Al-Jami' al-WajizAt‑Tawbah · 9:1–14

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

١ - ﴿بَرَآءَةٞ﴾ أي: هذه براءة، أي: تبرؤ وتباعد وتخلّص، أو: إعذار وإنذار ﴿مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ واصلة ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم﴾ أيها المسلمون، أي: عاقدتم وواثقتم ﴿مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ عهداً مطلقاً، أي: غير مؤقت ومقدّر، أو مقدّراً بأربعة أشهر فما دونه، فأمّا من كان له عهد مؤقت أو مقدّر إلى مدّة تزيد على أربعة أشهر، فأجله إلى مدّته، لقوله تعالى: (فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم)التّوبة(٤)، أي: فإنّه يتعيّن أن يُتمّم له عهده إلى مدّته، إذا لم يُخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد. وقد جعل المشركون ينقضون العهود التي كانت بينه ﷺ وبينهم، لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك، فأمره الله بنبذ عهودهم، كما قال تعالى: (وإمّا تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)الأنفال(٥٨)، ففعل ﷺ ما أُمر به، فكانت هذه البراءة من الله ورسوله إلى المشركين، بسبب خيانتهم بنكث العهود التي كانت بين رسول الله ﷺ وبينهم. وأصل البراءة: التّباعد والتّفصي ممّا يُكره مجاورته، أو : انقطاع العصمة. يقال: بَرِئ منه يبرأُ براءة، إذا تخلّص منه، وتباعد عنه، ويقال: بَرِئَ: إذ أعذر وأنذر، أي: هذا إعذار وإنذار إلى الذين عاهدتم من المشركين.والعهد: العقد الموثّق باليمين. وفي الآية: الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدات، بسبب ما وقع من الكفّار من النّقض، فصار النّبذ إليهم بعهدهم واجباً على المعاهِدين من المسلمين.و إنما نُسبت البراءة لله و رسوله مع شمولها للمسلمين، و نسبت المعاهدة - في قوله : (عاهدتم) - للمسلمين فقط مع أنها بأمر الله و اتفاق رسول الله، للإشارة إلى وجوب تنفيذ نقض العهد و أنه صادر من الله و رسوله، فهو واجب الامتثال.

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

٢ - ﴿فَسِيحُواْ﴾ أيها المشركون، أي: قولوا لهم: سيروا آمنين ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ من القتل والقتال، مقبلين ومدبرين غير خائفين من المسلمين ﴿أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ﴾ ولا أمان لكم بعدها، إلا الإسلام، أو السّيف. أي: فلا عهد لكم ولا ميثاق بعد الأربعة الأشهر. وهذه الآية والتي قبلها لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، من المشركين، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر. وأمّا من كان له عهد مؤقّت بزيادة على الأربعة الأشهر فعلى قولين: الأوّل: عهده إلى مدّته مهما كانت مدّته، لقوله تعالى: (فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم)التوبة(٤)، ولقوله ﷺ:«و من كان بينه و بين رسول الله عهد، فعهده إلى مدته» وهذا مشروط بمن لم يُخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد، ولا ظاهر عليه. الثّاني: عهده أربعة أشهر، لعموم قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فيدخل فيه ذوو العهود المطلقة، غير المؤقتة، أو دون أربعة أشهر، أو فوقها. والأوّل أوْلى. وقد أمهل الله النّاكثين عهودهم، النّاقضين مواثيقهم، مع رسول الله ﷺ مدّة أربعة أشهر، كي لا يُنسب إلى المسلمين الغدر ونبذ العهد دون إعلام وإنذار. فأباح الله للمشركين في هذه المدّة أن يسيروا في الأرض آمنين من القتل والقتال، ليتفكّروا ويحتاطوا لأنفسهم، ويستعدّوا للحرب، وأعلمهم أن ليس لهم بعدها إلا الإسلام أو السّيف. وكان رسول الله ﷺ قد بعث عليّاًَ رضي الله عنه بالآيات الأولى من هذه السّورة إلى النّاس في مكّة، فأعلمهم بها يوم الحجّ الأكبر- وهو يوم النّحر- في السّنة التاسعة من الهجرة، وقد كان هذا اليوم عاشر ذي القعدة، بسبب النّسيء الذي ابتدعه المشركون، فيكون آخر مدّة الإمهال: اليوم العاشر من شهر ربيع الأوّل من السّنة العاشرة. وقيل: إن يوم النّحر في السّنة التاسعة، كان عاشر ذي الحجّة، فيكون نهاية المدّة: العاشر من شهر ربيع الآخر من السّنة العاشرة. والسّياحة في الأصل: جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته، ثمّ استعملت في الضّرب والاتّساع في السّير، فيقال: ساح في الأرض سَيحاً وسياحةً: إذا مرّ فيها مرّ السائح. ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ أيّها المشركون المعاهَدون ﴿أَنَّكُمۡ﴾ وإن كنتم آمنين في مدّة عهدكم ﴿غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ﴾ أي: غير فائتي عذابه، أو غير فائتين عليه، بل أنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: مذلّهم ومهينهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب النّار، لمن أصرّ على كفره، واستمرّ على شركه. فهذا الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة، ليتوب من تاب، ويرجع من أناب. وعن ابن عبّاس-في الآية- قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيث شاءوا، وأجّل أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم- وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجّة ومحرم- فأمر الله نبيّه ﷺ إذا انسلخ المحرّم،أن يضع السّيف فيمن لم يكن بينه وبينهم عهد، بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد، إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النّحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر، أن يضع فيهم السّيف-أيضاً- حتى يدخلوا في الإسلام. وعلى هذا: فمن كان له عهد غير مؤقّت مع رسول الله ﷺ، أو مؤقّت بأقل من أربعة أشهر، فأجله أربعة أشهر ومن كان له عهد مؤقّت بزيادة على أربعة أشهر، فأجله: إلى مدّتهومن ليس له عهد مع رسول الله ﷺ، فأجله: انسلاخ الأشهر الحرم بانسلاخ شهر محرّم من السّنة العاشرة للهجرة، فتكون مدّته خمسين يوماً: عشرون باقية من ذي الحجة، وثلاثون هي شهر المحرّم.

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

٣ - ﴿وَأَذَٰنٞ﴾ أي: إيذان وإعلام وإعلان. أو: تقدّم وإعذار وإنذار (مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ﴾ كافّة، غير مختصّ بقوم دون قوم، ﴿يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ وهو يوم النّحر، يوم عيد الأضحى سنة تسع من الهجرة- رواه البخاري و عليه الأكثرون. وقيل: يوم عرفة، التاسع من ذي الحجّة- ووصفه «بالأكبر»: لأنّه يجتمع فيه النّاس، أو لكون معظم أفعال الحج فيه، فهو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكبرها جميعاً. وجعل الإعلان والإعلام فيه، ليكون إعلاناً عامّاً واضحاً جليّاً، يكفل بلوغه إلى النّاس جميعاً، ويبرأ فيه من تهمة الغدر والنّكث. ﴿أَنَّ﴾ أي: بأنّ ﴿ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ وعهودهم ومواثيقهم، أو: بريء من المشركين النّاقضين عهودهم ومواثيقهم ﴿وَرَسُولُهُۥۚ﴾ بريء منهم أيضاً، وأنّه قد نُبذت إليهم عهودهم ومواثيقهم. يُقال: آذنه الأمر، وبه، إذا أعلمه. ثمّ دعاهم تعالى إلى التّوبة والإنابة إليه، فقال: ﴿فَإِن تُبۡتُمۡ﴾ وأنبتم ممّا أنتم فيه من الكفر والشّرك والضلال، ورجعتم إلى الإيمان بالله ورسوله وتوحيد الله وإخلاص العبادة له ﴿فَهُوَ﴾ أي: التّوبة والإنابة ﴿خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ من الكفر والشّرك، والإقامة عليهما. ﴿وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ عن الإيمان وأدبرتم عنه، وبقيتم على الكفر والشّرك، واستمررتم على ما أنتم عليه من الضلال ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ يقيناً ﴿أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ﴾ أي: غير فائتين عليه، أو غير فائتين عذابه، بل هو مدرككم، وقادر عليكم، فمجازيكم بأعمالكم، فأنتم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته. ﴿وَبَشِّرِ﴾ أي: وأخبر ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بربّهم ورسوله ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم موجع في الدنيا: بالقتل والأسر، وفي الآخرة: بالنّار. و هو تهكم بهم.فائدةوكان النّبي ﷺ قد بعث عليّاً من السّنة التاسعة للهجرة:«فأذّن يوم النّحر بمنى، بهذه الآيات، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان- وكان من عادة العرب في الجاهلية أن يطوفوا بالبيت عراة، زاعمين أنّهم لا يطوفون بثياب عصوا الله فيها»- رواه البخاري، وزاد أحمد والتّرمذي:«ولا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة». ففي الحديث عن أبي هريرة، عند البخاري، قال:«بعثني أبو بكر فيمن يؤذّن يوم النّحر بمنى: ألاّ يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». وعنه عند أحمد في «المسند»، قال:«كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكّة ببراءة، وكنّا ننادي: أنّه لا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فإنّ أجله أو مدّته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك». واختلف في يوم الحجّ الأكبر على قولين: الأوّل: هو يوم عرفة، فقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب: «أنّ عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه للحاجّ- أي: عن صوم يوم عرفة- ويقول: هو يوم الحجّ الأكبر». الثّاني: هو يوم النّحر، لما رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال- يوم النّحر-:«أي يوم هذا؟» قال: فظنّنا أنّه سيسمّيه بغير اسمه، فقال:«أليس هذا يوم الحجّ الأكبر». قال ابن كثير: وإسناده صحيح، وأصله مخرّج في الصحيحين. قلت: وهو المترجح عندي لدليله، والله تعالى أعلم.

9:4Page 187

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

٤ - ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ أي: لكن الذين لم ينكثوا العهد من المشركين ﴿ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ من شروط العهد، أي: لم ينقضوا عهدهم، بل وفّوا به ﴿وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ ﴾ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا﴾ من أعدائكم، كما عاونت قريش بني بكر على خُزاعة، وكانت خُزاعة في عهد رسول الله ﷺ. ﴿فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ﴾ أي: فأدّوا إليهم عهدهم، تامّاً غير منقوص ﴿إِلَىٰ﴾ انقضاء ﴿مُدَّتِهِمۡۚ﴾ و أجلهم المسمّى التي عاهدتموهم عليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تُجروهم مجرى النّاكثين إذا بقوا على ما هم عليه من الوفاء بالعهد. وهؤلاء هم:«بنو ضمرة» و «بنو مُدلج» من «كنانة» لم ينقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ، فأُمر بإتمام عهدهم إلى مدّتهم، وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، فأُتمّ إليهم عهدهم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الموفين بعهدهم، الذين يتّقون الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويتّقون الشّرك والخيانة، فيتمّون عهودهم ويوفون بها. أمّا الذين نقضوا العهد، أو له عهد مؤقّت دون أربعة أشهر، أو عهد مطلق غير مؤقّت، فمدّتهم أربعة أشهر. وقوله تعالى: (ثمّ لم ينقصوكم شيئاً﴾: فيه دليل على أنّه كان من أهل العهد من نقض عهده مع رسول الله ﷺ، ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله لنبيّه بنقض عهد من نقض، وأمره بالوفاء لمن لم ينقض إلى مدّته. وفي الحديث:«ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ، فعهده إلى مدّته»وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهَد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحداً، ولم يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يُوفى له بذمّته، وعهده إلى مدّته.

9:5Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

٥ - ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ﴾ أي: فإذا انقضت، أو خرجت أشهر الأمان والإمهال، أو العهد الأربعة المذكورة-وهي أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)- وكذا إذا انقضت تمام المدّة، لمن له مدّة أكثر من أربعة أشهر، فقد برئت منهم ذمّة الله وذمّة رسوله، ﴿فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ النّاكثين عهودهم ﴿حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ﴾ أي: لقيتموهم من الأرض، في أي مكان وزمان و سواء في حلّ أو حرم، مع مراعاة ما شرعه الله في قتالهم ، من مثل قوله تعالى:(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)البقرة(١٩٠) وقوله:(و إن جنحوا للسلم فاجنح لها)الأنفال(٦١). وقيل: إن قوله: (حيث وجدتموهم) أي: لقيتموهم من الأرض، عامّ، والمشهور: تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم)البقرة(١٩١). وسمّيت أشهر الأمان، أو الإمهال، أو التسيير الأربعة المذكورة في الآية«حرماً»: لأنّ الله جعلها مدّة أمان للمشركين يحرم على المسلمين قتالهم فيها، أو التعرض لهم بمكروه ونحوه. ويدخل في الأشهر الحرم أيضاً: تمام المدّة لمن كان له مدّة عهد أكثر من أربعة أشهر. وذهب ابن جرير: إلى أنّ المراد بالأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: (منها أربعة حُرم): هي رجب و ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم. ولكن عَوْد العهد في قوله:«الحرم»على مذكور في الآية أوْلى من مقدّر. وقوله: (انسلخ): من السّلخ بمعنى: الكشط. يقال: سلخ الإهاب عن الشّاة، يسلُخه و يسْلَخهُ سَلخاً: كشطه ونزعه عنها. أو: بمعنى: الإخراج، من قولهم: سلخت الشّاة عن الإهاب، إذا أخرجتها منه، ثمّ استُعير للانقضاء. و أصل الاستعمال في الإهاب: شبه الزمان به، لأنه محيط بما فيه إحاطة الإهاب بالشاة، فإذا مضى الزمان فكأنه انسلخ عما فيه .والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجّلناهم فيها، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم من الأرض. ﴿وَخُذُوهُمۡ﴾ بالأسر، أي: وائسروهم، فإنّ الأخيذ: هو الأسير. وقيل: (وخذوهم) إن شئتم قتلاً، وإن شئتم أسراً. ﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ﴾ أي: واحبسوهم، أو: ضيّقوا عليهم، وامنعوهم من التّصرف في أرض الله وبلاد المسلمين إلا بإذن منكم. أو: اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وقلاعهم وحصونهم، حتّّى تضطروهم إلى القتل، أو الإسلام. ﴿وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ﴾ أي: لقتالهم ﴿كُلَّ مَرۡصَدٖۚ﴾ أي: في كل طريق يسلكونه ويجتازون منه في أسفارهم، وممرّ ومرقب، حتى تأخذوهم من أي وجهة توجّهوا. والمرصد: الموقع الذي يُرقب فيه العدوّ. أي: اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. يُقال: رصدت الشيء أرصده رصداً: إذا ترقّبته. والمراد: الرّصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيّقوا عليهم ما اتّسع منها، وتضطرّوهم إلى القتل أو الإسلام. ونصب «كل»على نزع الخافض، وتقديره: في كل طريق ومرقب. ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ من الشّرك والكفر، وآمنوا ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ المفروضـة، أي: أدّوها بحقوقهـا وشرائطـها ﴿وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ الواجبة لمستحقّيها. ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ﴾ أي: اتركوهم وشأنهم، ولا تتعرضوا لهم بقتل، أو أسر، أو حصر، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم. ومثله قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدّين)التّوبة(١١). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ للتائبين منهم، الذين آمنوا، فأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة، يغفر الشّرك فما دونه ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم، يرحمهم بتوفيقهم للتّوبة، ثمّ قبولها منهم، فضلاً منه ونعمة.فائدةوهذه الآية هي المعروفة ب «آية السّيف»، المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم المذكورة، وهي عامّة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلاّ من خصّته السّنة، كالمرأة، والصّبي، والعاجز الذي لا يقاتل، وأهل الكتاب الذين يُعطون الجزية، وقد نسخت جميع آيات الأمر بالصّفح والإعراض عن المشركين والصّبر على أذاهم. وعن ابن عبّاس: أنّ هذه الآية نقضت كلّ ما كان سُمّي للمشركين من عهد وميثاق ومدّة. وفي الآية: دليل على أنّ من امتنع عن أداء الصّلاة أو إيتاء الزّكاة، فإنّه يُقاتل حتى يؤديها، وقد استدلّ بها أبو بكر الصّديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزّكاة، حيث حرّمت الآية قتالهم بشرط الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، من صلاة وزكاة، ونبّه بأعلاها على أدناها، فأشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين: الصّلاة، وهي حقّ الله عزّ وجل، ثمّ الزّكاة، وهي النّفع المتعدّي إلى الفقراء والمحتاجين، وهي أشرف الأفعال المتعلّقة بالعباد، وكثيراً ما يقرن اللهُ بين الصّلاة والزّكاة في القرآن. ففي الصحيحين :«أمرت أن أقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإن فعلوا ذلك، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله تعالى». وروى أحمد في«مسنده» عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال:«أُمرت أن أقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلّوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم». قال ابن كثير: وقد اختلف المفسّرون في آية السّيف هذه، فقال الضّحاك والسّدي: هي منسوخة بقوله تعالى: (فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء)محمّد(٤)، وقال قتادة بالعكس، أي: هي ناسخة لآية «محمّد».

9:6Page 187

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

٦ - ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ الذين أُمرت بقتلهم وقتالهم، واستباحة نفوسهم وأموالهم ﴿ٱسۡتَجَارَكَ﴾ بعد انسلاخ أشهر العهد الأربعة، أي: استأمنك من القتل بعد انقضاء مدّة الأمان وأشهر العهد، وطَلَب جوارك وحمايتك، لأجل أن يسمع القرآن ويتدبّره، ويطّلع على حقيقة الإسلام ﴿فَأَجِرۡهُ﴾ وأمّنه، وأجبه إلى طُلبته، أو: كن جاراً له، محامياً عنه. ﴿حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ منك، أي: القرآن، تقرؤه عليه، ويتدبّره حقّ تدبّره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه، وتذكُر له شيئاً من أمر الدين، تُقيم به عليه حجّة الله،فلا يبقى له عذر بعد ذلك، فإن أسلم ثبت له ما للمسلمين، وإلاّ، ﴿ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ﴾ وهو آمن مستمر الأمان ﴿مَأۡمَنَهُۥۚ﴾ إن لم يُسلم، لينظر في أمره. أي:أبلغه موضع أمنه ، وهو: المحلّ الذي يأمن فيه على نفسه وماله، أي: بلاده، أو داره، أو دار قومه، بعد أن يسمع كلام الله، ثمّ بعد أن تُبلغه مأمنه، جاز لك أن تقاتله من غير غدر ولا خيانة، فقد خرج من جوارك وأمنك، وأَمِن على نفسه وماله. ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور من جوار المشرك وأمانه، وإسماعه كلام الله، ثمّ إبلاغه مأمنه إن لم يسلم، ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنّهم، أي: المشركون ﴿قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ﴾ دين الله، ولا العلم النّافع المميز بين الخير والشّر، فلا بدّ من إعطائهم الأمان حتّى يسمعوا القرآن ويفهموا الحقّ، ليعلموا دين الله ولا يبقى لهم معذرة. فربّما كان استمرارهم على كفرهم لجهل منهم بالإسلام، فإذا زال هذا الجهل بسماع القرآن وتدبّره، اختاروا عليه الإسلام، ولذا أمر الله رسوله- وأمّته، أسوته في الأحكام- أن يُجيروا من طلب أن يسمع كلام الله، وشرع لهم أن يؤمِّنوه ليعلم دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده. ولهذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً مستعلماً.فائدةثمّ إن ما تقدّم من عموم قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...) الآية، وهو أمر عام في جميع الأحوال، وفي كلّ الأشخاص منهم، قد خصّصته هذه الآية لمصلحة اقتضت ذلك وهي سماع كلام الله. وعليه، فإذا اقتضت المصلحة تخصيص بعض المشركين الرّاغبين في سماع كلام الله، ودعوة الإسلام من عموم القتل، جاز ذلك، بل وجب أمان أمثالهم ليعلموا دين الله، ودعوته في عباده. والآية محكمة غير منسوخة بقوله: (وقاتلوا المشركين كافّة)التّوبة(٣٦). وفي الآية: حجّة صريحة لما ذهب إليه أهل السّنة والجماعة: من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنّه تعالى هو المتكلّم به، وإضافته إلى نفسه الكريمة، وذاته العليّة، إضافة الصّفة إلى موصوفها. ويؤخذ من الآية- أيضاً-: أنّ من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً، فإنّه يُعطى الأمان ما دام متردّداً في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن العلماء قالوا: لا يجوز أن يُمكّن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكّن من الإقامة فيها أربعة أشهر. و أما إذا زاد عن أربعة أشهر ونقص عن سنة فقولان عن الشّافعي وغيره: أحدهما: الجواز، والآخر: عدمه. قلت: والرّاجح عندي: الجواز فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة، لعدم الدليل على عدم الجواز. والله تعالى أعلم.ثمّ بيّن الله الحكمة الموجبة لبراءة الله ورسوله من المشركين، فقال:

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

٧ -﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ﴾ النّاقضين عهودهم و النّاكثين مواثيقهم ﴿عَهۡدٌ﴾ محترم وميثاق و أمان ﴿عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ وهم المشركون بالله، الكافرون به وبرسوله، الغادرون بهما. والآية: استفهام في معنى الإنكار، أي: مستنكٌر أن يكون لهؤلاء المشركين النّاكثين عهودٌ عند الله وعند رسوله، ومحال أن يثبت لهم عهد، أو يستقيم لهم ميثاق، فإنّهم قوم خيانة وغدر، مضمرون لذلك، ينتهزون الفرص لينقضوا عهدكم ويغدروا به. فلا يطمعوا في تلك العهود والمواثيق، ولا يحدّثوا بها أنفسهم، فإنه ليس لمن لم يفِ بعهدٍ، أن يفي الله ورسوله له بالعهد. ثمّ استثنى الله تعالى الذين لم ينقضوا العهد منهم، وأمر بالاستقامة لهم، ما استقاموا للمسلمين فقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ﴾ من المشركين ﴿عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ﴾ يوم الحديبية، وهم «بنو ضمرة»- على الصحيح كما تقدّم- بدخولهم في عهد قريش. و قيل: هم «قريش» الذين عاهدوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية سنة ستّ من الهجرة، ثمّ نقضوا عهدهم، ومالؤوا حلفاءهم «بنو بكر» على خُزاعة، حلفاء رسول الله ﷺ، فقتلوهم في الحرم، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ عام الفتح سنة ثمان للهجرة، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكّنه من نواصيهم. والمعنى: لكن الذين عاهدتم من المشركين، و لم ينكثوا عهدهم، ولم ينقضوه- وهم الذين سبق استثناؤهم في الآية الرّابعة- فلا تقاتلوهم. والمراد بالمسجد الحرام: الحرم كلّه. ﴿فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ﴾ أي: فما أقاموا على العهد معكم، أو داموا مستقيـمين لكـم عليـه، ولم ينقضـوه ﴿فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ﴾ على العهد والوفاء به، مدّة استقامتهم لكم عليه. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الموفين بعهدهم، المستقيمين عليه. وقد استقام النّبي ﷺ على عهدهم، وهم- على الصحيح-: «بنو ضمرة» من قبائل «بني بكر» من حلفاء قريش، الذين لم ينقضوا العهد مع رسول الله ﷺ، وقد جاء استثناؤهم وتخصيصهم من عموم كلمة «المشركين» - كما في الآية الرابعة- لئلا يدخلوا في حكم قريش و «بني الدئل» من «بني بكر» النّاقضين للعهد، الذين حرّض الله تعالى على قتالهم في هذه الآيات.

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

٨ - ﴿كَيۡفَ﴾ يكون لهؤلاء المشركين النّاكثين- وهم: قريش وأعوانهم- عهدٌ، وميثاقٌ، وأمانٌ، عند الله وعند رسوله ﴿وَ﴾ الحال أنّهم ﴿إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ﴾ بالظّفر والغلبة، أي: إن يظفروا بكم ويغلبوكم (لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ﴾ أي: لا يراعـوا في أموركم وأحوالكم ﴿إِلّٗا﴾ أي: رحماً وقرابة وصلة، أو عهداً، أو حلفاً ﴿وَلَا ذِمَّةٗۚ﴾ أي: ولا عهداً، أو: أماناً وضماناً، أو حقّاً. أي: لا يخافون الله فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب ويؤذونكم ما استطاعوا، فهذه حالكم معهم لو ظهروا عليكم. والإلّ: القرابة والرّحم. أو: العهد، أو: الحلف والجوار. والذّمة: العهد أو الأمان والضمان. وأصلها: كل أمر لزمك بحيث إذا ضيّعته لزمتك مذمّة. أو هي: ما يُتذمّم، أي: يُجتنب فيه الذّم. وقوله: (يظهروا): يقال: ظهر عليه يظهر: إذا غلبه، وأظهره الله على عدوّه: أعانه عليه. ثمّ وصف معاملتهم للمسلمين بقوله: (يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ أي: يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم، طلباً لمرضاتكم، وتطييب قلوبكم (وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ﴾ الميل والمحبة لكم، أو: الوفاء بعهدكم، فقلوبهم تخالف ذلك، وتودّ ما فيه مساءتكم ومضرّتكم فيظهرون لكم بالقول خلاف ما يخفون في أنفسهم. (وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ ناقضون للعهد، ناكثون للعقد . و قد حكم عليهم بالفسق، و هو التّمرد، والتجرّي، والخروج عن الحقّ والمروءة، لنقضهم العهود و نكثهم العقود.

9:9Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

٩ - ﴿ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ابتاعـوا بالقـرآن ﴿ثَمَنٗا قَلِيلٗا﴾ يسيراً مـن عرض الدنيا ومتاعـها الزائل، وحطامها الفاني، أي: اعتاضوا عن اتّباع آيات الله، بما آثروه من حطام هذه الدنيا. أو استبدلوا بآيات القرآن، وما فيها من الأمر بالوفاء بالعهود، ثمناً قليلاً، وعرضاً زائلاً، وحظّاً عاجلاً في الدنيا، فتركوا اتّباع آيات الله للشهوات والهوى، واختاروا الحظ العاجل الفاني، على الآجل الباقي، وهو الإيمان بالله ورسوله والانقياد لآيات الله. ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ﴾ أي: دينه، فأعرضوا هم عن اتّباع سبيل الحقّ والهدى، وصرفوا غيرهم عنه. ﴿إِنَّهُمۡ سَآءَ﴾ أي: بئس ﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: عملهم هذا - وهو إعراضهم عن الحقّ وصرفهم النّاس عنه -.

9:10Page 188

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

١٠ - ﴿لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ﴾ أي: لا يراعـون فيـه ﴿إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ﴾ أي: قرابــة، ولا عهــداً في أي وقـت وزمان. والمراد: أنّهم لا يراعون حقوق المؤمنين، لا في القرابة، ولا في الحلف، ولا في العهد. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ﴾ أي: المجاوزون الحلال إلى الحرام، بنقض العهد، أو: البالغون في الشّر والتمرّد إلى الغاية القصوى، أو: المتجاوزون بالظلم والاعتداء إلى ما ليس لهم.

9:11Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

١١ - ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الشّرك، فآمنوا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد ﷺ نبياً ورسولاً، و التزموا أحكام الإسلام ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: أدّوها بحقوقها وشرائطها. ﴿وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ لمستحقيها ﴿فَإِخۡوَٰنُكُمۡ﴾ أي: فهـم إخوانكـم ﴿فِي ٱلدِّينِۗ﴾ والإسلام، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ولا يحل لكم قتالهم. وعن ابن عبّاس، قال: حرّمت هذه الآية قتال، أو دماء أهل الصّلاة. ﴿وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي: نبيّنها ونوضّحها، أو نميزها، حِكماً وأحكاماً، وحِكمة وحُكماً ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ الحقّ فيتدبّرونه ويتّبعونه، ويعملون بما يعلمون. وفي الآية: دليل على أنّ الولاية والعداوة، والولاء والبراء، والمحبّة والبغض في الله، تدور مع الدين حيث دار، وجوداً وعدماً.

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

١٢ - ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ﴾ أي: المشركون ﴿أَيۡمَٰنَهُم﴾ أي: نقضوا مواثيقهم وعهودهم المؤكدة بالأيْمان ﴿مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ﴾ لكم ألاّ يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحداً، أي: إن نقضوكم العهد وأعانوا على قتالكم.يُقال: نكث العهد والحبل ينكُثه وينكِثه- بضم الكاف وكسرها- نقضه، فانتكث، أي: فانتقض. وأصله من النّكث- بكسر النون المشدّدة- وهو أن تُنقض أخلاق الأكسية، لتغزل ثانية. ﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ﴾ أي: عابوه وثلبوه، وانتقصوه، وسخروا منه، وقدحوا فيه. ويدخل في هذا جميع أنواع الطعن الموجهة إلى الدّين أو إلى القرآن.وفي الآية: دليل قتل من سبّ رسول الله ﷺ، أو طعن في دين الإسلام، أو ذكره بنقص، لقوله: ﴿فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ﴾ أي: رؤساءه والقادة فيه. وخصّهم بالذكر لعظم جنايتهم، ولأن غيرهم تبع لهم. وفي الآية: دليل أيضاً على أن من طعن في الدين، أو في القرآن، فإنّه من أئمة الكفر والضلال، وقد وجب على المسلمين قتالهم، ﴿إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ﴾ أي: لا عهود، ولا مواثيق لهم يلازمون على الوفاء بها. والمعنى: أن أيْمان الكافرين النّاقضين، وإن كانت في الصّورة يميناً، فهي في الحقيقة ليست بيمين، حتّى يستحقّوا بها العصمة لدمائهم وأموالهم. [وفي قراءة بالكسر: (إنّهم لا إيمان لهم) أي: بالله ورسوله]. ﴿لَعَلَّهُمۡ﴾ في قتالكم إياهم ﴿يَنتَهُونَ﴾ عن كفرهم، ونكثهم لعهودهم، وطعنهم في دين الإسلام. أو: لعلّهم يرجعون عمّا هم فيه من الكفر والعناد والضلال.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

١٣ - ﴿أَلَا﴾ للتحضيض والتهييج والإغراء ﴿تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ﴾ أي: نقضوا عهودهم ومواثيقهم وأبطلوها ﴿وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ﴾ من مكّة، لمّا تشاوروا في أمره بدار النّدوة- وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثْبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)الأنفال(٣٠)، وكذا قوله: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم)الممتحنة(١)، وقوله: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها)الإسراء(٧٦). ﴿وَهُم بَدَءُوكُمۡ﴾ بالقتال ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍۚ﴾ في بدر، أو حين نقضوا عهدهم، وأعانوا عليكم وقاتلوا مع حلفائهم «بني بكر»، «خُزاعة» حلفاء رسول الله ﷺ، حتّى سار إليهم رسول الله ﷺ في فتح مكّة، وأظفره الله بهم. أي: فما يمنعكم أن تقاتلوهم؟ ﴿أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ﴾ أي: أتخافونهم في ترك قتالهم، مخافة أن ينالكم منهم مكروه، ﴿فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ﴾ في ذلك، فهو أهل لأن يخشى العباد سطوته ونقمته وعقوبته، إذ الأمر كله له ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ حقّاً، مصدّقين بوعد الله و وعيده، فإن من تمام خشيتكم له، أن تمتثلوا أمره، فتقاتلوا من أمركم بقتالهم، ولا تجعلوا خشيتكم لغير الله كخشيتكم لله. وفي الآية: تحضيض وتهييج وإغراء على القتال، والمبالغة في تحقّقه، لأن من كان حاله كحال هؤلاء: من نقض العهد، وإخراج الرسول من مكّة، والبداءة بالقتال، فهو حقيق بأن لا يُترك قتاله، وأن يُوبّخ من فرّط في ذلك.

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

١٤ - ﴿قَٰتِلُوهُمۡ﴾ أي: قاتلوا هؤلاء النّاكثين عهودهم، الذين طعنوا في دينكم، وبدأوكم بالقتال، حيث همّوا بإخراج الرسول من مكّة، وقاتلوا «خزاعة» حلفاءكم، فليس لهؤلاء عهد ولا ذمّة- إلا من تاب منهم ورجع إلى الله، فكفوا عن قتاله- ثمّ رتّب على هذا الأمر بالقتال فوائد: الأولى: ﴿يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ﴾ بالقتل والأسر. الثانية: ﴿وَيُخۡزِهِمۡ﴾ أي: يذلّهم بالقهر، ويهينهم بالأسر، والاسترقاق.الثالثة: ﴿وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ﴾ نصراً مؤزّراً، بالظفر والغلبة، وهذا وعد من الله وبشارة قد أنجزها لهم. الرابعة: ﴿وَيَشۡفِ﴾ بالقتال ﴿صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ﴾ ممّن لم يشهد القتال، ولا حضره. وقيل: (ويشف صدور قوم مؤمنين) ممّا فُعل بهم، وهم:«بنو خزاعة» حلفاء رسول الله ﷺ يشفي صدورهم من «بني بكر».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском