Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
ابراهيم
Ibrahim
Abraham · Meccan · 52 ayahs
14:1Page 255
الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -
١ – ﴿الٓرۚ﴾ و هي للحجة والبرهان ، والإعجاز والبيان والتنبيه والتحدي، وقد تقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أول سورة البقرة ، والله تعالى أعلم بمراده بذلك . ﴿كِتَٰبٌ﴾ أي: هذا القرآن كتاب ﴿أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ﴾ أي : بدعائك إياهم إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد والأحكام والشرائع ﴿مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي: من ظلمات الكفر والشرك، والضلالة والجهل ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: إلى نور الإيمان والعلم والهدى والرشاد ، كقوله: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور)الحديد(٩). وفي جمع «الظلمات» و إفراد «النور»: إشارة إلى أن الكفر طرقه كثيرة ، وأما الإيمان فطريقه واحدة . ﴿بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ﴾ أي : بتيسيره وتوفيقه لهم ، أو: بأمره تعالى وإرادته ومشيئته.﴿إِلَىٰ صِرَٰطِ﴾ أي: طريق، وهو بيان للنور المتقدم ذكره ﴿ٱلۡعَزِيزِ﴾ أي: الغالب الذي لا يمانع ، القاهر لكل ما سواه ، أو الذي لا مثيل له ولا نظير ﴿ٱلۡحَمِيدِ﴾ أي : المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وأحكامه وشرائعه المثنى عليه .والصراط : الطريق ، استُعير للهدى.والعزيز:الذي لا يغلبه غالب.والحميد: المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان وزمان.فهذا الكتاب يهدي- بإذن الله - من اتبعه إلى صراط الله المستقيم ، وفيه إشارة إلى أن من سلك هذا الطريق فهو عزيز بعزة الله، محمود في أموره كلها.
14:2Page 255
ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢
Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -
٢ – ﴿ٱللَّهِ﴾ بالجر على الاتباع ، صفة للجلالة، أو بدل أو عطف بيان ، وما بعده صفة . [وفي قراءة: بالرفع: (اللهُ) مبتدأ] خبره: ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ملكا ، وخلقا وعبيدا وتدبيرا وتصريفا، أي: فهو مالكهم وخالقهم وربهم ومدبر أمورهم ، ومصرف شئونهم. ﴿وَوَيۡلٞ﴾ أي : هلاك أو حسرة ﴿لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ﴾ يوم القيامة ، وفيه وعيد لهم لا يقدر قدره ، ولا يوصف أمره . والويل : العذاب والهلكة . أو الحسرة، وقيل : واد في جهنم .
14:3Page 255
ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣
The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.
٣ – ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي : يختارونها ويقدمونها ، ويؤثرون لذائذها ﴿عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ ونعيمها، فهم قد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وغفلوا عن الآخرة . ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ التي نصبها لعباده ، وبيّنها في كتبه ، وعلى ألسنة رسله ، وهي الإسلام ، بصرف الناس عنها، ومنعهم منها . ﴿وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ﴾ أي: ويطلبون لسبيل الله اعوجاجا، وزيغا عن الحق ، وانحرافا وميلا عنه ، لموافقة أهوائهم ، أو : يطلبون سبيل الله معوجة غير مستقيمة، أي: يحبون أن تكون سبيل الله معوجة مائلة ، وهي مستقيمة في نفسها ، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي : المذكور وصفهم من الكفار ، الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها .﴿فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ عن الحق والصواب ، أي : في ذهاب عن الحق بعيد .
14:4Page 255
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤
And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.
٤ – ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ﴾ أي : بلغتهم متكلما بلسانهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ﴾ ما أمره الله به من الدعوة والرسالة، أي : ليفهمهم عن الله أمره ، ودعوته ورسالته ، فلا يكون لهم حجة على الله .وفي الحديث عند أحمد في «مسنده» عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله ﷺ: «لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه» .﴿فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ إضلاله عن الهدى، عدلا وحكمة ﴿وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ هدايته إلى الحق فضلا و رحمة . أي : فبعد البيان وإقامة الحجة والبرهان عليهم، يضل الله من يشاء من عباده حكمة وعدلا، ويهدي من يشاء منهم ، رحمة وفضلا ، فالبيان لا يوجب الهداية إلا إذا جعله الله سببا فيها. ﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه ، الذي لا يغالبه غالب. ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في صنعه وأفعاله و قضاءه و قدره، المنفرد بالهداية و الإضلال، فيضل من يستحق الإضلال عدلا ، ويهدي من هو أهلٌ للهداية فضلا . ويستدل بهذه الآية : على أن علوم اللغة العربية لازمة لفهم كلام الله وكلام رسوله .
14:5Page 255
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥
And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
٥ – ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ الدالة على صدق ما جاء به وصحته، وهي الآيات التسع:كاليد والعصا، والسنين ، و نقص الثمرات، والطوفان ، والجراد والقمّل، والضفادع ، والدم . وقيل: وطمس الأموال . وأمرناه قائلين له : ﴿ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ﴾ أي: بني إسرائيل ﴿مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي : ظلمات الجهل والكفر والضلال ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: نور العلم والإيمان والهدى . ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ أي : بنعمائه وبلائه ، أي : ذكرهم بنعم الله عليهم و إحسانه إليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره ، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم الغمام و إنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم. وذكرهم بأيام الله في الأمم المكذبين، ووقائعه بالكافرين ، ليشكروا نعمه ويحذروا عقابه .وفي الحديث عند أحمد في «مسنده» مرفوعا : عن النبي ﷺ في قوله تعالى:(وذكرهم بأيام الله) «قال: بنعم الله». قال ابن كثير : ورد موقوفا ، وهو أشبه. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ التذكير بأيام الله ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي : لدلالات وعبر ومواعظ دالة على عظمة الله ، وكمال قدرته وعميم إحسانه وتمام عدله وحكمته ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٖ﴾ أي : كثير الصبر في الضراء وعلى البلاء ، أو : على الطاعة وعن المعصية ﴿شَكُورٖ﴾ أي : كثير الشكر في السراء وعلى النعماء .والصبر : حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع فعلا أو تركا. يقال : صبره عن كذا يصبره : إذا حبسه . والشكر : عرفان الإحسان ونشره. وأصله : من شكرت الناقة – كفرح – إذا امتلأ ضرعها ، ومنه: أشكر الضرع : أي : امتلأ . وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال : «إن أمر المؤمن كله عجب ، لا يقضي الله له قضاء ، إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر ، فكان خيرا له» .
14:6Page 256
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦
And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
٦ – ﴿ وَ ﴾ اذكــر ﴿إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ﴾ بـني إسرائيل ﴿ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ وذلك لما خرج بهم موسى من أرض مصر ، وفلق الله لهم البحر ، وأغرق فرعون وجنوده.﴿يَسُومُونَكُمۡ﴾ أي: يبغون لكم أو : يذيقونكم ويكلفونكم ﴿سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ أي : أشده، وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ﴾ المولودين من الذكور .﴿وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ﴾ أي : يستبقون بناتكم للخدمة ، فلا يقتلونهن. وذلك لقول بعض الكهنة لفرعون :إن مولودا يولد في بني إسرائيل ، يكون سبب ذهاب ملك فرعون. ﴿وَفِي ذَٰلِكُم﴾ الإنجاء أو : العذاب ﴿بَلَآءٞ﴾ أي: ابتلاء واختبار لكم بالنعم والنقم ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ﴾ أي: إنعام عليكم بإنجائكم ، أو: ابتلاء لكم واختبار بما أصابكم من العذاب، لننظر هل تعتبرون أم لا ؟ كقوله سبحانه و تعالى : (وبلوناهم بالحسنات و السيئات لعلهم يرجعون)الأعراف(١٦٨).
14:7Page 256
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧
And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"
٧ – ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ﴾ أي : أعلم إعلاما أو : أعلن إعلانا مؤكدا لا تبقى معه شبهة ، لدلالة صيغة التفعُّل على المبالغة في الإعلام، أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم. ويحتمل أن يكون المعنى : وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ﴾ نعمتي عليكم ، بالتوحيد والطاعة والعبادة ﴿لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ منها ، أي : من نعمتي، تفضلا مني ، وقيل: لأزيدنكم من طاعتي ﴿وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ﴾ النعم ، بأن جحدتموها وسترتموها ، بالكفر والمعصية ، لأعذبنكم ، دل عليه قوله: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ لمن كفر وعصى وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها ، كما جاء في الحديث : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه».ومثله قوله سبحانه و تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب)الأعراف(١٦٧). والشكر : اعتراف القلب بنعم الله ، والثناء عليه بها ، وصرفها واستعمالها في مرضاة الله ، وكفر النعمة ضد ذلك .
14:8Page 256
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨
And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."
٨ - ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ﴾ لقـومه: ﴿إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا﴾ كفـر عبادة أو نـعمــة فـلن تضروا الله شيئا ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقه، غني عن عبادتهم وشكرهم، لا يحتاج إليهم ولا يلحقه بذلك نقص. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في ذاته، وأسمائه وصفاته، و أفعاله و أحكامه، مستوجب للحمد وحده دون غيره، لإنعامه وفضله ، وإحسانه وعدله، فالطاعات وشكر النعم لا تزيد في ملكه ، و المعاصي وكفر النعم لا تنقص من ملكه شيئا .وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا» رواه مسلم عن أبي ذر .
14:9Page 256
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩
Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
٩ – ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ﴾ أي : يبلغكم؟ استفهام تقرير ، أي : قد أتاكم ، ﴿نَبَؤُاْ﴾ أي : خبر ﴿ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ من الأمم المكذبة لرسلها ﴿قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ﴾ قوم هود ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح ﴿وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾ أي: من بعد هؤلاء المذكورين من الأمم . ﴿لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ لكثرتهم واندراس خبرهم ، فلا يحصي عددهم ، ويحيط بهم علما ، إلا الله سبحانه .والخطاب في الآية : يحتمل أن يكون من موسى لقومه ، فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله ، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ، ابتداء خطاب منه، لقوم محمد ﷺ، تحذيرا لهم عن مخالفته ، على سبيل الاستطراد .فهؤلاء الأمم ﴿جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالحجج الواضحة والبراهين والدلائل الدالة على صدق ما جاءوا به وصحته وحقيقة أمره ﴿فَرَدُّوٓاْ﴾ أي: الأمم ﴿أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ أي: عضوا على أناملهم غيظا وحنقا، مما جاءتهم به الرسل ، من تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم. أو : وضعوا أيديهم على أفواههم ، إشارة منهم إلى الرسل: أن اسكتوا. وقيل: جعلت الأمم أيديهم في أفواه الرسل، ردا لقولهم ودعوتهم. وقيل: معناه: أنهم كذّبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم .﴿وَقَالُوٓاْ﴾ أي: الأمم ﴿إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ﴾ أي: بما جئتم به من المعجزات والبينات. ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّـمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ﴾ مـن الإيمــان والتوحيـد ﴿مُرِيبٖ﴾ أي: موقع في الريبة والقلق والتهمة و الحيرة. أو: موجب له ، أو: ذي ريبة.و الآية كقوله تعالى حكاية عن قوم صالح : (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب)هود(٦٢).
14:10Page 256
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."
١٠ – ﴿قَالَتۡ﴾ لهم ﴿رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ﴾ أي: أفي وجوده وتوحيده شك ؟ استفهام إنكار ، أي : لا شك في ذلك ، فإن الفطر شاهدة بوجوده، مجبولة على الإقرار به وتوحيده ، للدلائل الظاهرة عليه.أو: أفي إلاهيته و تفرده بوجوب العبادة له شك؟ لا، فإنه المستحق للعبادة دون سواه. ﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي : خالقهما ومبدعهما، على غير مثال سابق ، أو : مخترعهما وموجدهما من العدم ، على أحكم نظام دون احتذاء مثال سابق.﴿يَدۡعُوكُمۡ﴾ إلى الإيمان به وتوحيده وطاعته ، ﴿لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ أي : ما شاء الله منها . و«مِن» تأكيدية: فإن الإسلام يهدم ما قبله ، أو : هي تبعيضية ، لإخراج حقوق العباد . ﴿وَيُؤَخِّرَكُمۡ﴾ بلا عذاب في الدنيا ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾ وهو أجل الموت المقدّر عليكم . فينبئكم على الاستجابة لدعوته ، بالثواب العاجل والآجل .﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: الأمم لرسلهم: ﴿إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا﴾ في الهيئة والصورة، ولستم ملائكة، فكيف تفضلوننا بالنبوة والرسالة؟ ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا﴾ أي: تصرفونا ﴿عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ من الأصنام والأنداد والأوثان. ﴿فَأۡتُونَا﴾ إن كنتم حقا مرسلون من عند الله ﴿بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بحجة ظاهرة وبرهان بيّن على صدقكم، أو بينة واضحة على صحة ما تدعونه وحقيقته تتسلط بقوتها على نفوسنا ، وتجذبها إلى اليقين . من السلاطة : وهي التمكن من القهر، يقال : سلطته فتسلط. والحق: أن رسلهم جاءتهم بالبينات، ولكنهم في طلبهم هذا متعنتون معاندون ، لا يريدون الحق ولا يهتدون إليه .
14:11Page 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
١١ - ﴿قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ﴾ في جواب اقتراحهم واعتراضهم : ﴿إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾ في الهيئة والصورة والخلقة ، حقيقة كما قلتم. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ﴾ أي: يتفضل على من يشاء منهم بالنبوة والرسالة ، فليس لنا من الأمر شيء، ﴿وَمَا كَانَ﴾ أي : وما ينبغي ، أو: ما صح ولا استقام ﴿لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ﴾ أي: آية وحجة وبرهان على صدق ما نقول ، أو : على وفق ما سألتم . ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: بأمره ومشيئته ، فله الأمر من قبل ومن بعد ، فهو الذي إن شاء جاءكم به ، وإن شاء لم يأتكم به ، فلا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ورحمته.﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ في جميع أمورهم ، أي : يثقوا بالله ، ويعتمدوا عليه وحده ويفوِّضوا أمورهم إليه ، في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم، وتيسير أمورهم. فأساس التوكل: الاعتماد على الله والتفويض إليه والثقة به تعالى وحده، في كل حال وشأن ، مع الأخذ بالأسباب، و الاعتقاد بأنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تعطي ولا تمنع، ففاعل ذلك كله وخالقه ومقدره هو الله تعالى. والتوكل من العبد يكون بحسب إيمانه، قوة وضعفا .
14:12Page 257
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."
١٢ – ثم قالت الرسـل :﴿وَمـَا لَنَآ أَلَّا نَتَـوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي : وأي شيء يمنعنا من التوكل على الله ؟ أو: وأيّ عذر لنا في عدم توكلنا عليه؟ أي : لا مانع لنا من ذلك. ﴿وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ﴾ [و في قراءة: بإسكان الباء:(سُبْلَنا)] أي: والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه من الهداية لأقوم الطرق ، وأوضحها وأبينها، فبصّرنا طرق النجاة من عذابه و أرشدنا لاتباعها. ﴿وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ﴾ من التكذيب لنا والمكر بنا ، فإنا سنستمر على دعوتكم ووعظكم ، ونصحكم وتذكيركم ، لا نمل ولا نكل .﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ وحده دون غيره ﴿فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي : فليعتمدوا عليه ، وليثقوا به وليفوِّضوا أمورهم إليه ، فإنه ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .روى الترمذي وحسَّنه عن عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا – أي: ضامرة البطون من الجوع – وتروح – أي: ترجع آخر النهار – بطانا – أي: ممتلئة البطون».
14:13Page 257
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.
١٣ – ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ﴾ متوعدين لهم: ﴿لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ﴾ كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به :(لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا)الأعراف(٨٨) . وكما قال قوم لوط:(أخرجوا آل لوط من قريتكم)النمل(٥٦).﴿أَوۡ لَتَعُودُنَّ﴾ أي: لتصيرن ﴿فِي مِلَّتِنَاۖ﴾ أي: في ديننا وشرعنا الموروث. والملة : الدين و الشريعة.و المراد بالعوْد في ملة المشركين: الصيرورة فيها ، لأن الأنبياء لم يكونوا قطُّ في ملة الكفر .﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ﴾ أي: إلى الرسل في تلك الحال التي خُيروا فيها بين الخروج من الأرض ، أو العوْد في ملة الكفر ﴿لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: الكافرين ، بأنواع العقوبات .وأي ظلم أعظم من ظلم هؤلاء الذين توعدوا رسلهم بالإخراج من ديارهم ، ونسبوها إلى أنفسهم ، وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها. أو يكون الظلم هنا : ظلم العبادة ، حيث عبدوا الأوثان والأصنام مع الله أو من دون الله ، فوضعوا العبادة في غير موضعها .
14:14Page 257
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."
١٤ – ﴿وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: أرض هؤلاء الكفار ، الذين توعدوكم بالإخراج أو العوْد والصيرورة في الكفر ﴿مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ﴾ أي :من بعد هلاكهم ﴿ذَٰلِكَ﴾ النصر وإيراث الأرض ،وحسن العاقبة ﴿لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي﴾ أي:خشي قيامي عليه، ومراقبتي له في الدنيا، أو: مكان وقوفه ومقامه بين يدي للحساب، يوم القيامة ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾[و في قراءة: بإثبات الياء : (وعيدي)] بالعذاب فاتقاني. أي: خشي من وعيدي بالعذاب لمن عصاني ، أو : خشي عذابي، كقوله: (و لمن خاف مقام ربه جنتان)الرحمن (٤٦). ونظير هذه الآية قوله : (قال موسى لقومه استعينوا بالله و اصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)الأعراف(١٢٨)، وقوله : (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)الأعراف(١٣٧) .
14:15Page 257
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
١٥ – ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ﴾ أي: واستنصر الرسل بالله على أعدائهم . من الفتح، بمعنى : النصر . أو: طلبوا من الله الحكم بينهم وبين أعدائهم، كقوله: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)الأعراف(٨٩). من الفتح، بمعنى : الحكم بين الخصمين، والسين والتاء للطلب .وقيل : (واستفتحوا) أي: الكفار على أنفسهم ، أي: هم الذين طلبوا واستعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه ، فجاءهم ما استفتحوا به من العذاب، وإلا فالله حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، وهذا كقولهم : (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)الأنفال(٣٢) . وكقوله تعالى لهم : (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم)الأنفال(١٩).﴿وَخَابَ﴾ أي : خسر و هلك في الدنيا والآخرة ﴿كُلُّ جَبَّارٍ﴾ أي: متعظم في نفسه ، متكبر على أقرانه يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ﴿عَنِيدٖ﴾ أي : معاند للحق ، مجانب له، مباه بما عنده. من العَنْد: بمعنى: الميل ، يُقال : عنَدَ عن الطريق – كنصر وضرب وكرُم – عُنودا : إذا مال عنها ، وعند: خالف الحق، ومنه : العاند، للبعير يحور عن الطريق ويعدل . ومنه:قوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)ق(٢٤). وفي الحديث: «إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة ، فتنادي الخلائق، فتقول : إني وُكِّلت بكل جبار عنيد».
14:16Page 257
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
١٦ – ﴿مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ﴾ أي: من أمامه ، كقوله تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)الكهف(٧٩). أي : أمامهم. والمعنى : أن جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد، فلا بد له من ورودها. قال أبو جعفر النحاس في قوله تعالى : (من ورائه جهنم) أي: من أمامه ، فهي من « توارى» أي: استتر. وقال الأزهري : إن «وراء» تكون بمعنى: «خلف وأمام» فهي من الأضداد، واشتقاقها مما توارى واستتر . فجهنم لا يراها الكافر الآن ، بل هو مقبل إليها ، فهي أمامه. و هذا كقولهم:إن الموت من ورائك، أي: أمامك، و مثله قوله تعالى: (من ورائهم جهنم)الجاثية(١٠).﴿وَيُسۡقَىٰ﴾ فيها ﴿مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ﴾ وهو ما يسيل من أجساد أهل النار ، من القيح والدم . وأصل الصديد : ماء الجرح الرقيق ، وهو بدل من «ماء» .وهذا كقوله جل جلاله : (هذا فليذوقوه حميم وغساق ٥٧ وآخر من شكله أزواج ٥٨)ص(٥٧-٥٨). وفي حديث شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن ، قالت : قلت :يا رسول الله، ماطينة الخبال؟ قال : «صديد أهل النار» وفي رواية: «عصارة أهل النار» .
14:17Page 257
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
١٧ – ﴿يَتَجَرَّعُهُۥ﴾ أي: يتكلف بلعه أو : يتحساه مرة بعد مرة ، لمرارته وحرارته ، مع غلبة العطش عليه.والجرع : البلع ، وفعله : كسمع ومنع . أو : يتغصصه ويتكرهه ، أي : يشربه قهرا وقسرا ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ﴾ أي: ولا يُقارب أن يسيغه أو يبتلعه ، فضلا عن الإساغة ، بل يغصّ به فيشربه بعد عناء جرعة غِبَّ جرعة، لقبحه وكراهته وسوء طعمه .والسوْغ : انحدار الشراب في الحلق بسهوله وقبول نفْس . يقال : ساغ الشراب سوغا وسواغا : إذا كان سهل المدخل .روى الإمام أحمد في «مسنده» وابن جرير عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله : (ويسقى من ماء صديد يتجرعه) قال : «يُقرّبُ إليه فيتكرهه، فإذا أُدني منه ، شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطّع أمعاءه، حتى يخرج من دبره». يقول تعالى: (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم)محمد(١٥). ويقول (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)الكهف(٢٩). ﴿وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ﴾ أي: أسبابه المقتضية له ، من أنواع العذاب ﴿مِن كُلِّ مَكَانٖ ﴾ أي: من كل جهة من الجهات، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ﴾ فليس نوع من أنواع العذاب في نار جهنم، إلا ويأتيه الموت منه ، لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال ، كقوله :(لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفف عنهم من عذابها)فاطر(٣٦). ﴿ وَمِن وَرَآئِهِۦ﴾ أي: وله من بعد هذه الحال والعذاب ﴿عَذَابٌ غَلِيظٞ﴾ أي: قوي شديد متصل ، لا يعلم وصفه وقوته وشدته إلا الله تعالى .
14:18Page 257
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨
The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.
١٨ – ﴿مَّثَلُ﴾ أي : صفة ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ﴾ فعبدوا معه غيره، وكذبوا رسله . ويبدل منه : ﴿أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ التي عملوها في الدنيا من البر والخير ، كصلة رحم وصدقة، في ذهابها وبطلانها واضمحلالها ، وعدم الانتفاع بها في الآخرة ﴿كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ﴾ أي: أسرعت به ﴿ٱلرِّيحُ﴾ [و في قراءة: بالجمع :(الرياح)] ﴿فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ﴾ أي: في يوم شديد هبوب الريح ففرقته ، وجعلته هباء منثورا، لا يقدر عليه ولم يبق له أثر، كقوله: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)الفرقان(٢٣).وقوله : (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته)آل عمران(١٧). والرماد : أثر النار.﴿لَّا يَقۡدِرُونَ﴾ أي : الكفـار ﴿مِمَّا كَسَبُواْ﴾ أي : عملوا في الدنيا من أعمال البر والخير ﴿عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ﴾ فلا يجدون له ثوابا في الآخرة ، لعدم شرطه ، وهو : الإيمان ، بل يثابون عليه في الدنيا، لما رواه مسلم : أن رسول الله ﷺ قال : «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ، ويجزى بها في الآخرة ، أما الكافر ، فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة ، لم تكن له حسنة يجزى بها» .ونظير هذه الآية قوله : (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا)البقرة(٢٦٤) . ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: كفرهم بربهم ، وخسرانهم ثواب أعمالهم بسببه ﴿هُوَ ٱلضَّلَٰلُ﴾ الذي أدى بهم إلى الهلاك ﴿ٱلۡبَعِيدُ﴾ عن طريق الحق والصواب، حيث بطل سعيهم، وحبط عملهم ففقدوا ثوابه لانتفاء شرطه و هو الإيمان بالله.والآية : تشبيه لما يعمله الكافرون في الدنيا من أعمال البر و الخير في حبوطها وذهابها هباء منثورا في الآخرة لابتنائها على غير أساس من الإيمان والعلم بالله - برماد أسرعت به الريح الشديدة الهبوب ، ففرقته فلم يبق له أثر .ويحتمل أن يكون المراد ب «أعمالهم»: أي : أعمال الكفار التي عملوها، ليكيدوا بها الحق وأهله ، فإنهم يسعون في ذلك ويمكرون، ومكرهم عائد عليهم ، فلن يضروا الله ورسله وأولياءه والحق شيئا .
14:19Page 258
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
١٩ – ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تنظر أو تعلم، أيها المخاطب ، وهو استفهام تقرير ﴿أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ﴾ والعدل و الحكمة المنزهة عن العبث ليستدل بها على كمال قدرته و عظيم سلطانه وجلال وحدانيته. [وفي قراءة: بالإضافة(ألم تر أن الله خالق السماوات والأرضِ بالحق)] ﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ﴾ أيها الناس بالموت أو بالعذاب ﴿وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ﴾ بدلكم على غير صفتكم. يكونون أطوع لله منكم، أو : إن يشأ يفنيكم بالموت ، ثم يعيدكم بالبعث خلقا جديدا .
٢٠ – ﴿وَمَا ذَٰلِكَ﴾ أي : الإذهاب بكم والإتيان بخلق جديد غيركم ﴿عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ﴾ أي: بممتنع أو: بعظيم أو شديد، بل هو سهل عليه هيّن يسير لديه، كقوله: (ألا له الخلق و الأمر)الأعراف(٥٤)، و قوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)لقمان(٢٨).و قوله: (و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧).
14:21Page 258
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
٢١ – ﴿وَبَرَزُواْ﴾ أي: الخلائق ﴿لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ أي: خرجوا من قبورهم يوم القيامة عند النفخة الثانية في البوق ، للحساب وظهروا في فضاء المحشر للجزاء على أعمالهم. وأصل البروز: الظهور : مأخوذ من البَرَاز – بفتح الباء-: وهو الفضاء الواسع الظاهر ، ثم استعير لمجتمع الناس يوم القيامة .والتعبير في قوله: «وبرزوا» وفيما بعده بالماضي، لتحقق وقوعه.﴿فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ﴾ و هم : الأتباع والمقلدون ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ﴾ عن عبادة الله وعن متابعة الرسل، وهم: المتبوعون: من السادة والكبراء وقادة الضلال: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا﴾ أي: في الدنيا ، فكفرنا بالله وكذبنا الرسل، متابعة لكم ومشايعة لرأيكم. وتبعا : جمع تابع ، كخدم جمع خادم. ﴿فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ﴾ أي : دافعون ﴿عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ أي: بعض الشيء ، الذي هو عذاب الله، كما كنتم في الدنيا تعدوننا وتمنوننا. و «مِن» الأولى للتبيين ، والثانية للتبعيض . ﴿قَالُواْ﴾ أي: المتبوعون من القادة والرؤساء و الكبراء:﴿لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّه﴾ إلى الإيمان ﴿لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ﴾ إليه ولدعوناكم إلى الهدى . ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا﴾ أي: مستو علينا الجزع من العذاب والصبر عليه .والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده . يقال : جزع يجزع جزعا وجُزوعا : إذا ضعف عن حمل ما نزل به ، ولم يجد صبرا عليه.﴿مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ﴾ أي: محيد ومهرب، أو : منجىً وملجأ من العذاب أو مزاغ عنه ، فليس لنا خلاص مما نحن فيه من عذاب الله. يقال : حاص عنه ، يحيص حيصا ومحيصا : إذا عدل عنه وزاغ ، وحاد على جهة الفرار .ونظير هذه المراجعة في المحشر بين الأتباع والمتبوعين: قوله سبحانه و تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين ٣١ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين ٣٢ )سبأ(٣١-٣٢) . وأما المراجعة في النار فقوله سبحانه: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار)غافر(٤٧) .
14:22Page 258
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
٢٢ – ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي : إبليس ﴿لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾ بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء، وأدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار واستقر بكل فريق قرارهم. قال مخاطبا أهل النار ، ومتبرئا منهم : ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ﴾ على ألسنة رسله بالبعث والحساب والجزاء، فصدقكم ﴿وَوَعَدتُّكُمۡ﴾ الباطل، بأنه لا بعث ولا حساب، ولا جزاء ﴿فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ﴾ ما وعدتكم به من ذلك ، كقوله:(يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)النساء(١٢٠). ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ﴾ أي: تسلط ، أو قوة وقدرة، ترغمكم على متابعتي . أو: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه دليل ولا حجة على تأييد وعدي وتصديق قولي ﴿ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ ﴾ أي: لكن دعوتكم إلى الكفر وحسنته وزينته لكم، ولم ألزمكم به ، فسارعتم إلى إجابتي ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ على دعوتي إياكم ﴿وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ﴾ على إجابتي ومتابعتي ، فإنكم استجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم بمحض إرادتكم و اختياركم وبمجرد دعوتي لكم ، فكفوا عن لومي، فلن ينفعكم شيء من ذلك الآن . ﴿مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ﴾ أي: بمغيثكم ومنجيكم و منقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه من العذاب ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ﴾[و في قراءة : بكسر الياء (بمصرخيِّ)] أي: بمغيثي ومنقذي مما أنا فيه من العذاب والنكال. يقال : صرخ يصرخ صرخا وصراخا: إذا استغاث ، فهو صارخ وصريخ، أي: مستغيث طالب للنصرة والمعاونة. و استصرخته فأصرخني : استغثت به، فأغاثني، فهو صريخ ومصرخ، أي : مغيث. من الصراخ: و هو الصياح الشديد عند الفزع أو المصيبة. ﴿إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ﴾[و في قراءة بإثبات الياء: (أشركتموني)] أي: تبرأت أو جحدت بإشراككم إياي مع الله ﴿مِن قَبۡلُۗ ﴾ في الدنيا ، فلست شريكا لله عز وجل في شيء، كقوله: (كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)مريم(٨٢) .و إشراكهم الشيطان مع الله في العبادة: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من الكفر و المعاصي و الآثام .قال تعالى : ﴿إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل ﴿لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع.وقد ذكر الله في هذه الآية قوله : (وما كان لي عليكم من سلطان) وقال في آية أخرى : (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)النحل(١٠٠) . فالسلطان الذي نفاه عنه هو سلطان الحجة والدليل أو سلطان الإرغام والقهر على متابعته . وأما السلطان الذي أثبته ، فهو التسلط على أوليائه بالإغراء والشهوات، والشبه والتزيينات، والتسويلات للمعاصي والآثام ، ولذا قال :(إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)النحل(٩٩) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences