Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الأنفال
Al-Anfal
The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs
8:1Page 177
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١
They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.
١ - أسباب نزول الآية: روى أبو داود والنسائي وابن مردويه وابن حبان والحاكم في «مستدركه»، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ:«من قتل قتيلاً، فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً، فله كذا وكذا»، فأما المشيخة، فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان، فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنا كنا لكم ردءاً - أي: عوناً - ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فنزلت: (يسألونك عن الأنفال) الآية. وفي لفظ ابن مردويه :«فلما كانت الغنائم، جاءوا - أي: الشيوخ- يطلبون الذي جُعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءاً لكم، لو انكشفتم، لفئتم إلينا - وفي رواية: لثُبتم إلينا - فتنازعوا». فأنزل الله الآية. وروى أحمد في«مسنده»عن عبادة بن الصامت قال:«خرجنا مع رسول الله ﷺ، فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر، يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به. فنزلت الآية: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين». وأخرجه - أيضاً - الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وروى أحمد في«مسنده»، وأبو داود والترمذي والنسائي بنحوه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، قُتل أخي، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، فأتيت به النبي ﷺ، فقال:«اذهب، فاطرحه في القبض»، قال: فرجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي، وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيراً، حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ:«اذهب، فخذ سلبك - وفي رواية: سيفك». ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ﴾ أي: عن الغنائم ما حكمها، حين تنازعوا في قسمتها؟ أي: كيف تُقسم، وعلى من تُقسم؟ ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ﴾ يحكمان فيها بما شاءا ويجعلانها أو يضعانها حيث أرادا، فحكم الأنفال مختص بهما، مفوض إليهما أمرها، يقسمها بينكم رسول الله ﷺ عن أمر الله سبحانه، وليس لكم حكم في ذلك، وقد قسمها ﷺ بينهم - في بدر - على السواء، ووهب من استوهبه. والأنفال: الغنائم، وهي: الأموال المأخوذة من الكفار قهراً بقتال. جمع نَفَل، وأصله: الزيادة عن الواجب. تقول: نفلتك وأنفلتك، أي: زدتك. وفي«لسان العرب»: كل إحسان فعله فاعل تفضلاً من غير أن يجب ذلك عليه. وسُميت أنفالاً: لأنها زيادة خص الله تعالى بها هذه الأمة، تفضلاً منه عليهم، بعد أن كانت محرمة على من قبلهم من الأمم. ويشهد لهذا ما في الصحيحين من حديث جابر مرفوعا:«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي»وفيها:«وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي».فائدةواختُلف في الأنفال: ما هي؟ على أقوال: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن الأنفال هي: الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً بقتال. الثاني: وذهب كثير من الفقهاء: إلى أن الأنفال هي: ما ينفله الإمام لبعض الأفراد من سَلَب أو نحوه. بعد قسم أصل المغنم. وإليه ذهب ابن عباس في تفسير النفل.و يدل له قوله في الحديث:«من قتل قتيلا فله سلبه»و هذا النفل زيادة عن سهمه في الغنيمة. الثالث: وذهب عطاء: إلى أن الأنفال: ما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة، أو عبد، أو أمة، أو متاع، فهو نفل للنبي ﷺ، يصنع به ما يشاء. الرابع: قال ابن جرير الطبري: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، ومعنى هذا: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادةً على قسمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي. واختار ابن جرير: أنها الزيادة على القسم، واستدل له: بحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد في«مسنده»، وقد تقدم في أسباب النزول. والحق: ما ذهب إليه الجمهور من أن الأنفال: أصلها: جماع الغنائم، إلا أن الخُمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب في قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين و ابن السبيل)الأنفال(٤١). وجرت به السنة. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في كل أموركم وأحوالكم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ﴾ أي: حقيقة ما بينكم، بالمودة والمصافاة وترك النزاع والخصام. أو: راعوا أحوالاً تحقق اتصالكم، وهي: ما يقتضيه كمال الإيمان من المودة والمصافاة، فاحرصوا عليها. أو: راعوا أحوالاً توجب فرقتكم، من التشاحن والتدابر والتخاصم والتقاطع، فاجتنبوها. و«ذات»: كلمة بمعنى: صاحبة، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر، كذات الصدور، وذات الشوكة. و«البيْن»: يطلق على الوصلة، وعلى الفرقة. ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ في قسْمه بينكم على ما أراده الله وأمره به من العدل والإنصاف ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ حقاً، كاملي الإيمان، فإن الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله. وفي الآية: تهييج لهم على التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله في كل أمر ونهي، فإن الإيمان لا يتم إلا بهذه الثلاثة، ولذلك كانت الطاعة علامةً على صدق الإيمان.وفي الحديث: عند الحافظ أبي يعلى الموصلي في «مسنده»عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ حدثهم عن رجلين من أمته جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله تعالى:«أعط أخاك مظلمته»قال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء، قال - أي: الطالب-: رب، فليحمل عني من أوزاري، فقال الله تعالى للطالب:«ارفع بصرك وانظر في الجنان»فرفع رأسه، فإذا به يرى مدائن من فضة، وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ، فقال الطالب: لأي نبي هذا؟ لأي صدّيق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال الله تعالى:«هذا لمن أعطى ثمنه»قال: رب، ومن يملك ثمنه؟ قال:«أنت تملكه»، قال: ماذا يا رب؟ قال:«تعفو عن أخيك»، قال: يا رب، فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى:«خذ بيد أخيك، فادخلا الجنة». ثم قال رسول الله ﷺ:«فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة». ثم وصف الله كاملي الإيمان بالصفات الخمس الآتية، ترغيباً للسائلين في الاتصاف بها، فقال:
8:2Page 177
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢
The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -
٢ - ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ الكاملون الإيمان، المخلصون في إيمانهم. والألف واللام: للاستغراق لجميع شرائع الإيمان. ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾ أي: خافت، وفزعت، ورقّت، استعظاماً وهيبة لجلاله وعزة سلطانه، وخشية منه، وحذراً من عقابه. والوجل: استشعار الخوف. يقال: وَجِل وَجَلاً فهو وَجِل: إذا خاف. فصفة المؤمن الحق: أنه إذا ذُكر الله عنده، أو سمع ذكر الله، وجل قلبه، وامتلأ خشية من ربه، ففعل أوامره، وترك زواجره، كقوله: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)آل عمران(١٣٥). ﴿وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ﴾ أي: حججه، وهي القرآن ﴿زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا﴾ أي: زادتهم تلاوتها تصديقاً ويقيناً، بتدبرها والتأمل في معانيها. ولكن التصديق لا شك في تفاوته بين تصديق الأنبياء وآحاد الناس، واليقين كذلك متفاوت بين مراتب علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين. ومثله قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون)التوبة(١٢٤). وفي الآية: دليل على ما ذهب إليه أهل السّنة والجماعة، من زيادة الإيمان ونقصانه في القلوب، فيزيد بطاعة الله، وينقص بضدّها. ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ﴾ وحده، لا شريك له ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ حقّ التّوكل، أي: يعتمدون عليه وحده في جلب مصالحهم ودفع مضارّهم، فيفوضون أمورهم كلّها إليه، فلا يرجون غيره، ولا يثقون إلا به، ولا يطلبون إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه. فالتوكل على الله- كما قال سعيد بن جبير- جماع الإيمان كلّه. ولكن هذا بعد الأخذ بالأسباب والعمل على حسب الطاقة والاستطاعة. ثمّ ذكر أعمالهم بعد ما ذكر اعتقادهم، فقال:
8:3Page 177
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.
٣ - ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة، أي: يأتون بها و بحقوقها كاملة، من المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطّهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وكمال الخشوع فيها. ﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ في طاعة الله، من النفقات الواجبة، كإخراج الزكاة، والكفارات، والنّفقة على الأهل والأقارب، والمستحبة، كالصّدقات في جميع وجوه البرّ والخير.
8:4Page 177
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.
٤ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتصفون بتلك الصّفات ﴿هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ الكاملون الإيمان، البالغون فيه أعلى درجاته وأقصى غاياته، ﴿حَقّٗاۚ﴾ أي: صدقا ثابتاً لا ريب فيه ولا شك في إيمانهم. أو:(هم المؤمنون) إيمانا (حقا) ثابتا صدقا، وهو الإيمان الكامل، لأنّهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، وبين الأعمال الباطنة- وهي أعمال القلوب- والظاهرة- وهي: أعمال الجوارح- وبين العلم والعمل، وبين أداء حقوق الله، وحقوق عباده. وقدّم أعمال القلوب على أعمال الجوارح، لأنّها أصل لها. أخرج الحافظ الطبراني، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنّه مرّ برسول الله ﷺ، فقال له:«كيف أصبحت يا حارث؟»قال: أصبحت مؤمناً حقّاً، قال:«انظر ما تقول، فإنّ لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي بارزاً، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وكأنّي أنظر إلى أهل النّار يتضاغون فيها- أي: يرفعون أصواتهم بالصراخ والعويل- فقال:«يا حارث، قد عرفت، فالْزم». ﴿لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ﴾ أي: منازل ومقامات عالية ومراتب رفيعة في الجنّة ﴿عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ وهي منازل خير وكرامة وشرف، بعضها فوق بعض بحسب علوّ إيمانهم وأعمالهم. وفي كونها عنده سبحانه، زيادة تشريف لهم وتكريم، وتعظيم، وتفخيم، كقوله: (هم درجات عند الله)آل عمران(١٦٣). ﴿وَمَغۡفِرَةٞ﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ وهو ما أعدّ الله لهم في دار كرامته من النّعيم، ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي الصّحيحين: أن رسول الله ﷺ قال:«إنّ أهل عليّين، ليراهم مَنْ أسفل منهم، كما ترون الكوكب الغائر في أفق من آفاق السّماء، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟ قال: بلى، رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين». وأخرج أحمد وأهل السّنن عن أبي سعيد الخدري، مرفوعاً:«إن أهل الجنّة ليتراءون أهل الدرجات العلى، كما تراءون الكوكب الغائر في أفق السّماء».
8:5Page 177
كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥
[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,
٥ - سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي أيوب الأنصاري، قال:«قال لنا رسول الله ﷺ، ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت:«ما ترون فيها، لعل الله يغنمناها، ويسلمنا»، فخرجنا، فسرنا يوماً أو يومين، فقال:«ما ترون فيهم؟»فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما أُخرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون)المائدة(٢٤). فأنزل الله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)». وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه. ﴿كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿مِنۢ بَيۡتِكَ﴾ بالمدينة للقاء المشركين في بدر، متلبساً ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ الذي يحبه الله ويرضاه، وقد قدّره وقضاه، وبالحكمة وصواب الرأي. والمعنى: حالُ بعض أهل بدر في كراهة قسمة الأنفال بالسوية، مثلُ حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال، مع ما في هذه القسمة والقتال من الخير الذي أراده الله وقدّره. فالكاف في قوله :«كما» بمعنى: «مثل»، خبر لمبتدأ محذوف، وهو المشبَّه، والمذكور في الآية: من إخراجه ﷺ إلى بدر: هو المشبَّه به، و وجه الشبه: مطلق الكراهة، وما ترتب على كل من المكروهيْن من الخير والمصلحة والنصر والفتح الذي قدره الله للمؤمنين. ﴿وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ﴾ الخروج إلى القتال، و ملاقاة العدوّ و طلب المشركين. فقسمة الأنفال في حال كراهتهم لها، مثلُ إخراجك إلى بدر وقتال المشركين، في حال كراهتهم له. وقد كان عاقبة الخروج إلى القتال على غير ميعاد، هدىً ورشداً، ونصراً وفتحاً، فكذلك عاقبة قسم الغنائم أيضاً. وذلك: أن أبا سفيان، قدم بعير لقريش من الشام، فخرج النبي ﷺ وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش بأمر خروجهم، فخرج أبو جهل وصناديد مكة ليدفعوا عنها، وهم النفير. وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت، وأبى أبو جهل الرجوع إلى مكة، وقصد بدراً لملاقاة النبي ﷺ وأصحابه، فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فوافقوه على قتال النفير، فقال:«سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين - أي: العير أو النفير - والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم». أخرجه ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس. وكره بعضهم ذلك لعدم استعدادهم، كما قال سبحانه و تعالى: (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون) أي: الخروج إلى القتال. قال الشيخ حسنين مخلوف في«تفسيره»: وقد وقعت في هذه الغزوة كراهتان بحكم الطبيعة البشرية، أعقبها إذعان وتسليم ورضا من الصحابة لحكم الله ورسوله: الأولى: كراهة شبان أهل بدر قسمة الغنيمة بالسوية، وكانوا يحبون الاستئثار بها، لأنهم هم الذين باشروا القتال دون الشيوخ الذين كانوا معهم في الغزوة، مع أنهم كانوا ردءاً وعوناً لهم، فكان في الأمر بالقسمة بالسوية خير للمؤمنين، إذ أصلح الله بينهم، وردهم إلى حالة الرضا والصفاء. والثانية: كراهة بعض أهل بدر قتال قريش، بعد نجاة العير التي خرجوا لأجلها، لخروجهم من غير استعداد للقتال، لا بعَدد ولا بعُدد. فكان في القتال الذي أُمروا به عزة الإسلام، وإعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، وخضد شوكة الكفر والطغيان، والتفرقة بين الحق والباطل. وفي الآية: تنويه بأن الخير يكون فيما قدره الله وقضاه. لا فيما يظنون، كقوله: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)البقرة(٢١٦).
8:6Page 177
يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦
Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.
٦ - ﴿يُجَٰدِلُونَكَ﴾ أي: الطائفة الكارهة للخروج ﴿فِي﴾ الأمر ﴿ٱلۡحَقِّ﴾ أي: في الجهاد وفي أمر القتال، بقولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، دون تأهب منا للقتال. ﴿بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ الحق، أي: ظهر لهم، بإخباره ﷺ لهم عند خروجهم إلى بدر قبل نجاة العير، بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين: العير أو النفير. فلما نجت العير، عُلم أن الظفر الموعود إنما هو على النفير. والعير: الإبل الحاملة لأموالهم، الآتية من الشام إلى مكة. والنفير: المشركون من أهل مكة الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال دون العير. ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ﴾ المحقق ﴿وَهُمۡ يَنظُرُونَ﴾ إليه عياناً، كراهية منهم للخروج ولقاء العدو، لعدم استعدادهم وقلة عَددهم وعُددهم.أي: فكان خروجهم إلى القتال دون عَدد أو عُدد، كأنهم في حال من يُساق إلى الموت، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر إليها، لا يشك فيها.
8:7Page 177
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧
[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers
٧ - ﴿وَ﴾ اذكروا ﴿إِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ﴾ : العير أو النفير ﴿أَنَّهَا﴾ مِلكٌ ﴿لَكُمۡ﴾ نصراً وظفراً. والطائفة من الناس: الجماعة منهم، و من الشيء: القطعة منه. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ أي: وتحبون، أو: وتريدون أنتم ﴿أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ﴾ أي: غير ذات السلاح، أو غير ذات البأس والشدة والقوة، أو غير ذات النفير، وهي: العير.﴿تَكُونُ لَكُمۡ﴾ لقلة عَددها وعُددها، بخلاف النفير، فقد أحبوا أن تكون لهم طائفة العير - وهي غير ذات الشوكة - لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، دون طائفة النفير - وهي ذات الشوكة - التي فيها القتال بالسلاح.وأصل الشوكة: من«الشوك»وفيه معنى الحدّة والقوة، وهي السلاح أو حدّته. ﴿وَ﴾ لكن ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ﴾ أي: يظهره ويعليه ويثبته، وهو الإسلام. ﴿بِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ السابقة التي لا مبدل، ولا راد لها، أي: بآياته المنزلة على رسوله بظهور الإسلام ، فمكّنهم من أعدائهم وأعز الإسلام بنصرهم، كقوله:(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)التوبة(٣٣) . و قيل: (بكلماته) أي : ما أمركم به من قتال الكفار، كقوله: (قاتلوا الذين لايؤمنون بالله و لا باليوم الآخر)التوبة(٢٩).﴿وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: يجتث آخرهم، باستئصال شأفتهم ، والمراد: جميعهم. وقد هلك في هذه الغزوة صناديد الكفر في مكة، فأعز الله الإسلام وأهله، وأذل الشرك وأهله.
8:8Page 177
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨
That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.
٨ - ﴿لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ﴾ أي: أمركم بقتال النفير، ليحق الحق ويثبته ويعلي الإسلام ويعزه، ويظهر دينه، على الدين كله، بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه ﴿وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ﴾ أي: ويمحق الكفر والشرك، بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه وذهابه ﴿وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ ذلك، وهم: الكفار والمشركون جميعاً.
8:9Page 178
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩
[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."
٩ - سبب نزول الآية: روى الترمذي عن عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال:«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة - أي: الجماعة- من أهل الإسلام، فلا تعبد في الأرض أبداً» قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، وألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله: (إذ تستغيثون ربكم ...) الآية. ورواه أحمد عنه، وأخرجه -أيضاً - مسلم وأبو داود وابن جرير. ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ﴾ أي: اذكروا -أيها المؤمنون- حين تطلبون من الله الغوث والمعونة والنصر على عدوكم وتستجيرون به عليهم. والغوث: التخليص من الشدة. ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ﴾ أي: فأجاب دعاءكم ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مُمِدُّكُم﴾ أي: ناصركم ومعينكم، ومرسل إليكم مدداً ﴿بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [و في قراءة: بفتح الدال: (مردَفين)] أي: متتابعين، بعضهم في إثر بعض، أو على أثر بعض، أي: يردف بعضهم بعضاً. يقال: أردفته وردفته، بمعنى: تبعته.وأردفه: أركبه وراءه . وقد قاتلت الملائكة في بدر على الصحيح، ولم تقاتل في غيرها، وإنما كانت تنزل لتكثير عدد المسلمين. وقد أمدهم الله يوم بدر بألف من الملائكة، ثم بثلاثة آلاف، ثم أكملهم خمسة آلاف، كما في آية(١٢٥،١٢٤) من سورة آل عمران.
8:10Page 178
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠
And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
١٠ - ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾ أي: هذا الإمـداد بالملائكـة ﴿إِلَّا بُشۡرَىٰ﴾ لكم، أي: بشارة لكم بنصره ﴿وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ﴾ أي: بالإمداد ﴿قُلُوبُكُمۡۚ﴾ أي: تسكن إليه من الاضطراب والخوف الذي عرض لكم، وإلا فالنصر بيد الله، لا عن كثرة عَدد ولا عُدد، ولذا قال: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ وحـده، لا مـن عند غـيره ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغالب على أمره، فله العزة وحده، ولرسوله وللمؤمنين، في الدنيا والآخرة ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه وأمره، وقضائه وقدره، وفعله وصنعه، حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها، فهو الحكيم فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم، بحوله وقوته.
8:11Page 178
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
١١ - ﴿إذ يُغَشِّيكم النُّعاسَ﴾ أي: اذكروا -أيها المؤمنون- حين يجعل الله النعاس غاشياً لكم كالغطاء، من حيث اشتماله عليكم. من غشّاه تغشيةً: إذا غطاه. والنعاس: أول النوم قبل أن يثقل. أو: يلقي عليكم ويُلبسكم النعاس ﴿أَمَنَةٗ مِّنۡهُ﴾ تعالى لكم، أي: أماناً مما حصل لكم من الخوف، من كثرة عدوكم وقلة عَددكم وعُددكم، يزيل به عن قلوبكم الرعب، ويقويكم بالاستراحة به على القتال في يوم غد. و«أمنة»: مصدر بمعنى: الأمن، وهو: طمأنينة القلب، وزوال الخوف. يقال: أَمِنتُ من كذا أمَنَةً وأمناً وأماناً، بمعنى واحد. وكذلك فعل الله بهم يوم أحد، كما قال: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاساً)آل عمران(١٥٤) ، لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش مع أبي بكر الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سِنة من النوم، ثم استيقظ مبتسماً، فقال:«أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع»ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)القمر(٤٥). [وفي قراءة بتخفيف الشين: (يُغْشِيكم النعاسَ) . وفي أخرى: (يَغشاكم النعاسُ) برفع «النعاس» على أنها فاعل يغشاكم]. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: السحاب ﴿مَآءٗ﴾ أي: مطراً ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ﴾ من الأحداث والجنابات، أي: ليرفع عنكم الأحداث والجنابات، وهو تطهير الظاهر. ﴿وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ﴾ أي: وسوسته لكم، وتخويفه إياكم النفير، لكثرة عَددهم وعُددهم. وهذا تطهير الباطن. وأصل الرجز: الاضطراب، ويطلق على كل ما تشتد مشقته على النفوس. ﴿وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ﴾ أي: يثبتها، ويشد عليها، ويقويها باليقين و يوطئها بالصبر والإقدام في مواطن الحرب ومجالدة الأعداء، فإن ثبات البدن من ثبات القلب، وهذا شجاعة الباطن. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾ فإن الأرض كانت سهلة دهسة، فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام أن تسوخ في الرمل. وهذا شجاعة الظاهر. وعن ابن عباس: إن المشركين من قريش، لما خرجوا لينصروا العير، ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يُصلّون مجنبين محدثين - ولم يكن قد شرع التيمم وقتئذ - حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماءً، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً، وثبّت به الأقدام. وعن مجاهد: أن الله أنزل عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، وتلبدت به الأرض، فطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم.
8:12Page 178
إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢
[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1
١٢ - ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ﴾ بالإلهام ﴿إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ الذين أمد بهم المسلمين يوم بدر لنصرة نبيه ودينه. يُذكِّرهم نعمة أخرى من نعمه عليهم في تلك الغزوة ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَعَكُمۡ﴾ بالعون والنصر والتأييد والظفر ﴿فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ﴾ بالإعانة والتبشير ودفع الوساوس عنهم، أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم القوة والجرأة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله، وبشروهم بالنصر، وثبتوهم على القتال، بالحضور معهم، وتكثير سوادهم، ﴿سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ﴾ [وفي قراءة: بضم العين (الرُّعُب)] أي: الخوف والفزع والانزعاج. وأصله: الانقطاع من امتلاء النفس بالخوف من المكروه. ثم بيَّن تعالى كيفية التثبيت، فقال: ﴿فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ﴾ أي: أعالي الأعناق، أي: اضربوا الرؤوس والهام، فافلقوها. أو: فاضربوا على الأعناق، أي: اضربوا الرقاب، فاقطعوها واحتزوها. ويشهد للمعنى الثاني: قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)محمد(٤). ﴿وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ أي: كل أطراف الأصابع من اليدين. أو: واضربوا منهم كل طرف ومفصل من أطراف اليدين والرجلين. والمقصود بالضرب: القطع. والأعناق: الرؤوس. والبنان: الأصابع، جمع «بنانة»، من قولهم: أبَنَّ الرجل بالمكان، وبنَّ يَبِنُّ: إذا قام به. وسميت بناناً: لأن بها إصلاح الأحوال، التي بها يمكن أن يبنَّ، أي: يقيم. وقيل: البنان هنا: مطلق الأطراف، لوقوعها في مقابلة الأعناق. وهذا الأمر بالضرب: إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل على أنهم باشروا القتال يوم بدر. ويشهد له: ما رواه مسلم عن ابن عباس، قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم - وهو اسم فرس الملك - إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقياً، قال: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، فجاء الأنصاري، فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال:«صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة». أو للمؤمنين، يشجعهم الله ويعلمهم كيف يقتلون المشركين.
8:13Page 178
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.
١٣ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ القتل للمشركين، والعذاب الواقع بهم على أيدي الملائكة والمؤمنين ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ أي: خالفوا أمرهما وشرعهما، وعاندوهما، وبارزوهما بالعداوة، فصاروا في شق والشرع والإيمان في شق آخر.والمشاقة: المخالفة، وأصلها: المجانبة، لأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين وجانبهم. ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بمخالفة أمرهما، وترك اتباعهما ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ في الدنيا والآخرة لمن خالفه ورسوله و ناوأهما، لا يفوته شيء، ولا يقوم لعقابه شيء، ومن عقابه تسليط أوليائه على أعدائه.
8:14Page 178
ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤
"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.
١٤ - ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ العذاب المذكور. وهو إشارة إلى العقـاب العاجـل الذي أصيـب به المشركـون في بدر ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها المشاقّون لله ورسوله، وتجرعوا غصصه وآلامه في الدنيا. ﴿وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ في الآخرة، وهو إشارة إلى العقاب الآجل.
8:15Page 178
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥
O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].
١٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا﴾ أي: زاحفين نحوكم، أو: يزحفون زحفاً لقتالكم، أو: مجتمعين، كأنهم لكثرتهم يزحفون. والزحف: انبعاث من جر الرِّجْل. كانبعاث الصبي قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيا. أو: هو الدبيب في السير. سمي به الجيش الكثيف المتوجه للعدو، لأنه لكثرته وتكاثفه، يُرى كأنه جسم واحد، يزحف ببطء وإن كان سريع السير. والتزاحف: التداني والتقارب. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ أي: فلا تديـروا لهم ظهوركم منهزمين، بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرةً لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهاباً للكافرين. والمنهزم يولي ظهره من انهزم منه. والأدبار: جمع دبر، وهو خلاف القبل، ويطلق على الظهر، وهو المراد هنا. وفي الآية: نهي للمؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم ودنوا منهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences