Al-Jami' al-WajizAl‑Isra · 17:1–15

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

١ - ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ أي: تنزيه وتقديس وتعظيم و تمجيد ﴿ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ أي : بمحمد ﷺ . وفي ذكر «العبد» في هذا المقام العظيم تشريف له ﷺ وتكريم .﴿لَيۡلٗا﴾ أي : في جـزء قليـل من الليل ، منصوب على الظرفية . و«سبحان»: اسم مصدر ل «سبح» منصوب بفعل مضمر تقديره: سبحت الله سبحانا ، أي: تسبيحا بمعنى: نزهته تنزيها عما لا يليق بجلاله و كماله من صفات العجز والنقص وباعدته تبعيدا من كل سوء. وفيه: معنى التعجب من باهر قدرته تعالى في إسرائه بعبده .و الإسراء: السير بالليل خاصة، مصدر أسريت .وفائدة ذكره «ليلا» مع أن الإسراء لا يكون إلا ليلا : الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدة السير.وكان الإسراء يقظة لا مناما ، وبالجسد والروح معا .﴿مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ وهو مسجد مكة. و في الصحيحين: «أنه أسري به ﷺ من دار أم هانئ» بجوار المسجد الحرام. وفيه: أن المسجد الحرام يطلق على مكة أو الحرم لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام .﴿إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا﴾ وهو مسجد بيت المقدس بفلسطين . و صفه ب «الأقصى» : لبعد المسافة بينه و بين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.﴿ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ﴾ ببركات الدين و الدنيا من نزول الأنبياء حوله، وبالخير والنماء ، والطيب والرخاء، و الخصب والعطاء في الزروع والثمار والأنهار والأقوات والمعايش ﴿لِنُرِيَهُۥ﴾ أي: محمدا ﷺ ﴿مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ﴾ وعجائب قدرتنا ،كقوله سبحانه: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)النجم(١٨) . ﴿إِنَّهُۥ﴾ جـل جـلاله ﴿هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوال عبـاده ﴿ٱلۡبَصِيرُ﴾ بهم وبأحوالهم وأفعالهم ، فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة.وحادثة الإسراء والمعراج كانت في السنة الثانية عشرة من البعثة في قول. والمشهور: أنها كانت في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب. وعُرج به ﷺ في هذه الليلة إلى السماء وفيها فرضت الصلوات الخمس ، وكان عروجه من المسجد الأقصى إلى السماء بالجسد والروح أيضا يقظة لا مناما، كإسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وهذا من المعجزات التي لايقدر عليها إلا الله وحده ، فلا إله غيره ولا رب سواه.وفي الحديث الصحيح : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى».وفي الصحيح أيضا من حديث أبي ذر:«أن المسجد الأقصى وُضع للناس بعد البيت الحرام بأربعين سنة».قال الطبري : وهذا يدل على أنه كان قد بُني في زمن إسحاق ويعقوب عليهما السلام ، ولكن بنيانه على التمام وكمال الهيئة كان على عهد سليمان عليه السلام . وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن جمع من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب، و ابن مسعود وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله ، و أنس بن مالك ، و ابن عباس، و عبدالله بن عمرو بن العاص، وعائشة وغيرهم .فعن أنس بن مالك عند أحمد والشيخين ، واللفظ لمسلم ، أن رسول الله ﷺ قال :«أتيت بالبراق، و هو دابة أبيض، فوق الحمار و دون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته ، فسار بي حتى أتيت بيت المقدس ، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء دوابها، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، قال جبريل: أصبت الفطرة . قال : ثم عُرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل ، ففُتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحّب بي ودعا لي بالخير . ثم عُرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة: يحيى وعيسى، فرحبا بي ، و دعوَا لي بخير . ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل ففتح لنا فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ودعا لي بخير ، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فإذا أنا بإبراهيم ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه ، ثم ذهب إلى سدرة المنتهى ،...، فأوحى الله إليّ ما أوحى ، و فَرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة». فما زال موسى يراجعه ويقول له: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك و إني قد بلوت بني إسرائيل و خبرتهم» .وهو يراجع ربه ، ويسأله التخفيف حتى وضعها عنه إلى خمس صلوات في اليوم والليلة ، وقال : «يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاه عشر ، فتلك خمسون صلاة».

17:2Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

٢ - ﴿وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة ﴿وَجَعَلۡنَٰهُ﴾ أي : ذلك الكتاب ﴿هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: هاديا لهم من الظلمات إلى النور يهتدون به إلى الحق والصواب.﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ﴾ [و فـي قراءة : باليـاء: (يتخـذوا)] ﴿مِن دُونِي وَكِيلٗا﴾ أي: كفيلا تفوضـون إليه أمـور دينكم ودنياكم، أو وليا و نصيرا . أي : آتيناه الكتاب لئلا تتخذوا ربا غيري تكلون إليه أموركم وتفوضونها إليه ، فلا معبود بحق إلا الله وحده .والمراد : النهي عن الإشراك بالله تعالى .وكثيرا ما يقرن القرآن بين ذكر محمد ﷺ و موسى عليه السلام ، وبين ذكر القرآن والتوراة .فمحمد ﷺ أسري به ، وكلمه الله ليلة الإسراء، حين عرج به إلى السماء، وأعطي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم. وموسى عليه السلام سار إلى الطور و ناجاه الله ، وأعطاه التوراة وهي هدى لبني إسرائيل.

17:3Page 282

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

٣ - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ﴾ في السفينة. منصوب على الاختصاص، أي : أخص ذرية من حملنا مع نوح . أو تقديره : يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ، تشبهوا بأبيكم. ففيه تهييج لهم ، و تنبيه على المنة والإنعام. والمراد : حمل الذرية على التوحيد، بذكر إنعامه عليهم في ضمن إنعامه على آبائهم من قبل بإنجائهم وحملهم مع نوح في سفينته حين لم يكن لهم وكيل و لا ناصر ولا معين إلا الله تعالى .﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : نوح عليه السلام ﴿كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ أي كثير الشكر لله تعالى على نعمه ، حامدا له في جميع أحواله. أو: عارفا بنعم الله عليه، مستعملا إياها في طاعته و مرضاته. و فيه حث لذريته على التشبه به في كثرة شكره لله وحمده له .من الشَّكَر- بفتح الشين المشددة والكاف - وأصله : الامتلاء، يُقال: عين شكرى ،أي : ممتلئة. ثم استعير للامتلاء من ذكر المنعِم بالثناء وإظهار نعمه .وفي الحديث : عند أحمد و مسلم والترمذي والنسائي:«إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها». وفي حديث الشفاعة عند البخاري عن أبي هريرة ، قال ﷺ: «فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا، فاشفع لنا إلى ربك».

17:4Page 282

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

٤ - ﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: أوحينا اليهم في التوراة . و المعنى : تقدمنا إليهم و أعلمناهم و أخبرناهم في التوراة، كقوله جل في علاه : (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين)الحجر(٦٦).و معنى القضاء: الفراغ من الشيء.أو :حكمنا عليهم في اللوح المحفوظ ﴿لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ بالعمل بمعاصي الله ﴿مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ﴾ أي: في الأرض ﴿عُلُوّٗا كَبِيرٗا﴾ أي: لتتكبرن على طاعة الله، أو لتغلبن الناس بالظلم و العدوان والبغي والطغيان، وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوزا للحد . أو لتستعلن على الناس استعلاء عظيما ، وليظهرن أمركم ودولتكم بالبغي والظلم مجاوزين للحد في ذلك .واختلف في مرتي الإفساد على أقوال :القول الأول: أن الإفسادتين قد وقعتا. قيل : المرة الأولى: تغيير التوراة وعدم العمل بها، ومخالفة أحكامها. أو حبس إرمياء -أحد أنبياء بني إسرائيل- وجرحه ، وكان قد بشَّرهم بمحمد ﷺ. أو قتل أشعياء - و هو أحد أنبيائهم أيضا.و الثانية : قتل زكريا و يحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه السلام. القول الثاني: إن الأولى قد وقعت بمجموع ما سبق ، و لم تأت الثانية بعد .القول الثالث: إن الإفسادتين لم تقعا بعد .القول الرابع: إنه تعالى لم يُبيِّن ذلك ، فلا يُقطع فيه بخبر يقين.وقوله سبحانه : (لتفسدن) جواب قسم محذوف . وقوله (في الأرض): قيل : في أرض الشام ، أو أرض بيت المقدس .

17:5Page 282

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

٥ - ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا﴾ : أي: أولى الإفسادتين . أي: جاء العقاب الموعود على أولى الإفسادتين ﴿بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ﴾ بعثا قدريا ، و سلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا ﴿عِبَادٗا لَّنَآ ﴾ أي: جندا من خلقنا ﴿أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ أي : ذوي قوة و بطش في الحروب وعدد وعدة .و البأس : الشدة والمكروه .﴿فَجَاسُواْ﴾ أي : فترددوا لطلبكم ﴿خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ﴾ أي : وسطها أو حوالي جدرها ، و ما بين بيوتها.أي : توسطوا دياركم و ترددوا بينها ، أو تخللوها و طافوا بينها ذاهبين وجائين ، لقتلكم وسبيكم ، و أخذ أموالكم .من الجوس: و هو طلب الشئ باستقصاء ، و التردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها. يقال : جاس يجوس جوسا وجوسانا: إذا فتش ونقب.﴿وَكَانَ﴾ أي : ذلك العقاب ﴿وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا﴾ أي: كائنا حاصلا مقضيا لا محالة منه و لاصارف له ، أو : نافذا واقعا، لابد من وقوعه لوجود سببه منهم. و اختلف في تعيين هؤلاء المسلَّطين على بني إسرائيل بسبب أولى الإفسادتين على قولين :الأول: فعن ابن عباس وقتادة السدوسي : هم جالوت وجنوده، سلطهم الله على بني إسرائيل أولا، ثم كانت الغلبه لبني إسرائيل عليهم بعد ذلك زمن طالوت. وفيه قوله سبحانه و تعالى:(وقتل داود جالوت)البقرة(٢٥١).الثاني: و ذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم : إلى أن المسلَّط عليهم هم : بختنصّر- ملك بابل – و قومه ، سلطهم الله على بني إسرائيل لما طغوا و بغوا في الأرض وكثرت فيهم المعاصي وقتلوا خلقا من الأنبياء و العلماء وتركوا كثيرا من شريعة الله، فاستباح هذا العدو بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا بسبب بغيهم وظلمهم . و في رسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص قبيل القادسية قال :«و إياكم والعمل بمساخط الله، فيسلط عليكم عدوكم كما سُلط على بني إسرائيل المجوس لما عملوا بمساخط الله».

17:6Page 282

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ﴾ يابني إسرائيل ﴿ٱلۡكَرَّةَ﴾ أي : الدولة والغلبة ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: على هؤلاء الذين سُلّطوا عليكم فأجليتموهم من دياركم . قيل : إن ذلك كان في زمن طالوت حين قتل داود عليه السلام جالوت – كما تقدم عن ابن عباس وقتادة-.والكرّة: المرة من الشئ ، وأصلها: الكرّ: وهو الرجوع، مصدر كرّ يكرّ، أي: رجع ، واستعمال الكرّة في الدولة والغلبة مجاز شائع .﴿وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ﴾ أي: كثّرناكم وكثرنا أرزاقكم، ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ أي : أكثر من أعدائكم نافرا ، أي: عددا أو عشيرة.والنفير والنافر : من ينفر مع الرجل من عشيرته للذهاب إلى العدو. أي: جعلناكم أكثر من عدوكم في عدد رجال الحرب الذين يخرجون للقتال، و ذلك بسبب توبتكم وإحسانكم وخضوعكم لله.

17:7Page 282

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

٧ - ﴿إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ﴾ يا بني إسرائيل أحوالكم و أفعالكم بالطاعة ﴿أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ﴾ لأن ثواب ذلك عائد إليكـم ﴿وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ﴾ بالفساد والمعصيـة ﴿فَلَهَاۚ﴾ أي : فقد أسأتم لأنفسكم،لا لغيرها ، كقوله: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)فصلت(٤٦) لأن ضرر ذلك و وباله عائد عليكم .﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: وعد المرة الأخرى وهي الإفسادة الثانية. أي: جاء ما وُعدوا به من العقوبة على الإفسادة الثانية سلطنا عليكم أعداءكم.قيل: هم مجوس الفرس أو الروم ، على القول بوقوع الإفسادتين. أو: هم المسلمون ، على القول بعدم وقوع الإفسادتين أو الثانية منهما بعد. ﴿لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ أي: بعثناهم ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم فيهينوكم ويقهروكم بالقتل والسبي.[وفي قراءة : (ليسوءَ وجوهكم) و في أخرى : (لنسوءَ و جوهكم)] ﴿وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ﴾ أي : مسجد بيت المقدس ، بالقوة و القهر والإذلال لكم ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ ﴾ وهي التي جاسوا فيها خلال الديار. و يكون الدخول دخولَ تخريب ، على القول بوقوع الإفسادتين. أو: دخول نصر و فتح و تمكين على القول بعدم وقوع الإفسادتين أو الثانية منهما بعد. ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ﴾ أي: ليدمروا ويهلكوا ﴿مَا عَلَوۡاْ﴾ أي: ما استولوا عليه ، أو : ما غلبوا و ظهروا عليه من بلادكم ﴿تَتۡبِيرًا﴾ أي : تدميرا وهلاكا. من التَّبْر : وهو الإهلاك والتدمير .وقد ذهب بعض المفسرين : إلى أن الإفسادة الثانية: هي التي حصلت في هذا العصر بقيام دولتهم في فلسطين عام ١٩٤٨ ، وأن دخول المسجد والتتبير آت، إن شاء الله تعالى.

17:8Page 283

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

٨ - وقلنا في الكتاب: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ﴾ يا بني إسرائيل بعد الإفسادة الثانية إن تبتم و أنبتم وأخلصتم و أحسنتم الأعمال ، فيصرف عنكم عدوكم ﴿وَإِنۡ عُدتُّمۡ﴾ إلى الإفساد في الأرض والعلو فيها ﴿عُدۡنَاۚ﴾ إلى العقوبة و الإدالة عليكم في الدنيا، كما فعلتم وفعلنا بكم من قبل، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال ، ولهذا قال :﴿وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: محبسا وسجنا يحبسون ويسجنون فيه. من الحصر بمعنى : الحبس والتضييق.أو :جعلنا جهنم للكافرين مهادا وفراشا و بساطا ، كما يبسط الحصير. و قد عادوا بتكذيب النبي ﷺ فعاد الله بتسليطه عليهم، فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب الجزية على الباقين.و في الحديث عند مسلم : «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون» و فيه : «فيقول الحجر و الشجر : يا مسلم، يا عبد الله ، هذا يهودي و رائي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» .وفي الآية: تحذير لهذه الأمة من العمل بمعاصي الله لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من تسليط أعدائهم عليهم لما عملوا بمعاصي الله.

17:9Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

٩ - ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي﴾ أي: يرشد للطريقة أو للسبيل التي ﴿هِيَ أَقۡوَمُ﴾ أي : أعدل وأصوب وأسدّ و أوضح في الأقوال والأفعال، و هي ملة الإسلام أو التوحيد. ﴿وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [و في قراءة: بالتخفيف (و يَبْشُر المؤمنين)] بما اشتمل عليه من الوعد بالخير عاجلا وآجلا ﴿ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ من الفرائض والنوافل﴿أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ في الدنيا والآخرة .

17:10Page 283

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

١٠ - ﴿وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي : ويبشر، أو: يخبر و ينذر الذين لايؤمنون بالآخرة وأحكامها المبينة في القرآن و ما فيها من بعث و حشر و جزاء على الأعمال ﴿أَعۡتَدۡنَا﴾ أي: أعددنا وهيأنا ﴿لَهُمۡ﴾ يوم القيامة ﴿عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلما موجعا هو عذاب النار.فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة وقد بيّن الأسباب التي تنال بها البشارة وهي الإيمان والعمل الصالح، وضدها الأسباب التي تستحق بها النذارة.وهذه الآية مقابلة لقوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل) فالقرآن يدعو الإنسان إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر العظيم، و يحذر من الشر الذي لا شر وراءه من العذاب الأليم .

17:11Page 283

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

١١ - ﴿وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ﴾ أي: دعاء على نفسه و ولده وأهله وماله عند الغضب والضجر بما لا يحب أن يُستجاب له، كالدعاء بالموت أو الهلاك أو الدمار أو اللعنة و نحو ذلك ﴿دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ﴾ أي : كدعائه ربه بالخير لنفسه و أهله، كطلب السلامة و العافية والرزق و نحو ذلك، فلو استجاب الله دعاءه في الشر كما يستجيب له في الخير لهلك، لكنه سبحانه من لطفه و تفضله ورحمته بعباده يستجيب لهم بالخير ولا يستجيب لهم بالشر، كقوله:(ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم)يونس(١١). ﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا﴾ في دعائه على ما يكره أن يُستجاب له فيه، متسرعا في طلب ما يضره متعاميا عن ضرره ، مطبوعا على العجلة غير ناظر في عواقب ذلك وما هو خير حقيق بالدعاء به وما هو شر جدير بالاستعاذة منه. من العجلة : وهي طلب الشيء قبل أوانه .ويجوز أن يكون المعنى : أن بعض أفراد الإنسان يدعو لنفسه بما هو الشر من العذاب الأليم بلسانه أو بأعماله السيئة المفضية إليه دعاءً كدعائه بالخير لو فُرض أنه دعا به. وفي الحديث : عند مسلم وأبي داود «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم»وفي لفظ «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها» .

17:12Page 283

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢

And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.

١٢ - ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ﴾ أي: علامتين دالتين على عجيب قدرة الله و بديع صنعه، أي: خلقناهما بهيآتهما وتعاقبهما و اختلافهما في الطول والقصر والحرارة والبرودة و الإظلام والإنارة -آيتين دالتين على أن لهما صانعا قادرا حكيما فلا تنبغي العبادة إلا له وحده.﴿فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي : الآية التي هي الليل، أي : جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه ، مظلما لا يظهر فيه شيء لتسكنوا فيه .وقيل : آية الليل هي : القمر، ومحوه: طمس نوره بالظلام ، أي: جعلنا القمر مطموس النور مظلما.﴿وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ﴾ أي : وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة، أو مُبصَرا فيها بالضوء . من قولهم: أبصر النهار: إذا أضاء وصار بحالة يُبصَر فيها .وقيل: آيه النهار هي: الشمس، وكونها مبصرة ، أي: مضيئة منيرة للإبصار .﴿لِّتَبۡتَغُواْ﴾ أي : في النهار ﴿فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ بالكسب في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم وأعمالكم ﴿وَلِتَعۡلَمُواْ﴾ بتعاقب الليل والنهار واختلافهما ﴿عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾ أي: حساب الشهور والأيام للأوقات والآجال المضروبة للعبادات و المعاملات و سائر المصالح و المنافع ، كقوله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)البقرة(١٨٩)، وقوله :(هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا و قدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)يونس(٥). فعلى القول الأول في تفسير آية الليل لا يكون للقمر ذكر في عدد السنين وتكون السنون هي الشمسية، وعلى القول الثاني هي القمرية .﴿وَكُلَّ شَيۡءٖ﴾ مما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم ﴿فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا﴾ أي : بيّناه في القرآن تبيينا بليغا لا لبس فيه ، فلا عذر لكم إن ضللتم بعده ، كقوله : (ما فرطنا في الكتاب من شيء)الأنعام(٣٨).

17:13Page 283

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

١٣ - ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ﴾ مكلف ﴿أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ﴾ أي: عمله الصادر منه باختياره المقدر عليه حسبما قدرنا له من خير و شر و سعادة و شقاوة يحمله ﴿فِي عُنُقِهِۦۖ﴾ .وخص بالذكر لأن اللزوم فيه أشد . و هذا إخبار عن كمال عدله تعالى فكل إنسان يلزمه طائره في عنقه لزوم الطوق في العنق لا ينفك عنه ولا يفارقه. أي : ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازما له لا يتعداه إلى غيره ويجازى عليه فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله.وطائره : هو ما طار عنه من عمله من خير وشر ، فكأن عمله طار إليه من عشّ الغيب و وكْر القدر فلازمه ملازمة لا فكاك فيها. وأصله : أنهم كانو يتفاءلون بزجر الطير وينسبون إليه الخير و الشر فاستعير الطائر لما يشبه ذلك من قدر الله وعمل العبد ، لأنه سبب للخير والشر . ثم سموا نفس الخير و الشر طائرا، تسمية للشيء باسم لازمه.والطائر عند العرب : الحظ ، ويقال له : البخْت. وفي الآية: أن حظ الإنسان معه بصلاح قلبه وفعله أو فسادهما ولا علم للطير بذلك كما كانت العرب تعتقد في جاهليتها . و في الحديث : عند أحمد عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : «لطائر كل إنسان في عنقه».﴿وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا﴾ مكتوبا فيه عمله من خير أو شر . والكتاب: هو صحيفة عمله.[وفي قراءة: بالياء مبنيا للمفعول: (ويُخْرَج له) و في أخرى بالبناء للفاعل:(و يَخْرُج له يوم القيامةكتابا)] ﴿يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ أي: مفتوحا حاضرا، صغيره وكبيره، خيره وشره. [وفي قراءة: بتشديد القاف (يُلقَّاه منشورا)] ويُقال له :

17:14Page 283

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

١٤ - ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ﴾ الذي فيه عملك ﴿كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ أي : محاسبا - كجليس بمعنى: مجالس – أو: حاسبا وعادّا عليه – كصريم بمعنى: صارم – .يقال: حسب عليه كذا يحسبه : إذا عدّه عليه. وهذا أعظم العدل وأكمل الإنصاف أن يقال للعبد: حاسب نفسك بنفسك ليعرف ما له وما عليه من الثواب والعقاب. أو : (حسيبا) أي : شهيدا بما عملت.

17:15Page 283

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.

١٥ - ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ﴾ واتبع الحق ﴿فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ﴾ لأن ثواب اهتدائه وعمله عائد إليه ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ﴾ لأن إثم ضلاله ووباله عائد عليه ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ أي : ولا تحمل نفس ﴿وَازِرَةٞ﴾ أي : آثمة ﴿وِزۡرَ﴾ أي: إثم نفس ﴿أُخۡرَىٰۗ﴾ فلا يحمل أحد ذنب أحد ولا يدفع عنه مثقال ذرة من شر ولا يجني جان إلا على نفسه، و إنما تحمل كل نفس إثم ما باشرته أو تسببت فيه. و الآية كقوله تعالى: (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى)فاطر(١٨). و لا منافاة بين هذا وبين قوله سبحانه: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)العنكبوت(١٣)، وقوله تعالى: (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)النحل(٢٥)، لأن الدعاة إلى الضلالة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم وإثم من أضلوا بدعوتهم، وهذا من عدل الله و رحمته بعباده. وفي الحديث عند مسلم: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل من عمل به إلى يوم القيامة».و الوزر : الحمل و الثقل، و المراد به: الإثم.﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ أحدا من الناس ﴿حَتَّىٰ نَبۡعَثَ﴾ إليهم ﴿رَسُولٗا﴾ يعذر إليهم ويبين لهم ما يجب عليهم من أمور دينهم ودنياهم. والآيه :إخبارٌ عن كمال عدل الله تعالى و أنه لا يعذب أحدا من خلقه إلا بعد قيام الحجة عليه والإعذار إليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله سبحانه: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ٨ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ٩)الملك(٨-٩) وقوله : (وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين)الزمر(٧١) وقوله:(أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير)فاطر(٣٧).فهذه الآيات وغيرها دالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسل إليه و إقامة الحجة عليه والإعذار إليه ببلوغ الدعوة و وصولها إليه واضحة المعالم والأحكام .فائدة فقهيةواستُدل بهذه الآية : على أن أهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة أو الذين بلغتهم الدعوة مشوّهة المعالم والأحكام و كذا المجنون و الأصم والشيخ الخرف و أطفال المشركين لا يعذبهم الله حتى يعذر إليهم ويقيم الحجة عليهم لأنه تعالى منزه عن الظلم. واختلف في هؤلاء على أقوال: أما أولاد المشركين: فعلى أقوال خمسة : الأول: أنهم في الجنة، واستدلوا: بحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري : أنه ﷺ قال في جملة حديث المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: «هذا إبراهيم عليه السلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين فقالو: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال : نعم وأولاد المشركين».و بحديث سمرة أيضا عند الحافظ البرقاني في «المستخرج على البخاري» عن النبي ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال: و أولاد المشركين» . و بحديث أبي رجاء عن سمرة عند الطبراني قال : سألْنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال : «هم خدم أهل الجنة» .الثاني: أنهم مع آبائهم في النار، واستدلوا :بحديث البراء بن عازب عند أبي يعلى الموصلي قال: سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين فقال:«هم مع آبائهم» وسئل عن أولاد المشركين فقال: «هم مع آبائهم» فقيل :يا رسول الله ما يعملون؟ قال: «الله أعلم بهم».و بحديث عبدالله بن أبي قيس أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت: قال رسول الله ﷺ:«هم تبع لآبائهم» فقلت: يا رسول الله بلا أعمال ؟ فقال :«الله أعلم بما كانوا عاملين». أخرجه أحمد في مسنده.الثالث: التوقف فيهم ، واستدلوا :بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» و في رواية في الصحيحين : قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا؟قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . فاعتمدوا في التوقف فيهم على قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين».و بما رواه أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال : «ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام».وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ ، عن الله عز وجل أنه قال : «إني خلقت عبادي حنفاء».وبما أخرجه أحمد عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثني عمي قال: قلت : يا رسول الله من في الجنة ؟ قال:«النبي في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والمولود في الجنة، و الوئيد في الجنة» .الرابع: ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف ، و هذا القول يرجع إلى أهل القول الأول الذين ذهبوا إلى أنهم من أهل الجنة ، لأن الأعراف ليست بدار قرار، و مآل أهلها إلى الجنة ، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف .الخامس: ومنهم من ذهب إلى أنهم يُمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة ، و انكشف علم الله فيه بسابق السعادة ، و من عصى دخل النار، و انكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .قلت: و الراجح عندي من هذه الأقوال : أولها، وأنهم في الجنة، لما تقدم من حديث سمرة في صحيح البخاري و غيره .و أما أولاد المؤمنين :فلا خلاف بين العلماء أنهم من أهل الجنة، لحديث: «ذراري المسلمين في الجنة». ولحديث: أنه سئل عن أطفال المسلمين فقال:«هم مع آبائهم» أي: في الجنة .و أما أهل الفترة و من في حكمهم، كالمجنون والأصم والشيخ الخرف الهرم ومن بلغته الدعوة ممسوخة المعالم: فإنهم يُختبرون في عرصات القيامة ، فمن أطاع دخل الجنة، و من عصى وأبى دخل النار و انكشف فيه علم الله بسابق السعادة أو الشقاوة . واستدل على ذلك :بما رواه أحمد عن الأسود ابن سريع : أن رسول الله ﷺ قال:«أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، و رجل هرم ، و رجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول : رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، و أما الأحمق فيقول: رب ، قد جاء الإسلام و الصبيان يحذفونني بالبعر ، و أما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، و أما الذي مات في الفترة ، فيقول: ربّ، ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده ، لو دخلوها، لكانت عليهم برداً و سلاماً» .و بما أخرجه الحافظ البزار في مسنده عن ثوْبان ، أن النبي ﷺ عظّم شأن المسألة، قال: «إذا كان يوم القيامة ، جاء أهل الجاهلية ، يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ، فيقولون : ربنا لم تُرسل إلينا رسولاً ، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا، لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون ، حتى إذا دنوا منها ، وجدوا لها تغيظاً وزفيراً، فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أخرجنا ، أو آجرنا منها ، فيقول لهم : ألم تزعموا أنّي إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها، فينطلقون، حتى اذا رأوها فرقوا منها و رجعوا وقالوا : ربنا فرقنا منها و لا نستطيع أن ندخلها ، فيقول: ادخلوها داخرين. فقال رسول الله ﷺ : لو دخلوها أول مرة ، كانت عليهم بردا وسلاما».وقد ذكر ابن عبد البرّ أن أحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجّة ، و أهل العلم يُنكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل و ابتلاء ، فكيف يكلّفون دخول النار و ليس ذلك في وسعهم ، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها . و يجاب عنه : بأن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، و منها هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن . و إذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة و الدليل عند الناظر فيها .و أما قوله :«إن الدار الآخرة دار جزاء» فلا يُنافي التكليف في عرصاتها، قبل دخول الجنة أو النار:فقد قال الله سبحانه و تعالى:(يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود)القلم(٤٢). وقد ثبت في الصّحاح و غيرها : أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، و أن المنافق لا يستطيع ذلك و يعود ظهره كالصفيحة الواحدة ، طبقاً واحداً ، كلّما أراد السجود ، خرّ لقفاه . و في الصحيحين أيضا : في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها ، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، و يتكرر ذلك مراراً . ويقول الله :«يا ابن آدم ما أغدرك ثم يأذن له في دخول الجنة» .و أما قوله:«فكيف يكلفهم الله دخول النار و ليس ذلك في وسعهم» فليس هذا بمانع من صحة الحديث: فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف ، و أدقّ من الشعرة و يمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق و كالريح و كأجاويد الخيل و الركاب ، ومنهم الساعي و منهم الماشي ومنهم من يحبو حبواً ومنهم المكدوش على وجهه في النار. فليس ما ورد في الأحاديث من الاختبار في عرصات يوم القيامة بأعظم من المرور على الصراط .وأيضا: فقد ثبتت السنة بأن الدّجال يكون معه جنة و نار ، فمن عصاه من المؤمنين بأمر الشارع لهم دخل ناره فكانت عليه بردا و سلاما، فهذا نظير ما تقدم من الأحاديث .وأيضا فإن الله عز وجل أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم عقوبة لهم على عبادتهم العجل، ففعلوا وهو شاق على النفوس ولا يتقاصرعما ورد من أحاديث الاختبار في العرصات.(عن ابن كثير بتصرّف).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском