Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
١ - ﴿لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: أُقسم بيوم القيامة الذي يُبعث فيه الخلق للجزاء على الأعمال.و«لا» استفتاحية للاستفتاح و الاهتمام بما بعدها، كما في قوله تعالى: (لئلاّ يعلم أهل الكتاب)الحديد(٢٩)، وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون)النساء(٦٥)، وقولهم: لا وأبيك، إذ لا فرق بين مجيئها أول الكلام أو وسطه.وقيل: هي نفيٌ وردٌّ لكلام مضى من المشركين، حيث أنكروا البعث والجزاء، فكأنه قيل: (لا)، أي: ليس الأمر كما زعموا، ثم قيل: (أقسم بيوم القيامة) الذي يُبعث الخلق فيه للجزاء.وقيل: إن المقسم عليه – وهو إثبات المعاد - إذا كان منتفياً، جاز الإتيان ب «لا» قبل القسم، لتأكيد النّفي. وإقسامه تعالى بيوم القيامة: لتعظيم شأنه، وتفخيم أمره، ولله أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته.
75:2Page 577
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
٢ - ﴿وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ أي: وأقسم بالنّفس اللّوامة التي تلوم صاحبها على ما فات، وتندم على الشرّ، لِـمَ فعلته! وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه! فهي على الدّوام لائمة لأصحابها. وهي إمّا نفس المؤمن، أو جميع النفوس الخيّرة والفاجرة.وسمّيت لوّامة: لكثرة تلوّنها وتردّدها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، أو لأنها تلوم صاحبها على الدّوام.و «لا» هنا للاستفتاح، أو لنفي كلام مضى من المشركين – كما تقدّم –وجواب القسم محذوف، لدلالة ما بعده عليه، أي: لتبعثنّ وتحاسبنّ على ما عملتم.
75:3Page 577
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
٣ - ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ﴾ أي: أيظنّ الإنسان ﴿أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ﴾ بعد التفرّق والبلى للبعث والإحياء؟ استفهام تقريع وتوبيخ.والمراد بالإنسان: جنسه، أو الكافر المنكر للبعث.وخصّ العظام بالذكر، لأنها قالب الخلق وعماد البدن.
75:4Page 577
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
٤ - ﴿بَلَىٰ﴾ نجمعها، ونؤلّف بينها، ونردّها إلى أماكنها من الجسم كما كانت، بعد تفرّقها وصيرورتها رميماً ورفاتاً حيثما كانت ﴿قَٰدِرِينَ﴾ حال من فاعل الفعل المقدّر بعد «بلى»، أي: نجمعها حال كوننا قادرين ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ﴾ أي: أطراف أصابعه، فنجعلها مستوية الخَلْق، وهذا مستلزم لخلق جميع أجزاء البدن وأعضائه.يقال: سوّى الشيء: إذا جعله سويّا، أي: مستوياً. والبنان: الأصابع أو الأنامل، جمع بنانة، ويقال لكلّ مفصل منها: بنانة.أو: قادرين على أن نجعل أصابعه أو أنامله أو أطرافهما بعد جمعها وتأليفها خلقاً سويّاً كما كانت قبل الموت.وخُصّ البنان بالذّكر، لأنها آخر ما يتمّ به الخلق، فذكرها يدلّ على تمام خلْق سائر الأعضاء.أو: قادرين على أن نسوّي ونضمّ سُلاميّاته، مع صغرها ولطافتها، كما كانت في الحياة الأولى، فكيف بالعظام الكبار؟وفي الآية إشارة وتنبيه على أن بنان كلّ إنسان يختلف عن بنان غيره في تخطيط بصمتها، وأنه لو شاء تعالى لجعلها متوافقة.
٥ - ﴿بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ﴾ أي: بل أيريد الإنسان أن يمضي قُدماً في الفجور فيما بين يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزّمان، ويدوم عليه، فيُقدّم الذّنب، ويؤخّر التوبة؟أو: يريد أن يفجر ما امتدّ به العمر، ولا يذكر الموت، لا يثنيه عن فجوره شيء، ولا يتوب منه!ومن ذلك: إنكاره البعث، وسؤاله عنه سؤال استهزاء واستبعاد!والفجور: تعمّد الكذب.
٦ - ﴿يَسۡـَٔلُ﴾ أي: هذا الإنسان ﴿أَيَّانَ﴾ أي: متى ﴿يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾؟ سؤال استهزاء واستبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده. ثم ذكر أحوال القيامة، فقال:
٧ - ﴿فَإِذَا بَرِقَ﴾ – بكسر الراء وفتحها، قراءتان - ﴿ٱلۡبَصَرُ﴾ أي: تحيّر فزعاً ودهشاً، أو شخص وزاغ من رؤية ما كان يكذّبه. وهما لغتان بمعنىً واحد، وأصله: من بَرِق الرجل – كِفَرح ونَصَر -: إذا نظر إلى البرق فدهِشَ ولم يُبصر. وقيل: - المفتوح – من البريق، أي: لمع البصر من شدّة شخوصه للموت أو للبعث أو لأهوال يوم القيامة.
٨ - ﴿وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ﴾ أي: أظلم وذهب ضَوْؤُه.
٩ - ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ﴾ أي: قُرن بينهما في الطّلوع من الغرب. أو: ذهب ضوؤهما جميعاً، وذلك في يوم القيامة.
75:10Page 577
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
١٠ - ﴿يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ تقع هذه الأمور، وهو يوم القيامة:﴿أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ﴾ أي: الفرار و المهرب من الله، أو من العذاب؟ يسأل الخلاص والفكاك في ذلك اليوم.
١١ - ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجْر عن طلب المفرّ وتمنّيه ﴿لَا وَزَرَ﴾ أي: لا ملجأ ولا منجى لكم من الله.وأصله: الجبل المنيع، من الوِزْر وهو الثِّقْل، ثم شاع وصار حقيقة لكلّ ملجأ من جبل أو حصن أو غيرهما.وهذه الآية كقوله: (ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير)الشورى(٤٧) أي: مكان تتنكّرون فيه.
75:12Page 577
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
١٢ - ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ﴾ أي: المرجع والمنتهى والمصير.أو: استقرار أمرهم والحكم فيهم.أي: فإليه تعالى مستقرّ الخلائق، حيث يحاسبون ويجازون، ثم يقرّهم مقارّهم، إمّا في الجنة، أو في النّار.
75:13Page 577
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
١٣ - ﴿يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ في الدنيا، أي: يُخبر بجميع عمله، أوّله وآخره. أو: بما عمل من عمل يوجب نجاته وثوابه، وما ترك من عمل ففرّط وقصّر فيه.أو: بما قدّم قبل موته من عمل صالح أو سيّىء، وما أخّر – أي: ترك - من سنّة حسنة أو سيئة يُعمل بها بعد موته، فكأنه وقع منه.والآية كقوله سبحانه وتعالى:(ووجدوا ما عملوا حاضراً)الكهف(٤٩).
75:14Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
١٤ -﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ﴾ أي: حجّة بيّنة على نفسه، شاهدة بما كان منه من الأعمال السيئة. أو: بل جوارحه على نفسه بصيرة شاهدة. أو عين بصيرة على نفسه.وقيل: هاء (بصيرة) للمبالغة، أي: الإنسان على نفسه شاهد، تنطق جوارحه بعمله، يعرف حقيقة ما هو عليه من إيمان أو كفر، وطاعة أو معصية، واستقامة أو اعوجاج.
١٥ - ﴿وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ أي: ولو أدلى بأية حجّة أو جاء بكل عُذر، يعتذر بها عن نفسه، ويدافع بها عنها – لم ينفعه ذلك، ولم يُقبل منه.وهو كقوله تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم )غافر(٥٢).جمع معذرة، بمعنى: العُذْر، وهو تحرّي الإنسان ما يمحو به ذنوبه.بل يُقرّر الإنسان بعمله، فيُقرّ به، كما قال تعالى:(اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)الإسراء(١٤).
75:16Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
١٦ - سبب نزول الآية:أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُنزل عليه الوحي يحرّك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) الآية.وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدّة فكان يحرّك شفتيه، فأنزل الله: (لا تحرك به لسانك) الآية. ورواه البخاري ومسلم بنحوه.﴿لَا تُحَرِّكۡ﴾ يا محمد ﴿بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن، قبل فراغ جبريل منه﴿لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ﴾ أي: لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلّت منك، تريد بذلك أن تحفظه.كما قال تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه)طه(١١٤).
75:17Page 577
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
١٧ - ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ﴾ في صدرك وإثبات حفظه في قلبك، بحيث لا يذهب عنك شيء منه.﴿وَقُرۡءَانَهُۥ﴾ أي: و إثبات قراءته على لسانك، بحيث تقرؤه متى شئت، فلا تنسى.و(قرآن): مصدر كغفران بمعنى: القراءة، مضاف إلى المفعول بتقدير مضاف.
75:18Page 577
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
١٨ - ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ﴾ أي: أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام المبلّغ عنّا ﴿فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾ أي: فاتّبع بذهنك قراءته، أو: فاستمع وأنصت إلى قراءته، حتى يرسخ في قلبك، ثم اقرأ. فكان ﷺ يستمع لجبريل، ثم يقرأ. أو: فاعمل بما فيه.
١٩ - ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ أي: بيان وتفسير ما أشكل من معانيه وأحكامه، وتبيين حلاله وحرامه.أو: أن نبيّنه على لسانك. فكان ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل بالوحي، أنصت واستمع، فإذا ذهب عنه، قرأه، كما وعده الله، وكما أقرأه جبريل عليه السلام.وفي الآيات بيان الحالات التي تكفّل الله لرسوله ﷺ تحقيقها بعد استماعه الوحي وإنصاته له، وهي: جمعه في صدره. قراءته كما أقرأه المَلَك. بيانه وتفسيره وإيضاح معناه.وفيها: أن الله وعده بحفظ لفظه، وحفظ معانيه، وأن النبي ﷺ كما بيّن للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بيّن لهم معانيه.وأما المناسبة بين هذه الآيات وما قبلها: أن تلك تضمّنت الإعراض عن آيات الله، وهذه تضمّنت المبادرة إليها بحفظها. قاله الجلال المحليّ.
٢٠ - ﴿كَلَّا﴾ للردع عن العجلة، والترغيب في الأناة، أو استفتاح بمعنى: ألا، أو حقّا ﴿بَلۡ تُحِبُّونَ﴾ – بالتاء والياء، قراءتان - ﴿ٱلۡعَاجِلَةَ﴾ أي: الدنيا.
٢١ - ﴿وَتَذَرُونَ﴾ – بالتاء والياء، قراءتان – ﴿ٱلۡأٓخِرَةَ﴾ تنسونها فلا تعملون لها.والمعنى: بل أنتم أيها الناس، لأنكم خُلقتم من عجل وجُبلتم عليه، تعجلون في كلّ شيء، ولذا تحبّون العاجلة، وتذرون الآخرة. أو: إن الذي دعاكم إلى إنكار البعث والجزاء، إنما هو محبّتكم الدنيا العاجلة، وإيثاركم لشهواتها على آجل الآخرة ونعيمها، فأنتم تؤثرون العاجلة بالعمل لها، وتذرون الآخرة، فلا تعملون لها.
٢٢ - ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: في يوم القيامة ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ أي: حسنة بهيّة مشرقة متهلّلة، أو ناعمة غضة جميلة مسرورة من النعيم والغبطة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين. من النّضرة: وهي الحُسْن.
٢٣ - ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ﴾ يوم القيامة، تراه عياناً بلا حجاب ولا حصرٍ وإحاطة، كما روى البخاري في صحيحه: «إنكم سترون ربكم عياناً».وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عزّ وجلّ في الدار الآخرة في الأحاديث الصّحاح:ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن ناساً قالوا: هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال ﷺ: «هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ » قالوا: لا، قال: «إنكم ترون ربكم كذلك».وفي الصحيحين أيضا عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر.. » الحديث.وفيهما عن أبي موسى الأشعري، وفيه: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله عزّ وجلّ إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن» الحديث. وعند مسلم من حديث صهيب، وفيه: «فيكشف الحجاب – أي: عن وجهه الكريم – فما أُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربّهم» الحديث. وعند أحمد والترمذي من حديث ابن عمر، وفيه: «وإن أفضلهم منزلة، لينظر في وجه الله كلّ يوم مرّتين» الحديث.
٢٤ - ﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ﴾ أي: كالحة شديدة الكلوحة والعبوس. أو متغيّرة مسودّة، وهي وجوه الكفّار، وذلك قبل الانتهاء بها إلى النّار. من البَسْر بمعنى: الكلوح في الوجه، أو الاستعجال بالشيء قبل أوانه.
75:25Page 578
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥
Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.
٢٥ -﴿تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ﴾ أي: تُوقن أو تتوقّع تلك الوجوه – والمراد: أصحابها - أن يُفعل بها فِعْلٌ هو في شدّته وفظاعته، داهية عظيمة، تقصم فقار الظّهر.يقال: فَقَرتْهُ الفاقرة: أي: كسرت الداهية فقار ظهره.وأصل الفَقْر: الوسْم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم، أو ما يقرب منه.
75:26Page 578
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
٢٦ - ﴿كَلَّآ﴾ ردع وزجْر عن إيثار العاجلة، كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك! وتنبّهوا للموت الذي تنقطع عنده العاجلة، وتنتقلون به إلى الآجلة. أو: هي استفتاح بمعنى: ألا، أو: حقّا ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾ الروح أو النفس ﴿ٱلتَّرَاقِيَ﴾ أي: أعالي الصّدر، وهي العظام المكتنفة ثُغرة النّحر عن يمين وشمال، بينها وبين العاتق، وهي موضع الحَشْرجَةَ.جمع تَرْقُوة، وهو كناية عن الإشفاء على الموت، كقوله: (فلولا إذا بلغت الحلقوم)الواقعة(٨٣).وجواب «إذا» محذوف،تقديره: وجد الإنسان ما عمله من خير أو شرّ، أو: انكشفت له حقيقة الأمر.
٢٧ - ﴿وَقِيلَ﴾ أي: قال من حضر صاحب تلك الرّوح التي بلغت التراقي: ﴿مَنۡۜ رَاقٖ﴾ يرقيه ليشفى؟أي: هل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه؟ وينجيه ممّا هو فيه برُقيته ودوائه؟من الرُّقيْة، وأصلها: ما يستشفي به الملسوع والمريض من القول الذي يُظنّ أنه نافع في ذلك. والمراد: من يطبُّه بالقول أو بالفعل حتى ينجو؟وهو استفهام استبعاد وإنكار، أي: قد بلغ حدّاً لا يستطيع معه أحد أن ينجيه من الموت.
75:28Page 578
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
٢٨ - ﴿وَظَنَّ﴾ أي: أيقن أو توقّع ذلك المحتضَر الذي بلغت روحه التراقي ﴿أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ﴾ أي: أنه الموت الذي يفارق به الدنيا ونعيمها، أو تفارق فيه الروحُ الجسد. وسُمّي اليقين ظنّا، لأن الإنسان ما دامت روحه متعلّقة ببدنه، فإنه يطمع في الحياة، ولا ينقطع رجاؤه منها، لشدّة حبّه لها.
٢٩ - ﴿وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾ أي: التوت أو التصقت ساقه بساقه عند نزول الموت به، أو يبستا ولم تتحرّكا بالموت، فكأنهما ملتفتان.أو: هو كناية عن الشدّة، أي: التفّت شدّة فراق الدنيا، بشدّة إقبال الآخرة.والعرب لا تذكر الساق إلاّ في المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق، أو شمّر عن ساقه، لكل أمر اشتدّ.
75:30Page 578
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
٣٠ - ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ﴾ أي: السّوْق، سَوْق العباد للحساب والجزاء، أو المرجع والمآب، فإن الأرواح تُساق بعد قبضها من الأجساد إلى خالقها جلّ وعلا. أو: إلى حكم الله تعالى سَوْقُه، لا إلى غيره. مصدر ميمّي كالمقال.والمعنى: إذا بلغت النفس الحلقوم تساق إلى ربّها، أو إلى حكمه.
75:31Page 578
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١
And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.
٣١ - ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ أي: ذلك الإنسان الذي حسب أن لن نجمع عظامه، أي: فلا صدّق بما يجب عليه التصديق به، ولا صلّى ما فُرض عليه.والجملة معطوفة على قوله: (يسأل أيّان يوم القيامة) أي: يسأل عنه، وما استعدّ له بما يجب عليه، بل بما يوجب دماره وهلاكه، ولذا قال:
٣٢ - ﴿وَلَٰكِن كَذَّبَ﴾ بالحقّ والقـرآن والرسول ﴿وَتَوَلَّىٰ﴾ معرضاً عن الطاعة والإيمان.
75:33Page 578
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣
And then he went to his people, swaggering [in pride].
٣٣ - ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ﴾ أي: يتبختر ويختال في مشيته، افتخاراً بذلك وإعجاباً.من المطّ بمعنى: المدّ، وأصله: يتمطّط، قُلبت فيه الطاء حرف علّة، كما قالوا: تظنّ من الظنّ، وأصله: تظنّن، أطلق على التبختر، لأن المتبختر يمدّ خطاه.أو: يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق. والآية كقوله سبحانه: (إنه كان في أهله مسروراً)الإنشقاق(١٣) وقوله تعالى: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين)المطففين(٣١).
٣٤ - ﴿أَوۡلَىٰ لَكَ﴾ كلمة دعاء وتهديد، أي: قاربك ما يُهلكك، أو: نزل بك، أو وَليك الويل.وأصله: أولاك الله ما تكرهه، أي: وليك ما تكره.﴿فَأَوۡلَىٰ﴾ أي: فهو أوْلى بك من غيرك. والجملة الأولى: للدعاء عليه بقرب المكروه، والثانية: للدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره.
٣٥ - ﴿ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ ﴾ كرّره للتأكيد، وإفادة تكرار ذلك عليك مرّة بعد مرّة.أخرج النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (أوْلى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى): قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل، ثمّ أنزله الله عزّ وجل.
75:36Page 578
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦
Does man think that he will be left neglected?1
٣٦ - ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى﴾ أي: أيظنّ أن يترك مهملاً، فلا يكلّف ولا يُجزى؟ ولا يُؤمر ولا يُنهى؟ أو: أن يُترك في قبره، فلا يُبعث؟يقال: إبل سُدىً، أي: مهملة بلا راع. وأسدى الشيء: أهمله.والاستفهام إنكاريّ، أي: لا يحسب ذلك، بل هو مأمور منهيّ في الدنيا، محشور إلى الله في الآخرة.
75:37Page 578
أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧
Had he not been a sperm from semen emitted?
٣٧ - ﴿أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ﴾ أي: كيف يحسب ذلك، ويجحد قدرتنا على بعثه؟ وقد كان ذلك الإنسان قطرة ﴿مِّن مَّنِيّٖ﴾ أي: من ماء ضعيف مهين ﴿يُمۡنَىٰ﴾ – بالياء والتاء، قراءتان – أي: يصبّ في الرحم ويراق فيه؟
75:38Page 578
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨
Then he was a clinging clot, and [Allāh] created [his form] and proportioned [him]
٣٨ - ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ﴾ أي: كان بعد النطفة قطعة دم متجمّد ﴿فَخَلَقَ﴾ الله منها الإنسان بأن جعلها مضغة مخلّقة﴿فَسَوَّىٰ﴾ أي: فسوّاه الله بقدرته تسوية، وعدّله تعديلاً، وكمّل نشأته بنفخ الروح فيه، بعد تصويره في أحسن صورة.
75:39Page 578
فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣٩
And made of him two mates, the male and the female.
٣٩ - ﴿فَجَعَلَ مِنۡهُ﴾ أي: من المنيّ بعد تخليقه، والذي صار علقة، أي: قطعة دم، ثم مضغة، أي: قطعة لحم مخلّقة ﴿ٱلزَّوۡجَيۡنِ﴾ أي: الصنفين أو النوعين من جنس الإنسان ﴿ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ﴾ بدلٌ من (الزوجين).أي: الرجل والمرأة، بإذن الله تعالى وتقديره؟
75:40Page 578
أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ ٤٠
Is not that [Creator] Able to give life to the dead?
٤٠ - ﴿أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ﴾ أي: الفعّال لهذه الأشياء، الذي أنشأ هذا الخلق، وأبدعه وقدر عليه ﴿بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ ويبعثهم نشأة أخرى، كما بدأهم؟ بلى.و الآية كقوله سبحانه: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧).أخرج أبو داود، وأحمد والترمذي بنحوه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ منكم: (لا أقسم بيوم القيامة) فانتهى إلى قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) فليقل: بلى».وفيه: «من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها (أليس الله بأحكم الحاكمين) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ (والمرسلات) فبلغ: (فبأي حديث بعده يؤمنون) فليقل: آمنا بالله». انتهى تفسير سورة القيامة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences