Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
النحل
An-Nahl
The Bee · Meccan · 128 ayahs
16:1Page 267
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.
١ – ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ أي : قرب ودنا ما وعد الله به نبيه ﷺ من النصر على الأعداء ، والانتقام منهم بالقتل والسبي واستئصال الأموال،والاستيلاء على المنازل والديار .أو : قرب مجيء يوم القيامة الذي فيه عذاب المنكرين له .وعبّر عنه بصيغة الماضي ، لتحقق وقوعه ، حيث أبرز المتوقَّع في صورة الواقع ، لصدق المخبِر به، كقوله: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)الأنبياء(١). و قوله :(اقتربت الساعة وانشق القمر)القمر(١). ﴿فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾ أي : الأمر ، فإنه واقع لا محالة ، فلا تطلبوا الأمر قبل حينه، وكان الكفار يستعجلون الموعود به استهزاء .﴿سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾[وفي قراءة: بالتاء (تشركون)] أي: تنزه وتعاظم وتقدس بذاته وصفاته الجليلة عن إشراكهم به غيره المؤدي إلى صدور تلك الأباطيل منهم . أو: تنزيها له تعالى وتعظيما عن أن يكون له شريك من ولد أو صاحبة أو غير ذلك ، فيدفع عنهم ما أراد الله بهم. وكانوا يقولون : إن صح مجيء يوم القيامة ، فإن الأصنام تشفع لنا فيه .
16:2Page 267
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."
٢ – ﴿يُنَزِّلُ﴾ الله ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ﴾ والمراد به : جبريل عليه السلام – رسول الوحي – ومن معه من حفظة الوحي، وقيل : جبريل خاصة . والواحد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما . [وفي قراءة:(تَنَزَّل الملائكةُ)] ﴿بِٱلرُّوحِ﴾ أي: بالوحي الموحى به والرحمة ﴿مِنۡ أَمۡرِهِۦ﴾ أي : بإرادته ومشيئته ، كقوله سبحانه: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)الشورى(٥٢). ﴿عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ﴾ وهم : الأنبياء والرسل . ﴿أَنۡ أَنذِرُوٓاْ﴾ أي: أعلموا الناس ، وخوِّفوا الكافرين بالعذاب. والإنذار : التحذير مما يُخاف منه .و«أن» مفسِّرة لما بعدها : ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠﴾ أي: لا معبود بحق إلا أنا ﴿فَٱتَّقُونِ﴾ [و في قراءة : بإثبات الياء(فاتقوني)] أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري ، أو : فخافوني بامتثال أمري واجتناب نهيي. والأمر بتوحيد الله وإخلاص الدين له و عبادته وحده لا شريك له: هو خلاصة دعوة الرسل كلهم، كقوله : (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)الأنبياء(٢٥) .والآية كقوله تعالى : (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده)غافر(١٥). وإطلاق الروح على الوحي مجازٌ لأن بالوحي تحيا القلوب الميتة بداء الجهل والضلال، كما أن بالروح حياة الأبدان .
16:3Page 267
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.
٣ - ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ خـلقا متلبسا ﴿بِٱلۡحَقِّۚ﴾ أي : أوجدها متلبسا بما يحق له ، بمقتضى الحكمة البالغة، لا باطلا ولا عبثا ، للدلالة على قدرته ووحدانيته ، وعظيم سلطانه، وما له من نعوت الكمال والجلال (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)النجم(٣١) .﴿تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [وفي قراءة: بالتاء(تشركون)] أي : تنزه الله وتعاظم ، وترفع وتقدس بذاته وصفاته الجليلة ، عن إشراكهم به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، أو : عن شركة الذي يجعلونه له شريكا.والآيات من (٣) إلى (١٨) : شروع في بيان أدلة التوحيد ، واتصاف ذاته العلية بصفات الكمال والجلال والإكرام ، والتنبيه على أن كل واحد منها كاف في صرف المشركين عما هم فيه من الشرك والضلال .
16:4Page 267
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
٤ – ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي : جنسه ﴿مِن نُّطۡفَةٖ﴾ أي : من منيٍّ فنقله أطوارا ، و صوّره ونفخ فيه الروح، وأخرجه من بطن أمه ، حتى إذا صيّره قويا شديدا .﴿فَإِذَا هُوَ﴾ أي : بعد خلقه على هذه الصفة ، وتصييره قويا شديدا .﴿خَصِيمٞ﴾ لربه ، أي : شديد الخصومة له بالباطل، مخاصم ومجادل في البعث، ينكر على خالقه القدرة عليه، قائلا: (من يحيي العظام وهي رميم)يس(٧٨). ﴿مُّبِينٞ﴾ أي : بيّن الخصومة ظاهرها يكفر بربه ويكذب بآياته ، ويحارب رسله ، وهو إنما خُلق ليكون عبدا لا ضدا.يقال : خصِم الرجل يخْصَم – من باب تعب – إذا أحكم الخصومة، فهو خصم وخصيم .وأصل «النطفة» : الماء الصافي ، أو قليل الماء الذي يبقى في الدلو أو القربة ، كالنُّطافة ، وجمعها: نطف ونطاف . يقال : نَطَفت القربة – من باب قتل وضرب – إذا قَطَرت ، من النطْف بمعنى : السيلان والتقاطر.وفي الحديث : عند أحمد في «مسنده» وابن ماجه في «سننه» عن بشر بن جحاش قال :«بصق رسول الله ﷺ في كفه ، ثم قال : يقول الله تعالى: ابن آدم ، أنّى تعجزني ، وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سويتك فعدلتك، مشيت بين برديك ، وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت ، حتى إذا بلغت الحلقوم ، قلت : أتصدق، و أنّى أوان الصدقة ؟» .
16:5Page 267
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.
٥ – ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ﴾ وهي : الإبل والبقر والغنم ، منصوبة بفعل مقدر يفسره قوله : ﴿خَلَقَهَاۖ﴾ وجاءت بضمير المؤنث باعتبار لفظ الجماعة، كقوله: (نسقيكم مما في بطونها)المؤمنون(٢١). وستأتي في هذه السورة : آية (٦٦) بضمير المذكر في قوله : (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه) فالتذكير باعتبار لفظ الجمع. وقال ابن الأنباري : الأنعام يذكر ويؤنث .﴿لَكُمۡ﴾ أي : من جملة الناس﴿فِيهَا دِفۡءٞ﴾ أي: ما تستدفئون به من البرد من الأكسية والأردية ، المصنوعة من أصوافها و أوبارها وأشعارها. ﴿وَمَنَٰفِعُ﴾ من نتاجها ونسلها وألبانها وركوبها وما يُنتفع به منها ، من حراثة ونحوها . ﴿وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ﴾ أي: من لحومها وشحومها. وقدّم الظرف – وهو شبه الجملة: «منها» – مراعاة لرؤوس الآي .والدفء: السخونة. ويقابله : حدة البرد ، ويطلق على ما يُدفئ من الأصواف والأوبار والأشعار. يقال : دفئ الرجل – من باب : طرب – فهو دفئ – كتعب – ودفآن، وهي دفأى ، كغضبان وغضبى .و يجوز الوقف في القراءة عند «لكم»، أي :(والأنعام خلقها لكم) أي : لأجلكم ، و لأجل منافعكم ومصالحكم ، ومن جملة منافعها : الدفء والنتاج والألبان ، والأكل ونحو ذلك . والآية : بيان لما ينتفع به الإنسان من الأنعام بعد ذكر خلق السموات والأرض وخلق الإنسان .
16:6Page 267
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].
٦ – ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي : زينة وعظمة وتجمل ووجاهة عند الناس الناظرين إليها ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: حين تردونها بالعشي وقت المساء من مسارحها ومراعيها إلى مراحها ومباركها – وهو : المكان الذي تبيت وتأوي إليه فيه . يقال : أراح الماشية يريحها إراحة ، إذا ردها إلى المراح ، وهو منزلها الذي تأوي إليه وتروح عشية . ﴿وَحِينَ تَسۡرَحُونَ﴾ أي : و حين تخرجونها غدوة وقت الصباح من مراحها ومباركها إلى مسارحها ومراعيها .يقال : سرحت الماشية ، أسرحها سرحا و سروحا : أخرجتها بالغداة إلى المرعى ، وسرحت هي ، وسرّح فلان ماشيته ، يسرّحها تسريحا : إذا أخرجها للمرعى غدوة.و قدّم الرواح على السراح عند ذكر الجمال و الزينة، لأنها في الرواح تكون أبهى منظرا و أعلى أسنمة و أملأ ضرعا و أكثر لبنا .
16:7Page 268
وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧
And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.
٧ – ﴿وَتَحۡمِلُ﴾ أي : الإبل ﴿أَثۡقَالَكُمۡ﴾ أي : أحمالكم وأمتعتكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها ﴿إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ﴾ أي : واصلين إليه بها ﴿إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ﴾ أي : بجهدها وعنائها، ومشقتها وتعبها، [وفي قراءة : بفتح الشين : (إلا بِشَق الأنفس)] أي : إلا بذهاب نصف أنفسكم ، أي: نصف قوتكم . و الأثقال: جمع ثقل : وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره.والشق – بكسر الشين - : المشقة، ومن كل شيء: نصفه ، وقرئ بفتح الشين بمعنى: المشقة أيضا . وقيل: المفتوح المصدر ، والمكسور الاسم . ﴿إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ بكم ، حيث خلقها وذللها لكم وسخرها لأجل مصالحكم ومنافعكم، كقوله سبحانه : (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ٧٩ ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ٨٠)غافر(٧٩-٨٠).وقوله: (وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون)يس(٧٢). وقوله جل في علاه: (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون)الزخرف(١٢) .
16:8Page 268
وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨
And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.
٨ – ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ﴾ خلقها وذللها وسخرها لكم ﴿لِتَرۡكَبُوهَا﴾ أي : للركوب عليها، وغير ذلك من المنافع، كالتحميل عليها ونحوها .﴿وَزِينَةٗۚ ﴾ لكم وجمالا و منظرا حسنا، تتزينون بها وتركبونها ، وتجدون في ذلك الفرح و السرور في نفوسكم .وقوله: (وزينة) مفعول له ، والتعليل بالركوب و الزينة لتعريف النعم، وهو لا ينافي خلقها لغير ذلك، كالأكل في الخيل ، الثابت حله بما في الصحيحين:من حديث جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية – أي : الحمير – وأذن في لحوم الخيل» . و من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا ، فأكلناه».﴿وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ من الأشياء التي ترتفقون بها ، و تنتفعون بثمراتها في الدنيا ، وتستعملونها في مصالحكم ومنافعكم ، من وسائل الانتقال في البر والبحر والجو ، وأسباب الزينة ، لا تعلمونها الآن ولا تخطر لكم ببال وستعلمونها حين مجيء الوقت المقدر لخلقها في علم الله ، فلم يذكرها بأعيانها ، وإنما أجمل ذكرها لعدم معرفتهم بها أو نظيرها في زمانهم .فائدة فقهية واختُلف في أكل لحوم الخيل على قولين :الأول: فذهب الجمهور من العلماء، مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إلى جواز أكل لحوم الخيل وتحريم أكل لحوم البغال والحمير، واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل».ولفظ الترمذي والنسائي:«أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل و نهانا عن لحوم الحُمر الأهلية» . وبما رواه أحمد وأبو داود عن جابر أيضا قال : «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير ، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» . وبما في الصحيحين من حديث أسماء قالت : «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة» وهذا لفظ مسلم . الثاني : وذهب أبو حنيفة ومن وافقه: إلى تحريم لحوم الخيل . واستدلوا:بأن الله فصل ذكرها في هذه الآية من الأنعام ، وقرنها بالبغال والحمير – وهي حرام كما ثبتت به السنة النبوية .وبما رواه ابن جرير الطبري عن ابن عباس : أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير ويقول : قال الله تعالى:(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون)النحل(٥) فهذه للأكل ، (و الخيل و البغال والحمير لتركبوها)النحل(٨) فهذه للركوب .وبما رواه أحمد في «مسنده» عن خالد بن الوليد قال : «نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» . ولكن لا يقاوم هذا ما ثبت في الصحيحين من جواز أكل لحوم الخيل . قلت: و هو الحق إن شاء الله تعالى .
16:9Page 268
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩
And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.
٩ – ثم لما ذكر الله تعالى الطريق الحسي، وأنه جعل للعباد ما يقطعونه به من الإبل وغيرها ، شرع في ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال : ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: حقٌّ عليه تعالى بيان طريق الحقّ والهدى والصراط المستقيم الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، بنصب الدلائل عليه ، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه ، كقوله:(إن علينا للهدى)الليل(١٢). والسبيل: الطريق. و القصد منه : هو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ، وهو الإسلام، يقال: سبيل قصد وقاصد، أي : مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك ولا يعدل عنه ، فهو نحو: طريق سائر، وهذا كقوله سبحانه: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)الأنعام(١٥٣) . وقوله : (هذا صراط عليَّ مستقيم )الحجر(٤١) .و الهداية نوعان : هداية دلالة وبيان، و هي هداية الرسل الشرعية ، كقوله: (و هديناه النجدين)البلد(١٠).هداية توفيق و إرشاد : و هي هداية الله القدرية، كقوله : (اهدنا الصراط المستقيم)الفاتحة(٦). ﴿وَمِنۡهَا﴾ أي : ومن جنس السبيل سبيل ﴿جَآئِرٞۚ﴾ أي: حائد مائل زائل عن الاستقامة ، معوج منحرف عن الحق ، وهو ملل الكفر و نِحَل أهل الأهواء الضالة. من الجور : ضد العدل وضد القصد. ﴿وَلَوۡ شَآءَ﴾ الله هدايتكم ﴿لَهَدَىٰكُمۡ﴾ إلى قصد السبيل﴿أَجۡمَعِينَ﴾ ولكنه لم يشأ، بل يهدي بعضا ، كرامة منه وفضلا، ويضل آخرين حكمة منه وعدلا ، كقوله تعالى : (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا)يونس(٩٩). وقوله: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة )هود(١١٨) . فجعل لكل إنسان مكلف إرادة حرة في اختيار سبيله .
16:10Page 268
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠
It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].
١٠ – ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي : من السحاب ﴿ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ﴾ تشربونه أنتم وأنعامكم ، ومن جملته ماء الآبار والعيون ﴿وَمِنۡهُ شَجَرٞ﴾ أي : ومن الماء ينبت شجر ، وهو ما ترعاه الماشية والأنعام ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي : في الشجر ترعون دوابكم ومواشيكم وأنعامكم .يقال : أسام فلان إبله يسيمها إسامة: إذا أخرجها إلى المرعى وسوّمها يسوِّمها أيضا . وسامت الإبل تسوم سوْما : إذا رعت حيث شاءت فهي سائمة ، وأصل السوْم : الإبعاد في المرعى .
16:11Page 268
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١
He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
١١ – ﴿يُنۢبِتُ﴾ [و في قراءة بالنون: (ننبت)] ﴿لَكُم بِهِ﴾ أي : بالماء النازل من السماء ﴿ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ﴾ أي: و من جميع أصنافها على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها، يخرجها بهذا الماء الواحد، من أرض واحدة ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي : المذكور من الإنزال والإنبات ﴿لَأٓيَةٗ﴾ أي : لدلالة وحجة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله وينظرون فيعتبرون ويؤمنون .
16:12Page 268
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢
And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.
١٢ – ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ يتعاقبان لمنامكم و معاشكم ﴿وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ ﴾ يجريان لمصالحكم و منافعكم. أي: صيرها وذللها لكم لترتفقوا بها في معايشكم، وأنواع مصالحكم ، ومنافع دينكم ودنياكم .[وفي قراءة: (والشمسُ و القمرُ) بالرفع مبتدأ وما بعده عطف على ما قبله] . ﴿وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ﴾ أي : بإرادته وتدبيره الجاري على وفق مشيئته تعالى وحكمته ، لتهتدوا بها في ظلمات البر و البحر . و الجملة مبتدأ وخبر ، والجار والمجرور متعلق بالخبر . [وفي قراءة : (والنجومَ مسخراتٍ بأمره) بالنصب عطفا على ما قبله ، و«مسخرات» حال]. ومثله قوله سبحانه : (و الشمس و القمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)الأعراف(٥٤).﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴾ التسخـير ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي : لـدلالات على وحدانية الله ، وكمال قدرته وعظيم سلطانه ﴿لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ عن الله حججه وبراهينه ، فيتدبرون آياته ويتفكرون فيها .
16:13Page 268
وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣
And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.
١٣ – ﴿وَ﴾ سخر لكم ﴿مَا ذَرَأَ لَكُمۡ﴾ أي : ما خـلق لأجلـكم وأبدع لمنافعـكم ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ مـن حيوان ونبات ومعادن ، حال كونه ﴿ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ﴾ أي: أصنافه وأنواعه في الخلقة والهيئة ، والخواص والمنافع.﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴾ التسخير ﴿لَأٓيَةٗ﴾ أي: لدلالة على وحدانية الله وكمال قدرته ﴿لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون ويعتبرون فيستدلون على المطلوب.
16:14Page 268
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤
And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
١٤ – ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ﴾ أي: ذلّله وسهله لكم ، وهيأه لمنافعكم المتنوعة من الركوب عليه ، واستخراج ما فيه من صيد وجواهر، ﴿لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا ﴾ هو: السمك والحوت الذي تصطادونه منه ، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته .﴿وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ﴾ أي : من البحر المالح خاصة ﴿حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ ﴾ وهي: ما يُتحلى به ويُتزين ، كاللؤلؤ والمرجان، فإنه يجوز للرجال أن يلبسوها ، كما يجوز ذلك للنساء. وقيل : المراد : يلبسها النساء . وإنما قال :«تلبسونها» لأنهن يلبسنها لأجلهم. و الحلية -بالكسر- : ما يتحلى به النساء ويتزينَّ به، وجمعها حِلىً وحُلىً. وأما جمع الحلْي-بفتح الحاء وسكون اللام – فهو حُلِي .﴿وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: وتبصر السفن ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي : جواري في البحر، تشق الماء شقا ، مقبلة و مدبرة.يقال: مخرت السفينة ، تمخَر وتمخُر مخرا ومخورا : إذا جرت تشق الماء بمقدمها. وأصل المخر : الشق ، يقال: مخر الماء الأرض : إذا شقها .والفُلك : السفن ، وتطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، بخلاف فَلك – بالفتح – فإن جمعها أفلاك: أي مدار النجوم .﴿وَلِتَبۡتَغُواْ﴾ عطف على قوله:«لتأكلوا» أي : تطلبـوا ﴿مِن فَضۡلِهِۦ﴾ تعالى ، الرزق بالتجارة ونحوها، في البر والبحر ﴿وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ نعم الله وإحسانه، بما يسر لكم من منافع البحار .
16:15Page 269
وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥
And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,
١٥ – ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ﴾ أي: جبالا ثوابت، جمع راسية ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمۡ﴾ أي : لئلا تميد بكم ، أي: تميل بكم وتضطرب وتتحرك .يقال : مادت السفينة تميد ميْدا : إذا تحركت ومالت، ومادت الأغصان: تمايلت، والميد: الاضطراب والتكفّؤ والميل.﴿وَ﴾ جعل فيها ﴿أَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا﴾ أي: طرقا يسلك فيها السالكون. والآية كقوله: (و جعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سُبلا)الأنبياء(٣١). ﴿لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ إلى مقاصدكم ومصالحكم .
16:16Page 269
وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦
And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1
١٦ – ﴿وَ﴾ جعل لكم ﴿عَلَٰمَٰتٖۚ﴾ أي: معالم للطرق تهتدون بها وإليها، ودلائل و أمارات تستدلون بها على الطرق كالجبال والسهول والوديان، برا وبحرا ﴿وَبِٱلنَّجۡمِ﴾ أي : وبأنواع النجوم المختلفة ﴿هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ إلى الطرق المسلوكة في البر والبحر ويعرفون الجهات و منها القبلة بالليل .
16:17Page 269
أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧
Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?
١٧ – ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ﴾ هذه المخلوقات البديعة وغيرها، و هو الله تعالى ﴿كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ﴾ شيئا منها، وهي الأصنام والأوثان ؟ فكيف تعبدون من لا يستحق العبادة وتتركون عبادة من يستحقها وهو الله وحده؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ذلك، فتؤمنون؟ وتعرفون أن المنفرد بالخلق والتدبير واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته ؟ [وفي قراءة بتشديد الذال: (تذّكّرون)] .والآيات من (١٧) إلى (٢٩) ، ومن (٣٣) إلى (٣٩) في محاجة عبدة الأصنام ومنكري البعث ، بعد بيان دلائل القدرة الباهرة والوحدانية ، وخلق هذه النعم الوافرة التي يتقلب فيها العباد.
16:18Page 269
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨
And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
١٨ – ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ ﴾ أي : لا تطيقوا حصرها لعدم تناهيها ، فضلا عن أن تطيقوا شكرها وتقوموا بحقها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ﴾ لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته ﴿رَّحِيمٞ﴾ بكم ، لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة، بل يغفر الكثير ويجازي على اليسير، وينعم عليكم مع العصيان والتقصير.
16:19Page 269
وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩
And Allāh knows what you conceal and what you declare.
١٩ – ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾ أي: ما تضمرونه وتخفونه من الأمور والنوايا والأقوال والأفعال ﴿وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ أي : وما تظهرونه منها ، فيجزى كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر .
16:20Page 269
وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠
And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.
٢٠ – ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : والأصنام أو الآلهة الذين يدعونهم الكفار ويعبدونهم من دون الله [وفي قراءة (تدعون) بالتاء ، أي: تعبدون من دون الله] . ﴿لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا﴾ من المخلوقات أصلا ﴿وَهُمۡ﴾ أي: الأصنام ﴿يُخۡلَقُونَ﴾ أي : يُصوَّرون و يُنحتون من الأخشاب أو الحجارة أو غيرها. ومثله قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (قال أتعبدون ما تنحتون ٩٥ والله خلقكم وما تعملون ٩٦) الصافات(٩٥-٩٦).
16:21Page 269
أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١
They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.
٢١ – ﴿أَمۡوَٰتٌ﴾ أي : هذه الأصنام والأوثان جمادات لا روح فيها، ﴿غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ ﴾ تأكيد لما سبق ، إذ لا حياة لها أصلا، فكيف يعبدونها وهم أفضل منها ، لكونهم أحياء وهم أموات؟ ﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ أي: الأصنام المعبودة ﴿أَيَّانَ﴾ أي : وقت ﴿يُبۡعَثُونَ﴾ أي : لا تعرف هذه الجمادات متى يُبعث الخلق ولا يدرون متى تكون الساعة ، فكيف يُعبدون من دون الله ؟ وكيف يُرتجى عندهم نفع أو ثواب أو جزاء ؟ إنما يرجى ذلك من الله الذي خلق كل شيء ، وأحاط علمه بكل شيء .وقيل: لا تدري هذه الأصنام متى يكون بعثها ، فقد رُوي أنها تُبعث ويُجعل فيها حياة ، فتبرأ من عابديها، ثم يُؤمر بها وبهم جميعا إلى النار .و الآية ضرب من التهكم بهم، إذ شعور الجمادات بالأمور الظاهرة المحسوسة مستحيل، فكيف بالأمور الخفية التي لا يعلمها إلا الله ؟
16:22Page 269
إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢
Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.
٢٢ – ﴿إِلَٰهُكُمۡ﴾ المستحق للعبادة منكم ﴿إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ﴾ لا نظير له في ذاته، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وهو الله الأحد ، الفرد الصمد .﴿فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ﴾ لوحدانية الله ، جاحدة له، مستنكرة لقدرته، لا يؤثر فيها وعظ ولا ينفع معها تذكير ﴿وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ﴾ عن الإيمان بها، متكبرون عن عبادة الله ، وتوحيده، وقبول الحق، متعالون عن الصواب.
16:23Page 269
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.
٢٣ – ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي : حـقا أو : لا محـالة ، أو: حـقّ و ثبت ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي: ما يخفون ويضمرون من النوايا والأقوال والأفعال ﴿وَمَا يُعۡلِنُونَۚ﴾ أي: وما يظهرون من ذلك ، فيجزيهم عليه ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ﴾ عن عبادته وتوحيده، بل يبغضهم ويجزيهم من جنس عملهم ، كقوله : (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)غافر(٦٠) .وفي الحديث: عند مسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، عن ابن مسعود ،قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: يا رسول الله ، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنةً ، فقال ﷺ:«إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق ، وغمص – وفي رواية: وغمط – الناس» . وقوله : «إن الله جميل» : أي هو صاحب الكمال المطلق المنزّه عن النقائص كلها .و«بطر الحق»: رده وعدم القبول به أنفة وتكبرا. و«غمص أو غمط الناس»: احتقارهم .
16:24Page 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
٢٤ – ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾ أي : لهؤلاء المكذبين المستكبرين عن عبادة الله ﴿مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ﴾ على محمد ﷺ ﴿قَالُوٓاْ﴾ معرضين عن الجواب الحق: هو ﴿أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي : أكاذيب الأولين وأباطيلهم وترهاتهم ،أو: ما سُطّر في كتب المتقدمين من الأباطيل، يقولون ذلك إضلالا للناس ، كقوله: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)الفرقان(٥). وأساطير : جمع أسطورة ، كأعاجيب وأعجوبة .
16:25Page 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
٢٥ – ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ﴾ أي : هؤلاء المكذبين بالقرآن المستكبرين عن عبادة الله، في عاقبة الأمر ﴿أَوۡزَارَهُمۡ﴾ أي: ذنوبهم وآثام ضلالهم ﴿كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ لم يكفّر منها شيء لعدم إسلامهم ، الذي هو سبب لتكفير الذنوب.﴿وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ أي: ويحملوا – مع آثامهم– بعض آثام الذين يتْبعونهم ويوافقونم على ضلالهم ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ﴾ أي: من المضلين أنفسهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على الإضلال، فاحتملوا خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إضلالهم وإغوائهم لغيرهم ، واقتداء أولئك بهم. فهم يقدمون على الإضلال والإغواء لغيرهم، جهلا منهم بما يستحقونه من مضاعفة العذاب على الضلال والإضلال.أو: ليحملوا ذنوبهم كاملة و ذنوب الذين أضلوهم بغير دليل و لا بينة و لا برهان .وفي الحديث الصحيح:«من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم ، مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» .﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ : أي : بئس ما يحملونه من آثامهم وآثام إضلالهم لأتباعهم ، أو: بئس حملهم هذا، ومثله قوله :(وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم )العنكبوت(١٣) .وفيه من التهديد والوعيد ما فيه .
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
٢٦ – ﴿قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ برسلهم ودبروا ما دبروا على رد ما جاؤوهم به ، واحتالوا في إضلال الناس ، على الشرك بربهم ، وتكذيب رسلهم ﴿فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم﴾ أي : بنيان مكرهم وخداعهم وتدبيرهم ﴿مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ﴾ فاجتثّه من أصله ، وأبطل مكرهم وكيدهم. والقواعد : الدعائم والعُمد ، أو : الأساس . والمراد : أن أمر الله أتى ما بنوا من جهة قواعده وأساسه فأبطله وذهب به . ﴿فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ﴾ أي: سقط عليهم ما بنوا من مكرهم و كيدهم فهلكوا .﴿وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ به ، أي : من جهة لا تخطر ببالهم ، وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ، ويقيهم العذاب، فكان عذابهم فيما بنوه وأصلوه، كقوله سبحانه : (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب)الحشر(٢) .والآية : تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر والكيد بالرسل ، ولإبطال الله مكرهم وتدبيرهم ، حيث جعلوا من الباطل أصولا وقواعد يرجعون إليها في رد ما جاءت به الرسل، واحتالوا على إيقاع الضرر بهم وبمن تبعهم ، فصار مكرهم وبالا عليهم، وصار تدبيرهم فيه تدميرهم وهلاكهم ، كقوله :(ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)فاطر(٤٣) .
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
٢٧ – ﴿ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ﴾ أي : يذلهم الله ويهينهم بالعذاب ويفضحهم على رؤوس الخلائق، ويبين لهم كذبهم وافتراءهم عليه ﴿وَيَقُولُ﴾ الله لهم مقرِّعا وموبخا: ﴿أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ﴾ أي : في زعمكم وادعائكم ﴿ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ﴾ أي: تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأنهم وتزعمون أنهم شركاء لله حقا . [وفي قراءة بكسر النون : (تشاقونِ فيهم) أي : الذين تحاربون وتعادون الله ورسله في سبيلهم ، أين هم عن نصركم وخلاصكم ؟].و أصله: من شاققت فلانا فهو يُشاقّني ، و ذلك إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه . ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ﴾ وهم : العلماء الربانيون ﴿إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ﴾ أي: الفضيحة أو الذل والمهانة والحسرة يوم القيامة ﴿وَٱلسُّوٓءَ﴾ أي : العذاب ﴿عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ بالله ورسله، أي : يقولون ذلك يوم القيامة . وفيه بيان فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في الدنيا والآخرة .
16:28Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
٢٨ – ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ﴾ [وفي قراءة بالياء:(يتوفاهم)] ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: توفتهم، و عبّر بالمضارع حكاية للحالة الماضية ، أي : حالة كونهم ﴿ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ بالكفر والشرك، ﴿فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ﴾ أي : فاستسلموا لأمره تعالى ، وانقادوا لحكمه عند الموت ، وتركوا المشاقة عند رؤية ملائكة الموت ، أو:حين رأوا عذاب الآخرة ، و جحدوا ما كان منهم في الدنيا من الكفر والعصيان ، وقالوا كاذبين : ﴿مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ﴾ أي: من شرك، وهو كقولهم :(والله ربنا ما كنا مشركين)الأنعام(٢٣) . فرد الله أو الملائكة أو : الذين أوتوا العلم عليهم بقولهم: ﴿بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ مـن السـوء فيجازيكم عليه ، ولا يجديكم نفعا إنكاركم له.
16:29Page 270
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
٢٩ – ويقال لهم عند الموت أو يوم القيامة : ﴿فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى﴾ أي : مقام ومأوى، أو : منزل ﴿ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي : المتعاظمين عن الإيمان بالله واتباع رسله: جهنم (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها)فاطر(٣٦).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences