Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
المدثر
Al-Muddaththir
The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs
١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ﴾ أي:المتلفّف بثيابه المتغشّي بها بعد نزول الوحي عليه.من تدثّر: أي: لبس الدّثار، وهو ما كان من الثياب فوق الشّعار الذي يلي البدن. وأصله: المتدثّر، فأدغمت التاء في الدال.نودي ﷺ باسم مشتقّ من صفته التي كان عليها بعد نزول الوحي عليه، كما تقدّم في أول سورة المزمّل.
٢ - ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ ﴾ أي: انهض من مضجعك ودثارك بعزم وجدّ، فخوّف عشيرتك الأقربين العذاب، لقوله سبحانه و تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)الشعراء(٢١٤).أو خوّف أهل مكّة وجميع الناس، وبلّغهم رسالة ربك، وحذّرهم العذاب إن لم يؤمنوا، لقوله تعالى: (وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيراً)سبأ(٢٨).من الإنذار: وهو إخبار معه تخويف.
٣ - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ﴾ أي: اخصص ربّك بالتكبير والتعظيم عن إشراك المشركين. أو عظّم ربّك بالتوحيد والعبادة والإخلاص في الدّعوة والإنذار، والرغبة إليه في حاجتك، وأن يعظّمه العباد، ويقوموا بعبادته.
٤ - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ﴾ أي: عن النّجاسات في جميع الأوقات. قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهّرون، فأمره الله أن يتطهّر وأن يطهّر ثيابه.أو: ونفسك فطهّر عمّا تُذمّ به من الأفعال، أو من الذنوب والآثام.وهو كما يقال: فلان طاهر الثياب، ونقيّ الثياب: إذ وُصف بالنّقاء من المعايب أو من الآثام. والمراد: تمام طهارة الظاهر والباطن، والنبي ﷺ مأمور بالدّوام على الطهارة الحسيّة والمعنوية في كل شئونه، فقد طبعه الله عليها، و كمّله بها تكميلاً.
٥ - ﴿وَٱلرُّجۡزَ ﴾ [و في قراءة: بكسر الراء (والرِّجز)] ﴿فَٱهۡجُرۡ﴾ أي: اترك الأصنام والأوثان فلا تقربْها. أو: المآثم والمعاصي المؤدّية إلى العذاب، ولا تتخلّق بأخلاق هؤلاء المشركين. أي: دُمْ على ترك ذلك، واثبت عليه، قولاً وعملاً.ولا يلزم من هذا تلبّسه بشيء من ذلك ﷺ، بل الآية كقوله: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين)الأحزاب(١).ويحتمل أن يكون الخطاب له والمراد: أمته، فهو أمرٌ لغيره.و الرُّجز –بالضم والكسر-: العذاب، كالذُّكْر والذِّكْر، والمراد: هجر ما يؤدّي إلى العذاب.وقيل: المضموم: بمعنى: الصّنم، أو عبادة الأوثان، والمكسور: بمعنى: العذاب، أو النقائص والفجور. أو هو اسم للقبيح المستقذر، كالرّجس، كنّي به عن عبادة الأوثان.
٦ - ﴿وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ﴾ أي: لا تعط أحداً شيئاً، طالباً للكثير عِوَضاً عنه.أو لا تعط عطيّة تنتظر أفضل منها وأكثر أو تلتمس العوض عنها، بل أعطها لوجه الله تعالى. فهو نهي عن الاستعواض نهي تحريم، فيحرم عليه أن ينتظر العوض عمّا أعطى. وهو خاصّ به ﷺ، لأن الله تعالى اختار لنبيّه أشرف الآداب وأحسن الأخلاق. وأمّا بالنسبة لأمّته فهو جائز.وقيل: النهي للتنزيه بالنسبة له ﷺ ولأمّته.أو: لا تُنعم على أحد بشيء، رائياً ما أنعمت به كثيراً، لأن ذلك لا يليق بك.وعن الحسن البصري: لا تمتنّ بعملك على ربّك تستكثره. واختاره ابن جرير.
٧ - ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ﴾ أي: على الأوامر والنواهي والتكاليف.أو: اصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى أقداره المؤلمة.أو: اصبر على أذى قومك وفي سبيل دعوتك، واجعل صبرك خالصاً لوجه ربّك عزّ وجل.
٨ - ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ﴾ أي: نُفخ في الصّور – وهو القرن - النفخة الثانية، نفخة البعث والنّشور. كأنه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عظيم يلقون فيه عاقبة أمرهم. من النّقْر بمعنى: التصويت.وأصله: القَرْع، الذي هو سببه.
٩ - ﴿فَذَٰلِكَ﴾ أي: وقت النّقر. مبتدأ.﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ بدل ممّا قبله ﴿يَوۡمٌ عَسِيرٌ﴾ أي: شديد. خبر المبتدأ.
١٠ -﴿عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ﴾ أي: غير سهل عليهم، كما قال تعالى: (يقول الكافرون هذا يوم عسر)القمر(٨)، ومفهومه: أنه يسير على المؤمنين، غير عسير.
١١ - ﴿ذَرۡنِي﴾ يا محمد﴿وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا﴾ أي: اتركني وهذا الذي خلقته وحيدا فريداً، لا مال له ولا ولد.أو: دعني وإياه،وخلّ بيني وبينه، أو كِلْ أمره إليّ، فأنا أكفيكه. قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزوميّ. وفيه تهديد ووعيد.
١٢ - ﴿وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا﴾ أي: كثيراً واسعاً متّصلاً مبسوطاً، يمدّ بعضه بعضاً، أو دائماً بالنّماء غير منقطع، من الزّروع والضروع والتجارة. وكان الوليد مشهوراً في قريش بكثرة المال.
١٣ - ﴿وَبَنِينَ شُهُودٗا﴾ أي: وجعلت له بنين حضوراً معه بمكّة لا يغيبون عنه، لعدم احتياجهم للغياب في طلب الكسب.أو شهودا، يشهدون المحافل معه والمجامع، وتُسمع شهاداتهم.قيل: كانوا عشرة من الولد.
١٤ - ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا﴾ أي: بسطت له من العيش والنّعمة والجاه والرياسة بسطاً في قريش.وأصل التمهيد: التسوية والتهيئة، ومنه: مهْد الصبيّ، وتُجوِّز به عمّا ذُكر.
١٥ - ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾ أي: ثمّ لشدّة حرصه وطمعه يطمع في زيادة ما أنعمت به عليه! أي: دعني وإيّاه فأنا أكفيكه، وأغنيك في الانتقام منه – لشّدة كفره وطغيانه – عن أيّ منتقم.
74:16Page 575
كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦
No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.
١٦ - ﴿كَلَّآۖ﴾ كلمة ردع وزَجْر عن هذا الطمع، أي: ليس الأمر كما طلب، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه ورجائه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا﴾ أي: القرآن أو لحججنا ﴿عَنِيدٗا﴾ أي: معانداً لها، أو جحوداً لها، جاحدا بها، أو مجابناً للحقّ.
١٧ - ﴿سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا﴾ أي: سأغشيه عقبة شاقّة المصعد، أو: سأكلّفه مشقّة من العذاب لا راحة له منها.وهو مثل لما يُلقى من العذاب الشاقّ الصّعب الذي لا يُطاق ولا يُرتاح منه.يقال: رَهِقَه الأمر يَرْهقُه: غشيه بقهر.
١٨ - ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ﴾ أي: ردّد فكره وأداره تبعاً لهواه فيما يقوله طعناً في القرآن ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: وهيّأ ما يقوله في نفسه.يقال: قَدَرْتُ الشيء أقْدِرُهُ: إذا هيأته، وتقدّر – بالتشديد -: تهيّأ.
١٩ - ﴿فَقُتِلَ﴾ أي: فلُعن أو: عُذّب، أو: قُبّح، وهو دعاء عليه ﴿كَيۡفَ قَدَّرَ﴾ أي: على أيّ حال كان تقديره وقوله في القرآن، لافترائه الباطل واختلاقه الكذب. استفهام تعجيبٍ من تقديره، وإنكارٍ وتوبيخ.
٢٠ - ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ﴾ أي: ثم لُعن أو عذّب على تقديره القول في القرآن، وكرّره للمبالغة في التعجّب منه، وتأكيد الذمّ وتقبيح ما فكّر به.
٢١ - ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ بأي شيء يدفع القرآن، ويقدح فيه.أو تأمّل فيما قدّر وهيّأ من الطعن في القرآن وردّ الحق. أو: تروّى في ذلك المقدّر.
٢٢ - ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قطّب ما بين عينيه وقبض وجهه لمّا لم يجد في القرآن مطعناً.يقال: عَبَس يَعْبِسُ عَبْساً وعُبُوساً: إذا قطَّب جبينه وكلح وجهه.وأصله: من العَبَس، وهو ما تعلّق بأذناب الإبل من أبوالها وأبعارها وقد جفّ عليها، وباعتبار اليُبس والتقبّض، أطلق على ما ذُكر عُبوس.﴿َبَسَرَ﴾ إتباع لما قبله، أو تأكيد له، أي: كلح وجهه وتغيّر. أو: اشتدّ في العبوس وكلوح الوجه.يقال: بَسَر يَبْسُر بَسْراً وبُسوراً: إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء، واسودّ وجهه منه.ومنه: وجه باسر، أي: منقبض أسود.أو: أظهر العبوس قبل أوانه.من البَسْر، بمعنى: الاستعجال بالشيء. يقال: بسر الرجل الحاجة: طلبها في غير أوانها، وبَسَر الفحلُ الناقة: ضربها قبل أن تَطلُب.
٢٣ - ﴿ثُمَّ أَدۡبَرَ﴾ أي: تــولّى وأعــرض عــن الحقّ ﴿وَٱسۡتَكۡبَرَ﴾ أي: تكبّر عن اتباع محمد ﷺ والانقياد للقرآن.
74:24Page 576
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
٢٤ - ﴿فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ﴾ أي: سحر ينقله ويأثره محمد عن غيره، ويرويه عنه. أو: سحر يُروى ويُتعلّم من السحرة.
٢٥ - ﴿إِنۡ هَٰذَآ﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ﴾ أي: ليس بكلام الله، كما قالوا: (إنما يُعلّمه بشر)النحل(١٠٣).أخرج الحاكم وصحّحه – وقال: إسناده صحيح على شرط البخاري - عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه، فقال: قل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر لما قال – محمد - وأنك كاره له. فقال – الوليد -: وماذا أقول فيه؟ فو الله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو، وما يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكّر، فلما فكّر قال: هذا سحر يُؤثر يأثره عن غيره، فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيداً) إلى قوله: (تسعة عشر). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق أخرى نحوه.
٢٦ - ﴿سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ﴾ أي: سأدخله جهنّم ليذوق حرّها.وسقر: طبق من أطباق جهنّم، أو اسم من أسمائها. والجملة بدل من قوله: (سأرهقه صعوداً).
٢٧ - ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ﴾ أي: أيُّ شيء أدراك وأعلمك يا محمد ما سقر؟ تعظيم لشأنها، وتهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسّر ذلك بقوله:
٢٨ - ﴿لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ﴾ أي: هي نار لا تُبقي ولا تذر شيئاً من لحم أو عظم أو عصب إلاّ أهلكته، ثم يعود كما كان. أو لا تبقي شيئاً يُلقى فيها إلاّ أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكاً حتّى يُعاد.
٢٩ - ﴿لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ﴾ أي: مغيّرة للبشرات، مسوّدة للجلود، مُحرقة لها، تلفحها لفحة، فتدعها أشدّ سواداً من اللّيل في أوّل الملاقاة، ثم تهلكها.صيغة مبالغة، من لوّحته الشمس: إذا سوّدت ظاهره وأطرافه.والبشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد، وجمع البشر: أبشار.وقيل: (لوّاحة للبشر) أي: جهنّم تلوح للناس حتى يرونها عياناً. فالبشر: اسم جنس بمعنى: النّاس.
٣٠ - ﴿عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ﴾ ملكاً، غلاظ شداد، عظيمٌ خَلْقُهم، غليظٌ خُلُقُهم، هم خزنتها وزبانيتها، المتولّين أمرها وأمر أهلها.
74:31Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
٣١ - ﴿وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ﴾ أي: زبانيتها وخزنتها ﴿إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ﴾ غلاظاً شداداً. والآية – كما قيل - ردّ على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: أما يستطيع كلّ عشرة منكم لواحد منهم فتغلبوهم، وأنتم الدَّهْم (أي: العدد الكثير) فنزلت. أي: ما جعلناهم إلا شديدي الخلق لا يُقاومون ولا يُغالبون.﴿وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ﴾ أي: ما أخبرنا بعدّة الملائكة وأنهم تسعة عشر ﴿إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: ابتلاءً واختبارا، أو: محنة وإضلالاً لهم، أو: إلاّ سبب فتنة وضلال لهم، لاستبعادهم تولّي تسعة عشر ملكاً تعذيب أكثر الثقلين، واستهزائهم بذلك، و سببه: إنكارهم البعث.﴿لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: وإنما أخبرنا بعدّة خزنة جهنم ليستبين أهل الكتاب من اليهود والنّصارى صدق النبي ﷺ في عدّتهم الموافق لما في كتبهم، أو: ليكتسبوا اليقين بنبوّته ﷺ وصدق القرآن لموافقته لهما في عدّتهم.﴿وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا﴾ أي: إلى إيمانهم، بما يشهدون من صدق إخبار نبيّهم ﷺ وموافقته لكتب الله المنزّلة على الأنبياء قبله، كالتوراة والإنجيل.﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ في الدّين، أو: في عدّة خزنة جهنّم، أي: لا يشكّون في حقيقة ذلك العدد.﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: شكّ وريب، وهم: المنافقون ﴿وَٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ بالله من أهل مكّة وغيرهم: ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ﴾ أي: أيّ شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل. يريدون بذلك نفي أن يكون هذا العدد من عند الله.﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثلَ إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدِّقه ﴿يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ إضلاله من عباده، عدلاً، لصرفه اختياره إلى جانب الضلال ﴿وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ هدايته من عباده، فضلاً، لصرفه اختياره إلى جانب الهدى، وله في ذلك الحكمة البالغة والحجّة الدامغة.﴿وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة وغيرهم من الخلائق، في عددهم وقوّتهم وتسخيرهم ﴿إِلَّا هُوَۚ﴾ تبارك وتعالى.وقد تقدم في حديث الإسراء في الصحيحين في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: «فإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم».﴿وَمَا هِيَ﴾ أي: وما سقر وصفتُها ﴿إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ﴾ أي: تذكرة وموعظة للنّاس.أو: وما هذه العدّة إلا تذكرة وعظة، من حيث أنّ في خلقه من هو في غاية العظم والقوّة، حتى يكفي القليلُ منهم لإهلاك الكثير الذي لا يُحصى، ليعلموا كمال قدرة الله وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار.
٣٢ - ﴿كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ﴾ أي: حقّاً، أو: استفتاح بمعنى: ألا والقمر، أو: ردّ وردع وزجر لمن زعم أنه يكفي أصحابه خزنة جهنّم. أي: ليس الأمر كما يقول.(والقمر) قسم منه تعالى بالقمر.
٣٣ - ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ﴾ أي: مضى أو ولّى ذاهباً بطلوع الفجر.[وفي قراءة: (إذا دَبَر)] أي: جاء بعد النهار. وأدبر ودبر لغتان بمعنىً واحد.
٣٤ - ﴿وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ﴾ أي: أضاء وتبيّن، أو ظهر وانكشف وأشرق.والآيات (٣٢ - ٣٤) قسم منه تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة الدالّة على كمال قدرته، وعظيم حكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة عمله.والمقسم عليه قوله:
74:35Page 576
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
٣٥ - ﴿إِنَّهَا﴾ أي: سقر ﴿لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ﴾ أي: الدّواهي الكُبر، أو البلايا العظام. أي: إنها من بين البلايا العظيمة لواحدةٌ في العظم والكبر لا نظير لها.
٣٦ - ﴿نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ﴾ أي: إنذاراً، أو نذارة، أو منذرة لهم. تمييز ل (إحدى الكبر) أو حال منها. وذُكّر لأنها بمعنى العذاب.
74:37Page 576
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧
To whoever wills among you to proceed1 or stay behind.
٣٧ - ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ﴾ بدل من «البشر» ﴿أَن يَتَقَدَّمَ﴾ إلى الخير أو الجنّة بالإيمان والطاعة ﴿أَوۡ يَتَأَخَّرَ ﴾ إلى الشّر أو النار، بالكفر والمعصية. أي: نذيراً للذين إن شاءوا تقدّموا للخير، ففازوا، وإن شاءوا تأخّروا عنه، فهلكوا. أو: منذرة للمتمكّنين من السعي والسبق إلى الخير، أو التخلّف عنه.
74:38Page 576
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨
Every soul, for what it has earned, will be retained1
٣٨ - ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ﴾ مأمورةٍ منهيّةٍ ﴿بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ أي: مرهونة بكسْبها محبوسة عند الله تعالى، مأخوذة بعملها، فإمّا خلّصها، وإمّا أوبقها.
٣٩ - ﴿إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ﴾ وهم المؤمنون المخلصون، فإنهم فاكّون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، غيرُ مرتهنين بذنوبهم، كما يفكّ الراهنُ رهنَه بأداء الدّين.
٤٠ - ﴿فِي جَنَّٰتٖ﴾ أي: هــم كائنــون في جنـات ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضاً.
٤١ - ﴿عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: المشركين الذين سُلكوا في سقر، أي: عن حالهم ومآلهم، يقولون لهم:
٤٢ - ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ﴾؟ أي: أي شيء أدخلكم فيها؟
74:43Page 576
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣
They will say, "We were not of those who prayed,
٤٣ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: المجرمون بلسان الحال أو المقال:﴿لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ﴾ لله في الدنيا الصلاة المفروضة.
٤٤ - ﴿وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ﴾ بُخلاً بما أعطاهم الله، ومنعاً له من حقّه، أي: فلا إخلاص للمعبود، ولا نفع ولا إحسان للعباد.
74:45Page 576
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ٤٥
And we used to enter into vain discourse with those who engaged [in it],
٤٥ - ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ﴾ في الباطل ﴿مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ﴾ فيه، فكلّما غوى غاوٍ، غوينا معه. أي: كنّا نشرع في الباطل مع الشّارعين فيه، لا نتورّع عن شيء. أو نخوض مع الخائضين في أمر محمد ﷺ، وهو قولهم: ساحر، شاعر، كاهن، ونحوه. وأكثر ما استعمل الخوض في القرآن: فيما يُذمّ الشروع فيه.
٤٦ - ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ أي: بيوم البعث والحساب والجزاء.
٤٧ - ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ﴾ أي: الموت، كقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)الحجر(٩٩). أي: كنّا على الباطل مستمرين عليه، حتى جاءنا الموت، فرأينا به ما كنّا ننكره عياناً.
74:48Page 577
فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ٤٨
So there will not benefit them the intercession of [any] intercessors.
٤٨ - قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين الذين يشفّعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، لأنهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم.والمعنى: لا شفاعة للمجرمين يوم القيامة.
74:49Page 577
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ٤٩
Then what is [the matter] with them that they are, from the reminder, turning away
٤٩ - ﴿فَمَا لَهُمۡ﴾ أي: فما لهؤلاء المشركين ﴿عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ﴾ بالقرآن ﴿مُعۡرِضِينَ﴾ لا يستمعون له، أي: أيّ شيء حصل لهم حال كونهم معرضين مولّين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى؟.
٥٠ - ﴿كَأَنَّهُمۡ﴾ أي: في إعراضهم عن القرآن، ونفرتهم منه وتولّيهم عنه. ﴿حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ أي: حُمر وحشيّة نافرة، أو شديدة النّفار.[و في قراءة: بفتح الفاء (حمرٌ مستنفَرة)].
٥١ - ﴿فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ﴾ أي: هربت من أسد يطلبها. من القَسْر بمعنى: القهر، لأنه يقهر السباع.أو: من جماعة الرماة الذين يصطادونها و يقنصونها.
74:52Page 577
بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢
Rather, every person among them desires that he1 would be given scriptures spread about.2
٥٢ - ﴿بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ﴾أي: من هؤلاء المشركين﴿أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ﴾ أي: يُعطى كتباً مفتوحةً غير مطويّةٍ، يقرؤها كلّ من يراها، تأمرهم باتباع النبي ﷺ، كما قالوا: (ولن نؤمن لرقيّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه)الإسراء(٩٣).
٥٣ - ﴿كَلَّاۖ﴾ ردع وزجْر عمّا أرادوه، أي: لا نعطيهم ما طلبوا، ولا يكون ما أرادوا ﴿بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يخشون العقاب، لأنهم لو خافوا الآخرة وعذابها، لما اقترحوا الآيات والكتب المنزّلة.
٥٤ - ﴿كَلَّآ﴾ أي: حقاً، أو استفتاح بمعنى: ألا ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: القرآن ﴿تَذۡكِرَةٞ﴾ أي: عظة وعبرة. أو: ليس الأمر كما يقول المشركون في القرآن: إنه سحر وكذب،ولكنه تذكرة من الله لخلقه.
٥٥ - ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ﴾ أي: قرأه وعمل بما فيه فاتّعــظ بــه، لأنه قد بُيّن له السبيل، ووضَح له الدليل.
74:56Page 577
وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ ٥٦
And they will not remember except that Allāh wills. He is worthy of fear and adequate for [granting] forgiveness.
٥٦ - ﴿وَمَا يَذۡكُرُونَ﴾ – بالياء والتاء، قراءتان – أي: ما يتعظون بقراءته ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ﴾ لهم الهدى والإيمان، أو: إلاّ أن يشاء الله لهم أن يذكروه. فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، كقوله: (وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله)التكوير(٢٩).﴿هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ﴾ أي: أهلٌ أن يُتّقى ويُعبد بفعل الطاعات، وترك المنكرات ﴿وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ أي: وأهلٌ أن يغفر ذنب من اتقاه، واتبع رضاه، وتاب إليه وأناب.أي: فهو تعالى الحقيق بأن يتقيه عباده بامتثال أمره واجتناب نهيه، الحقيق بأن يغفر لهم ويقبل توبتهم.وفي الحديث عند أحمد عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) وقال: «قال ربكم: أنا أهلٌ أن أُتقى فلا يُجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً، كان أهلاً أن أغفر له». ورواه الترمذي وابن ماجه و النسائي، وقال الترمذي: حسن غريب. انتهى تفسير سورة المدثر
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences