Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
١ - ﴿الٓمٓ﴾ وهي للبيان والتنبيه والتحدّي والإعجاز، والله تعالى أعلم بمراده بذلك.
٢ - ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ أي: غَلبت أو: قَهرت فارسٌ الرّومَ. وكان ذلك قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بأعوام.
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
٣ - ﴿فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في أقرب أرض الروم إلى فارس، قيل: هي أرض الجزيرة. وقيل: فيما بين أذرعات وبصرى من أرض الروم يومئذ، وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلى مكّة.﴿وَهُم﴾ أي: الروم ﴿مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ﴾ أي: من بعد كونهم مغلوبين، أو: من بعد غلب فارس إياهم – من إضافة المصدر إلى المفعول – ﴿سَيَغۡلِبُونَ﴾ فارس.
30:4Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
٤ - ﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ﴾ وهو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر، لا ينقص عن الثلاث، ولا يزيد على التسع أو العشر ﴿لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ﴾ أي: من قبل غلب الروم ومن بعده، أي: هو المنفرد بالقدرة وإنفاذ الأحكام، فكلّ ذلك – من غلبة فارس أوّلا، وغلبة الروم ثانياً – بأمر الله وإرادته، وقضائه وقدره، ومشيئته.﴿وَيَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم تغلب الروم فارس ﴿يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾.
30:5Page 404
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
٥ - ﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: للرّوم على فارس بغلبة من له كتاب على من لا كتاب له ﴿يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ﴾ أن ينصره من عباده ﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ أي: الغالب القاهر في انتصاره، وانتقامه من أعدائـه، الغالـب على أمـره ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين.و في الحديث عند أحمد عن ابن عباس، قال: كان المشركون يحبّون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الرّوم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنهم سَيَغْلبون» فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فجعل لهم أجلاً: خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ،فقال: «ألا جعلتها إلى دون العشر؟» ثم ظهرت الرّوم بعد ذلك، قال: فذلك قوله: (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)الآية.وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة،في قول طائفة من أهل العلم كابن عباس والثوري، وغيرهم. فقد أخرج الترمذي و ابن أبي حاتم والبزّار: عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، ففرحوا به، فنزلت: (الم غُلبت الروم) – إلى قوله - : (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).وقال غيرهم: بل كان نصر الرّوم على فارس عام الحديبية، في السنة السادسة من الهجرة – وهذا القول مرويّ عن عكرمة والزهري وقتادة وغيرهم – وعلى كلا القولين، فإن ظهور الروم على فارس في بضع سنين، كان من الآيات الباهرة الشّاهدة بصدق النبوة، ومن دلائل إعجاز القرآن، لما فيه من الإخبار بالغيب، الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى.
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
٦ - ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ﴾ أي: وَعَد الله المؤمنين وَعْداً بالنصر – على أعدائهم – والفرح - بظهور الروم، وهم أهل كتاب، على فارس، وهم مشركون أهل نار وأوثان - .فهذا الإخبار من الله تعالى لرسوله ﷺ: بأن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين، وهو وعد من الله حقّ وخبر صدق لا يُخلف، ولابدّ من كونه و وقوعه، فإن الله لا يخلف وعده.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن وعد الله حقّ وصدق، وهم: الكفّار، لجهلهم بربّهم.
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
٧ - ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: ما يظهر لهم من شئونها، وما يلذّ لهم منها، دون أن يفكّروا فيما وراءها من المقاصد العليا، التي هي السعادة الحقّة، فينظرون إلى الأسباب نظرة مجرّدة عن المسبِّب،المتصرّف فيها.﴿وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ﴾ تأكيد ﴿غَٰفِلُونَ﴾ عنها، ليس لهم علم إلاّ بالدنيا وشئونها وكسبها وتحصيلها، غافلون عن أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة، وكيف ينعمون بها، ويحصلون عليها.والآية بيان لسبب جهلهم بشئونه تعالى، و هو قصر تفكيرهم على ما يظهر من شئون الدنيا، دون التفكير في أمور الآخرة وشئونها.
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
٨ - ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ﴾ أي: أقصروا النظر على ظاهرٍ من الحياة الدنيا، ولم يُحدثوا التفكّر في أنفسهم، وخَلْق الله إيّاهم، ولم يكونوا شيئاً؟ ﴿مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: مقرونة مصحوبة به فيعلموا أنه تعالى ما خلق هذه العوالم إلا بالحق الثابت الذي يحقّ ثبوته، لابتنائه على الحكم البالغة ؟ أو: إلابالعدل أو: بالحكمة؟ ﴿وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ﴾ أي: وبأجل معين لا عبثاً ولا باطلاً ووقت مقدّر قدّره الله تعالى أزلاً لبقائها، لابدّ أن تنتهي إليه، وتفنى عنده، وهو وقت قيام الساعة؟ والأجل: يطلق على المدّة المضروبة للشيء، وعلى غاية وقت الحياة. أو: ولأجل مسمى ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ﴾ فلا يؤمنون بالبعث بعد الموت.والمعنى: أن أسباب التفكّر والنظر، والتدبّر والتأمّل في أنفسهم، وخلق الله الأشياء حاصلة لهم، فلو تفكروا فيها كما ينبغي، لعلموا وحدانية الله، وصدق أنبيائه ورسله.
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
٩ - ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ﴾ بقلوبهم وعقولهم، نظر تفكّر واعتبار﴿كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ من الأمم الماضية والقرون السّالفة، الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحقّ، وتكذيبهم رسلهم ﴿كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ﴾ كعاد وثمود، فإنهم كانوا أقدر من أهل مكة ومن تابعهم على أمور الدنيا ﴿وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: قلبوها وحرثوها للزراعة و الغرس، واستنباط المياه، واستخراج المعادن منها، ونحوها، و زاولوا أسباب ذلك ﴿وَعَمَرُوهَآ﴾ أي: الأرض بالبنيان والزراعة، عمارةً ﴿أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: أهل مكّة، لأن الأمم السابقة كانوا أطول أعماراً، وأقوى أجساماً، وأكثر تحصيلاً لأسباب المعاش، وتمكينا في الأرض﴿وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ﴾ أي: بالمعجزات والحجج الظاهرات، فلم يؤمنوا بالرسل، وما جاءوهم به من التوحيد، فأهلكهم الله.﴿فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ﴾ بإهلاكهم وتعذيبهم من غير جرم وذنب﴿وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ بكفرهم وتكذيبهم بآيات الله ورسله.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
١٠ - ﴿ ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ﴾ أي: عملوا السيئات ﴿ٱلسُّوٓأَىٰٓ﴾ أي: العقوبة التي هي أسوأ العقوبات.أو: ثم كانت السّوأى، أي: الخُلّة التي هي أسوأ، أو: العقوبة المتناهية في السوء – وهي العذاب في جهنّم - عاقبةَ الذين عملوا السيئات.و «السوأى» تأنيث الأسوأ، ك «الحسنى» تأنيث الأحسن.و«السوأى»: اسم كان، و«عاقبة» – بالنصب - : خبرها.[وفي قراءة: (عاقبةُ)–بالرفع–على أنها اسم كان، و«السوأى»:خبرها] أي: ثم كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وهي نار جهنّم، ﴿أَن كَذَّبُواْ﴾ أي: بأن كذّبوا – والباء للسببية – أو: لأن كذّبوا ﴿بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ التي أنزلها على رسله ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ فجمعوا بين التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها، فكانت العاقبة أسوأ العقوبات.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
١١ - ﴿ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ﴾ أي: يُنشيء الخلق من عدم، أو من نطفة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ أي: خلقهم بعد الموت بالبعث، فالقادر على بداءته، قادر على إعادته ﴿ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [وفي قراءة بالياء:(يُرجعون) و في أخرى بالبناء للفاعل بالتاء و الياء: (تَرجِعون) و (يَرجِعون)] أي: يوم القيامة، فيجازي كلّ عامل بعمله.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
١٢ - ﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ أي: يسكتون متحيّرين، وتنقطع حجّتهم، أو: ييأسون من كلّ خير حين يعاينون العذاب.وأصل الإبلاس: الحزن الناشئ من شدّة اليأس، وأطلق على ما ذكر مجازاً، للزومه للحزن غالباً.يقال: أبلس الرجل: إذا سكت وانقطعت حجته.
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
١٣ - ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ﴾ الذين عبدوهم من دون الله﴿شُفَعَٰٓؤُاْ﴾ يشفعون لهم، ويجيرونهم من عذاب الله﴿وَكَانُواْ﴾ أي: في ذلك الوقت، ﴿بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ﴾ أي: متبرّئين منهم، أي: تبرأ المشركون ممّن أشركوهم مع الله، وتبرأ الشركاء من المشركين.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
١٤ - ﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ﴾ تأكيد ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي: المؤمنون والكافرون حيث يتميّزون في المحال والأحوال، فهؤلاء صائرون إلى الجنة وأولئك إلى النار.
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
١٥ - ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: آمنوا بقلوبهم، وصدّقوا ذلك بصالح أعمالهم﴿فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ﴾ أي: في جنّة يُسرّون أو: يَنْعمون، أو: يُكرمون.والروضة في الأصل: الأرض التي بها ماء ونبات، ولها رونق ونضارة، أو: هي البستان الحسن النضر، والمراد بها: الجنّة.والحَبْر والحَبرةُ والحبور: النعمة والسرور.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
١٦ - ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله ﴿وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: بالقرآن، أو: التي جاءتهم بها رسلنا ﴿وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: وكذّبوا بالبعث بعد الموت، والجنّة والنار ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ﴾ أي: مقيمون فيه، لا يغيبون عنه أبداً.من الحضور، ضدّ الغياب.أو: أنهم لابدّ أن يحضروا ويُجمعوا إليه،أي: قد أحضرهم الله العذاب ليذوقوه.
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
١٧ - ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ﴾ أي: نزّهوا الله تنزيهاً، عمّا لا يليق به، وقدّسوه تقديساً عن أن يماثله أحد من الخلق، وصفوه بصفات الكمال والجلال، قائلين: سبحان الله ﴿حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ﴾ أي: في وقت المساء – وهو إقبال الليل بظلامه – والصّباح – وهو إسفار النهار بضيائه –.
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
١٨ - ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ اعتراض بحمده تعالى مناسبةً للتسبيح المتقدم ذكره – أي: هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض، أو: هو المحمود فيهما، يحمده أهلها ﴿وَعَشِيّٗا﴾ عطف على «حين»، أي: وسبّحوا الله في وقت العشي – وهو شدّة الإظلام، أو: هو وقت العصر ﴿وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ أي: وفي وقت الظهيرة.والإظهار: قوّة الضياء.والتسبيح بإطلاقه يتناول التنزيه بالقلوب والألسنة والجوارح، في هذه الأوقات المذكورة، لِما في كلّ منها من النعم المتجددّة، و لظهور آثار القدرة والرحمة فيها.وقيل: التسبيح: الصّلاة: (حين تمسون) أي: تدخلون في المساء، وفيه: صلاة المغرب والعشاء.(وحين تصبحون) أي: تدخلون في الصباح، وفيه: صلاة الصّبح.(وعشيا) أي: تدخلون في العشي، وفيه: صلاة العصر، (وحين تظهرون) أي: تدخلون في وقت الظهيرة، وفيه: صلاة الظهر.والقول الأول – أي: مطلق التسبيح – يتضمّن الصلاة، لكونها أفضل أعمال الأركان التي هي من أنواع التنزيه المأمور به.والآية أمر من الله تعالى وإرشاد للعباد أن يسبحوه ويحمدوه في المساء وفي الصباح، ووقت العشيّ ووقت الظهيرة، ويدخل في ذلك: الواجبُ منه، كالصّلوات الخمس، والمستحبّ، كأذكار الصباح والمساء، وأدبار الصّلوات وما يقترن بها من النوافل، والعبادات.وفي الحديث عند أحمد: «ألا أخبركم لم سمّى الله خليله إبراهيم: الذي وفّى، لأنه كان يقول – كلّما أصبح وكلّما أمسى - :سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون».
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
١٩ - ﴿يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ﴾ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من الحبّ، والمؤمن من الكافر ﴿وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ﴾ كإخراج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، والحب من النبات، والكافر من المؤمن.﴿وَيُـحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ﴾ بالنـبات ﴿بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾ باليبس، كقوله: (وآية لهم الأرض الميتتة أحييناها وأخرجنا منها حبّا فمنه يأكلون)يس(٣٣) وقوله: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج )الحجّ(٥).﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: و مثل ذلك الإخراج البديع العجيب ﴿تُخۡرَجُونَ﴾ [و في قراءة بالبناء للفاعل: (تَخرُجون)] أي: من قبوركم للحساب والجزاء يوم القيامة.فالآية نوع تفصيل لقوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده)الروم(١١) فالإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الحيّ من الميت وعكسه، وأن الذي يحيى الأرض بعد موتها، يحيى الأموات، إذ لا فرق في نظر العقل بين الأمرين، ولا موجب لاستبعاد أحدهما، مع مشاهدة الآخر ورؤيته عياناً.ثم شرع تعالى في تعداد آياته الدالّة على انفراده بالإلهية، مع كمال قدرته، وعظيم سلطانه، ونفوذ مشيئته في خلقه، وجميل صنعه، وسعة رحمته وإحسانه، فقال:
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
٢٠ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ﴾ الدالّة على وحدانيّته تعالى، وانفراده بالخلق والتدبير، وقدرته على البعث: ﴿أَنۡ خَلَقَكُم﴾ أي: خلق أصلكم: آدم عليه السلام ﴿مِّن تُرَابٖ﴾ وخلقكم في ضمن خلقه من ماء مهين﴿ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ﴾ في الأرض، تتصـرّفون فيمـا هو قوام معاشكم، وتتقلّبون في الأرض في أسفاركم ابتغاء رزقكم وكسبكم.وفي الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض، والأحمر، والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك».
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
٢١ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ﴾ الدالّة على رحمته، وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة، وعلمه المحيط:﴿أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ أي: من جنسكـم في البشريـة ﴿أَزۡوَٰجٗا﴾ أي: نساء تتزوّجون بهنّ ﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا﴾ أي: لتميلوا إليها وتألفوها و تأنسوا بها، أي: قدّر لكم ما فيه سكنكم وراحة نفوسكم فيهنّ، كقوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)الأعراف(١٨٩).فخلق الله حوّاء من ضلع آدم،وسائر النساء من نطف الرجال والنّساء.﴿وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ﴾ أي: محبة ورأفة، بما رتّب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة، بعد أن لم يكن لقاء ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة أو رحم.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله، أي: يُعملون أفكارهم ويتدبّرون آيات الله.
30:22Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
٢٢ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته: ﴿خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ وما فيها من عجائب الصّنعة وغرائب التكوين ﴿وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ﴾ أي: لغاتكم ولهجاتكم، أو: أصواتكم وأنغامكم فلا يكاد يُسمع منطقان متساويان من كل وجه ﴿وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ﴾ أي: واختلاف ألوان أجسامكم من بياض و سواد وغيرهما، أو تخطيطات أعضائكم وهيئاتها وحُلاها، بحيث يقع التمايز بين الأشخاص، مع كون الأصل واحداً، للتمايز وإمكان التعارف والتفاهم ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات على قدرته تعالى، وعظيم حكمته ﴿لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾أي: ذوي العقول، وأولي العلم والبصائر.[و في قراءة بفتح اللام: (للعالَمين)].
30:23Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣
And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.
٢٣ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ الدالّة على كمال علمه، وعظيم حكمته: ﴿مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ﴾ لراحة الأبدان والقوى ﴿وَٱلنَّهَارِ﴾ كوقت القيلولة، لذهاب الكلل والتّعب ﴿وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ﴾ فيها، كلّ بحسب حاله، طلباً للمعيشة، وكسبا للرزق الذي به القوت والبقاء ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ﴾ سماع تدبّر وتفكّر واعتبار، أو: يسمعون مواعظ الله فيعتبرون.
30:24Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤
And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.
٢٤ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ الدالّة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، أنه:﴿يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا﴾ أي: خوفاً من الصواعق – في السفر - وطمعاً في المطر والغيث – إذا كنتم في إقامة - .﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ﴾ بالنّبات والريّ ﴿بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ﴾ أي: بـعـد يبسـها وهمــودها ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور، من إراءة البرق المبشّر بالمطر والمنذر بالصّواعق، وإنزال المطر من السماء لإحياء موات الأرض بالنبات والزروع ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لعبر ودلالات واضحات على المعاد، وقيام الساعة ﴿لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ عن الله آياته، فيتدبّرونها ويستدلون بها على قدرة الله، وعظيم سلطانه.
30:25Page 407
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥
And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.
٢٥ - ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ﴾ الدالّة على قدرته وحكمته، وعظيم صنعته:﴿أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ﴾ أي: بإرادته سبحانه وقدرته، بلا عمد يعمدها، بل هي قائمة ثابتة مستمسكة، بأمره لها، وتسخيره إيّاها، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه)الحج(٦٥) وقوله:(إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)فاطر(٤١).﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ بأن ينفخ إسرافيل في الصّور، للبعث من القبور﴿إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ﴾ منها أحياءً، بأمره تعالى، ودعائه إيّاكم، كما قال تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلاّ قليلاً)الإسراء(٥٢).
30:26Page 407
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦
And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.
٢٦ - ﴿وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ ملكاً، وخلقاً وعبيداً، وتصريفا وتدبيراً ﴿كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ أي: مطيعون طاعة انقياد وخضوع، مقرّون له بالعبوديّة، لا يمتنعون عليه في شيء يريد فعله بهم، من حياة أو موت ونحوهما، وإن عصاه بعضهم في العبادة أو فيما يكتسب بقواه.أو: هم خاضعون لأمره، خاشعون لإرادته، طوعاً وكرهاً.
30:27Page 407
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
٢٧ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ﴾ أي: يُنشؤه ابتداءً ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ أي: الخلق بعد الموت، بالبعث والنشور ﴿وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ﴾ أي: البعث والإعادة أسهل وأيسر عليه تعالى من البدء، وإن كان الكلّ بالنسبة إليه تعالى هين سهل يسير. والأسهلية هنا: على طريق التمثيل والتقريب بما يقتضيه معقول المخاطبين وبما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشيء من مادّته الأولى، أهون وأسهل وأيسر من ابتدائه، ولله المثل الأعلى! فلا يقاس على خلقه في ذلك! فإن البدء، والإعادة، وكلّ الممكنات، بالنسبة إلى قدرته تعالى، سواء.﴿وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ أي: الوصف الأعلى في الكمال والجلال والقدرة والحكمة ﴿فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ فكلّ صفة كمال وجلال، فهو متّصف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وكلّ صفة نقص،فهو منزّه عنها تنزيهاً مطلقا (ليس كمثله شيء)الشورى(١١) لا إله غيره، ولا ربّ سواه.﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه، الغالب على أمره، القادر الذي لا يغالب ولا يمانع، غلب كل شيء وقهره بقدرته وسلطانه ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، يضع الأمور مواضعها، وينزلها منازلها.وفي الحديث: عند أحمد والبخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي،قوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأمّا شتمه إيّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصّمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد».
30:28Page 407
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨
He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.
٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُم﴾ أي: جعل الله لكم، أيها المشركون العابدون معه غيره، ﴿مَّثَلٗا﴾ كائناً ﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ﴾ على بطلان الشرك، وهو: ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم﴾ أي: من مماليككم، من العبيد والإماء ﴿مِّن شُرَكَآءَ﴾ لكم ﴿فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ من الأموال وغيرها ﴿فَأَنتُمۡ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَآءٞ﴾ أي: متساوون في التصرّف والمشاركة فيه.﴿تَخَافُونَهُمۡ﴾ أي: تخافون مماليككم أن يقاسموكم الأموال، أو: أن تستبدّوا بالتصرف فيـه بدون رأيهم ﴿كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ أي: كما تخافون أمثالكم من الأحرار المشاركين لكم،أن يقاسموكم ؟والاستفهام بمعنى النفي.والمعنى: هل ترضون لأنفسكم أن يكون مماليككم، شركاء لكم فيما رزقناكم من الأموال ونحوها، فأنتم وهم مستوون في التصرف فيه، بحيث أنكم تخافون أن تستبدّوا بالتصرّف فيه بدون رأيهم، أو أن يقاسموكم الأموال، كخيفتكم من الأحرار المساهمين لكم ؟ لا.فإذا كنتم لا ترضون أن يشارككم فيما رزقناكم من الأموال ونحوها، مماليككم – وهم أمثالكم في البشرية، غير مخلوقين لكم – فكيف تشركون به سبحانه في العبادة – التي هي من خصائصه تعالى – مخلوقَه، بل مصنوع مخلوقِه ؟ حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دونه !فإنه إذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السّادة، بطلت الشركة بين الله، وبين أحد من خلقه في العبادة، لأن الكلّ عبيده.وجملة (فأنتم فيه سواء): في موضع الجواب للاستفهام الإنكاريّ.وقوله: (تخافونهم): خبر ثان ل (أنتم).وقوله: (كخيفتكم): صفة لمصدر محذوف، أي: خيفةً كائنةً مثل خيفتكم أنفسكم، أي: مَنْ هو مِنْ نوعكم.﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نبيّنها مثل ذلك التفصيل الواضح ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ أي: يتدبّرون عن الله آياته.والآية مثل ضربه الله تعالى للمشركين الذين يجعلون لله شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء، ويأنف غاية الأنفة، أن يكون عبده شريكه في ماله، يساويه فيه، ولو شاء لقاسمه عليه، فكيف يأنفون من ذلك ويأبونه، ويجعلون لله شركاء من خلقه؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
30:29Page 407
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩
But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.
٢٩ - ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ﴾ أنفسهم بالإشراك بالله ﴿أَهۡوَآءَهُم﴾ أي: في عبادتهم الشركاء من دون الله، ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ﴾ ولا هدى، ولا حجّة،ولا برهان، أو يقين.﴿فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ﴾ أي: فلا أحد يقدر على هدايته، إن كتب الله عليه الضلالة، ولم يقدّر له الهداية، فإن الله تعالى إنما أضلّهم بما يعلم أزلاً من ظلمهم وشركهم، واتباعهم لأهوائهم بغير علم، وسوء اختيارهم .﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ينصرونهم، أو ما نعين يمنعونهم من عذاب الله، إن أراده بهم.
30:30Page 407
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
٣٠ - ﴿فَأَقِمۡ﴾ يا محمد ﴿وَجۡهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: أخلص الدين والتوجّه والقصد لله، واثبت، واستقم عليه، وأقبل عليه بقلبك وبدنك، إقبالاً كاملاً،غير ملتفت إلى ما سواه.﴿حَنِيفٗاۚ﴾ أي: مائلاً إلى الحق مستقيماً عليه،معرضاً عن كل باطل.والخطاب له ﷺ، والمراد: هو وأمّته.والدّين:الإسلام والإيمان والإحسان.والمراد بإقامة الدّين: إقامة شرائعه الظاهرة، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والباطنة، كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، ونحوها.وخصّ إقامة الدين بالوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتّب على الأمرين: سعي البدن، وعمل الأركان.﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: الزموا فطرة الله، أي: خِلْقته ﴿ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ﴾ أي: خلقهم وجبلهم وطبعهم عليها، بالجري على موجبها وعدم الإخلال بها باتباع الهوى، و وساوس الشيطان.والفطرة: الخِلْقة السليمة التي خلق الله الناس عليها، من القابليّة للدين الحق، والتهيؤ له. أو هو الاستعداد الفطري الجبليّ لإدراكه. أو: هو دين الإسلام والتوحيد.فإن الله قد فطر الناس على محبة الحق وإيثاره، والميل إليه، ومن خرج عن هذا الأصل، فلعارض عرض لفطرته، فأفسدها، وخرج بها عن أصل الفطرة وحقيقتها، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟ ثم قرأ: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) الآية».وأخرج أحمد في المسند والنسائي في السِّير: عن الأسود بن سريع أن رسول الله ﷺ قال: «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهوِّدانها أو ينصّرانها».وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه: إما شاكراً وإما كفوراً».وروى أحمد في المسند عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب يوماً، فقال في خطبته حاكياً عن الله تعالى: «وإنّى خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فأضلّتهم عن دينهم، وحَرمّتْ عليهم ما أحللت لهم» الحديث.﴿لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: لدينه، الذي فطر الناس عليه، فالآية خبر بمعناه، فإن الله خلق الناس جميعاً قابلين لدينه، غير نابين عنه، منساقين إليه، إذا خُلّوا وأنفسهم، دون أن تعترضهم الأهواء والوساوس.ويحتمل أن يكون خبراً بمعنى الطلب، أي: لا تبدّلوا خلق الله، فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، بعبادة غير الله، بل ابقوا على فطرة الإسلام والتوحيد.﴿ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ أي: ذلك الذي أمرناك به من لزوم الفطرة والدّين المأمور بإقامة الوجه له: هو الدين المستقيم المستوي الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف عنه بحال، وهو الإسلام والدّين الحق.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك، فلا يعرفون الدين الحقّ، فيتنكّبون طريقه، لعدم تدبّرهم.كما قال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف(١٠٣). وقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله )الأنعام(١١٦).
30:31Page 407
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
٣١ - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ﴾ أي: راجعين إليه تعالى بالتوبة والإنابة وإخلاص العمل، أو مطيعين.يقال: أناب إلى الله إنابة: رجع، وهي حال من فاعل «فأقم» وما أريد به، أي: فأقم وجهك للدّين ومن معك، منيبين إلى الله. أو: حال من فاعل «الزموا» المقدّرة، أي: الزموا فطرة الله،منيبين إليه.﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه تعالى، فيما أمر به، ونهى عنه ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ التي أمرتم بها، إقامة ظاهرة وباطنة، فإنها تدعو إلى الإنابة والتقوى﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ بالله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences