Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
النور
An-Nur
The Light · Medinan · 64 ayahs
24:1Page 350
سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١
[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.
١ -﴿سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا﴾ أي: هذه سورة أنزلناها رحمة منّا بالعباد ، وفيه تنبيه على الاعتناء بها ، ولا ينفي ما عداها من السور.والسورة: آيات من القرآن مسرودة، لها بدء وختام ، وجمعها: سُوَرٌ ، مأخوذة من سور البلد ، وأصلها: المنزلة الرفيعة ، أو : كل منزلة من البناء ، وسمّيت بها سورة القرآن لرفعتها ، أو لأنها درجة إلى غيرها .﴿وَفَرَضۡنَٰهَا﴾[وفي قراءة بالتشديد: (وفرّضناها)] أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام ، إيجاباً قطعياً .أو: ألزمناكم العمل بها ، أو: بيّنا الحلال والحرام ، والأمر والنهي والحدود فيها . أو: قدّرنا فيها ما قدّرنا من الأحكام والحدود والشهادات وغيرها. قال البخاري: ومن قرأ:(فرّضناها) بالتشديد ، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم ، أي: لكثرة المفروض فيها. من الفرض بمعنى: القطع. وأصله: قطع الشيء الصلب ، والتأثير فيه، وأطلق على الإيجاب القطعي للأحكام مجازاً .﴿وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ﴾ أي: في غضونها وتضاعيفها ﴿ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ﴾ أي: مفسرات واضحات الدلالات .﴿لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيها من الأحكام ، فتتعظون. وتكرير لفظ «أنزلنا» لكمال العناية بإنزال هذه السورة، لما اشتملت عليه من الأحكام . وقد روى البيهقي مرفوعاً بلفظ: «علموا رجالكم سورة المائدة ، وعلموا نساءكم سورة النور» .وذلك لما اشتملت عليه هذه السورة من أحكام العفاف والستر، وهما قوام المجتمع الصالح.
24:2Page 350
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.
٢ -﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي﴾ أي: من زنت، ومن زنى. والزّنى: وطء الرجل للمرأة من غير عقد زواج بينهما .والزانية: هي المرأة المطاوعة للزّنى، الممكِّنة منه ، لا المكرهة عليه. والزاني: هو الرجل الذي يطأ المرأة من غير عقد نكاح.﴿فَٱجۡلِدُواْ﴾ أيها الحكّام ﴿كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا﴾ أي: من الزانية والزاني – إذا كان حرّا غير محصن –﴿مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ ﴾ أي: ضربة .والجلد: الضرب بالسّوط أو العصا. يقال: جَلَده: إذا ضرب جلده.وهذا الحكم من الجلد مائة جلدة ، إنما هو واقع في حق الزانية والزاني البكرين غير المحصنين. فحدّ الزاني الحرّ البالغ البكر- وهو الذي لم يتزوج- مائة جلدة ، وكذلك الزانية الحرّة البالغة البكر غير المكرهة .وثبت بالسُّنة زيادة على هذا الجلد: تغريب عام.وأمّا من كان محصناً من الأحرار، رجلاً أو امرأة ، بالغاً عاقلاً ، وكان قد وطئ أو وُطئت في نكاح صحيح، فعليه وعليها الرجم بالسُنّة الصحيحة المتواترة.وقيل: إن هذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء (الآيتان ١٥و ١٦) .والخطاب في هذه الآية للأئمة والحكام، ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين، والإمام ينوب عنهم .﴿وَلَا تَأۡخُذۡكُم﴾ أيها الحـكّـام﴿بِهِمَا رَأۡفَةٞ﴾ [وقرأ ابن كثير المكي بفتح الهمزة (رأَفَة)] أي: رحمة ، ورقة قلب .﴿فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ أي: في إقامة حدّة الذي شرعه، إذا رُفع إليكم ، أو: في حكم الله وشرعه ، بأن يحملكم على تعطيل حكم الله ، شفاعةٌ ، أو قرابة ، أو صداقة ، أو غيرها .فحقيقة الرأفة : إقامة حدّ الله عليه. وفي الحديث :«تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حدّ فقد وجب» .رواه أبو داود. وفي الحديث الآخر : «لحدّ يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً».﴿إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ ﴾ أي: إن كنتم أيها الحكام تصدّقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال ، فلا تعطّلوا حدود الله ، بل أقيموا حدوده وشرعه .يقال: رأف به – مثلّثة الهمزة – رَأْفة ورآفة ورَأفاً : إذا رحمه .﴿وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا﴾ أي: وليحـضـر الجلد للبِكْريـن ﴿طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: جمـاعة أو فـرقـة مـن المسلمين، زيادة في التنكيل بهما ، ليكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما ، أو: ليتمّ النكال والردع عن الفاحشة باشتهار الأمر ، وما فيه من الخزي والفضيحة والعار، وبمشاهدة أحكام الشرع ، وإقامة الحدّ ، بالفعل والتطبيق، ليستقر به الفهم ، ويقوى به العلم . فائدة فقهيةللعلماء في حكم الزاني والزانية تفصيل ، كما يلي:إما أن يكون الزاني بكراً ، لم يتزوج بَعْدُ ، فهذا حدّه مائة جلدة ، كما في الآية ، رجلاً كان أو امرأة، حراً بالغاً عاقلاً .وزادت السُّنة على ذلك التغريب عاماً ، واختُلف فيه على قولين :الأول: فذهب الجمهور إلى مشروعية التغريب عاماً عن بلده بعد الجلد، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذيْن أتيا رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله ، إن ابني هذا كان عسيفاً – أي: أجيراً – على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة و وليدة ، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرّجم . فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ، لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، واغد يا أُنيس- لرجل من أسلم – إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت، فارجمها» فغدا عليها، فاعترفت ، فرجمها.وفيه دلالة على تغريب الزاني عاماً مع جلده مائة ، إذا كان بكراً غير محصن.الثاني: وذهب أبو حنيفة – خلافاً للجمهور – إلى أن التغريب عائد إلى الإمام ورأيه، فإن شاء غرّب، وإن شاء لم يغرّب .قلت: و الذي عليه الجمهور أوْلى عندي لظهور دليله. و الله أعلم.أما إذا كان الزاني – والزانية – مُحصناً ، وهو الذي قد وطئ – أو وُطئت – في نكاح صحيح ، فإن الحكم في حقّه الرّجم لا الجلد ، وقد أمر به رسول الله ﷺ وفعله في زمنه مراراً ، فيكون هذا من نسخ الكتاب بالسُّنة القطعية – أي: نسخ حكم المحصن بالجلد ، كما في الآية ، إلى الرّجم ، كما في السنّة – ويكفي في تعيين الناسخ ما ذُكر من أمره وفعله ﷺ ، وقد أجمع عليه الصحابة، وسلف الأمة ، والأئمة ، وهذا على قول من قال بنسخ الكتاب بقطعيّ السنة ، واستدلّ عليه:بما في الصحيحين من حديث مالك عن ابن عباس أن عمر قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد ، أيها الناس، فإن الله تعالى بعث محمداً ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه: آية الرّجم ، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان، أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حقّ على من زنى، إذا أحصن، من الرجال ومن النساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبَل،أو الاعتراف». وفي رواية عنه: «ولولا أن يقول قائل: أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه ، لأثبتها ، كما نزلت» رواه أحمد والنسائي .وأخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي عن محمد بن سيرين: أن ابن عمر قال: «نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان ، وفينا زيد ابن ثابت ، فقال زيد : كنا نقرأ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» قال مروان : ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك ، وفينا عمر بن الخطاب ، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فذكر كذا وكذا ، و ذكر الرجم، فقال: يا رسول الله ، اكتب لي آية الرجم ، قال: لا أستطيع الآن ، هذا أو نحو ذلك». ورواه النسائي من حديث زيد بن ثابت.قال ابن كثير: فهذه طرق كلّها متعددة متعاضدة، دالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة ، فنسخت تلاوتها، وبقي حكمها معمولاً به.وقد ثبت في الصحيحين من حديث الأجير –المتقدّم – أن رسول الله ﷺ أمر برجم المرأة لما زنت مع الأجير ، واعترفت ، وصحّ عنه أنه رجم ماعزاً والغامدية لما زنيا وكانا محصنين ، وقال عن الغامدية لما ماتت : «لقد تابت توبة لو وزّعت على أهل الأرض لوسعتهم».واختلفوا : هل يُجمع على المحصن جلد ورجم ، أم يكون في حقّه الرجم فقط؟ على قولين:الأول: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور إلى كون الرجم وحده في حقّ المحصن ، واستدلوا بأنه لم يُنقل عن رسول الله ﷺ أنه جلد ماعزاً والغامدية قبل الرجم ، أو أمر بجلد المرأة لماّ زنت مع الأجير قبل رجمها .الثاني : وذهب أحمد إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية ، والرجم للسنّة ، واستدل بما رواه أهل السّنن وأحمد في المسند من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عنّي ، خذوا عنّي ، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم».قلت: و المتعين عندي قول الجمهور، لعدم ثبوت الجلد في قضية ماعز والغامدية.وذهب الجمهور من العلماء إلى أن حكم الرجم في حقّ الثيّب المحصن قد نَسخ حكم إمساك الزانيات المتزوجات في البيوت - كما ذهب إليه الجمهور في تفسير آية :(١٥) من سورة النساء- لإحصانهنّ .كما نسخ حكمُ الجلد ، حكمَ الأذى لمن يأتي الفاحشة من الرجال والنساء، وهو غير محصن، كما ذهب إليه الجمهور أيضاً في تفسير آية: (١٦) من سورة النساء .واستدلّ على حكم النسخ بقوله في حديث عبادة بن الصامت المتقدم : «قد جعل الله لهن سبيلاً» . وهذا على قول من قال بالنسخ في كتاب الله .واختلف في قوله:(طائفة من المؤمنين) على أقوال:فقيل: الطائفة: الرجل فما فوقه. وقال مجاهد: الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف، وكذا قال عكرمة. وقال أحمد : إن الطائفة تصدق على واحد .وقال عطاء: اثنان .وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعداً.وقال مالك: الطائفة أربعة نفر فصاعداً، لأنه لا يكفي في شهادة الزنا إلاّ أربعة شهداء فصاعداً، وبه قال الشافعي .وقال الحسن البصري: عشرة .
24:3Page 350
ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣
The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.
٣ - سبب نزول الآية:أخرج النسائي وأحمد عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول ، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله :(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين) الآية.وأخرج أبو داود والترمذي – واللفظ له – والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : «كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد ، وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عَناق، وكانت صديقة له، فاستأذن النبي ﷺ أن ينكحها ، فلم يردّ عليه شيئاً حتى نزلت:(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) الآية ، فقال رسول الله ﷺ: يا مرثد:(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) فلا تنكحها» .وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لما حرّم الله الزنا، فكان زوانٍ عندهنّ جمال، فقال الناس: لينطلقن فليتزوّجن، فنزلت الآية.﴿ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ﴾ أي: الـزانـي لا يتزوّج ، أو لا يرغب في الزواج إلا بزانية مثله أو مشركة.﴿وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ﴾ أي: والزانية لا يتزوجها ، أو لا يرغب في الزواج بها ، إلا زان مثلها أو مشرك.فالمناسب لكل منهما ما ذُكر ممن على شاكلته في الزنا والفسق والمعصية ، أو في الشرك ممن لا يرى حرمة ذلك ولا يعتقده. والآية إخبار من الله تعالى بذلك- لا نهي- خرج مخرج التغليب ، والمقصود منه: زجر المؤمنين عن نكاح الزانيات ، بعد زجرهم عن الزنا.أي: أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا ، لا يرغب غالباً في نكاح الصّوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته وشاكلته ، وإنما يرغب غالبا في نكاح فاسقة خبيثة مثله ، أو زانية .والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك ، لا ترغب غالباً في نكاح الصلحاء من الرجال ، بل تنفر منهم ، وإنما ترغب غالبا في نكاح من هو على شاكلتها من الفسقة أو المشركين، لأن المشاكلة علّة الأُلفة ، والمخالفة سبب للنفرة .وهي على التغليب ، كقولهم: لا يفعل الخير إلا تقيّ، فإنه جار مجرى الغالب، إذ قد يفعل الخير من ليس بتقيّ .وعن ابن عباس: أن المراد بالنكاح في الآية: إنما هو الوطء أو الجماع ، أي: فالزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية ، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك ، والزانية لا يزني بها إلا زان عاص بزناه أو مشرك لا يعتقد تحريمه.﴿وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ﴾ أي: نكاح الزواني والزانيات والمشركين والمشركات﴿عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ الأخيار، أي: حُرّم على المسلمين أن ينكح زانية أو مشركة وكذلك حرّم على المسلمة أن ينكحها زان أو مشرك. وذلك التحريم لما فيه من التشبّه بالفسقة ، والتعرّض للتهمة ، واحتمال أن تدخل عليه ولداً ليس منه ، فلا يحلّ للمسلم العفيف أن يتزوج امرأة غير عفيفة أو مشركة، وهو يعلم، ولا يحلّ للمرأة العفيفة أن تتزوج رجلا فاجراً غير عفيف أو مشرك ، وهي تعلم.روى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس في قوله تعالى:(وحرّم ذلك على المؤمنين) قال: حرّم الله الزنا على المؤمنين . وفي الحديث : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». والقول الأول في تفسير الآية – وهو أن النكاح فيها بمعنى: العقد والزواج، لا الوطء، وأن (ذلك) تعود إلى نكاح الزانيات والمشركات، لا الزنا – أرجح الأقوال. وهذه الآية كقوله تعالى:(محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)النساء(٢٥) وقوله :(محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان)المائدة(٥).فائدة فقهيةقوله :(وحرّم ذلك على المؤمنين): هل التحريم هنا: تحريم تنزيه ، أم عدم حلّية ، وهل هو خاص ، أو عام؟ على أقوال:الأول : ذهب أحمد إلى القول بتحريم تزوّج العفيف بالبغايا والزواني، وتحريم تزويج العفائف بالرجال الفجار، فلا يصحّ العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي، ما دامت كذلك حتى تُستتاب، فإن تابت عن الزنا صحّ العقد عليها، وإلا فلا.وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، واستدل:بقوله تعالى :(وحرّم ذلك على المؤمنين) أي: نكاح الزواني والبغايا، وإنكاح الزاني المسافح.و بما تقدّم من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد والنسائي ، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أبي داود والترمذي والنسائي والحاكم ، في أسباب النزول ، وفيهما النهي عن التزوّج بالمرأة البغي.فأما إذا حصلت توبة، فإنه يحلّ التزويج ويصحّ العقد، لما أخرجه ابن أبي حاتم عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألمّ بامرأة ، آتي منها ما حرّم الله عليّ، فرزق الله من ذلك توبة ، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها، فما كان من إثم فعليّ .الثاني: وذهب الجمهور إلى أن التحريم في الآية عن نكاح الزواني على المؤمنين، إنما هو تحريم تنزيه، وعُبِّر عنه بالتحريم مبالغة في الزجر، أو حُرّم عليهم باعتبار ما في ضمن العقد عليها من المفاسد، كالتعرّض للتهمة، والتسبب لسوء القالة، والطعن في النسب وغير ذلك .قالوا: فلا تكون الحرمة راجعة إلى نفس العقد ، أي: لا يكون عقد نكاح الزواني والزانيات باطلاً ، للإجماع على صحته .وأما نكاح المشرك والمشركة ، فإن كانت الآية نزلت قبل تحريمه - وقد حُرّم بعد الحديبية – فالأمر بالتحريم ظاهر.وإن كانت الآية نزلت بعد تحريم نكاح المشركين والمشركات ، فتكون حرمته مستندة إلى أدلة أخرى .وقال العلامة حسنين مخلوف في تفسيره «صفوة البيان»: واختار الآلوسي: أن الآية لتقبيح أمر الزاني أشدّ تقبيح ، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا ، لا يليق به من حيث الزنا أن ينكح العفيفة المؤمنة ، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله أو مشركة، هي أسوأ حالاً وأقبح أفعالا منه.وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا، لا يليق أن ينكحها من حيث إنها زانية ، إلاّ من هو على شاكلتها، وهو الزاني ، أو من هو أسوأ حالاً منها ، وهو المشرك. قال: ولا يشكل على هذا صحّة نكاح الزاني المسلم من الزانية المسلمة وكذلك من العفيفة المسلمة ، كما لا يشكل عليه أيضا صحّة نكاح الزانية المسلمة من الزاني المسلم ، وكذلك من العفيف المسلم ، ولا يشكل عليه أيضاً بطلان نكاح المشرك والمشركة.قال: فالمراد بالتحريم: المنع ، وبالمؤمنين: الكاملون في الإيمان، ومعنى منعهم من نكاح الزواني: جعل نفوسهم أبيّة عن الميل إليه، فلا يليق ذلك بالمؤمن الكامل في الإيمان .الثالث: وذهب البعض إلى أن التحريم خاصّ، فإنه لمّا همّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بغايا المشركين وهن موسرات لينفقن عليهم ، نزلت الآية بالتحريم ، فهو خاصّ بهن.الرابع: وقيل: إن التحريم عامّ ، ولكن الآية منسوخة بالآية التي بعدها:(وأنكحوا الأيامى منكم) أي: من المسلمين. ونصّ عليه الشافعي ، فقد أخرج ابن سلام في كتاب «الناسخ والمنسوخ» عن ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: ذُكر عنده:(الزاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة) الآية. فقال : نسختها التي بعدها: (وأنكحوا الأيامى منكم) قال: كان يقال : الأيامى من المسلمين.قلت: و حقيقة التحريم لا تنصرف إلى التنزيه أو الكراهة إلا لصارف، ولا صارف هنا ، فالمتعين عندي قول أحمد بن حنبل. و الله سبحانه و تعالى أعلم.وقد ورد في معنى هذه الآية أحاديث منها:ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاقّ لوالديه ، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال ، والديوث – وهو الذي لا غيرة له على أهله-».وفي رواية : «ثلاثة حرّم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر ، والعاقّ لوالديه، والذي يقرّ في أهله الخبث».و ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن عمّار بن ياسر قال : قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنّة ديوث» .
24:4Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
٤ -﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ﴾ [وفي قراءة: بكسر الصاد(المحصِنات)] أي: يقذفون النساء العفيفات الحرائر بالفاحشة و الزنا ، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم اتفاقاً بين العلماء ، وإنما خصّهن بالذكر: لأن قذفهنّ أشنع ، والعار فيهن أعظم.والمحصنة: المسلمة الحرّة البالغة العاقلة العفيفة .﴿ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ﴾ على ما رَمَوْهُنّ به﴿بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ عدول ، يشهدون عليهنّ بوقوع الفاحشة منهنّ صريحاً، ويجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وإذا لم تكمل الشهود أربعة، كأن كانوا ثلاثة أو أقلّ، كانوا قذفةً ، يحدّون حدّ القذف.وقد وقع في خلافة عمر أنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا .والجملة مبتدأ ، أُخبر عنه بثلاث جمل هي: الأولى:﴿فَٱجۡلِدُوهُمۡ﴾ أي: اجلدوا كل واحد منهم: القاذف، إذا لم يقم البينة على صحة ما قال، والشهود إن كانوا أقلّ من أربعة، فإن أقام القاذف بيّنةً على صحّة ما قاله بشهادة أربعة عدول، يشهدون بذلك صريحاً ، فقد درأ عنه الحدّ وعنهم.﴿ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ﴾ أي: اجلدوهـم هذا العدد، والجلد يكون بسوط أو بعصاً، يؤلم فيه، ولا يبالغ حتى يتلفه، إذ القصد من الحدّ التأديب لا الإتلاف .وفي الآية تقرير حدّ القذف، ثمانون جلدة ، ولكن بشرط أن يكون المقذوف محصناً عفيفاً مؤمنا –رجلاً كان أو امرأة – أما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير، لا الحدّ ،ولا حدّ على من قذف كافراً أو كافرةً.والثانية:﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً﴾ في شيء ﴿أَبَدٗاۚ﴾ أي: ما داموا في الحياة. أي: فاجمعوا لهم بين الأمرين: الجلد، وعدم قبول الشهادة منهم أبداً في حياتهم ، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول.والثالثة : ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله، المجاوزون الحدّ بالمعصية ، لخروجهم عمّا وجب عليهم من رعاية حقوق المحصنات.فأوجب على القاذف إذا لم يأت ببينة على صحة ما قال بثلاثة أحكام:أحدها: أن يجلد ثمانين جلدة.والثاني: أن تردّ شهادته أبداً.والثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل، لا عند الله ، ولا عند الناس. وفيه دليل على أن القذف من كبائر الذنوب. وفي الحديث الصحيح: «اجتنبوا السبع الموبقات» ، وعدّ منهن: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
24:5Page 350
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
٥ -﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾ أي: من بعـد اقترافهم لذنب القذف.﴿وَأَصۡلَحُواْ﴾ أعمالهم- والتي من جملتها ذنب القذف – وتداركوا ذلك بالتوبة والإنابة والنّدم ، والانقياد للحدّ .﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لهم قذفهم﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم ، حيث وفقهم إلى التوبة والإنابة والانقياد للحدّ وقبول توبتهم وعفوه عنهم .فائدة فقهيةوللعلماء في هذا الاستثناء مذاهب ثلاثة:أولها : اتفقوا على رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة ، وهي جملة «الفسق» فلا يزول عنهم اسم الفسق إلا بالتوبة والإصلاح في القول والعمل .ثانيها : واتفقوا على عدم رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى ، وهي جملة الجلد ثمانين ، فيجلد القاذف حدّ الجلد ، ثمانين جلدة ، وإن تاب وأصلح. أي: أن الحدّ لا يرتفع بالتوبة.ثالثها: واختلفوا في رجوع الاستثناء إلى الجملة الثانية ، وهي: جملة عدم قبول الشهادة ، على أقوال:فعند مالك والشافعي وأحمد والجمهور: أن الاستثناء يرجع إليها أيضا ، أي: فلا تقبل شهادتهم في أي شيء أبداً، ما داموا مصرّين على عدم التوبة، فإن تابوا وأصلحوا وأحسنوا، قُبلت شهادتهم وارتفع عنهم حكم الفسق. وإليه ذهب سعيد بن المسيب وجماعة من السلف.وذهب أبو حنيفة إلى أن الاستثناء لا يرجع إليها ، إنما يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق عنده بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة ، فلا تقبل منهم شهادة أبداً ، أي: طول الحياة وإن تابوا وأصلحوا.والخلاف في هذا مفرّع على الخلاف في عود الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة، هل يعود إلى الكلّ أو إلى الأخيرة فقط؟وقال الشعبي والضحّاك : لا تقبل شهادته وإن تاب، إلاّ أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته .أمّا طبيعة توبة القاذف فتكون بأن يكذّب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه ، وأقيم عليه الحدّ بسببه ، ولو تيقن وقوعه ، فلابدّ له أن يعترف بالكذب على نفسه أو يأتي بأربعة شهداء عدول يشهدون على ذلك تصريحاً ، ولا سبيل إليه .
24:6Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦
And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
٦ - أسباب نزول الآيات ( ٦-٩):أخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس: أن هلال بن أمية – وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم في التخلّف عن رسول الله ﷺ إلى تبوك – قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء ، فقال له النبي ﷺ: «البيّنة أو حدّ في ظهرك» فقال: يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البيّنة؟فجعل النبي ﷺ يقول : «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحدّ ، فنزل جبريل، فأنزل الله عليه:(والذين يرمون أزواجهم)الآية ، فقرأ حتى بلغ:(إن كان من الصادقين).فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليهما، فشهد هلالٌ، والنبي ﷺ يقول : «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب» ثم قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها، وقالوا : إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت ، حتى ظننّا أنها ترجع ، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت ، فقال النبي ﷺ : «أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء» ، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن» .وأخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث أنس بن مالك ، قال: لأول لعان كان في الإسلام : أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته ، فرفعه إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «أربعة شهود ، وإلاّ حدّ في ظهرك» ، فقال : يا رسول الله ، إن الله يعلم إني لصادق ، ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد. فأنزل الله آية اللعان:(والذين يرمون أزواجهم) إلى آخر الآيات . قال : فدعاه النبي ﷺ فقال: «اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا» فشهد بذلك أربع شهادات ، ثم قال له في الخامسة: «ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا» ففعل ، ثم دعاها رسول الله ﷺ فقال: «قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا» فشهدت بذلك أربع شهادات ، ثم قال لها في الخامسة: «وغضب الله عليكِ إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا» قال : فلما كانت الرابعة أو الخامسة ، سكتت سكتة، حتى ظنوا أنها ستعترف ، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول ، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقال : «انظروا ، فإن جاءت به جعداً حمش الساقين، فهو لشريك به سحماء ، وإن جاءت به أبيض سبطاً قصير العينين ، فهو لهلال بن أمية» ، فجاءت به جعداً حمش الساقين ، فقال رسول الله ﷺ: «لولا ما نزل فيهما من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن» .وأخرج أحمد – وأبو داود بنحوه مختصراً- عن ابن عباس : قال: لما نزلت : (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) قال سعد بن عبادة ، وهو سيد الأنصار: أهكذا أُنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم؟» فقالوا: يا رسول الله ، لا تلمه ، فإنه رجل غيور، والله ما تزوّج امرأة قطّ إلا بكراً، وما طلقّ امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم إنها لحقّ، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيّجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء، فو الله إني لا آتي بهم، حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيجه حتى أصبح ، فغدا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني ، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به ، واشتدّ عليه، واجتمعت عليه الأنصار، وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً . وقال هلال : يا رسول الله ، فإني قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق ، فو الله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله عليه الوحي، فأمسكوا عنه ، حتى فرغ من الوحي، فنزلت: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الآيات، فسُرّي عن رسول الله ﷺ ، وقال: «أبشر يا هلال ، قد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً». قال: فأرسلوا إليها، فجاءت ، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، فذكّرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله، لقد صدقت عليها، فقالت: كذب ، فقال رسول الله ﷺ: «لاعنوا بينهما» ، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة، قيل له: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ، فقال: والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها ، فشهد في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل للمرأة : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي ، فشهدت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين .ففرّق رسول الله ﷺ بينهما ، وقضى أن لا يُدعى ولدها لأبٍ ، ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها، فعليه الحدّ ، و قضى أن لا بيت لها عليه ، ولا قوت لها ، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ، ولا متوفىّ عنها، وقال : « إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين ، فهو لهلال ، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلّج الساقين سابغ الأليتين، فهو للذي رُميت به» فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ: «لولا الأيْمان لكان لي ولها شأن». قال عكرمة: فكان – أي: ولدها – بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يُدعى لأمّه، ولا يُدعى لأبٍ . وفي الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من حديث سهل بن سعد الساعدي ، قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي ، فقال: سل رسول الله ﷺ: أرأيت رجلاً وجد رجلاً مع امرأته، فقتله، أيُقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ ، فعاب رسول الله ﷺ السائل، قال: فلقيه عويمر، فقال: ما صنعت؟ فقال: ما صنعت؟ إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله ﷺ ، فعاب السائل، قال عويمر: والله لآتينّ رسول الله ﷺ فلأسألنّه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها ، قال : فدعا بهما، ولاعن بينهما ، قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله ، لقد كذبتُ عليها ، قال: ففارقَها ، قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، فصارت سنّة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ: «أبصروها ، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين ، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر ، كأنه وحرة ، فلا أراه إلا كاذباً» قال: فجاءت به على النعت المكروه.قال الحافظ ابن حجر: اختلف الأئمة في هذا ، فمنهم من رجّح أنها نزلت في هلال، ومنهم من رجّح أنها نزلت في عويمر، ومنهم من جمع بينهما . ويحتمل أن النزول سيق بسبب هلال، لأنه قال في قصّة هلال : «فنزل جبريل» ، ثم صادف مجيء عويمر، ولم يكن له علم بما وقع لهلال، لقوله في قصّة عويمر: «فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها». وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال ابن جحر: ولا مانع من تعدّد الأسباب .﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ﴾ أي: يقذفونهنّ بالفاحشة والزنا ، والمراد بهنّ: الحرائر ، لا المملوكات.﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ﴾ أي: على ما رمَوْهُـنّ به ﴿إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ﴾ أي: فليس له عليها بيّنة قائمة من شهود ونحوه، إلا نفسه ﴿فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ﴾ لرفع حد القذف عنه ﴿ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ فيما رماها به من الفاحشة والزنا.[وفي قراءة: (فشهادةُ أحدهم) مبتدأ (أربعَ شهادات) بالنصب على المصدر، أي: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات].وسميت شهادة : لأنها نائبة مناب الشهود ، وكونها أربع شهادات: لأنها في مقابلة أربعة شهداء .وكيفيتها أن يقول أربع مرات: «أشهد بالله العظيم ، إني لمن الصادقين فيما رميتها به» .
24:7Page 350
وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧
And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.
٧ -﴿وَٱلۡخَٰمِسَةُ﴾ مبتدأ ، وخبره مقدّر، تقديره: تدفع عنه حدّ القذف، أي: والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة هي: ﴿أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ﴾[و في قراءة: (أنْ لعنةُ الله عليه)] أي: حالّةٌ عليه، واقعة به ﴿إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الفاحشة والزنا.فإن شهد بذلك ، سقط عنه حدّ القذف ، وبانت منه المرأة ، وحرمت عليه أبداً ، فيتوجّه عليها حدّ الزّنا والرجم ولا يُدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن ، كما لاعن هو.واللعن: الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وفعله: كمنع ، ومنه : الملاعنة واللّعان بين الزوجين .
24:8Page 350
وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨
But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.
٨ -﴿وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ﴾ أي: ويدفع عن المرأة العقوبة والعذاب الدنيوي، وهو: الحدّ من الرجم أو الحبس.من الدّرء: وهو الدفع.﴿أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ﴾ أي: الزوج﴿لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الفاحشة والزنا .والمعنى: أنه يدفع عن المرأة الحدَّ شهادتُها أربع شهادات بالله، إن الزوج كاذب فيما رماها به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences