، هو مخيّر بين القتل والأسر، وبعد الأسر، مخيّر بين المنّ والفداء، ويجوز القتل للمصلحة، لقتل النبي ﷺ النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، من أسارى بدر. ولكن لا يكون فداء ولا أسر إلاّ بعد الإثخان، لقوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)الأنفال(٦٧).وقال الشافعي: الإمام مخيّر بين قتل الأسير، أو المنّ عليه، أو مفاداته، أو استرقاقه.﴿ذَٰلِكَۖ﴾ أي: ذلك هو الحكم في الكفّار، أو: الأمر فيهم ما ذُكر، من القتل، أو الأسر، ثم المنّ أو الفداء، خبر مبتدأ مقدّم.﴿وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من الكافرين بغير قتال، وذلك بالانتقام منهم وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب، كالخسف والغرق والرجفة.﴿وَلَٰكِن﴾ أمركم الله بقتالهم وحربهم، وشرع لكم الجهاد في سبيله، وقتال أعدائه ﴿لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ أي: ليختبر بعضكم ببعض، فيمتحن المؤمنين بالكافرين تمحيصاً للمؤمنين، ويمتحن الكافرين بالمؤمنين، تمحيقاً للكافرين، كما قال تعالى:(أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)آل عمران(١٤٢).﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ [وفي قراءة: (قاتلوا)] ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ أي: لن يبطلها ويحبطها، بل يتقبّلها منهم، وينميها لهم ويوفّيهم ثوابها مضاعفاً.وفي الحديث عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصحّحه عن المقدام بن معدي كرب الكِنْديّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشهيد عند الله ستّ خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويُحلّى حلّة الإيمان، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، مرصّع بالدّر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويُشفّع في سبعين إنساناً من أقاربه». و في لفظ:«من أهل بيته».
٥ - ﴿سَيَهۡدِيهِمۡ﴾ أي: في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم من الطاعة والعمل الصالح، والجنّة، بتوفيقهم للعمل برضاه ﴿وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ﴾ أي: حالهم وشأنهم وأمرهم، فيهما.
47:6Page 507
وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦
And admit them to Paradise, which He has made known to them.
٦ - ﴿وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ﴾ أي: بيّنها لهم، وهداهم إلى مساكنهم ومنازلهم فيها من غير استدلال، وذلك بإلهام منه تعالى.وفي صحيح البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ: «والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنّة، أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا».
47:7Page 507
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧
O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.
٧ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: بنصرة دينه، والدّعوة إليه، وجهاد أعدائه، قولاً وعملاً، ﴿يَنصُرۡكُمۡ﴾ على أعدائكم.﴿وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ أي: عند القتال وفي مواطن الحرب.وقيل: على الصراط يوم القيامة. والمعنى: يربط على قلوبكم بالصّبر والثبات والطمأنينة، وإن كثُر عددهم وقلّ عددكم. أو: بالظّفر والتمكين في الأرض وإرث ديار العدوّ.والآية كقوله تعالى:(ولينصرنّ الله من ينصره)الحج(١٤٠).
47:8Page 507
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨
But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.
٨ - ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله وآياته ورسوله ﴿فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ﴾ أي: هلاكاً لهم وخيبة وخزياً، أو: قُبحاً لهم وشقاء. أو: عثارا وبلاءً.يقال: تَعِس – من باب: مَنَع وسَمِع -: هَلَك. وفي المخاطبة: تَعَسْت: كمنَعْتَ، وفي الحكاية: تَعِس: كسمِع، وأتعسه الله: أهلكه.وتَعْساً: منصوب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، تقديره: تعسوا تعساً. واللامّ في «لهم» لتبيين المخاطب، كما في سَقْياً له، أي: أعني له.وفي الحديث: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» أي: فلا شفاه الله.رواه البخاري.﴿وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ أي: أحبطها وأبطلها بأن جعلها على غير هدىً واستقامة.
47:9Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩
That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.
٩ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: التعس والإضلال ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ على رسوله ﷺ من القرآن ﴿فَأَحۡبَطَ﴾ الله ﴿أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ التي عملوها في الدنيا، أي: أبطلها وأذهبها، لفقدان شرط قبولها، وهو الإيمان بالله وبرسوله.
47:10Page 507
۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠
Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.
١٠ - ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ﴾ أي: المشركون بالله المكذّبون لرسوله، من أهل مكّة وغيرهم ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ﴾ نظر اعتبار واستدلال ﴿كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ ﴾ كقوم عاد وثمود وغيرهم ﴿دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ أي: أهلك ما يختصّ بهم من الأنفس، والأموال، والأولاد.يقال: دمّره الله: أهلكه واستأصله، ودمّر عليه: أهلك ما يختصّ به، والثاني أبلغ.وأتى ب «على» لتضمين التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم ونحوه.﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ﴾ من قريش وغيرهم ﴿أَمۡثَٰلُهَا﴾ أي: أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرة، من الدّمار والهلاك. والآية وعيد من الله لهم وتهديد.
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
١١ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: نصر المؤمنين، وقهر الكافرين ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بسبب أن ﴿ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: وليّهم وناصرهم على أعدائهم ﴿وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ أي: لا وليّ ولا ناصر لهم يدفع عنهم عقوبة الله.وفي صحيح البخاري:« أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هُبل! اعل هُبل! فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجلّ، فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم».
47:12Page 508
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢
Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.
١٢ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت غرفها وبساتينها﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَيَأۡكُلُونَ﴾ فيها ﴿كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ﴾ أي: ليس لهم همّ إلا فروجهم وبطونهم، لا يلتفتون إلى الآخرة.والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم.وقد ثبت في الصحيح: «المؤمن يأكل في مِعَىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». رواه البخاري.﴿وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ﴾ أي: موضع ثواء وإقامة لهم، أو: مسكن لهم ومأوىً يوم جزائهم. أو: منزل ومقام ومستقرّ ومصير، وجمعه: مثاوى.
47:13Page 508
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣
And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.
١٣ - ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ﴾ أي: وكثيرٌ من قرية، أو: وكم من قرية - والمراد: أهلُها - من قرى المكذّبين لرسلهم ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِـكَ﴾ أي: مكّـة ﴿ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ﴾ أي: أهلها الذين أخرجوك من بين أظهرهم.﴿أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ﴾ حين كذّبوا رسلنا ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ من إهلاكنا وعذابنا، فبالأوْلى من هم أضعف منهم، وهم أهل مكّة.والآية تهديد شديد، ووعيد أكيد، لأهل مكّة في تكذيبهم لرسوله ﷺ، فإذا كان الله تعالى قد أهلك الذين كذّبوا الرسل قبله، فما ظنّ هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة؟وفي الحديث عند ابن أبي حاتم وأبي يعلى عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لمّا خرج من مكة إلى الغار، قال: «أنت أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
47:14Page 508
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤
So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?
١٤ - ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ أي: على حجّة وبرهان من ربّه، أو: على بصيرة ويقين من أمر ربّه ودينه، علماً وعملاً، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ﴾ فرآه حسناً ﴿وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم﴾ في عبادة الأوثان، والإشراك بالله، والعمل بمعاصيه؟ أي: لا يستوي هذا وهذا! والاستفهام للإنكار المفيد لنفي التسوية بين الفريقين.والآية كقوله:(أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى)الرّعد(١٩).
47:15Page 508
مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥
Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?
١٥ - ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ﴾ أي: نعتها وصفتها، أو: وصفها العجيب الشأن ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ﴾ بها يوم القيامة، مبتدأ، خبره: ﴿فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ﴾ – بالمدّ والقصر: «أسن»، قراءتان – أي: غير متغيّر الطعم والرائحة، لطول مكث ونحوه، ولا منتن.وفعله من باب: ضَرَب ودَخَل، وفي لغة من باب: طَرِب. يقال: أسن الماء: إذا تغيّر ريحه. أو «غير آسن»: يعني: الصافي الذي لا كدر فيه.﴿وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ﴾ بحموضة ونحوها، كما تتغير ألبان الدنيا.﴿وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ أي: لذيذة لهم، طيّبة الشرب، حسنة المنظر والطعم والرائحة، لا كخمر الدنيا، يتكرّهها الشاربون، كما قال تعالى:(لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون)الصافات(٤٧) وقال:(لا يصدّعون عنها ولا ينزفون)الواقعة(١٩).﴿وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ﴾ أي: خالصٍ منقّى ممّا يخالطه من الشمع والقذى، والعكر والكدر.وفي الحديث عند أحمد والترمذي – وقال: حسن صحيح - عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الجنّة بحر اللّبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقّق الأنهار منها بعد».وفي صحيح البخاري: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنّة، ومنه تفجّر أنهار الجنّة، وفوقه عرش الرحمن».وروى الطبراني عن عاصم، أن لقيط بن عامر، قال: يا رسول الله، على ما نطّلع في الجنّة؟ قال ﷺ: «على أنهار من عسل مصفّى، وأنهار من خمر، ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وماء غير آسن».الحديث.وقيل: هو تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنّة، بأنواع ما يُستطاب منها، أو يستلذّ في الدنيا بالتخلية عمّا ينقُصها و ينغصها، والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها.قلت: والقول بعدم التمثيل أوْلى.﴿وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ أي: من كلّ صنف من أصنافها، كقوله:(يدعون فيها بكل فاكهة آمنين)الدخان(٥٥).﴿وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾ لذنوبهم، أي: فهو راض عنهم، مع إحسانه إليهم بما ذُكر.﴿كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ﴾ – خبر مبتدأ مقدّر - أي: أمّن هو في نعيم الجنّة على هذه الصّفة خالداً فيها، كمن هو خالد في النّار؟ فليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات!﴿وَسُقُواْ﴾ فيها ﴿مَآءً حَمِيمٗا﴾ أي: مفرطاً في الحرارة شديدها، بالغا الغاية فيها ﴿فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ﴾ لفرط حرارته، وشدّة غليانه. جمع مِعَىً – بالقصر -.وقيل: (مثل الجنّة) مبتدأ، خبره: (كمن هو خالد في النّار)؟أي: أمثلُ الجنّة التي وُعد المتقون، كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ وقُدّر الاستفهام في المبتدأ لأنه مرتّب على الإنكار السابق في قوله: (أفمن كان على بيّنة من ربّه).
47:16Page 508
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦
And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.
١٦ - ﴿وَمِنۡهُم﴾ أي: ومن هؤلاء الكفّار ﴿مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ﴾ وهم المنافقون، كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه شيئاً، لكونه عن غير قبول وانقياد.﴿حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ﴾ من الصحابة رضي الله عنهم، كابن مسعود وابن عباس وغيرهم ﴿مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ﴾ – بالمدّ والقصر: «أنفا»، قراءتان – أي: مبتدئاً، أي: ما القول الذي ائتنفه النبيّ قبل مفارقتنا له؟ أو: ماذا قال الساعة أو الآن؟ والمعنى: أنّا لم نلتفت إلى قوله.منصوب على الحال من فاعل «قال». ومقصود المنافقين بهذا القول الاستهزاء والسخرية، لا الاستعلام الحقيقيّ. وهو اسم فاعل بتجريد فعله من الزوائد، لأنه لم يُسمع له فعل ثلاثيّ، بل سُمع ائتنف يأتنف، واستأنف يستأنف، بمعنى: ابتدأ.﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ أي: ختم الله عليها بالكفر، فلا تتجه للخير، ولا تنتفع بموعظة وعبرة.﴿وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ﴾ في الكفر والنفاق والعناد، لا ما يدعو إليه الدليل والبرهان.
47:17Page 508
وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧
And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1
١٧ - ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ﴾ إلى طريق الخير، بالإيمان واتباع الحقّ والانقياد له والعمل بما يُرضي الله.﴿زَادَهُمۡ﴾ الله ﴿هُدٗى﴾ بالتوفيق والثبات والعلم النافع ﴿وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: ألهمهم رشدهم وأعانهم على ذلك، بأن وفّقهم للخير والعمل الصالح. أو: أعانهم على تقواهم، أو على ما يتقون به النّار.أو: أعطاهم جزاء التقوى.
47:18Page 508
فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨
Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?
١٨ - ﴿فَهَلۡ يَنظُرُونَ﴾ أي: هؤلاء المكذّبون لرسول الله، أي: ما ينتظرون ﴿إِلَّا ٱلسَّاعَةَ﴾ أي: القيامة ﴿أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ﴾ أي: فجأة، أي: ليس الأمر إلاّ أن تأتيهم الساعة بغتة.﴿فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ﴾ أي: علاماتها وأماراتها.والمعنى: لم يذكّرهم بإتيان الساعة ما مضى من أحوال الأمم السابقة وما جاء من أخبارهم، فما ينتظرون للتذكّر إلاّ إتيان الساعة نفسها فجأة، إذ لم يبق من الأمور الموجبة للتذكّر سوى المفاجأة بها، فقد ظهرت علاماتها وأشراطها، ولم يتذكّروا بها، فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة.وأشراط الساعة: علاماتها وأمارتها، ومنها: بعثته ﷺ، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثتُ أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة».جمع شَرَط –بالتحريك -: وهو العلامة، وأصله: الإعلام. يقال: أشرط فلان نفسه لكذا: أعلمها له وأعدّها. ومنه الشُرْطى – كتركي وجُهَنّي – والجمع: شُرَط، سُمّوا بذلك: لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.﴿فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ﴾ الساعة أو القيامة ﴿ذِكۡرَىٰهُمۡ﴾ أي: تذكّرهم؟ أي: فكيف لهم، أو من أين لهم التذكّر والاتّعاظ إذا جاءتهم الساعة بغتة؟ أي: لا ينفعهم ذلك.والآية كقوله تعالى:(يومئذ يتذكّر الإنسان وأنى له الذكرى)الفجر(٢٣).وفيها: الحثّ على الاستعداد للموت قبل مفاجأته، فإن موت الإنسان، قيام ساعته.
47:19Page 508
فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩
So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.
١٩ - ﴿فَٱعۡلَمۡ﴾ يا محمد ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ أي: لا معبود بحقّ سواه، أي: دُم واثبت على ذلك، واستمرّ عليه ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ﴾ أي: استغفر الله ممّا يُعدّ بالنسبة لمنصبك ذنباً، وهو ترك الأوْلى بك، ولتستنّ بك أمّتك ﴿وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ﴾ أي: استغفر الله لهم.وفي صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي، اللهم اغفر لي هزلي وجدّي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي».وفيه أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفرلي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به منّي، أنت إلهي، لا إله إلا أنت».وفيه أيضاً أنه قال: «يا أيها الناس توبوا إلى ربّكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة». وفي رواية: «إني لأستغفر الله في كلّ يوم مائة مرّة ».وعند أبي يعلى الموصليّ: أنه ﷺ قال: «وعليكم ب لا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذّنوب، وأهلكوني ب لا إله إلا الله والاستغفار».﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ﴾ أي: مُتصرّفكم فيما تتصرفون فيه ﴿وَمَثۡوَىٰكُمۡ﴾ أي: مأواكم ومقامكم، أو إقامتكم على ما تقيمون عليه من الأقوال والأفعال.أي: يعلم كلّ متقلّب ومتصرّف لكم، وكلّ إقامة فيجازيكم به.والمراد: أنه تعالى يعلم جميع أحوالكم في حركاتكم وسكناتكم، فلا يخفى عليه شيء منها، فاحذروه.والمتقلّب: المتصرّف، من التقلّب وهو التصرّف.والمثوى: المسكن والمأوى.
47:20Page 509
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠
Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]
٢٠ - ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا﴾ أي: هلاّ ﴿نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ﴾ مشتملة على شرعية الجهاد في سبيل الله والأمر بقتال أعداء الله ﴿فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ﴾ أي: غير منسوخة، والمراد: محكمة بالبيان والفرائض، لا تقبل نسخاً ولا تأويلاً ﴿وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ﴾ أي: الأمر بقتال المشركين، أو فُرض فيها الجهاد ﴿رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: شكّ وريبة، وهم: المنافقون ﴿يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ أي: كنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره، أو الذي شَخَصَ بصره عند الموت، خوفاً من القتال، وجُبناً عنه، وكراهية له. أو: من أصابته الغشية والسّكرة.والمراد: أنهم يشخصون نحوك بأبصارك، وينظرون إليك نظراً شديداً، من شدّة كراهتهم للقتال معك، لجبنهم عنه، وميلهم إلى الكفّار، كقوله:(فلمّا كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لِمَ كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب)النساء(٧٧).﴿فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ كلمة تهدّد وتوعّد.وهي فعل ماض بمعنى: قارب، وفاعله ضمير الهلاك بقرينة السّياق، واللاّم مزيدة، أي: وَلِيهم وقاربهم ما يهلكُهم أو ما يكرهون.وقيل: المعنى: ويل لهم.أو: هو اسم تفضيل بمعنى: أحق وأحرى، خبر لمبتدأ محذوف. واللام بمعنى الباء، أي: العقاب، أو الهلاك أجدر بهم وأحرى وأوْلى.
47:21Page 509
طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١
Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.
٢١ - ﴿طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ﴾ أي: أحسن وأمثل بكم من غيرهما، ف «طاعة»: مبتدأ، و«قول معروف»: عطف عليها، والخبر محذوف، تقديره: أمثل بكم أو أحسن لكم، أو خير لكم.أي: طاعة لله ورسوله وقول معروف كريم طيّب خير لكم أو أحسن وأمثل بكم.أو: «أوْلى» مبتدأ، و «طاعة» خبر، و«لهم» متعلّق ب «أوْلى» واللام بمعنى الباء، أي: فأولى بهؤلاء المنافقين من النظر إليك نظر المغشي عليه من الموت: طاعة و قول معروف. أي: أولى بهم و أجدر أن يسمعوا، ويطيعوا، ويمتثلوا أمر الله، ويقولوا قولاً معروفاً.أو: «طاعة» خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمرنا طاعة وقول معروف.﴿فإذا عزم الأمر﴾ أي: جدّ الحال، وفُرض القتال، ولزمهم الجهاد. ﴿فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ﴾ في الإيمان والطاعة، بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثال أمره وإخلاص النية له، والحرص على الجهاد بالعمل الموجب له، ﴿لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ﴾ من المعصية والمخالفة، أي: في عاجل دنياهم، وآجل معادهم.
47:22Page 509
فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢
So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?
٢٢ - ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ﴾ – بفتح السين وكسرها، قراءتان – أي: فهـل يُتوقّـع منكـم - أيها المنافقـون – ﴿إِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للمفعول (تُوُلِّيتُم)] أمر الأمة وكنتم حكاماً ﴿أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ بالظلم والقتل وسفك الدّماء، تناحراً على الولاية وتكالباً على الدنيا ﴿وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ بالبغي والظلم والعدوان! وهو من عطف الخاصّ على العامّ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع.[وفي قراءة: بتخفيف الطاء (وتَقْطَعوا أرحامكم)]ويحتمل أن يكون المعنى: (فهل عسيتم) أي: فلعلّكم إن تولّيتم عن الإيمان والطاعة وأعرضتم عن الجهاد، ونكلتم عنه، وفارقتم أحكامه (أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) أي: تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والظلم والقتال وسفك الدماء وقطع الأرحام! بعدما جمعكم الله بالإسلام، وألف بين قلوبكم، وأمركم بالإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام.
47:23Page 509
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣
Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.
٢٣ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المفسدون في الأرض، المقطّعون أرحامهم، هم ﴿ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: أبعدهم من رحمته وطردهم عنها ﴿فَأَصَمَّهُمۡ﴾ عن استماع الحقّ، سماع إذعان وقبول، بسوء اختيارهم ﴿وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ﴾ عن طريق الهداية، فلا يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون إلى البراهين والبيّنات.والآية نهي عن الإفساد في الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، فإن الله تعالى قد أمر بالإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام.وفي الحديث عند الشيخين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «خلق الله الخلق، فلمّا فرغ منه، قامت الرّحم، فأخذت بحقو الرحمن عزّ وجل، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك، قال ﷺ: اقرأوا إن شئتم: (فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم)».وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أحرى أن يُعجّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدّخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم».وعند أحمد والبخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرحم معلّقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعت رحمُه، وصلها». و أخرج الطبراني -بسند ضعيف - من حديث سلمان مرفوعا: «إذا ظهر القول، وخُزن العمل، وائتلفت الألسنة، وتباغضت القلوب، وقطع كلّ ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله، فأصمّهم وأعمى أبصارهم».
47:24Page 509
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤
Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?
٢٤ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ فيعرفون به الحقّ، ويعملون بما فيه من الأوامر والنواهي، والأحكام، ﴿أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ أي: بل أعلى قلوب قاسية أقفالها ومغاليقها التي لا تُفتح؟ فهي لا تقبل التدبّر والتفكّر في الآيات ولا تعقل ما في القرآن من المواعظ والعبر.والاستفهام للتقرير.و أقفال: جمع قفل، وهو الحديد الذي يُغلق به الباب، والمراد: أن قلوبهم مغلقة، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences