Al-Jami' al-WajizAl‑A'raf · 7:1–26

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الأعراف

Al-A'raf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

7:1Page 151

الٓمٓصٓ ١

Alif, Lām, Meem, Ṣād.1

١ - ﴿الٓمٓصٓ﴾ الله تعالى أعلم بمراده بذلك. وقد تقدّم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، و حاصلها: أن القرآن مركب من مثل هذه الحروف، و هي للتحدي والإعجاز و البيان .

7:2Page 151

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

٢ - ﴿كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد،أي: هذا كتاب أنزل إليـك من ربّك، ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ﴾ أي: ضيق من إبلاغ الكتاب إلى النّاس، خشية أن يكذّبوك ويؤذوك، فإن الله حافظك وناصرك، فلا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا به، ولم يستجيبوا لك، ولا تبال بما يلقوْنك به من التكذيب، والأذى ، والإعراض، والتّعنّت، (فإنما عليك البلاغ)الرعد(٤٠). وقيل: المراد: فلا يكن في صدرك شك ولا لبس في كون هذا القرآن كتاب الله، أنزله إليك لدعوة النّاس جميعاً إلى دين الله. والمراد بهذا النّهي: الاجتهاد في مقاومة الشّدائد، والتسلي عنها بوعد الله، والتأسي بالرسل أولي العزم السّابقين. والحرج: شدّة الضّيق . ومثله قوله تعالى: (فلعلّك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير)هود(١٢). ﴿لِتُنذِرَ بِهِۦ﴾ أي: كتاب أُنزل إليك لإنذار النّاس به، وإبلاغهم إياه، وتخويفهم به من عقاب الله، مَن عصاه ﴿وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: تذكرة وعظة لهم به وبفضله سبحانه على المؤمنين، فالكتاب أنزلناه إليك للإنذار والإعذار، والموعظة والادّكار.

7:3Page 151

ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

٣ - ﴿ٱتَّبِعُواْ﴾ أيها النّاس ﴿مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ أي: القرآن والسّنة، لأنها تبيّنه وتفسره. قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عن فانتهوا)الحشر(٧). وقوله: (من ربّكم): فيه: أنه إذا اتبعتم الكتاب والسّنة كَمُلت تربيتكم، وتمّت النّعمة عليكم، وهُديتم لأحسن الأقوال والأعمال والأحوال. ﴿وَلَا تَتَّبِعُـواْ﴾ أي: ولا تتخـذوا ﴿مِن دُونِهِۦٓ﴾ أي: من دون الله ﴿أَوۡلِيَآءَۗ﴾ تتولّونهم وتطيعونهم في معصية الله، وتجعلونهم شركاء له في العبادة والدّعاء والسؤال. أو: ولا تتبعوا من دون كتاب الله، وما جاءكم به الرّسول (أولياء) وأنصاراً تكونون لهم ولأهوائهم تبعاً، فيخرجونكم عن حكم الله إلى حكم غيره. ﴿قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتعتبرون، فالقلّة من النّاس هي التي تتعظ، وتعتبر، وتعقل عن الله آياته وحججه وبراهينه، ومثله قوله: (وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف(١٠٣)، وقوله: (وإن تُطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)الأنعام(١١٦)، وقوله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون)يوسف(١٠٦). [وفي قراءة: (يتذكرون)- بياء قبل التّاء -و في أخرى: (تذّكّرون) بتشديد الذّال، وأصلها: تتذكرون، فأدغمت التاء الثانية في الأصل في الذال].و«ما»حرف لتأكيد القلّة.

7:4Page 151

وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

٤ - ﴿وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ﴾ أي: وكثير مـن أهـل قريـة ﴿أَهۡلَكۡنَٰهَا﴾ أي: أردنا، أو قصدنا إهلاكها، ودمارها، بسبب إعراضهم عن الحقّ، وإصرارهم على الكفر، وتكذيبهم رسلنا، ﴿فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا﴾ أي: عذابنا ونقمتنا ﴿بَيَٰتًا﴾ أي: ليلاً وهم نائمون ﴿أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ﴾ أي: مستريحون أو نائمون نصف النّهار وقت القائلة. والمعنى: فجاءهم عذابنا على حين غفلة منهم، مرة وهم نائمون ليلاً، ومرّة وهم قائلون نهاراً. والآية: إنذار لمشركي مكة. والبيات: قصد العدوّ ليلاً، يُقال: بيّت القوم العدوّ بياتاً: إذا أوقعوا به ليلاً، وكل عمل عُمل بليل فهو تبييت. وجملة: (بياتاً) حال، بمعنى: بائتين، أي: حال كونهم كذلك. والقيلولة: نومة الظهيرة، أو الاستراحة نصف النّهار، ولو بدون نوم، يقال: قال يقيل قيلاً وقيلولة، فهو قائل، والجملة حال بمعنى: أو قائلين. وإنزال العذاب في هذين الوقتين، وهما وقت الغفلة والسّكون والدّعة، أقسى وأشدّ و أفظع، كقوله: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون ٩٧ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضُحىً وهم يلعبون ٩٨)الأعراف(٩٧-٩٨). ومثل هذه الآية قوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر مُعطّلة وقصر مَشيد)الحجّ(٤٥) وقوله: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنّا نحن الوارثين)القصص(٥٨).

7:5Page 151

فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

٥ - ﴿فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: دعاؤهم وتضرّعهم. وقيل: فما كان قولهم واعترافهم على أنفسهم ﴿إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ﴾ أي: عند مجيء العذاب والهلاك، ونزوله بهم، ﴿إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ فاعترفوا بذنوبهم، وبظلمهم أنفسهم بالإشراك بالله وتكذيب رسله، وأنهم حقيقون بهذا العذاب والانتقام، كقوله سبحانه و تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ١١ فلمّا أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ١٢ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه و مساكنكم لعلكم تسألون ١٣ قالوا يا ويلنا إنا كنّا ظالمين ١٤ فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين ١٥)الأنبياء(١١-١٥). قال ابن جرير: وفي الآية: دلالة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ:«ما هلك قوم حتى يُعذروا من أنفسهم».و الدعوى في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الدعاء ، و الآخر: الادعاء للحق على الشيء .

7:6Page 151

فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

٦ - ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ﴾ يوم القيامة الأمم ﴿ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ المرسلون عمّا أجابوا به رسلهم عند دعوتهم، وعن عملهم فيما بلّغهم الرسل عن رّبهم. والسؤال للتوبيخ. ﴿وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ عن إبلاغ رسالات ربّهم، وعمّا أجابتهم به أممهم وعمّن أطاع وعصى. والسّؤال هنا لتقريع الأمم إذا أنكروا التبليغ. ومثله قوله: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين)القصص(٦٥). وفي الحديث: عند ابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:«كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيّته، فالإمام يُسأل عن رعيته، والرّجل يُسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يُسأل عن مال سيده، ثمّ قرأ: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)». وهو مخرّج في الصحيحين بدون زيادة قوله: ثمّ قرأ الآية.

7:7Page 151

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم﴾ أي: على الرّسل، والمرسل إليهم عمّا وقع بينهم من التبليغ والإجابة. والقصّ: تتبع الأثر بالقول أو العمل. ﴿بِعِلۡمٖۖ﴾ تام منّا ويقين وإحاطة لأحوالهم وأعمالهم. ﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ عنهم وعن أعمالهم حتى يخفى علينا شيء من إبلاغ الرّسل أممهم، وإجابة الأمم لهم. أو: فلنخبرنّ العباد يوم القيامة بما قالوا، وبما عملوا، من قليل وكثير، وجليل وحقير، كقوله تعالى: (أحصاه الله ونسوه)المجادلة(٦)، وقوله جل في علاه: (وما كنّا عن الخلق غافلين)المؤمنين(١٧).

7:8Page 151

وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

٨ - ﴿وَٱلۡوَزۡنُ﴾ للأعمال أو لصحائفها، كائن ﴿يَوۡمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم ﴿ٱلۡحَقُّۚ﴾ أي: العدل الذي لا ظلم فيه، والقسط الذي لا جوْر فيه. و«الحقّ» صفة «الوزن». أو: والوزن الحقّ، أي: العدلُ الذي لا ظلم فيه لصحائف الأعمال، كائن يوم القيامة، وإنما توزن الصحائف يومئذ بميزان، لإظهار العدل الإلهي على رؤوس الأشهاد. وقيل: المراد بالوزن الحقّ: العدل التّام في القضاء بين العباد.وأخرج البيهقي في «الشُّعب» عن ابن عباس، قال:«الميزان له لسان و كفّتان، يوزن فيه الحسنات والسّيئات» وذلك إظهاراً للعدل وقطعاً للعذر. ومثله قوله: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسٌ شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)الأنبياء(٤٧). ﴿فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ﴾ بأن رجحت حسناته على سيئاته. جمع موزون، والمراد: رجحت أعماله الصّالحة الموزونة ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون، النّاجون من المكروه و المرهوب، المدركون للمحبوب والمطلوب.

7:9Page 151

وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

٩ - ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ﴾ بأن رجحت سيئاته على حسناته ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم﴾ بتصييرها إلى النّار وتعريضها للعذاب، إذ فاتهم النّعيم المقيم، وحصل لهم العذاب الأليم. ﴿بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ﴾ أي: يجحدون ويكذّبون. ومثله قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ١٠٢ و من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون ١٠٣)المؤمنون(١٠٢-١٠٣)، وقوله: (فأما من ثقلت موازينه ٦ فهو في عيشة راضية ٧ وأمّا من خفت موازينه ٨ فأمّه هاوية ٩)القارعة(٦-٩). فائدةقال ابن كثير: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة، على أقوال ثلاثة:الأول: قيل: الأعمال وإن كانت أعراضاً، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً، كما في الصحيحين من«أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صوّاف، تحاجّان عن صاحبهما». الثّاني: وقيل: محال الأعمال، وذلك بوزن كتاب الأعمال، أو الصحائف، كما في حديث البطاقة عند أحمد بسند حسن، والترمذي وصححه، وابن ماجه وابن حبّان، والحاكم- وصححه- والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو:«في الرّجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع السجلات في كفّة، والبطاقة- التي فيها لا إله إلا الله- في كفّة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء». الثالث: وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث:«يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة ثمّ قرأ: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)الكهف(١٠٥)». وفي مناقب ابن مسعود أن النّبي ﷺ قال:«أتعجبون من دقّة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد». وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار: بأن يكون ذلك كلّه صحيحاً،فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. والله تعالى أعلم.

7:10Page 151

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

١٠ - ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ﴾ يا بني آدم ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ بأن جعلناها لكم مكاناً وقراراً، و وطأناها لكم مهاداً، وهيأنا لكم فيها منافع وأسباباً للرزق ﴿وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ﴾ أي: ما تعيشون به، وتحيون من المطاعم والمشارب، ونحوها. أو أسباباً تعيشون بها من المكاسب والتّجارات والمهن،و نحوها. جمع معيشة، وهي في الأصل: مصدر عاش يعيش، عيشاً، وعيشة، ومعاشاً ومعيشة، إذا صار ذا حياة. ثم استعمل فيما يعاش به، أو يُتوصل به إلى العيش. ﴿قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ الله على ذلك، و«ما»حرف لتأكيد القلّة، و«قليلاً»: صفة مصدر محذوف، أي: شكراً قليلاً. والآية: تذكير بفنون من النّعم توجب الإيمان بالله.

7:11Page 151

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١

And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.

١١ - ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم، من تراب، طيناً غير مصوّر ﴿ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ﴾ أي: ثمّ صوّرناه أبدع تصوير، بأحسن تقويم سرى إليكم، خلقا في الأصلاب وتصويرا في الأرحام. أو: ابتدأنا خلقكم ثمّ تصويركم، بأن خلقنا أباكم آدم من تراب، ثمّ صوّرناه في أحسن صورة وأحسن تقويم. و«ثمّ»على المعنيين للترتيب الزّماني. وقيل: المعنى: ولقد خلقنا الأرواح أولاً، ثمّ صوّرنا الأجساد بعد ذلك. ﴿ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾ سجود تحيّة وطاعة، تعظيماً لشأن الله تعالى وجلاله، وإكرماً واحتراماً لآدم، وإظهاراً لفضله، أي: أمرناهم بذلك، ﴿فَسَجَدُوٓاْ﴾ كلّهم أجمعون ممتثلين أمر ربّهم، سجود تحية وتعظيم وإجلال وتكريم ، لا سجود عبادة.﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ أي: أبى أن يسجد لآدم، تكبراً عليه وإعجاباً بنفسه، وحسداً لآدم.

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

١٢ - ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ﴾ أي: ما ألزمك و ألجأك واضطرك إلى أن لا تسجد حين أمرتك، فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار. أو: ما حملك ودعاك إلى أن لا تسجد، فالمنع هنا مجاز عن الحمل والدّعوة. والاستفهام للتوبيخ، والتقريع، وإقامة الحجّة على إبليس، وإلا فالله تعالى عالم بذلك. ﴿قَالَ﴾ إبلـيس معارضـاً لأمـر ربّه معتذراً متعـللاً: ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ﴾ زاعماً أن المانع له من السجود والطّاعة اعتقاده أنه أفضل من آدم، ومنكراً أن يُؤمر الفاضل بالسجود للمفضول. ثمّ بيّن دعواه قائلاً: ﴿خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ فنظر إلى أصل العنصر، معتقداً أن عنصر النّار أفضل من عنصر الطّين، لما في عنصر النار من الارتفاع و النور ، و لما في عنصر الطين من الخمود و الركود، ولم ينظر إلى التشريف والتّكريم، وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه. وقاس قياساً فاسداً في مقابلة النّص بالأمر في قوله: (اسجدوا لآدم)، فأبلس من رحمة الله، وأيس منها. فالاستدلال على الخيرية يكون بالمعاني والخصائص، لا بالجنس والمادة. وإلاّ فأصل المسك دم الغزال وأصل العسل براز النّحل، وهكذا. قال ابن كثير: ودعواه أن النّار أشرف من الطّين، لا تثبت، لأن الطين من شأنه الرزانة والحلم، و التّثبت والأناة، والخشوع و السكون، والطّين محل النّبات والنّمو والزّيادة والإصلاح. وأمّا النّار فمن شأنها الإحراق و الطّيش، والخفة والسّرعة، والعجلة النّدامة. وفي«صحيح مسلم»عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ:«خُلقت الملائكة من نور، وخُلق إبليس من مارج من نار، وخُلق آدم ممّا وُصف لكم».

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

١٣ - ﴿قَالَ﴾ تعالى مخاطباً إبليس بأمر قدري كوني: ﴿فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا﴾ أي: من الجنّة- التي هي دار المتّقين- وقيل: من السّموات التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم- إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويُطيع. فاهبط منها بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي.و الهبوط: الانحدار و السقوط من مكان إلى ما دونه ، و هو إما حسي أو معنوي . ﴿فَمَا يَكُونُ﴾ أي: ما ينبغي ﴿لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فإن الجنّة، أو السّماء، لا تصلح لمن يتكبّر ويعصي أمر ربّه، إذ هي معدة للكرامة و التعظيم لا للتكبر والعصيان. ﴿فَٱخۡرُجۡ﴾ منها ﴿إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ أي: من أهل الصّغار والذّل، والهوان على الله، وعلى صالحي عباده، جزاء استكبارك وكفرك. أو: إنك من الذّليلين المهانين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، ومكافأة لمراده بضدّه. فكل من تردّى برداء الاستكبار، عوقب بلبس رداء الهوان والصّغار، ومن لبس رداء التّواضع لله، رفع الله قدره بين عباده.

7:14Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

١٤ - ﴿قَالَ﴾ إبليس لربّه: ﴿أَنظِرۡنِيٓ﴾ أي: أخرني، وأمهلني في الحياة ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ أي: إلى يوم البعث، وهو وقت النّفخة الثّانية عند قيام السّاعة، وبعث النّاس للحساب والجزاء.فكأنه طلب بذلك النّجاة من الموت، لأن يوم البعث لا موت بعده. من الإنظار، وهو: الإمهال، تقول: أنظرته بحقّي، أنظره إنظاراً، أي: أمهلته.

7:15Page 152

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

١٥ - ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ﴾ أي: من المؤخرين، الممهلين المؤجلين- لا إلى يوم البعث والإحياء ، ولكن إلى يوم الصّعق والفناء- كما في قوله تعالى: (إلى يوم الوقت المعلوم)الحجر(٣٨)، وص(٨١). وهو على المشهور: وقت النّفخة الأولى حين يُنفخ في الصور، فيُصعق من في السموات والأرض، إلا من شاء الله، فيموت كما يموت غيره من الخلق. وقيل: المراد به: الوقت المعلوم في علم الله أنه يموت فيه. والحكمة في إنظاره وإمهاله إلى يوم الوقت المعلوم: ابتلاء العباد واختبارهم، لتمييز الصّادق من الكاذب ،والمؤمن من الكافر، والمطيع من العاصي. فله تعالى الحكمة في ذلك كلّه، والإرادة والمشيئة التي لا تغالب، ولا تمانع، لا رادّ لأمره، ولا معقّب لحكمه.

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

١٦ - ﴿قَالَ﴾ إبليس: ﴿فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي﴾ أي: فبسبب إغوائك وإضلالك أو إهلاكك إياي- حين عصيت أمرك بالسجود لآدم- أو: فأقسم بإغوائك وإضلالك إياي، والباء للقسم، وجوابه: ﴿لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ﴾ أي: لبني آدم، أي: لأترصدنّهم، ولأجلسنّ لهم ﴿صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ أي: على طريق الحقّ القويم، وسبيل النّجاة، الموصل إليك، لأصرفهم عنه، وهو الإسلام وشرائعه. أو: لألزمنّ طريق الحقّ، ولأجهدنّ غاية الجهد، في إغوائهم وإضلالهم، وصدّهم عن صراطك المستقيم. والإغواء: خلق الغي، بمعنى: الضلال. وأصل الغي: الفساد، ومنه: غَوى الفصيل- كرضي، ورمى- غوىً، إذا بشم من اللبن، ففسدت معدته، أو مُنع الرضاع فهزُل وكاد يهلك، ثمّ استعمل في الضّلال. يقال: غوى يغوي غيّاً وغواية، فهو غاوٍ وغوي، إذا ضلّ. وأغواه غيره، وغواه: أضلّه. وفي الحديث: عند أحمد في «المسند»عن رسول الله ﷺ قال:«إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم، قال: وقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النّفس والمال، فقال: تقاتل، فتقتل، فتُنكح المرأة ويُقسم المال؟ قال: فعصاه وجاهد». قال رسول الله ﷺ:«فمن فعل ذلك منهم، فمات، كان حقاً على الله أن يدخله الجنّة»الحديث.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

١٧ - ﴿ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ ﴾ أي: من كل جهة وجانب، أشككهم في آخرتهم، وأرغّبهم في دنياهم، وأشبّه عليهم أمر دينهم، وأزيّن لهم السيئات، وأزهدهم في الحسنات. والمراد: أنه يأتيهم من جميع طرق الخير والشّر، فالخير يصدّهم عنه، والشّر يحسّنه لهم. ولم يذكر جهة الفوق والتّحت، لأن الرّحمة تنزل من فوقهم، كما قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم، لئلا يحول بين العبد وبين رحمة ربّه. ﴿وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ﴾ لك نعمتك و لا مطيعين أوامرك، أي:لا تجد أكثرهم مؤمنين موحدين أو عابدين لك. فإن القيام بالشكر، من سلوك الصراط المستقيم، وهو يزيد بوسوسته وإغوائه، صدّهم عنه، وعدم قيامهم به، كقوله: (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)فاطر(٦). وهذا القول من إبليس: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) إنما هو ظنّ منه وتوهم، وقد وافق ظنّه واقع كثير من النّاس، كما قال تعالى: (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلا فريقاً من المؤمنين)سبأ(٢٠).وفي الحديث عند البزّار، عن ابن عباس، مرفوعاً، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو:«اللهم إني أسألك العفو والعافية، في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أُغتال من تحتي». وروى أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه وابن حبّان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، عن عبد الله بن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدعوات، حين يصبح، وحين يمسي:«اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي». وإنما نبّهنا الله تعالى على ما قال إبليس وعزم على فعله، لنأخذ حذرنا، ونستعدّ لعدوّنا، ونحترز منه بما علّمنا الله ورسوله، بطرقه التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ إليها.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

١٨ - ﴿قَالَ﴾ الله له- لمّا قال ما قال-: ﴿ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا﴾ أي: من الجنّة، أو من الملأ الأعلى في السماء، خروج صغار واحتقار، لا خروج إكرام، بل ﴿مَذۡءُومٗا﴾ أي: معيباً مهاناً، أو: مذموماً ممقوتاً أو مُحقراً لعيناً ﴿مَّدۡحُورٗاۖ﴾ مطروداً، مبعداً مقصيّاً عن الله، وعن رحمته، وعن كل خير. والمذؤوم: المعيب، والذأم: العيب. يقال: ذأمه يذأمه ذأماً، إذا عابه وحقّره، فهو مذؤوم. والذّام والذّيم أبلغ في العيب من الذّم. وقيل: المذؤوم: المذموم الممقوت. والمدحور: المقصيّ، وهو المبعد المطرود. يقال: دَحَرَه دَحْراً ودُحوراً: إذا طرده وأبعده. ﴿لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ﴾ أي: مـن النّـاس. واللام للابتداء، أو: موطئة للقسم، وهو في معنى جواب الشرط: (لأملأن جهنّم منكم) أي: منك ومن ذريتك، وممّن تبعك منهم ﴿أَجۡمَعِينَ﴾ أي: من الجنّ والإنس. فهذا القسم منه تعالى، أن النّار دار العصاة، وأن على الله ملؤها من إبليس وأتباعه من الجنّ والإنس، كقوله: (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم جزاءً موفوراً)الإسراء(٦٣).

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

١٩ - ﴿وَ﴾ قال الله: ﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ﴾ حواء ﴿ٱلۡجَنَّةَ﴾ وهذا القول له كان بعد إخراج إبليس منها. ﴿فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا﴾ أي: من أي نوع من أنواع ثمار الجنّة شئتما أكله. ﴿وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ﴾ بالأكل منها. ولم يرد في الصحيح تعيينها. ﴿فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ لأنفسكما بالمعصية، إن خالفتما أمر الله بالأكل منها.

7:20Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

٢٠ - ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي: ألقى إليهما الوسوسة وحدّثهما بصوت خفي، أو: أغواهما مشافهة. وقيل: أغواهما بسلطانه، وتزيينه وتسويله و وسواسه بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عنها. يقال: وسوس له وإليه. وهي في الأصل: الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي: وسواس. وأريد بها: الحديث الخفي الذي يلقيه الشيطان في قلب الإنسان ليقارف الذّنب، بتزيين المعصية له ﴿لِيُبۡدِيَ لَهُمَا﴾ أي: ليظهر ويكشف لهما ﴿مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا﴾ أي: ما سُتر وأخفي وغطّي عنهما ﴿مِن سَوۡءَٰتِهِمَا﴾ أي: من عوراتهما. والمعنى: فألقى إليهما الوسوسة، لتكون عاقبة ذلك أن يُظهر لهما ما سُتر عنهما من عوراتهما- وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر- أي: إن الشيطان أراد أن يسوءهما بإظهار ما كان مستوراً عنهما من عوراتهما. و ووري: على وزن «فوعل» من المواراة، وهي الستر. والسوأة: فرج الرّجل والمرأة، من السّوْء، وسمّيت العورة سوأة: لأن انكشافها يسوء صاحبها. ﴿وَقَالَ﴾ لهمـا: ﴿مَـا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ﴾ أكـل ﴿هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ﴾ أي : لئلا تكونا ملكين، أي: من جنـس الملائكة ﴿أَوۡ﴾ لئـلا ﴿تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ﴾ في الجنّة، أو: من الذين لا يموتون أبدا. أي: فلو أكلتما منها لحصل لكما ذلك، من أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، فحصول ذلك لازم عن الأكل منها، كقوله: (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)طه(١٢٠).

7:21Page 152

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

٢١ - ﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾ بالله، أي: حلف وأقسم لهما بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾ في ذلك، فصدّقاه، ولم يحسبا أن أحداً يحلف بالله كاذباً.

7:22Page 152

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

٢٢ - ﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ﴾ أي: فأنزلهما وأهبطهما وحطّهما عن رتبة الطّاعة والكرامة إلى رتبة المعصية بما غرّهما وخدعهما به من القسم والوعد. من التدلية: وهو إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، ومنه دلى الدّلو في البئر. والغرور: إظهار النّصح مع إبطان الغش، وأصله: من غررت فلاناً، أي: أصبت غرّته وغفلته، ونلتُ منه ما أريد. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ﴾ أي: أكلا منها وقد نهاهما ربّهما عنها ﴿بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا﴾ أي: ظهرت لهما عوراتهما ﴿وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾ أي: شرعا وأخذا يلزقان من ورق الجنّة، ورقة فوق أخرى، على عورتيهما، ليستراها. من الخصف: وهو خرز طاقات النّعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض. وفعله من باب ضرب. ﴿وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ﴾ قائلاً لهما: ﴿أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ﴾ أي: عن الأكل منها ﴿وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن العداوة ظاهرها؟ والاستفهام للتقرير، أو: للتوبيخ والتقريع، واللّوم والعتاب، أي: قد قُلت لكما ذلك، فلم اقترفتما المنهي عنه، وأطعتما عدوّكما؟.

7:23Page 153

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

٢٣ - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا﴾ بالمعصية والمخالفة وبعدم امتثالنا لأمرك، في النّهي عن الأكل من الشجرة. ﴿وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا﴾ بالتوبة وقبولها ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ الهالكين، أي: لنصيرنّ من الذين خسروا الدنيا والآخرة، بفعل الذّنب، وعدم قبول التوبة. وهذه هي الكلمات التي تلقّاها آدم من رّبه في قوله: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّواب الرّحيم)البقرة(٣٧)، وهذا الاعتراف بالذنب من قِبل آدم وزوجته، وسؤالهما الله مغفرته ورحمته، مقابلٌ في حال إبليس بالاستمرار على المعصية وسؤاله النّظرة إلى يوم يبعثون، بدلاً من التوبة.

7:24Page 153

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."

٢٤ - ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿ٱهۡبِطُواْ﴾ من الجنّة إلى الأرض. والخطاب لآدم وحوّاء وذرّيتهما، أو: لهما ولإبليس. وأمّا قوله في سورة طه الآية (١٢٣): (اهبطا منها جميعاً) أي: آدم وحوّاء، أو: آدم وإبليس، وحوّاء في هذا تبع لآدم، ﴿بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ﴾ في الدنيا ، أي: بعض الذّرية لبعض عدوّ، من ظلْم بعضهم بعضاً. أو: أنّ الله قال لهما وللشيطان: اهبطوا جميعاً من الجنّة إلى الأرض حال كونكم متعادين. فجملة: (بعضكم لبعض عدوّ) في موضع نصب على الحال من الضّمير، الذي هو«الواو» في قوله: (اهبطوا). ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ﴾ أي: موضع قرار، ومكان استقرار، ﴿وَ﴾ لكم فيها ﴿وَمَتَٰعٌ﴾ أي: تمتع ومعيشة وانتفاع، تنتفعون به، أو: بلاغ ﴿إِلَىٰ حِينٖ﴾ أي: إلى وقت انقضاء آجالكم، وهو الموت. وقيل: المراد: إلى وقت قيام السّاعة. وفي الآية: دليل على أنّ الآجال معلومة ومقدّرة في علم الله أزلاً. فأهبط الله آدم وزوجته وإبليس من الجنّة إلى الأرض، لينفذ ما أراده الله من استخلاف آدم وذرّيته في الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمّى، ومنازعة عدوّهم لهم فيها، والله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً.

7:25Page 153

قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

٢٥ - ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿تَحۡيَوۡنَ﴾ أي: تعيشون ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ أي: وفيها يأتيكم الموت، فتدفنون فيها ﴿وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ﴾ [و في قراءة: بالبناء للفاعل: (تَخرُجون)] من قبوركم بالبعث والنّشور إلى الدّار الآخرة، التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين، للحساب و الجزاء فيجازي كلاًّ بعمله. ومثله قوله: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)طه(٥٥).

7:26Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.

٢٦ - ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: أعطيناكم ووهبنا لكم بما هيّأناه من الأسباب، لباسين: ﴿لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ﴾ أي: يستر ويداري عوراتكم وأجسادكم وهو ما يلبس من الثّياب وغيره، وهو الضّروري منه. ﴿وَ﴾ لباساً ﴿رِيشٗاۖ﴾ أي: ذا ريش، أي : لباس زينة وتجمّل، وهو التحسيني منه، أي: ما يُتجمّل به من اللباس والثّياب. مأخوذ من ريش الطائر: وهو زينته. وقيل: (و ريشاً) أي: مالاً، من قولهم: تريّش الرّجل: إذا تموّل. والمراد: أعطيناكم اللباس للمواراة والسّتر و الزينة و التجمّل، والمال لتحصيل ما تحتاجون إليه في معاشكم. وهو امتنان منه تعالى على عباده بهذه النّعم. وفي الآية: دليل على وجوب ستر العورة. وفي الحديث: عند أحمد والتّرمذي وابن ماجه، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ:«من استجد ثوباً فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثمّ عمد إلى الثوب الخَلق، فتصدّق به، كان في ذمّة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله ، حيّاً وميّتاً». ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ﴾ من الإيمان وثمراته، كالعمل الصّالح، وخشية الله، وامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، ﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ﴾ من اللباس الحسّي المادي الذي غايته ستر العورة الظاهرة، أمّا لباس التّقوى- المعنوي- فغايته ستر القلب والرّوح، وذلك خير لباس وأجمل زينة. [وفي قراءة: (ولباسَ) بالنّصب عطفاً على«لباساً». وبالرّفع مبتدأ، وخبره:«ذلك خير»]. ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور لكم من اللباس الضروري والتحسيني، أو الحسي والمعنوي ﴿مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ ودلائل قدرتـه الدّالة على فضـله ورحمتـه على عباده ﴿لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ نعمته عليهم، فيعرفون حقّها، ويشكرونها فيؤمنون، و يستعينون باللباس الظاهر على الباطن.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском