Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الطارق
At-Tariq
The Nightcommer · Meccan · 17 ayahs
١ - ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ﴾ قسم من الله تبارك وتعالى بالسّماء وبالطارق، والمراد به هنا: النّجم البادئ باللّيل، وأصله: الآتي ليلاً، لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة، فيطرقها، ثم اتُّسع فيه، فأطلق على كلّ ما يأتي ليلاً، ومنه النجم الطالع باللّيل، وسمّي طارقاً لأنه يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وفي الحديث: «إلاّ طارقاً يطرق بخير يا رحمن».وفي الإقسام بهما تفخيم لشأنهما، لدلالتهما – في عظم الشكل، وبداعة الصّنع - على عظيم قدرته تعالى.وزاد النّجم المقسم به تفخيماً قوله:
٢ - ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ أي: أيّ شيء أعلمك ما هو؟ وفيه تعظيم لشأن الطارق وتفخيم لأمره، ثم فسّره بقوله:
٣ - ﴿ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ أي: المضيء المتوهّج، كأنه يثقب الظلام بنوره، فينفذ فيه.والمراد به: الجنس، فإن لكلّ نجم ضوءاً ثاقباً.أو نجم معهودٌ، هو نجم الثريّا.أو: النجم الذي يقال له: كوكب الصّباح. أو: النجم المرتفع العالي.وجواب القسم في الآية الأولى، قوله:
86:4Page 591
إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤
There is no soul but that it has over it a protector.
٤ - ﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا﴾ – بتشديد «ما» وتخفيفها: (لَماَ)، قراءتان – ﴿عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾ أي: ما كلّ نفس إلاّ عليها حافظ، أي: مهيمن رقيب قائم عليها في إيجادها وبقائها، وهو الله سبحانه وتعالى. أو: من يحفظ عملها من الملائكة، ويُحصي عليها قولها وفعلها، وما تكسب من خير أو شرّ. فحفظ الملائكة من حفظه تعالى، لأنه بأمره وإذنه.وعُدّي «حافظ» ب «على» لتضمّنه معنى القيام والإحصاء. و «إن» نافية و «لمّا» بمعنى: إلاّ.وفي قراءة التخفيف: (لَماَ)، تكون «ما» للتوكيد، و «إن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: إنه كل نفس لعليها من الله حافظ، كقوله: (له معقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)الرّعد(١١). أو: عليها حافظ، هو الله تعالى.
٥ - ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ﴾ نظر تفكّر واعتبار، والمراد: جنسه ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ أي: من أيّ شيء خُلق؟ ليعلم قدرة الله على البعث، فإن من قدر على البداءة، فهو قادر على الإعادة بطريق الأوْلى والأحرى.ثم بيّن جواب الاستفهام بقوله:
٦ - ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ﴾ أي: من ماء ذي دَفْق، أي: مصبوب أو منصبّ بدفع وسرعة في الرّحم.والدّفْق: صبّ فيه دفع وسيلان بسرعة.ودافق بمعنى: مدفوق، كالحافر بمعنى: المحفور.وكلّ من ماء الرجل و ماء المرأة اللذّين يتخلق منهما الجنين ذو دفق في الرّحم.
86:7Page 591
يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧
Emerging from between the backbone and the ribs.
٧ - ﴿يَخۡرُجُ﴾ هذا الماء الدافق ﴿مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ أي: من بين صلب كلّ واحد من الرجل والمرأة، وترائب كلّ منهما. والصّلب: الظّهر.والترائب: جمع تريبة، وهي ما بين الثديين أو ما فوقهما.أو هي أطراف المرء: يداه ورجلاه وعيناه. وهما كناية عن البدن كلّه. والجملة صفة «ماء».أي: أن أعضاء وقوى كلّ من الرجل والمرأة تتعاون في تكوين ما هو مبدء لتوالد الإنسان: ماء الرجل، وهو المنيّ، ومادّة المرأة، وهي البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبّان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسيّ. ومادّة المرأة هذه تُسمّى: منيّا وماءً.
86:8Page 591
إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨
Indeed, He [i.e., Allāh], to return him [to life], is Able.
٨ - ﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى ﴿عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ﴾ أي: بعث الإنسان بعد موته ﴿لَقَادِرٞ﴾ فإن الإنسان إذا اعتبر أصله، علم أن القادر على البدء قادر على البعث والإعادة.
٩ - ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى﴾ أي: تُختبر وتكشف، أو: تظهر وتُعرف ﴿ٱلسَّرَآئِرُ﴾ أي: ضمائر القلوب ومكنوناتها من العقائد و النيات وغيرها.والمعنى: يُرجعه يوم تُكشف المكنونات، وتبدو ظاهرة للعيان، وهي ما أُسرّ في القلوب من العقائد والنيّات وغيرها، وما أُخفي من الأعمال، ويُميّز بين الطيّب منها والخبيث. وهو يوم القيامة.وأصل الابتلاء: الاختبار والامتحان، وإطلاقه على الكشف والإظهار، إطلاق على اللازم.
86:10Page 591
فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠
Then he [i.e., man] will have no power or any helper.
١٠ - ﴿فَمَا لَهُۥ﴾ أي: الإنسان في ذلك اليوم ﴿مِن قُوَّةٖ﴾ في نفسه يمتنع بها من عذاب الله ﴿وَلَا نَاصِرٖ﴾ ينتصر به، فينصره ويدفع عنه ما نزل به.
١١ - ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ﴾ قسم من الله تبارك وتعالى بالسماء المظلّة ذات المطر. أو ذات السّحاب الذي فيه المطر. وسمّي رجْعاً: لأن السّحاب يحمل الماء من بخار البحار والأنهار، ثم يُرجعه إلى الأرض مطراً.أو لأنه يعود ويتكرّر، من رجع: إذا عاد. ولذا يُسمّى أوْبا، لرجوعه وتكرّره. ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: (ذات الرّجع) أي: السماء التي ترجع بالأقدار والأرزاق والشئون الإلهية كلّ وقت.
١٢ - ﴿وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ﴾ أي: ذات النّبات، لتصدّعها وانشقاقها عنه.وأصل الصّدع: الشقّ، وأُطلق على النبات مجازاً، لأن الأرض تتصدّع وتنشقّ عنه. ويحتمل أنها تتصدع عن الأموات يوم القيامة.والنبات في الأرض إنما يكون بسبب المطر النّازل من السماء. وقد أقسم الله بهما على حقّيّة القرآن الناطق بالبعث، فقال:
١٣ - ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ﴾ يفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وقد بلغ الغاية في ذلك، حتى كأنه نفس الفصل. وهو جواب القسم.ومن تتمّته وصفه بقوله:
١٤ - ﴿وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ﴾ أي: ليس في شيء منه شائبة الهزل، وهو اللّعب والباطل، بل هو جَدٌّ كلّه، حقّ كلّه.
١٥ - ﴿إِنَّهُمۡ﴾ أي: الكفار ﴿يَكِيدُونَ كَيۡدٗا﴾ أي: يمكرون في إبطال ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحقّ وإطفاء نور الله، مكراً شديداً.
١٦ - ﴿وَأَكِيدُ كَيۡدٗا﴾ أي: وأمكر بهم مكراً، فأجازيهم وأُملي لهم، وأقابل كيدهم بكيد متين، لا يستطيعون له دفعاً، وأستدرجهم من حيث لا يعلمون، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهو للمشاكلة اللفظية، كما قال تعالى:(ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)الأنفال(٣٠).و فيه إثبات صفة الكيد و المكر لله تعالى على ما يليق بجلاله و كماله.
86:17Page 591
فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا ١٧
So allow time for the disbelievers. Leave them awhile.1
١٧ - ﴿فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: أنظرهم، وأمهلهم، ولا تستعجل عقابهم، وانتظر تدبير الله فيهم. يقال: مهِّل وأمهل بمعنى: أَنْظِر.والاسم منه: المُهْلة. والاستمهال: الانتظار. وهو وعيد شديد لهم، وتهديد أكيد.﴿أَمۡهِلۡهُمۡ﴾ تكرير بلفظ آخر للتأكيد ﴿رُوَيۡدَۢا﴾ أي: أنظرهم إنظاراً قريباً، أو: أمهلهم إمهالاً قليلاً، حتى آمرك بقتالهم.مصغّر رُودٍ، بوزن عُودٍ، من قولهم: فلان يمشي على رودٍ، أي: على مهلٍ.وأصله: من رادت الريح تروُد، إذا تحرّكت حركة ضعيفة.وقيل: مصغّر إرواد على الترخيم. وقد أخذهم الله ببدر، وأمره بالقتال والجهاد. والله تعالى أعلم.انتهى تفسير سورة الطارق
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences