Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
١ - ﴿يسٓ﴾ هذا من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وقد تقدّم ذكره في أوّل سورة البقرة، عند الكلام على الحروف المقطّعة، وهي للتنبيه والبيان، والتحدي والإعجاز. و الله تعالى أعلم بمراده بذلك.
٢ - ﴿وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ أي: المحكم بما فيه من أحكامه وبيّنات حُججه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أو: ذي الحكمة، الذي وصفه الحكمة، وهي: وضع الشيء موضعه، وإنزال الأمر منزله، فأحكامه الشرعية والجزائية مشتملة على غاية الحكمة.والآية: قسم منه تعالى بكتابه المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني، وجوابه: قوله:
٣ - ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ وفيه ردّ على من أنكر رسالته من الكفّار بقولهم: لست مرسلا.
٤ - ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: على طريق معتدل قويم، لا التواء فيه ولا اعوجاج، بل موصل إلى المطلوب.أو: على منهج ودين وشرع مستقيم، وهي طريقة الأنبياء الذين تقدّّموك: التوحيد والهدى.قال العلاّمة حسنين مخلوف في تفسيره: و اعلم أن الأقسام الواقعة في القرآن، وإن وردت في صورة تأكيد المقسم عليه – وهو هنا: رسالة محمد ﷺ – إلاّ أن المقصود الأصلي بها تعظيم المقسم به – وهو هنا: القرآن الحكيم – لما فيه من الدّلالة على اتصافه تعالى بصفات الجلال والكمال، أو على أفعاله العجيبة ، أو على قدرته الباهرة، فيكون المقصود من القسم الاستدلال به على عظم المقسم عليه – وهو هنا: عظم شأن الرّسالة- فكأنه قيل: إنّ من أنزل القرآن – وهو ما هو في عظم شأنه – هو الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحقّ.
36:5Page 440
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
٥ - ﴿تَنزِيلَ﴾ أي: نـزّل الله هـذا القـرآن تنـزيـلَ ﴿ٱلۡعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ بخلقه. [و في قراءة بالرفع:(تنزيلُ)] خبر مبتدأ مقدّر، أي: هذا القرآن أو الصراط والمنهج والدين الذي جئت به، تنزيلُ العزيز الرحيم. أو: إنك لمن المرسلين يا محمّد، إرسال العزيز الرحيم.
36:6Page 440
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
٦ - ﴿لِتُنذِرَ﴾ أي: أرسلناك وأنزلناه عليك لتخوّف بالقرآن ﴿قَوۡمٗا﴾ هم: العرب من قريش وغيرهم، المعاصرون له ﷺ ﴿مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ﴾ برسول ولا كتاب، أي: لم ينذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله في زمن الفترة. أو: أرسلناك بالقرآن لتخوّفهم العذاب الذي أُنذر به آباؤهم الأبعدون على لسان إسماعيـل عليـه السـلام ﴿فَهُمۡ﴾ أي: القوم ﴿غَٰفِلُونَ﴾ عن الشرائع والأحكام بالكفر والفساد ونكران البعث والمعاد. أو: لأنهم غافلون عن العذاب الذي أُنذر به آباؤهم.
36:7Page 440
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
٧ - ﴿ لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ ﴾ أي: والله ، لقد وجب ، وثبت، وتحقّق الحكم أزلاً، في أمّ الكتاب، بالعذاب والعقاب ﴿عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ﴾ أي: أكثر المنذَرين، وهم: كفّار مكّة والعرب، الذين ماتوا على الكفر، وأصرّوا عليه.﴿فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ بالله، ولا يصـدّقون رسلـه، أي: الأكثر منهم لا يؤمنون بإنذارك إيّاهم، لسبق علمنا بسوء اختيارهم، الموجب لإصرارهم الاختياريّ على الكفر، وموتهم عليه.
36:8Page 440
إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨
Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
٨ - ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ﴾ أي: في أعناق هؤلاء المصرّين على الكفر، المحتوم عليهم بالشقاء ﴿أَغۡلَٰلٗا﴾ أي: قيوداً عظيمة، بأن تُضمّ إليها الأيدي. والغُلّ – بالضمّ -: ما تُشدّ به اليد إلى العنق، للتعذيب والتشديد.فاكتفى بذكر الغلّ في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين.﴿فَهِيَ﴾ أي: الأغلال واصلة ﴿إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ﴾ جمع ذَقَن، وهو أسفل اللَّحيين، أو مجمعهما.﴿فَهُم مُّقۡمَحُونَ﴾ أي: رافعون رؤوسهم، مع غضّ أبصارهم، لا يستطيعون أن يطأطئوها، لوصول الأغلال إلى أذقانهم.من الإقماح: وهو رفع الرأس، وغضّ البصر. يقال: أقمحه الغُلّ: إذا ترك رأسه مرفوعاً من ضيقه.والآية: تمثيل لحال هؤلاء المصرّين على الكفر، الشامخين برؤوسهم عن اتباع الرسول، في عدم التفاتهم إلى الحقّ، وعطف أعناقهم نحوه، وطأطأة رؤوسهم إليه – بحال أولئك المغلولين الذين غُلّت أيديهم إلى أعناقهم فلا تنبسط إلى شيء من الخير.فهو مثل ضربه الله لهم في امتناعهم عن الهدى، كامتناع المغلول عن كلّ خير.وقيل: الآية إشارة إلى ما يُفعل بهم في النّار، من وضع الأغلال في أعناقهم، مجموعة إليها أيديهم.
36:9Page 440
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩
And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
٩ - ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا﴾ – بفتح السين وضمّها، في الموضعين، قراءتان – أي: حاجزاً يحجزهم عن الإيمان والهدى وعن اتباع الحقّ، أو مانعاً عن الرّشد.والسّد: الحاجز بين الشيئين.﴿فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ﴾ أي: غطّينا أبصارهم، أو: جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاءً، أو: ألبسناها غشاوة ﴿فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ﴾ أي: لا يقدرون على إبصار هُدىً بسبب ذلك، فلا ينتفعون بخير، ولا يهتدون إليه.والآية: تمثيل آخر لحال هؤلاء – في منعهم عن النظر في الدلائل والآيات، لسوء اختيارهم، وفساد استعدادهم – بحال من أحاطت بهم سدود وحواجز، فحجبتهم عن الإبصار، ومنعتهم عن التفكر والاعتبار.فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، أسداد استكبارهم، وعتوّهم، وعنادهم عن قبول الحقّ، والخضوع له.
36:10Page 440
وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠
And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.
١٠ - ﴿وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ﴾أي: أخوّفتهم بالقرآن ﴿أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ﴾ به ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: إنذارك إيّاهم وعدمه، سواء، فلا ينفعهم الإنذار، ما داموا لا يقبلون الحقّ، ولا يخضعون له.
36:11Page 440
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١
You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.
١١ - ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ﴾ أي: ينفع إنذارك ﴿ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ﴾ أي: آمن بالقرآن، واتّبع ما فيه بالتأمل والعمل به، ﴿وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ﴾ أي: خافه في السّر والعلانية، ولم يره، أو: خافه حيث لا يراه أحد إلاّ الله، فعلم أن الله مطّلع عليه، عالم بما يفعل، ﴿فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ﴾ لذنوبه في الدنيا ﴿وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ﴾ أي: ثواب حسن لأعماله الصالحة، ونيّته الحسنة، في الجنّة، كما قال تعالى:(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)الملك(١٢).والمعنى: إنما تنذر يا محمد إنذاراً نافعاً مستتبعاً أثره، من علم اللهُ أنه اتّبع الحقّ وقصده، وهم الأقلّون، أما هؤلاء المستكبرون، فلا ينفع فيهم الإنذار، بل وجوده وعدمه بالنسبة إليهم سواء.
36:12Page 440
إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢
Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.
١٢ - ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ أي: نبعثهم بعد الموت، يوم القيامة، للمجازاة على الأعمال. قال ابن كثير: وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحقّ، كما قال تعالى في سورة الحديد، آية:١٧، بعد ذكر قسوة القلوب: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها) أي: نحييهم بالإيمان بعد الكفر.﴿وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أي: نحصي ونحفظ عليهم ما أسلفوا في حياتهم الدنيا من خير وشرّ، وأعمال صالحة أو فاسدة، باشروها بأنفسهم ﴿وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ أي: وما تركوه بعدهم من أثر حسن أو سيئ، فنجازيهم على ما قدّموا وما أخّروا.أو: ما سنّوا من سنّة حسنة أو سيئة، فعُمل بها بعدهم.وفي قوله تعالى: (وآثارهم) قولان:أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي آثروها وتركوها من بعدهم فنجزيهم على ذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ.ويؤيد هذا القول:ما أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي، و فيه قوله ﷺ:«من سنّ في الإسلام سُنّة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً».وما أخرجه أيضا مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلاّ من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده».والقول الثاني: أن المراد بذلك: آثار خطاهم بأرجلهم إلى الطاعة أو المعصية، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث ، منها:حديث جابر بن عبد الله ، عند أحمد ومسلم، قال: خَلَت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلِمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: يا بني سلِمة «دياركم تُكتب آثاركم، دياركم تُكتب آثاركم».وأخرج ابن أبي حاتم والترمذي، وقال: حسن غريب، والحاكم وصحّحه عن أبي سعيد الخدري، قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدّموا وآثارهم) فقال لهم النبي ﷺ:«إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا.ورواه الحافظ البّزار عن أبي سعيد، قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بُعْد منازلهم من المسجد، فنزلت: (ونكتب ما قدّموا وآثارهم) فأقاموا في مكانهم.وأخرج الطبراني عن ابن عباس مثله.وأخرج أحمد والنسائي و ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، قال: تُوفّي رجل بالمدينة، فصلّى عليه النبي ﷺ ، وقال:«يا ليته مات في غير مولده» فقال رجل: ولم يا رسول الله؟ فقال:«إن الرجل إذا تُوفّي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنّة».قال ابن كثير: ولا تنافي بين القولين، بل في القول الثاني تنبيه ودلالة على القول الأول بطريق الأوْلى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتب، فلأن تُكتب تلك الآثار التي فيها قدوة بهم من خير أو شرّ بطريق الأوْلى.﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ﴾ أي: من أعمال العباد وآثارهم وغيرها، كان أو هو كائن ﴿أَحۡصَيۡنَٰهُ﴾ أي: ضبطناه وبيّناه، أو أثبتناه وحفظناه ﴿فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ أي: في أصل عظيم يُقتدى به، مظهر لما كان وما يكون إلى يوم القيامة.أو: في كتاب بيّن ، مقتدى به، موضحٍ لكل شيء، وهو اللّوح المحفوظ أو أمّ الكتاب.وقيل: أراد صحائف أعمالهم، كقوله:(يوم ندعو كل أناس بإمامهم)الإسراء(٧١) أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه في الدنيا من خير أو شرّ.والآية ترغيب وترهيب لفريقي المنتفعين بالإنذار، والمصرّين على الكفر و العناد.
36:13Page 441
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣
And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -
١٣ - ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم﴾ يا محمد، أي: اجعل لقومك الذين كذّبوك وردّوا دعوتك، أو: مثّل لهم﴿مَّثَلًا﴾ يعتبرون به ويتّعظون ﴿أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ﴾ قيل: هي أنطاكية، من أرض الرّوم وكان أصحابها من عبدة الأوثان، وقيل: غيرها، وهو الصّحيح.﴿إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ من الله تعالى، يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدّين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي وعبادة الأوثان.أي: قل لهم يا محمّد: لست بدعاً من الرسل، فإن قبلي جاء أصحاب القرية مرسلون، فأنذروهم بما أنذرتكم، وذكّروهم بما ذكّرتكم.
36:14Page 441
إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤
When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."
١٤ - ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ﴾ أي: إلى أهل تلك القرية ﴿ٱثۡنَيۡنِ﴾ من المرسلين ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي: بادروهما بالتكذيب في الرسالة ﴿فَعَزَّزۡنَا﴾ – بالتشديد والتخفيف، قراءتان- أي: فقوّينا الرسالة ﴿بِثَالِثٖ﴾ أي: بمرسل ثالث، أو: قوّينا أمر الاثنين وشددنا أزرهما برسول ثالث ﴿فَقَالُوٓاْ﴾ لهم: ﴿إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ﴾ أي: من ربّكم بتوحيد عبادته، وإخلاص الدين له.من التعزيز: وهو التقوية. يقال: تعزّز لحم النّاقة: إذا صََلُب، وعزّز المطرُ الأرض: إذا لبّدها وشدّها.
36:15Page 441
قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥
They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."
١٥ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: أهل تلك القرية لرسلهم: ﴿مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا﴾ فأيّ مزية لكم علينا، تختصّون بها دوننا؟ كقوله سبحانه و تعالى:(ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا)التغابن(٦) .﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ﴾ أي: ممّا تدّعونه، ويدّعيه غيركم ممّن قبلكم من الرسل وأتباعهم، فأنكروا عموم الرسالة.﴿إِنۡ﴾ أي: ما ﴿أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ﴾ في دعوى إرسالكم.
36:16Page 441
قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦
They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,
١٦ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ﴾ فأكّدوا، الجواب بالقسم، أي: فلو كنّا كذبة ، لبادرنا الله بالعقوبة، ولانتقم منّا.
36:17Page 441
وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧
And we are not responsible except for clear notification."
١٧ - ﴿وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: التبليغ البيّن الظاهر عن الله، بالأدلة الواضحة، والحجج الظاهرة، كقوله:(إن عليك إلاّ البلاغ)الشورى(٤٨) وقوله: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرّعد(٤٠).
36:18Page 441
قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨
They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."
١٨ - ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: أهل تلك القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ﴾ أي: تشاءمنا منكم، فما أصابنا من بلاء، فإنما هو بسببكم ومن أجلكم.من الطيرة: وهو التشاؤم. ﴿لَئِن﴾ اللام لام قسم ﴿لَّمۡ تَنتَهُواْ﴾ عن دعوتكم إلى التوحيد ومقالتكم أنكم أرسلتم إلينا ﴿لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ﴾ بالحجارة ، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم شديد، موجع.
36:19Page 441
قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩
They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."
١٩ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: الرّسل: ﴿طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ﴾ أي: شؤمكم معكم، وهو استدامتكم على الكفر والمعاصي، أو: سببه منكم لا منّا، وهو سوء عقيدتكم وفساد أعمالكم، فشؤمكم مردود عليكم بسبب كفركم وتكذيبكم. أو: أعمالكم وحظّكم من الخير والشرّ معكم.كقوله تعالى في قوم فرعون: (وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله)الأعراف(١٣١) وقوله حكاية عن قوم صالح: (اطّيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله)النمل(٤٧).﴿أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ﴾-بتشديد الكاف وتخفيفها قراءتان- أي: أئن وُعظتم وذُكرتم بالله وخُوّفتم سوء عاقبة أعمالكم، تطيّرتم بنا وقلتم لنا ما قلتم؟وقوله:«أئن»: همزة استفهام دخلت على «إن» الشرطيّة، وجواب الشرط محذوف، تقديره: تطيّرتم وكفرتم، وهو محلّ الاستفهام ، والمراد به: التوبيخ.والمعنى: من أجل أنّا ذكّرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعّدتمونا، وتهدّدتمونا؟﴿بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ أي: مجاوزون الحدّ بكفركم ومخالفتكم للحقّ.
36:20Page 441
وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠
And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.
٢٠ - ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ﴾ أي: يعدو ويُسرع في مشيته ، حرصاً على نصح قومه، حيث سمع بالرسل الذين أرسلوا إليهم.﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ يحض قومه على اتباع الرسل الذين أرسلهم الله إليهم، بالإيمان بالله وحده، ورفض عبادة ما سواه.
36:21Page 441
ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١
Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.
٢١ - ﴿ٱتَّبِعُواْ﴾ تأكيد للاتّباع الأول ﴿مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا﴾ أي: مالاً وثواباً على إبلاغ رسالته ونصحه، وعلى ما جاءكم به من الهدى﴿وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده، وإخلاص الدّين له، فيجدر الاقتداء بهم.
36:22Page 441
وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢
And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?
٢٢ - ﴿وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: أوجدني وأبدعني وخلقني بعد العدم بقدرته.أي: وأيّ مانع يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وأوجدني من العدم بقدرته؟ أي: وكذلك أنتم، مالكم لا تعبدون الله الذي فطركم؟﴿وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ بعد الموت، أي: يوم المعاد ، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيراً فخيراً ، وإن شراً فشرّ.
36:23Page 441
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣
Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?
٢٣ - ﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ﴾ أي: من غير الله ﴿ءَالِهَةً﴾ أي: أصناماً لا تضرّ ولا تنفع، فأعبدها، وأترك عبادة من يستحقّ العبادة؟ وهو استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، بمعنى: النفي، أي: لا أتّخذ من دون الله آلهة آخرى، فهي في المهانة والحقارة بحيث﴿إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ أي: لا تدفع عنّي شفاعة تلك الآلهة شيئاً من الضرّ كائناً ما كان ﴿وَلَا يُنقِذُونِ﴾ من ذلك الضرّ الذي أراده الله بي بالنّصرة والمظاهرة، فلا أحد يشفع عند الله إلاّ بإذنه.
٢٤ - ﴿إِنِّيٓ إِذٗا﴾ أي: إن عبدت غير الله، أو اتخذت من دونه آلهة ، لا تضرّ ولا تنفع ﴿لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح.وهذا تعريض بهم، لأن ما يتّخذه المخلوق ويصنعه ، كيف يُعبد من دون الله؟ثم صرّح لهم بإيمانه تصريحاً لا يبقى بعده شكّ ، فقال:
36:25Page 441
إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥
Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
٢٥ - ﴿إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ﴾ الذي أشـركـتـم بـه ﴿فَٱسۡمَعُونِ﴾ أي: فاسمعوا قولي.فيكون هذا من تمام خطابه لقومه. ويحتمل أن يكون خطابه هذا للرسل، بقوله:(إني آمنت بربكم) أي: الذي أرسلكم (فاسمعون) أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. واختاره ابن جرير. فقتله قومه.
36:26Page 441
قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦
It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know
٢٦ - ﴿قِيلَ﴾ له عند موته: ﴿ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ﴾ ثواباً على صدق إيمانك وفوزك بالشهادة، أي: إنّ ملائكة الموت بشرته عند قتل قومه له بدخول الجنّة في الآخرة. أو: بدخول روحه فيها، وطوافه بها، كأرواح الشّهداء.فلما رأى الثواب، وعاين ما عاين من كرامة الله تعالى ﴿قَالَ﴾ مخبراً بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحاً لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ﴾.
36:27Page 441
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧
Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."
٢٧ - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بغفرانه، حيث أزال عني أنواع العقوبات.﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ﴾ بأنواع المثوبات والمسرّات.تمنّى أن يعلموا بحاله، ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته، إرغاماً لهم، أو: ليؤمنوا مثل إيمانه، ليصيروا إلى مثل حاله.
36:28Page 442
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
٢٨ - ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ﴾ أي: قوم المؤمن المقتول ﴿مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي: من بعد قتلهم له وموته بالشهادة. و«ما» نافية.﴿مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ لإهلاكهم وللانتقام منهم.﴿وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم يكون بالصيحة، لا بإنزال جند من الملائكة عليهم.وهذا من تحقير شأنهم، وتصغير أمرهم، وهوانهم على الله، وعظمة اقتدار الله تعالى عليهم.والمعنى: ما احتجنا في إهلاكنا إيّاهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر علينا من ذلك.وقيل: (وما كنا منزلين) أي: ملائكة على الأمم لإهلاكهم، بل نبعث عليهم عذاباً يدمّرهم ويستأصل شأفتهم.
36:29Page 442
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
٢٩ - ﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [و قرأ أبو جعفر المدني بالرفع في الموضعين من هذه السورة: (صيحةٌ واحدةٌ)] أي: ما كانت هلكتهم إلاّ بصيحة واحدة من السماء، صاح بها جبريل عليه السلام، أو غيره من ملائكة الله.والصيحة: الصّوت المهلك من السماء، هلكوا بها ﴿فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ﴾ أي: ساكنون ميّتون، كالنّار الخامدة التي استحالت رماداً. أو: هالكون.
36:30Page 442
يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠
How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.
٣٠ - ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ﴾ أي: يا غمّا و تندما على العباد المكذبين لرسلهم ، أو: يا حسرة و ويلا منهم على أنفسهم في استهزائهم بالرسل.وقيل: التقدير: يا هؤلاء تحسّروا حسرة على العباد.وقيل: إنها حسرة الملائكة على الكفّار حين كذّبوا الرسل، فأهلكوا.والحسرة: شدّة التألّم، ونداؤها مجاز، أي: هذا أوانك فاحضري.والمعنى: يا حسرتهم وندامتهم وعظم شقائهم يوم القيامة، إذا عاينوا العذاب، كيف كذّبوا رسل الله، وخالفوا أمره؟ فإنهم كانوا ﴿مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ فيكذّبونه ويجحدون ما أُرسل به من الحقّ.وذلك الاستهزاء هو سبب التحسّر عليهم، حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية.
36:31Page 442
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١
Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?
٣١ - ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي: أهل مكّة وغيرهم، والاستفهام للتقرير ، أي: اعلموا﴿كَمۡ﴾ بمعنى: كثيراً ﴿أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ﴾ أي: من الأمم الخالية المكذّبة لرسلهم.﴿أَنَّهُمۡ﴾ أي: المهلكين ﴿إِلَيۡهِمۡ﴾ أي: إلى المكذّبين من أهل مكة وغيرهم ﴿لَا يَرۡجِعُونَ﴾ بعد هلاكهم، أفلا يعتبرون بهم ويتّعظون؟والمعنى: ألم يتّعظوا ويعتبروا بمن أهلك الله قبلهم كثيراً من الأمم المكذّبة للرسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرّة ولا رجعة.
36:32Page 442
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
٣٢ - ﴿وَإِن كُلّٞ﴾ مـن هـؤلاء المهلكـين والمكذّبـين ﴿لَّمَّا﴾ – بالتشديد والتخفيف، قراءتان – ﴿جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ﴾ أي: ما كلّ الخلائق إلاّ مجموعون لدينا يوم القيامة في المحشر، محضرون للحساب والجزاء.ف «إن» نافية بمعنى: ما، و«لمّا» بالتشديد بمـعنى: إلا.أي: جميع الأمم الماضية والآتية، ستحضر للحساب يوم القيامة، بين يدي الله تبارك وتعالى، فيجازيهم بأعمالهم كلّها ، خيرها وشرّها.ومعنى هذا كقوله سبحانه و تعالى: (وإنّ كلاّ لمّا ليوفّينهم ربك أعمالهم)هود(١١١).
36:33Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
٣٣ - ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ﴾ أي: وعبرة لأهل مكة ودلالة لهم على وجود الصّانع، وقدرته التامّة على البعث والنّشور، والقيام بين يديه للجزاء على الأعمال، هذه ﴿ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ﴾ – بالتخفيف والتشديد، قراءتان – أي: المجدبة التي لا نبات فيها ﴿أَحۡيَيۡنَٰهَا﴾ بالماء وإنزال المطر عليها من السماء- بعد موتها- ﴿وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا﴾ كالحنطة و الشعير و غيرهما ﴿ فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ﴾ هم وأنعامهم، وفيه دليل على إحياء الموتى بالبعث.
36:34Page 442
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
٣٤ - ﴿وَجَعَلۡنَا فِيهَا﴾ أي: في تلك الأرض الميتة ﴿جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين ﴿مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ﴾ وهما أشرف الأشجار ﴿وَفَجَّرۡنَا فِيهَا﴾ أي: شققْنا في الأرض ﴿مِنَ ٱلۡعُيُونِ﴾ الجارية المتدفّقة.
36:35Page 442
لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥
That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?
٣٥ - ﴿لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ﴾ – بفتح الثاء والميم، وبضمّهما، قراءتان – أي: ثمر المذكور من النخيل والأعناب .﴿وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ﴾[وفي قراءة: (وما عملت أيديهم)] أي: لم يعملوا الثمر، وإنما الفاعل له هو الله تعالى وحده.فالجملة حالية، و«ما» للنفي، أي: والحال أن الثمر لم تعمله أيديهم، بل العامل له هو الله.ويحتمل أنّ «ما» اسم موصول بمعنى: «الذي»، تقديره: ليأكلوا من ثمره، ومما عملته أيديهم، أي: ما غرسوه وزرعوه، ونصبوه، وصنعوه بقواهم، وهو ما يُتّخذ من الثمر، كالعصير والدبس ونحوهما.﴿أَفَلَا يَشۡكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليهم من هذه النّعم التي لا تعدّ ولا تحصى.والآية إنكار لعدم قيامهم بواجب الشكر.
36:36Page 442
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.
٣٦ - ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ أي: أسبح سبحانه، أي: أنزّهه تعالى عمّا لا يليق به ممّا فعلوه، تنزيهاً خاصاً به، حقيقياً بشأنه عز وجلّ.﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا﴾ أي: أنواع المخلوقات وأصنافها جميعاً.يقال: زوج، لكلّ واحد من القرينين، من الذكر والأنثى، في الحيوان المتزاوج، ولكلّ قرينين فيه وفي غيره، ولكلّ ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضادّاً.وقيل: المراد بالأزواج: خصوص الذكر والأنثى من الأحياء جميعاً، من الحيوان والنبات.﴿مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ﴾ أي: من الزروع والثمار والنّبات ﴿وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: وخلق الأزواج من أنفسهم من الذكور والإناث، أو: وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً ﴿وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ﴾ من المخلوقات التي أوجدها الله، أو قدّر إيجادها، ولم يطلعهم عليها.كما قال تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)الذاريات(٤٩).والآيات: (٣٣- ٣٦) اشتملت على أدلّة أرضية بريّة دالّة على القدرة على البعث، وعلى ما يوجب الإقرار له تعالى بالوحدانية ، وإفراده بالعبادة.
36:37Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧
And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.
٣٧ - ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ﴾ أي: علامة دالّة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، ووجوب توحيده وإلهيّته، وقدرته على البعث والنشور:﴿ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ﴾ أي: ننْزع عنه النهار، أو: ننْزع من مكانه الضوء، الذي هو كاللباس الساتر، فتظهر الظلمة. أو: نخرج منه النهار إخراجاً، لا يبقى معه أثر من ضوئه، فنصرفه منه، ونفصله عنه، فيذهب الضوء، وتجيء الظلمة.والمراد: إزالة ضوء النهار من مكان الليل وموضع ظلمته، ليظهر اللّيل.و السلخ: كشط الجلد و إزالته عن الحيوان المسلوخ، و استعير هنا لإزالة ضوء النهار عن ظلمة الليل.﴿فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام، قد صاروا في ظلمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences