Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
ص
Sad
The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs
١ - ﴿صٓۚ﴾ من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاّ الله، فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه، وقد تقدّم الكلام على الحروف المقطعة في أوّل سورة البقرة، وأنها للبيان والتنبيه والتحدّي والإعجاز، والله تعالى أعلم بمراده بذلك. ﴿وَٱلۡقُرۡءَانِ﴾ قسم بالقرآن ﴿ذِي ٱلذِّكۡرِ﴾ أي: ذي البيان والذكرى والموعظة والتذكير، أو: ذي الشرف والشأن والمكانة الدالّ على حقيقته وصدقه، أو: المذكور فيه ما يحتاج إليه العباد في الدّين من الشرائع والأحكام وغيرها، المشتمل على ما فيه ذكر وموعظة لهم ونفع في المعاش والمعاد.و منه قوله تعالى:(لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم)الأنبياء(١٠) أي: تذكيركم، فالقرآن مشتمل على البيان والتذكير، والإعذار والإنذار.وهم قسم، جوابه محذوف لدلالة السياق عليه، أي: إنه لحقّ، أو: لدلالة قوله: (منذر منهم) عليه، أي: إنك لمن المرسلين. أو الجواب تقديره: ما الأمر كما قال كفّار مكّة من تعدّد الآلهة. وقيل: جواب القسم قوله: (بل الذين كفروا في عزّة وشقاق) واختاره ابن جرير .وقيل: جوابه ما تضمّنه سياق السورة بكمالها.والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره، وعلوّ محلّه، ورفعة مكانته.
38:2Page 453
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
But those who disbelieve are in pride and dissension.
٢ - ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من أهل مكّة وغيرهم ﴿ فِي عِزَّةٖ﴾ أي: في حميّة وإباء وتكبّر عن الإيمان وقبول الحقّ ﴿وَشِقَاقٖ﴾ أي: مخالفة ومشاقّة لله ولرسوله ﷺ. أو: فراق لمحمد ﷺ وعداوة للحقّ.أي: إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكّر، وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم في استكبار عنه وحميّة، ومخالفة له، ومعاندة، ومفارقة.
38:3Page 453
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.
٣ - ﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا﴾ أي: كثيراً أهلكنا ﴿مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ﴾ أي: أمّة وأقوام من الأمم الخالية، مقترنين في زمن واحد.﴿فَنَادَواْ﴾ أي: فاستغاثوا و عجّوا وضجّوا إلى ربّهم ودعوْا، حين نزول العذاب بهم أو معاينته.﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ﴾ أي: وليـس الوقتُ وقتَ فرار ومهرب وخلاص، أو: ليس الوقت وقتَ نجاة وفوت. والجملة حال من فاعل «نادوا»، فليس حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة.أو: لا تنفعهم الاستغاثة في هذا الحين، إذ إنه ليس بحين نداء ولا نَزْع ولا إجابة، ولا مهرب، ولا منجى، فليس ذلك بمُجْد عنهم شيئاً، كما قال تعالى: (فلمّا أحسّوا بأسنا إذا هم منها يركضون)الأنبياء(١٢) أي: يهربون. و «لا»: حرف نفي، بمعنى: ليس، والتاء مزيدة لتأكيد النّفي، كما زيدت في «ثَمَّ»و «رُبّ»، فيقال: ثَمّت ورُبّت.والحين: وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو ظرف مبهم، يتخصّص بالإضافة.والمناص: بمعنى: الفرار و الخلاص، يقال: ناص عن قرنه -من باب: قال -نوْصا و مناصا: إذا فرَّ و راغ.أو بمعنى: النّجاة والفوت، يقال: ناصه: إذا فاته ونجا.وأصله من النّوْص: وهو التأخّر.والبوْص - بالباء -: التقدّم.
38:4Page 453
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.
٤ - ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ﴾ أي: رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب ويخوّفهم النار، إن استمرّوا على كفرهم وتكذيبهم، وهو النبي ﷺ.﴿وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ لمّا شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر:﴿هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ كقوله تعالى:(أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس)يونس(٢).
38:5Page 453
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."
٥ - ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ﴾ أي: أصيّرها إلها واحداً، وجعل المعبودات كلّها معبوداً واحداً، وقصر الإلهية على الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ الذي جاء به من ترك عبادة الأصنام والأنداد والأوثان، والأمر بعبادة الله وحده، وإخلاص الدّين له ﴿لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ أي: متجاوز حدّ العجب، بالغ فيه إلى الغاية. وهو أبلغ من «عجيب»، مثل قولهم للرجل الذي فيه طول: طويل، وللذي تجاوز حدّ الطول: طُوال.أخرج أحمد والترمذي – و حسّنه – والنسائي، والحاكم وصحّحه عن ابن عباس، قال: «مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي ﷺ، فشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب، وتؤدّي إليهم العجم الجزية، كلمة واحدة، قال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله فقاموا فزعين، وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب. فنزل فيهم: (ص والقرآن ذي الذكر) إلى قوله: (بل لما يذوقوا عذاب) الآية».
38:6Page 453
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1
٦ - ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ﴾ أي: الأشراف والسادة، أو الرؤساء والكبراء، أو الوجوه من كفّار قريش ﴿أَنِ ٱمۡشُواْ﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: امضوا وسيروا على طريقتكم، واستمرّوا على دينكم، وداوموا على سيرتكم، ولا تدخلوا مع محمد في دينه.﴿وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ﴾ أي: اثبتوا على عبادتها، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمّد من التوحيد.﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ الذي جاء به من النهي عن عبادتها، والأمر بعبادة الله وتوحيده،﴿لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ منّا أو بنا، أي: لشيء عظيم خطير، يريد محمّد منّا إمضاءه وتنفيذه لا محالة، ليكون له الشرف والاستعلاء علينا، ونكون له أتباعاً. أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يُراد بنا، فلا حيلة لنا إلاّ الاعتصام، بالصّبر عليه، والاستمساك بالرأي فيه.
38:7Page 453
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
٧ - ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا﴾ الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد وعبادة الله ﴿فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: في ملّة العرب التي أدركنا عليها آباءنا. أو في ملّة عيسى عليه السلام، أي: دين النصرانية.﴿إِنۡ هَٰذَآ﴾ أي: ما هذا الذي جاءنا به من التوحيد، ويدعو إليه ﴿إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ أي: كذب وافتراء وتخرّص تخلّقه من نفسه وافتراه.يقال: خلق الكلام وغيره: صنعه، واختلق الإفك: افتراه، كتخلّقه.
38:8Page 453
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
٨ - ﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ﴾ أي: محمد ﷺ ﴿ٱلذِّكۡرُ﴾ أي: القرآن ﴿مِنۢ بَيۡنِنَاۚ﴾؟ فخُصّ به من دوننا ونحن السّادة والأشراف، والرؤساء، وهو دوننا، أي: ليس بأكبرنا ولا أشرفنا!.يريدون إنكار كوْن القرآن مُنزلاً عليه من الله تعالى، كما قال في الآية الأخرى:(وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)الزخرف(٣١).أي: إنهم يستبعدون تخصيصه ﷺ بإنزال القرآن عليه من بينهم.قال تعالى: ﴿بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ﴾ أي: القرآن أو الوحي كونه من عند الله، حيث كذّبوا الذي جاء به. أي: إن إنكارهم للذكر ليس عن علم، بل هم في شكّ منه ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ على الإنكار، أي: إنما قالوا ما قالوا، لأنهم لم يذوقوا عذاب الله ونقمته، و لو ذاقوا لصدّقوا النبي ﷺ فيما جاء به، ولزال عنهم الشك، ولا ينفعهم التصديق حينئذ، لأنهم صدّقوا مضطرين غير مختارين.والآية كقوله تعالى – إخباراً عن قوم صالح -:(ءأُلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب أشر)القمر(٢٦).
38:9Page 453
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
٩ - ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ﴾ أي: بل أيملكون خزائن رحمته تعالى ومفاتيح نعمه ﴿ٱلۡعَزِيزِ﴾ أي: الغالب في ملكه، وسلطانه ﴿ٱلۡوَهَّابِ﴾ الذي يعطي ما يريد لمن يريد، فيصرّفون فيها كما يشاؤون، ويتخيرون للنبوّة والرسالة من يريدون؟ والاستفهام للإنكار، أي: لا يملكون شيئاً من الأمر، وليس إليهم من التصرّف في ملك الله شيء. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: (أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً ٥٣ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ٥٤)النساء(٥٣ -٥٤).
38:10Page 453
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
١٠ - ﴿أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ﴾ أي:بل ألهم ذلك حتى يُعطوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا؟﴿فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ﴾ أي: فليصعدوا في المراقي الموصلة إلى السماء، فيدبّروا أمر الوحي، ويخصّوا به من شاءوا.أي: إن كان عندهم خزائن الرحمة، ولهم ذلك الملك، فليصعدوا في المعارج والطرق التي توصّلهم إلى السماء، فيدبّروا أمر العالم، وينزّلوا الوحي على من شاءوا، ويمنعوا إنزاله على محمّد ﷺ!يقال: رقى يَرْقى وارتقى: إذا صعد. والأسباب: جمع سبب، وأصله: كلّ ما يتوصّل به إلى غيره، من حبل أو نحوه. والاستفهام للإنكار أيضاً، والأمر في قوله: (فليرتقوا) للتهكّم.
38:11Page 453
جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١
[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].
١١ - ﴿جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ﴾ أي: هم – والمراد: قريش – جند كثير من الكفّار المتحزّبين، مهزوم مكسور عمّا قريب، فمن أين لهم تدبير الإلهية والتصرّف في الأمور الربانية؟فلا تكثرت بهم، فهؤلاء الجند المكذّبون لك، سيُهزمون ويُغلبون ويُكبتون، كما كُبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذّبين لرسلهم.والهزيمة المبشر بها في قوله (هنالك): ما وقع لهم يوم بدر، أو: يوم الفتح.وأصل الهزْم: غمز الشيء اليابس حتى يتحطّم ويُكسر. يقال: تهزّمت القِرْبة: يبست وتكسّرت. وهزمتُ الجيش: كسرتُه.والآية كقوله:(أم يقولون نحن جميع منتصر ٤٤ سيهزم الجمع ويولّون الدّبر ٤٥)القمر(٤٤ -٤٥).
38:12Page 453
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢
The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1
١٢ - ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ﴾ أي: قبل قريش ﴿قَوۡمُ نُوحٖ﴾ وتأنيث «قوم» باعتبار المعنى ﴿وَعَادٞ﴾ وهم قوم هود عليه السلام ﴿وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ﴾ أي: المباني العظيمة الضخمة – كالأهرامات ونحوها - أو: الجنود الذين يقوّون ملكه، كما تقوّي الأوتادُ البيتَ. أو: الملك الثابت، بثبوت البيوت بالأوتاد.
38:13Page 453
وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣
And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1
١٣ - ﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح عليه السلام ﴿وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ﴾ أي: سكّان الغيضة، وهي الأشجار الملتفّة الكثيفة، وهم قوم شعيب – عليه السلام -.﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ﴾ أي: الموصوفون بالقوّة والكثرة، الذين تحزّبوا بقوتهم وعَددهم و عُددهم على ردّ الحقّ وتكذيب الرسل، فلم يغن عنهم ذلك من عذاب الله من شيء.
38:14Page 453
إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤
Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.
١٤ - ﴿إِن كُلٌّ﴾ أي: ما كلّ أحد من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: إلا وقع منهم تكذيب الرسل، فإنهم إذا كذّبوا واحداً منهم، فقد كذّبوا جميعهم، لاتفاق دعوتهم، وهي دعوة التوحيد ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي: وجب وثبت عليهم عقابي بتكذيبهم، وإن تأخّر، فكأنه واقع بهم، وكلّ ما هو آت، قريب.
38:15Page 453
وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥
And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1
١٥ - ﴿وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: ما ينتظر كفّار مكّة – الذين هم أمثال أولئك الكفّار المهلكين – ﴿إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ ﴾ هي نفخة البعث – وهي النفخة الثانية – أو: نفخة الفزع والصّعق – وهي النفخة الأولى – التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطوّلها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلاّ فزع، إلاّ من استثنى الله عزّ وجلّ.أي: ليس بينهم وبين حلول ما أعدّ الله لهم من العذاب إلاّ أن يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصّور، نفخة واحدة ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ﴾ – بفتح الفاء وضمّها، قراءتان – أي: من توقّف وانتظارٍ، أو: من رجوع. أو: من فتور وانقطاع، مقدار فواق الناقة، وهو الزّمن الذي بين الحلبتين، أو رجوع اللّبن في الضرع بعد الحلْب.
38:16Page 453
وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦
And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."
١٦ - ﴿وَقَالُواْ﴾ على وجه الاستهـزاء والاستبـعـاد: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا﴾ في الدنيا ﴿قِطَّنَا﴾ أي: حظّنا ونصيبنا من العذاب الذي توعّدتنا به ﴿قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ أي: القيامة، أو الجزاء، أي: لا تؤخّره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة، كقوله حكاية عنهم:(إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء..)الأنفال(٣٢).أو: عجِّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها. أو: عجّل لنا نصيبنا من خير أو شرّ في الدنيا، وهذا خارج منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.والقِطّ: النصيب المفروز، كأنه قُطّ وقُطع من غيره، من قَطّ الشيء: إذا قطعه.ويطلق أيضا على صحيفة الجائزة، أو كتاب الجائزة، لأنها كانت تخرج في صكاك مقطوعة، وجمعه: قُطوط وقِططة .
38:17Page 454
ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧
Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].
١٧ - ﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء كما صبرت الرّسل من قبلك. والآية أمر له ﷺ بالصّبر على أذى مشركي مكة، وفيه بشارة له على صبره بالعاقبة والنّصر والظفر.﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ﴾ أي: اذكر ما حصل له ولغيره من الرسل من المشاقّ والمحن، فصبروا عليها حتى فرّج الله عنهم، فكانت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت، تصبّر وأمرك آيل لا محالة إلى أحسن حال.﴿ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ﴾ أي: ذا القوة في العبادة والدّين، والعلم والعمل، والصّبر على طاعة الله. أو ذا القوة والصّلابة في ذات الله والاجتهاد في أداء الأمانة والقيام بالدعوة.يقال: آد الرجل يئيد أيْداً وإياداً: إذا قوِيَ واشتدّ، فهو أيّد، ومنه: أيّدك الله تأييداً.﴿إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى الله بالطاعة والإنابة، وإلى ما يرضي الله، في كلّ أموره وشئونه. وقيل: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله تعالى، ويرجع إليه بالإنابة والتوبة والإقلاع عن الذنب.وقيل: هو الرجّاع عن كل ما يُغضب الله، إلى ما يحبّه ويرضاه.من آب الرجل إلى أهله: إذا رجع.وفي الصحيحين، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «أحبّ الصّلاة إلى الله تعالى، صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله عز وجل، صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفرّ إذا لاقى».
38:18Page 454
إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨
Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.
١٨ - ﴿إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ﴾ الله بتسبيحه، أي: ينزّهن ويقدسن الله تعالى معه، إذا سبّح تبعاً له ﴿بِٱلۡعَشِيِّ﴾ أي: من الزّوال إلى الغروب، أو إلى الصباح. أو: وقت صلاة العشاء.﴿وَٱلۡإِشۡرَاقِ﴾ أي: و وقت إشراق الشمس، أي: وقت ارتفاعها عن الأفق الشرقيّ وصفاء شعاعها، وهو الضحوة الصغرى، أو وقت الضحى.يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت.وتخصيص هذين الوقتين–أوّل النهار وآخره – بالذّكر، لاختصاصهما بمزيد شرف.و الآية كما قال تعالى:(يا جبال أوّبي معه والطير)سبأ(١٠).
38:19Page 454
وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩
And the birds were assembled, all with him repeating [praises].
١٩ - ﴿وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ﴾ أي: وسخّرنا الطير مجموعة إليه، تسبّح الله معه إذا سبّح ﴿كُلّٞ﴾ من الجبال والطير ﴿لَّهُۥٓ أَوَّابٞ﴾ أي: مطيع منقاد يسبّح تبعاً لداود – عليه السلام -.أو: كلّ رجّاع منقاد إلى طاعته تعالى بالتسبيح والتقديس.
38:20Page 454
وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠
And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.
٢٠ - ﴿وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ﴾ أي: قوّيناه بأسباب القوّة كلّها وعضدناه ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ﴾ أي: النبوّة، والإصابة في القول والعمل، وكمال العلم، وإتقان العمل﴿وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ﴾ أي: فصل الخصام بالتمييز بين الحقّ والباطل ورفع الشّبه وإقامة الدلائل. أو الكلام الفاصل بين الصواب والخطأ، وهو كلامه في القضايا والحكومات، وتدبير الملك والمشورات.أو: الفصل في الكلام والحكم والقضاء. أو: علم القضاء.
38:21Page 454
۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١
And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -
٢١ - ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ﴾ يا محمّد ﴿نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ﴾ أي: خبر المتخاصميْن، أو: الخصماء.والخصم: يطلق على الواحد والأكثر، والمذكّر والمؤنّث، مثل الزَّوْر والسَّفْر.والمخاصمة: المنازعة، وأصلها: أن يتعلّق كلّ واحد بخُصْم الآخر، أي: بجانبه، أو: أن يجذب كلّ واحد خصم الجوالق من جانب.﴿إِذۡ تَسَوَّرُواْ﴾ على داود ﴿ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ أي: حين عَلوْا سور غرفته أو مصلاّه التي كان يتعبّد فيها، ونزلوا من أعلاه إليه.والسّور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنّم الجمل: إذا علا سنامه.والمحراب: المسجد أو محلّ العبادة. أو: مقدّم كل بيت وأشرفه.ومعنى الاستفهام هنا: التعجيب والتشويق إلى استماع خبرهم وقصّتهم.
38:22Page 454
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢
When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.
٢٢ - ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ﴾ لكونهم تسوّروا عليه محرابه بغير إذنه﴿قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ﴾ منّا، نحن ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ﴾ أي: تعدّى وظلم وجار ﴿بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالعدل والقسط والصواب ﴿وَلَا تُشۡطِطۡ﴾ أي: لا تَجُرْ في حكمك، ولا تتجاوز الحقّ فيه. أو لا تملْ ولا تحف في قضائك.يقال: شطّ عليه في الحكم، يشطّ شططاً، واشتطّ وأشطّ: جار وتجاوز الحدّ.﴿وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ أي: أرشدنا إلى قصْد السّبيل و وسط الطريق، وهو أعدله وأخيره، والمراد: عين الحقّ.
38:23Page 454
إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣
Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."
٢٣ - ﴿إِنَّ هَٰذَآ أَخِي﴾ أي: في النّسب أو الدين أو الصّداقة ﴿لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ﴾ والنعجة: الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة.أي: فلم ينظر إلى ما عنده وما عندي، بل أراد التغلّب عليّ﴿فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا﴾ أي: اجعلني أكفلها، والمراد: ملّكْنيها، و انزل لي عنها وخلّ سبيلها، حتى أكفلُها.يقال: كفل عنه بالمال لغريمه، وأكفله المال: ضمّنه إيّاه، وكفله إيّاه – بالتخفيف - فكفَل هو به – من بابي: نصر ودخل – وكفّله إيّاه تكفيلاً مثله. أو: اجعلها كِفلي، أي: نصيبي، بأن تعطيني نعجتك حتى أضمّها إلى نعاجي.﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ﴾ أي: غلبني وقهرني في المُحاجّة والمكالمة، بأن أتى فيها بما لم أُطق ردّه.يقال: عزّه في الخطاب وعازّه: غلبه وقهره.
38:24Page 454
قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤
[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].
٢٤ - ﴿قَالَ﴾ داود –بعدما سمع كلامه، وأقره خصمه عليه بسكوته - ﴿لَقَدۡ ظَلَمَكَ﴾ أي: خصمك ﴿بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ﴾ ليضمّها ﴿إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ﴾ مع استغنائه عنها وافتقارك إليها ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ﴾ أي: الشركاء في المال ونحوه أو المتخالطين في شئونهم ﴿لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ﴾ أي: يظلم بعضهم بعضاً بغير وجه حقّ، ويتعدّى عليه، والواجب في حقّهم الإنصاف والإيثار.﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ يمنعهم إيمانهم وعملهم من الظلم ونحوه، فلا يبغون ﴿وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ﴾ أي: وقليل هم، و «ما» لتأكيد القلّة. كقوله:(وقليل من عبادي الشكور)سبأ(١٣). أو للتعجيب من قلّتهم.﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ﴾ أي: علم وأيقن أنّنا ابتليناه واختبرناه بمـا جـرى وامتحنّـاه في مجلس الحكومـة ﴿فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ﴾ لزلّته وما صدر منه، بالنسبة لمقامه ومنزلته﴿ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ ﴾ أي: ساجداً لله تعالى، وعبّر عنه بالركوع، لأن في كلّ منهما انحناءً، ولذا كانت آية سجدة – وإن اختُلف فيها على قولين، كما سيأتي.﴿وَأَنَابَ﴾ أي: رجع إلى الله تعالى بالتوبة والإنابة، من ارتكابه خلاف الأوْلى في هذه القصّة.ولم يذكر القرآن ما كان من أمر داود عليه السلام، لعدم الحاجة إلى ذكره، واكتفى بذكر توبته واستغفاره وإنابته، فالتعرّض له من باب التكلّف، ولم يثبت فيه شيء عن المعصوم ﷺ، فالوقوف عند هذا الحدّ من القصّة أسلم وأحكم.هذا وقد ذكر بعضهم: أن خطيئة داود هي قوله: (لقد ظلمك) لأنه أخذ بقول أحدهما، دون أن يتثبّت من الآخر، فربما كان صاحب النعجة الواحدة ظالماً. ذكره النّحاس.وذكر بعضهم: أن المتسورين المحراب لمّا دخلوا وفزع منهم، ظنّ أنهم يريدون قتله، إذ كان منفرداً في محرابه، فلما ظهر له أنهم جاءوا إليه في خصومة ليحكم بينهم، وأن ما ظنّه غير واقع، استغفر من ذلك الظنّ، وتاب إلى الله وأناب. ذكره أبو حيّان وغيره.وعلى كلّ، فالحاصل أنه لم يثبت عنه ﷺ شيء في هذا، فنقف عند حدود كتاب الله تعالى في هذه القصّة، والله تعالى أعلم.
38:25Page 454
فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥
So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
٢٥ - ﴿فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ﴾ أي: الذي كان منه، وصدر عنه ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ﴾ أي: زيادة خير في الدنيا، أو: لقُربة منّا ومكانةً وكرامة يوم القيامة. والزّلفى والزّلفةُ: القربة والمنزلة.﴿وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾ أي: حسن مرجع ومنقلب في الآخرة – وهو الجنّة – لتوبته وعدله التامّ في مُلكه و حكمه.كما جاء في صحيح مسلم: «المقسطون على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا».وأخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلساً، إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشدّهم عذاباً، إمام جائر». فائدة فقهية وقد اختلف الأئمة في سجدة ص: هل هي من عزائم السجود أم لا؟ على قولين:الأول: نعم.والثاني: وهو الجديد من مذهب الشافعي: أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر، والدليل على ذلك: ما أخرجه البخاري وأحمد و أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح، عن ابن عباس أنه قال: السجدة في ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.و روى النسائي عن ابن عباس قال: إن النبي ﷺ سجد في ص، و قال:«سجدها داود توبة، و نسجدها شكرا». و هي نصٌّ في المسألة. و لفظ أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري: «أنما هي -أي: سجدة ص - توبة نبي» الحديث.
38:26Page 454
يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦
[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.
٢٦ - ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: استخلفناك على الملْك في الأرض، والحكم فيما بين أهلها، بتدبير أمورهم في الشئون الدينية والدنيويّة. وكان الله قد جمع له النبوّة والخلافة، أي: الملْك.﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: بالعدل والقسط، الذي هو حكم الله بين عباده ﴿وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ﴾ في الحكم والقضاء بين الناس، أي: هوى النّفس من الميل إلى مال أو جاه أو صاحب أو قريب ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: فيكون اتباعُ الهوى سبباً لضلالك عن الدلائل التي نصبها الله تعالى على الحقّ، تشريعاً وتكويناً، عقلية ونقليّة.﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّه﴾ أي: عن الإيمان به، أو عن طريق الحقّ والعدل، أو عن الصراط المستقيم ﴿لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ﴾ يوم القيامة ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ أي: بسبب نسيانهم ﴿يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ وغفلتهم عنه، المترتب عليه تركهم الإيمان بالله، إذ لو أيقنوا بيوم الحساب، لآمنوا في الدنيا، فالضلال عن سبيل الله، يستلزم نسيان يوم الحساب، الموجب للعذاب الشديد.أو: بسبب تركهم العمل لذلك اليوم، ومنه: القضاء بالحقّ والعدل.والآية: وصيّة من الله تعالى لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزّل من عنده، ولا يعدلوا عنه، فيضلّوا عن سبيل الله، وفيه إرشاد لما يقتضيه منصب الخلافة، ولما يجب أن يكون عليه الحكّام من الحكم بالحق والعدل، وعدم اتباع الهوى.
38:27Page 455
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧
And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.
٢٧ - ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ﴾ أي: خلْقاً عبثاً أو لعباً، مجرّداً عن الحكمة، بل خلقناهما خلقاً مشتملاً على الحكم والمصالح، للدلالة على عظيم قدرته، وليُعمل فيهما بطاعته.﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: خلْقها باطلاً ﴿ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ بربّهم، أي: مظنونهم، فإن جحودهم البعث والجزاء، يستلزم عندهم أن يكون خلقها عبثاً، خالياً عن الحكمة ﴿فَوَيۡـلٞ لِّلَّذِيـنَ كَفَرُواْ﴾ يـوم معـادهم ونشـورهم ﴿مِنَ ٱلنَّارِ﴾ المعدّة لهم، أي: هلاك لهم، لكفرهم وظنهم الباطل بربّهم. وقيل: «وَيْل»: واد في جهنّم.
38:28Page 455
أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨
Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?
٢٨ - ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: بل أنجعل الذين آمنوا بالله، وصدّقوا رسله، وعملوا بفرائضه، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي؟﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ أي: بل أنجعل المتقين المؤمنين، كالفجار من الكافرين والمنافقين؟أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، إذ ليس ذلك إن فعلناه عدْلاً، وهذا محال في حق الله. و «أم» بمعنى همزة الإنكار.والآية: تقرير لوجوب البعث والحساب والجزاء، إذ لو لم يجب، لاستوى المصلحون والمفسدون، والمتقون والفجّار، وذلك محال.
38:29Page 455
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩
[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.
٢٩ - ﴿كِتَٰبٌ﴾ أي: هذا كتاب ﴿أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿مُبَٰرَكٞ﴾ أي: كثير البركة والخير﴿لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ﴾ أي: لينظروا ويتفكّروا في معانيها، فيستخرجوا علمها، و يتأمّلوا أسرارها وحكمها. وأصله: ليتدبّروا، فأدغمت التاء في الدال.[و قرأ أبو جعفر المدني بالتاء وتخفيف الدال:(لتدبّروا آياته)].﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: وليتّعظ به أهل العقول الراجحة فيعملوا بما فيه. جمع لبّ، وهو العقل.وفيه الحثّ على تدبّر القرآن، وإعمال الفكر فيه، وأنه بحسب لبّ الإنسان وعقله، يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب.
38:30Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
٣٠ - ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ﴾ ابنه، نبيا، كما قال تعالى: (و ورث سليمان داود)النمل(١٦) أي: في النبوّة.﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ﴾ أي: سليمان عليه السلام ﴿إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى ما يُرضي الله تعالى في كلّ أموره، وشئونه، وأحواله.وقيل: الأوّاب: التوّاب، أو الرجّاع إلى الله بالتوبة والإنابة.والآية ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة، والعبادة، والإنابة إلى الله تعالى.
38:31Page 455
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
٣١ - ﴿إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ﴾ متعلّق ب «اذكر» مقدّرة، أي: اذكر يا محمد حين عرض على سليمان – في حال مملكته وسلطانه – ﴿بِٱلۡعَشِيّ﴾ من الزّوال إلى الغروب ﴿ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ﴾ أي: الخيل الصّافنات السّراع السّوابق في العَدْو.جميع صافنة، أو صافن، و هو من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر.يقال: صَفَن يَصْفِن صُفُوناً، فهو صافن.والجياد: جمع جواد، وهو الفرس –ذكراً كان أو أنثى– إذا كان سريع العدْو، أو: جيّد الركض.يقال: جاد الفرس يجُود جُودة، فهو جواد، إذا صار رائعاً.وصُفت هذه الخيل بوصفيْن محموديْن، واقفة وجارية، والمعنى: أنها إذا استوقفت سكنت، وإذا ركضت سبقت.وقد استمرّ عرضها عليه حتى غربت الشمس، ولم يصلّ العصر، كما ذكر غير واحد من السلف و المفسرين.
38:32Page 455
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
٣٢ - ﴿فَقَالَ﴾ أي: سليمان عليه السلام: ﴿إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ﴾ أي: آثرت ﴿حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ﴾ أي: حُبّ الخيل.والعرب تسمّى الخيل خيراً، كأنها نفس الخير، لتعلق الخير بها ﴿عَن ذِكۡرِ رَبِّي﴾ أي: عليه، يعنى بذلك: ذكر الله تعالى من تسبيح و تحميد و تهليل و تكبير، أو صلاة العصر﴿حَتَّىٰ تَوَارَتۡ﴾ أي: استترت الشمـس ﴿بِٱلۡحِجَابِ﴾ أي: بما يحجبها عن الأبصار، أي: غربت الشمس. وقيل: حتى توارت الخيل في العرض عن الأعين، وغابت عن الأبصار لظلمة الليل.والمعنى: أنه اشتغل بعرض الخيل، فما زالت تُعرض عليه، حتى غابت الشمس، فألهته وشغلته عن ذكر الله تعالى، أو عن الصّلاة، كما شُغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاّها بعد الغروب، كما في الصحيحين عن جابر: « أنه ﷺ قال يوم الخندق: والله ما صلّيتها» – يعني: صلاة العصر – «قال: فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلّى بعدها المغرب» الحديث.و قيل: (عن ذكر ربي) أي: لأجله تعالى تقوية لدينه. فيكون المعنى: آثرت حب الخيل، حبا ناشئا عن أمر ربي بالعناية بها، لأنها عُدة الدفاع عن الدين، لا عن شهوة الفخر و حُب الدنيا، حتى غابت الخيل عن الأنظار بحجاب الأفق أو الغبار لسرعة جريها في الاستعراض.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences