Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
النبإ
An-Naba
The Tidings · Meccan · 40 ayahs
١ - ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: عن أي شيء يسأل هؤلاء المشركون المكذّبون بآيات الله بعضهم بعضاً؟ أو: يسألون الرسول ﷺ والمؤمنين استهزاءً؟.و (عمّ): أصلها: عن ما، فأُدغمت النون في «ما» الاستفهامية، وحذفت ألفها للتخفيف. وفي هذا الاستفهام وإبهام المستفهم عنه، إشعار بفخامة أمره، وتشويق للسامعين إلى معرفة شأنه، فبيّنه الله تعالى بقوله:
٢ - ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ أي: يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن الذي جاء به محمد ﷺ من القرآن المشتمل على التوحيد، والبعث والنشور، وقيام الساعة، والحساب والجزاء على الأعمال.
٣ - ﴿ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ﴾ أي: عريقون في الاختلاف فيه، فبعضهم ينكر الرسالة ويكذّب الرسول، وبعضهم يجحد القرآن مكابرة وعناداً فيجعلونه سحراً، أو كهانة، أو شعراً، أو أساطير الأوّلين، وبعضهم ينكر البعث والمعاد أو يشكّ فيه، أو يجزم باستحالة كونه، ونحو ذلك.
٤ - ﴿كَلَّا﴾ رَدْع وزَجْر لهم عن ذلك التساؤل والاختلاف فيه ﴿سَيَعۡلَمُونَ﴾ ما يحلّ بهم من النكال على اختلافهم في شأن القرآن، وإنكارهم البعث. وعيد لهم وتهديد. أي: ليرتدعوا عمّا هم عليه من الاختلاف في شأن القرآن، والتساؤل استهزاءً عن البعث، فإنهم سيعلمون عمّا قليل حقيقة الحال، إذا حلّ بهم النكال.ثم أكّد ذلك الرّدع والوعيد بقوله:
٥ - ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعۡلَمُونَ﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد لحذف مفعول العلم، أي: لا ينبغي أن يختلفوا في شأن القرآن والبعث، فهو حقّ، وسيعلم الذين يكفرون به عاقبة تكذيبهم.وجيء ب «ثم» للإيذان بأن الوعيد الثاني أشدّ من الأوّل.ثم أقام تعالى لهم من دلائل قدرته على البعث عشرة أدلّة، فقال:
٦ - ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا﴾ أي: فراشاً موطّأ كالمهد، لتمكينكم من الاستقرار عليها، والتقلّب في أنحائها، والانتفاع بما أودعناه لكم فيها.والمهاد: مصدر، بمعنى: ما يمهّد، وجُعلت به الأرض مهاداً، مبالغة في جعلها موطئاً للناس والدّواب يقيمون عليها. أو بتقدير مضاف، أي: ذات مهاد، أي: ممهّدة مذلّلة لكم ولمصالحكم.
٧ - ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا﴾ أي: جعلناها كالأوتاد للأرض، بأن أرسيناها بالجبال لئلاّ تميد وتضطرب، كما يُرسى البيت بالأوتاد لئلا تعصف به الرياح. والاستفهام للتقرير.جمع وتد – بفتح التاء وكسرها – وفعله كوعد.
٨ - ﴿وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا﴾ أي: مُزدوجين ذكراً وأنثى، ليتأتّى التناسل وحفظ النّوع، وتنظيم أمر المعاش في الأرض، كقوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً)الروم(٢١).أو: أصنافاً في اللّون والصورة، واللغة والقوى، والمواهب والطبائع، لاقتضاء الحكمة هذا الاختلاف بين بني الإنسان.
٩ - ﴿وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا﴾ أي: راحة لأبدانكم ودعة، وقَطْعاً لأشغالكم، لتستريحوا فيه من عناء العمل طول النّهار. من السّبت، وهو القطع. يقال: سبت الشيء سَبْتاً: قطعه، وسبت شعره وسلته: حلقه، والفعل كضرب ونصر. أو: جعلناه نوماً خفيفاً غير ممتدّ حتى لا يختلّ أمر معاشكم.من السّبت بمعنى: الراحة والسّكون.يقال: سبت يسبُت: استراح وسكن.
١٠ - ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا﴾ أي: ستراً لكم بما يغشاكم من ظلمته وسواده، كما يغشى اللّباسُ لابسَه ويستُره، كقوله سبحانه: (واللّيل إذا يغشاها)الشمس(٤).
١١ - ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا﴾ أي: وقت معاش وكسب لكم، تتقلّبون فيه لتحصيل ما تعيشون به.
78:12Page 582
وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢
And constructed above you seven strong [heavens]
١٢ -﴿وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا﴾ أي: سبع سماوات قويّة الخَلْق، محكمة البناء، لا يتطرّق إليهنّ فطور ولا شقوق على مرّ الدهور، إلى أن يأتي أمر الله.
١٣ - ﴿وَجَعَلۡنَا﴾ في السماء، أي: أنشأنا فيها ﴿سِرَاجٗا﴾ أي: مصباحاً زاهراً مضيئا منيراً ﴿وَهَّاجٗا﴾ أي: وقّادا، بالغاً في الحرارة، هي الشمس.من الوهْج: وهو الحرارة من بعيد، ومنه: توهّجت النّار، أي: توقّدت.والشمس جامعة بين الإضاءة التي أُشير إليها بالتعبير عنها بالسّراج، وبين الحرارة التي أُشير إليها بوصفها بالوهّاج، فهي مضيئة حارّة لما في ذلك من مصالح الخلق ومنافعهم.
78:14Page 582
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤
And sent down from the rain clouds pouring water
١٤ - ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ﴾ أي: من السحائب التي قد آن لها أن تُمْطر لامتلائها بالماء. أو التي شارفت أن تعصرها الرّياح.أو: التي تتحلّب بالمطر قليلاً، ولمّا تصبّه صبّا. جمع مُعْصر.ومنه: امرأة معصر: إذا دنا حيضها ولم تحض بعد.﴿مَآءٗ ثَجَّاجٗا﴾ أي: منصبّا متتابعاً بكثرة. يقال: ثجّ الماء – من باب: ردّ - إذا انصبّ بكثرة، وثجّه: صبّه كذلك، ومطر ثجّاج: شديد الانصباب جدّا.ومنه قوله ﷺ: «أفضل الحج، العجّ والثجّ» أي: صبّ دماء البُدنْ.وفي حديث المستحاضة:«إنما أثجّ ثجّا». وفيه دلالة على استعمال الثجّ في الصبّ المتتابع الكثير.
78:15Page 582
لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥
That We may bring forth thereby grain and vegetation
١٥ - ﴿لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ﴾ أي: بذلك الماء النازل من المعصرات ﴿حَبّٗا﴾ هو ما يقتات به الناس، كالحنطة والشعير ونحوهما.﴿وَنَبَاتٗا﴾ هو ما تعتلف به الدّواب كالتّبن والكلأ، أو سائر النبات الخضر الذي يؤكل رطباً.
١٦ - ﴿وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا﴾ أي: بساتين ملتفّة مجتمعة الشجر لتقارب أغصانها.و(ألفافا): اسم جمع لا مفرد له، كالأوزاع للجماعات المتفرّقة. وقيل: جمع لفيف، كأشراف وشريف.
78:17Page 582
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧
Indeed, the Day of Judgement is an appointed time -
١٧ - ﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ﴾ بين الخلائق، أو بين الحقّ والباطل، وهو يوم القيامة ﴿كَانَ﴾ في علم الله وحكمته ﴿مِيقَٰتٗا﴾ أي: وقتاً للثواب والعقاب، أو ميعاداً لبعث الأولين والآخرين، وما يترتّب عليه من الجزاء ثوابا وعقاباً، لا يتقدّم ولا يتأخّر.
78:18Page 582
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨
The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes
١٨ - ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ﴾ للبعث من القبور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.بدل من «يوم الفصل»، أو بيان له، وهذه هي النفخة الثانية.﴿فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا﴾ إلى المحشر، أي: زُمراً،أو جماعات مختلفة الأحوال، حسب اختلاف الأعمال.جمع فوج. أو: تأتون أمماً، مع كلّ أمّة إمامها ورسولها، كما قال تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)الإسراء(٧١).وفي حديث أبي هريرة عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون» الحديث.
78:19Page 582
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩
And the heaven is opened and will become gateways
١٩ - ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ﴾ – بالتخفيف والتشديد: (وفُتِّحت)، قراءتان – أي: شُقّت وفُرجت وصُدّعت لنزول الملائكة﴿فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا﴾ أي: طرقاً ومسالك، أي صارت شقوقها لسعتها، كالأبواب، أو صارت ذات أبواب وطُرق. وهو كقوله تعالى: (إذا السماء انشقّت)الإنشقاق(١)، وقوله:(إذا السماء انفطرت)الإنفطار(١)،وقوله: (ويوم تشقّق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلاً)الفرقان(٢٥).
78:20Page 582
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠
And the mountains are removed and will be [but] a mirage.
٢٠ - ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ﴾ عن أماكنها في الهواء، أي: ذُهب بها، وقُلعت عن مقارّها، واجتُثّت من أصولها ﴿فَكَانَتۡ سَرَابًا﴾ أي: فصارت بعد تسييرها كالسّراب لا حقيقة له، الذي يُظنّ أنه شيء وليس بشيء، فتُرى بعد تفتّتها وارتفاعها في الهواء كأنها جبال، وليست جبالاً، وإنما هي غبار يتكاثف ويتراكم، يُرى من بُعد كأنه جبل، وليس كذلك، كالسّراب يُرى من بُعد كأنه ماء أو بحرٌ، وليس به. والآية كقوله:(ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة)الكهف(٤٧).
٢١ - ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا﴾ أي: كانت في حكم الله وقضائه مُرصدة، معدّة، مهيّأة. أو: موضع رصد وترقّب يرصد فيه خزنتها من كان يكذّب بالمعاد.
٢٢ - ﴿لِّلطَّٰغِينَ﴾ وهم المردة العصاة المخالفون للرّسل، المجاوزون حدود الله ﴿مََٔابٗا﴾ أي: مرجعاً يرجعون إليها ومأوىً يأوون فيها، أو منقلبا ومصيراً لهم. بدلٌ من (مرصاداً). أو منزلاً يصيرون إليه.من قولهم: أرصدت له، أي: أعددت له، وكافأته بالخير أو بالشر، فهي مرصدة معدّة لهم، أو موضعُ رصد، ترصدهم فيه خزنة النّار لتعذيبهم.
٢٣ - ﴿لَّٰبِثِينَ﴾ أي: ماكثين ﴿فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾ أي: دهوراً متتابعة لا نهاية لها، كلمّا مضى دهر تبعه دهر، لا يعلم عدّة هذه الأحقاب والدهور إلاّ الله.حال مقدّرة، أي: مُقدّرا لبثهم فيها.و (أحقابا): جمع حُقْب – بضمّ فسكون، وبضمّتين-: وهو الدهر، أو القطعة الطويلة من الزّمان لا يعلم عدّتها إلاّ الله سبحانه.
78:24Page 582
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤
They will not taste therein [any] coolness or drink.
٢٤ - ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا ﴾ أي: في جهنّم ﴿بَرۡدٗا﴾ ينفعهم من حرّها، أو شيئاً من الرّوْح والراحة ينفّس عنهم حرّها،﴿وَلَا شَرَابًا﴾ ينفعهم من عطشها، أو شيئاً منه يُطفئ غُلَّتهم، ويخفّف عطشهم.
٢٥ - ﴿إِلَّا حَمِيمٗا﴾ أي: لكن يذوقون فيها حميماً، أي: ماءً حارّا بالغاً غاية الحرارة ونهايتها.﴿وَغَسَّاقٗا﴾ – بالتشديد والتخفيف: (وغسَاقا)، قراءتان – وهو صديد أهل النّار، أو: ما يسيل من جلودهم من القيح والصّديد. فالحميم بردهم، والغسّاق شرابهم.يقال: غَسَق الجرح – كضَربَ وسَمِع – غسقاناً: إذا سال منه ماء أصفر.
٢٦ - ﴿جَزَآءٗ وِفَاقًا﴾ أي: جوزوا بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم، كما يقتضيه العدل والحكمة.مصدر بمعنى اسم الفاعل، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النّار.
٢٧ - ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ﴾ في الدنيا ﴿لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا﴾ أي: لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من حساب، لعدم إيمانهم بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال.
٢٨ - ﴿وَكَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا﴾ التنزيليّة والتكوينيّة ﴿كِذَّابٗا﴾ أي: تكذيباً مفرطاً شديداً.ومجيُ فِعَّال بمعنى تفعيل في مصدر فَعَّل، شائع في الفصيح.
٢٩ - ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ﴾ من الأعمال وغيرها ﴿أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا﴾ أي: إحصاءً، مصدر مؤكّد من معنى أحصيناه.والإحصاء: التحصيل بالعدد، وأصله من لفظ الحصا، واستُعمل فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدون على الحصا في العدد، كاعتمادنا فيه على الأصابع.أو: كتبناه كتباً في صحائف الأعمال، أو ضبطناه وحفظناه وأثبتناه مكتوباً في اللّوح المحفوظ، لنجازي عليه.
78:30Page 582
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠
"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1
٣٠ -﴿فَذُوقُواْ﴾ جزاءكم، أي: يقال لهم ذلك في الآخرة، عند وقوع العذاب عليهم، أو: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا﴾ من جنسه فوق عذابكم،وآخر من شكله أزواج.
٣١ - ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي: نجاة من العذاب، أو فوزاً و ظفرا بما طلبوا من النعيم، أو موضع فوز في الآخرة، وهو الجنّة.والفوز: الظفر بالخير مع حصول السّلامة.
٣٢ - ﴿حَدَآئِقَ﴾ أي: بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة، ورياض و أزاهير. جمع حديقة. سُمّيت بذلك تشبيهاً لها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها. بدل من (مفازاً) أو بيان له.﴿وَأَعۡنَٰبٗا﴾ خصّ العنب لشرفه وكثرته في تلك الحدائق.
٣٣ - ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي: نساء ناهدات. جمع كاعب، وهي الفتاة التي تكعّب ثدياها، أي: استدارا مع ارتفاع يسير، وذلك يكون عند البلوغ.يقال: كعبت الجارية – من باب: دخل -: بدا ثديها للنهود، فهي كعاب وكاعب.﴿أَتۡرَابٗا﴾ أي: لِداتٍ ينشأن معاً في سن واحدة، تشبيها لهنّ في التساوي والتماثل بالترائب، وهي ضلوع الصدر، أي: متساويات في السنّ. جمع تِرْب – بكسر التاء وسكون الراء -.والمعنى: لهم في الجنة نساء كواعب أتراب.
٣٤ - ﴿وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا﴾ أي: مترعة مليئة من خمر لذّة للشاربين.يقال: دهق الحوض – كجَعَل – وأدهقه: ملأه.وأصله من الدّهق، وهو ضغط الشيء وشدّه باليد، كأنه لامتلائه انضغط.
78:35Page 583
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥
No ill speech will they hear therein or any falsehood -
٣٥ - ﴿لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّة ﴿لَغۡوٗا﴾ أي: مالا يُعتدّ به من الكلام، وهو الذي يصدر لا عن فكر ورويّة. أو: كلاماً قبيحاً، أو: باطلاً من الكلام، أو مالا فائدة فيه.﴿وَلَا كِذَّٰبٗا﴾ – بالتشديد والتخفيف: (كِذَابا)، قراءتان – أي: تكذيباً من واحد لغيره، أو كذباً.كقوله:(لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً)الواقعة(٢٥)، وقوله:(لا لغوٌ فيها ولا تأثيم)الطور(٢٣).و (كذّابا) – بالتشديد -: تكذيباً، فلا يكذّب بعضهم بعضا، و (كذابا) – بالتخفيف-: كذباً، أي لا يسمعون فيها إثماً كذباً.
78:36Page 583
جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦
[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1
٣٦ - ﴿جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي: جزاهم الله بذلك جزاءً على إيمانهم وصالح أعمالهم ﴿عَطَآءً﴾ أي: إحساناً وتفضّلاً. بدل من (جزاء).أو: أعطاهم عطاءً منه تعالى﴿حِسَابٗا﴾ أي: كافياً وافياً، أو سالماً كثيراً. مصدر أقيم مقام الوصف، من قولهم: أَحْسَبَهُ الشيءُ: إذا كفاه حتى قال: حسبي. ومنه: الله حسبي، أي: الله كافيّ. أو: (حسابا) محاسبة لهم بأعمالهم في الدنيا.
78:37Page 583
رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧
[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1
٣٧ - ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ﴾ أي: الخلق ﴿مِنۡهُ﴾ تعالى ﴿خِطَابٗا﴾ إلاّ بإذنه.أي: لا يقدر أحد أن يخاطبه أو يشفع عنده، إلاّ بإذنه. كقوله:(يوم يأت لا تكلّم نفس إلا بإذنه)هود(١٠٥) وقوله: (من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه)البقرة(٢٥٥).[و في قراءة: بالرفع فيهما (ربُّ السماوات والأرض و ما بينهما الرحمنُ). و في أخرى: بالجر في الأولى و الرفع في الثانية: )ربِّ السماوات والأرض و ما بينهما الرحمنُ)].
78:38Page 583
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨
The Day that the Spirit [i.e., Gabriel] and the angels will stand in rows, they will not speak except for one whom the Most Merciful permits, and he will say what is correct.
٣٨ - ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ﴾ أي: جبريل عليه السلام، كقوله:(نزل به الروح الأمين)الشعراء(١٩٣).﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ﴾ حال، أي: مصطفّين، أو صافّين أنفسهم صفوفاً ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ في الكلام أو الشفاعة ﴿وَقَالَ صَوَابٗا﴾ أي: كلاماً حقاّ وصدقاً،كأن يشفعوا لمن ارتضى وأن يكون المشفوع له مرضياً عند الله.و الآية كقوله تعالى:(ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨). وقد ثبت في صحيح البخاري: «ولا يتكلّم يومئذ إلاّ الرسل».
78:39Page 583
ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩
That is the True [i.e., certain] Day; so he who wills may take to his Lord a [way of] return.1
٣٩ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: يوم قيامهم على تلك الصّفة هو ﴿ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ ﴾ أي: الكائن الواقع المتحقق الذي لا يمكن إنكاره ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ﴾ أي: في الدنيا ﴿إِلَىٰ رَبِّهِۦ مََٔابًا﴾ أي: مرجعاً حسناً يرجع إليه فيه بالإيمان، والطاعة، والعمل الصالح.أو: فمن شاء أن يتخذ مرجعاً إلى ثواب ربّه، فَعَل ما يوجبه من الإيمان والطاعة في الدنيا.
78:40Page 583
إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠
Indeed, We have warned you of an impending punishment on the Day when a man will observe what his hands have put forth1 and the disbeliever will say, "Oh, I wish that I were dust!"
٤٠ - ﴿إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ﴾ يا كفّار مكّة ﴿عَذَابٗا قَرِيبٗا﴾ أي: خوّفناكم وحذّرناكم عذاب يوم القيامة الآتي، وكلّ ما هو آت قريب.﴿يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ﴾ أي: يشاهد ما عمله في الدنيا من خير أو شرّ، كقوله:(ووجدوا ما عملوا حاضراً)الكهف(٤٩).﴿وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ﴾ حين يعاين عذاب الآخرة: ﴿يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا﴾ أي: يتمنّى الكافر أن لو كان في الدنيا تراباً، فلم يُخلق بشراً ولم يُكلّف.أو: أن لو كان في الآخرة تراباً، فلم يُبعث، ولم يحاسب، ولم يُجاز بكفره، وذلك حين يحكم الله بين الحيوانات والبهائم التي كانت في الدنيا، حتى إنه ليقتصّ للشاة الجمّاء من القرناء، فإذا فرغ من الفصل والقضاء بينهم بحكمه العدل، قال لها: كوني تراباً، فتصير ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. أي: كنت حيواناً في الدنيا فأرجع إلى التراب في الآخرة.وقد ورد معنى هذا في حديث الصّور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما، قاله ابن كثير.انتهى تفسير سورة النبأ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences