Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ أي: دُمْ على تقوى الله، وازدد منها، وهو ﷺ أتقى المتقين.والتقوى: امتثال أوامر الله و اجتناب نواهيه. أو: هي -كما قال طلْق بن حبيب-: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عذاب الله.وفي الأمر بالتقوى تفخيم و تعظيم للتقوى نفسها.﴿وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ﴾ أي: ودُم على عدم إطاعتهم فيما يخالف شريعتك ويناقض رسالتك، فلا توافقهم على أمر ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة. وهو تخصيص بعد تعميم، لاقتضاء المقام الاهتمام به.والمنافق: من أظهر الإسلام وأبطن الكفر.﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بعواقب الأمور ﴿حَكِيمٗا﴾ في أقواله وأفعاله، أي: كان ولا يزال.
33:2Page 418
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
٢ - ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ﴾ أي: من قرآن وسنة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ فلا تخفى عليه خافية. [وفي قراءة بالياء: (بما يعملون خبيرا)].
33:3Page 418
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
٣ - ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ في جميع أمورك وأحوالك، أي: اعتمد عليه، وثق به، وفوّض أمورك إليه، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ أي: حافظاً متولّيا كلّ أمورك، يحفظ من توكلّ عليه وأناب إليه.وأمته ﷺ تبع له في ذلك كلّه.
33:4Page 418
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
٤ - ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ﴾ مثل ضربه الله تعالى للمتبنّي ولدَ غيره، تمهيداً لما سيأتي بعده من إبطال ما كان عليه العرب في الجاهلية وصدر الإسلام من التبنّي.﴿وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ﴾ أي: تحرّمونهنّ كحرمة أمّهاتكم، بأن يقول أحدكم لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي ﴿أُمَّهَٰتِكُمۡۚ﴾ أي: كالأمهات، بتحريمهنّ على أنفسكم تحريماً مؤبداً ﴿وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ﴾ الذين تدعونهم، أو يُدْعون إليكم، وهم الأبناء بالتبني ﴿أَبۡنَآءَكُمۡۚ﴾ حقيقة.أي: ليس الأمر كذلك، فكما لم يخلق الله للإنسان قلبين في جوفه، ولم يجعل زوجة الرجل التي يظاهر منها بقوله: أنت عليّ كظهر أمّي – أُماً له، كذلك لم يجعل الدّعيّ ولداً للرجل، إذا تبناه فدعاه ابناً له، لأن البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاقٌ عارض بالتسمية لا غير، فلا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا وغير أصيل.و الآية نزلت في شأن زيد بن حارثة، مولى النبي ﷺ، وكان قد تبناه قبل النبوّة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا التبني وهذه النسبة، كما قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين). ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: القول الذي تقولون في الدعيّ: إنه ابن فلان، للذي ادّعاه، أو: ذلكم الظهار والتبنّي، ﴿قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ﴾ فلا حقيقة له، بل مجرّد قول باللّسان، لا يحكي الواقع، ولا يترتّب عليه شيء من أحكام البنوّة النَّسَبيَّة، فلا يمكن أن يكون للمتبنَّى أبوان، كما لا يمكن أن يكون لبشر واحد قلبان!﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ﴾ أي: القول الثابت المحقّق، الذي يحقّ اتباعه، لكونه حقّا وصدقاً ﴿وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: يُرشد إلى سبيل الحقّ، وإلى صراط مستقيم.والآية إبطال لعادة التبنّي، وإلحاق الرجل إلى غير نسب أبيه.والظّهار: مأخوذ من قولهم: ظاهر الرجل من امرأته، وتظهّر وظهّر، إذا قال لها: أنت عليّ كظهر أمّي، يريد بذلك تحريم امرأته عليه كأمه.وقد أبطل الله حكم هذا الظّهار، وبيّن أن المرأة لا تكون بهذا القول زوجاً للرجل وأمّا له، وجعل على من قاله كفّارة، كما سيأتي في سورة المجادلة، وهي: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.[وفي قراءة: (تَظّهّرون) وفي أخرى: (تَظّاهرون)، وفي ثالثة: (تَظاهرون) بفتح التاء].والأدعياء: جمع دعيّ، وهو الذي يُدعى ابناً لغير أبيه، وكان الرجل يتبنّى ولد غيره، ويُجري عليه أحكام البنوّة النَّسَبيَّة، ومنها حرمة تزوّج الأب بمطلقة ابنه الدعيّ، كما تحرم زوجة الابن النسبيّ على أبيه، فأبطل الله حكم هذا التبنّي.و كفارة الظِّهار كما سيأتي في سورة المجادلة: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.
33:5Page 418
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
٥ - ﴿ٱدۡعُوهُمۡ﴾ أي: الأدعياء – الذين ألحقتم أنسابهم بكم – ﴿لِأٓبَآئِهِمۡ﴾ من الصُّلب، أي: انسبوهم لآبائهم النّسبيّين دون غيرهم.﴿هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ أي: أعدل وأقوم وأحكم من قولكم هو ابن فلان، للّذي ليس أباً له.روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي: عن عبد الله بن عمر، قال: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) الآية.﴿فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ﴾ في الحقيقة، لتنسبوهم إليهم ﴿فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدّين وأولياؤكم فيه. أو: فادعوهم بالأخوّة في الدّين والمولويّة فيه، وقولوا للواحد منهم: أخي ومولاي، كما قال النبي ﷺ لزيد:«أنت أخونا ومولانا». رواه البخاري.وفي الصحيحين:«ليس من رجل ادُّعي إلى غير أبيه وهو يعلمه إلاّ كفَر».و عند أحمد و مسلم:«ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، و النياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم».﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ﴾ أي: إثـم ووزر وحـرج ﴿فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ﴾ من نسبة البعض إلى غير آبائهم في الحقيقة، من غير عمد، بل سهوا أو نسيانا أو سبق لسان ﴿وَلَٰكِن﴾ أي: الإثم والحرج و الوزر في ﴿مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ ﴾ من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم، مع علمكم بذلك.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ لما كان من قولكم، قبل النّهي عنه ﴿رَّحِيمًا﴾ بكم في ذلك.وفي الحديث:«إن الله تعالى وضع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وفي رواية:«والأمر الذي يُكرهون عليه».رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
٦ - ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ في كل أمرمن أمور الدين والدنيا والآخرة، أي: أحقّ بهم من أنفسهم في الطاعة، فإذا دعاهم إلى أمر، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه، وجب عليهم أن يقدّموا أمره وطاعته، على أمرهم وطاعتهم لأنفسهم وأن يؤثروا ما دعاهم إليه، على ما دعتهم أنفسهم إليه، وأن يكون حكمه فيهم مقدّم على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)النساء(٦٥).وفي الصحيح:«والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين». رواه البخاري.و أخرج أحمد و البخاري وابن أبي حاتم: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:«ما من مؤمن إلاّ وأنا أوْلى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم: (النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن ترك مالاً، فلترثه عَصَبته من كانوا، وإن ترك دَيْناً أو ضياعاً –أي: عيالاً– فليأتني فأنا مولاه».﴿وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ أي: كأمهاتهم في وجوب تعظيمهنّ وتوقيرهنّ، واحترامهنّ وإكرامهنّ، وحرمة نكاحهنّ بعده ﷺ حرمة مؤبّدة، كما قال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً)الأحزاب(٥٣).وأمّا فيما عدا ذلك – من حرمة نكاحهنّ وتعظيمهنّ – من النظر إليهن، والخلوة بهنّ، وإرثهنّ ونحو ذلك، فهنّ فيه كسائر النساء، ولذا لم يتعدّ التحريم إلى بناتهن وأخواتهنّ بالإجماع.﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ﴾ أي: ذوو القرابات مطلقاً ؛ عصبة كانوا، أو غير عصبة.﴿بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ﴾ في الإرث، أي: بعضهم أحقّ بميراث بعض ﴿فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ أي: في حكم الله، أو: فيما أنزله الله في كتابه وفرضه، وهو آية المواريث في سورة النساء، الآيات: (١٧٦،١٢،١١).﴿مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ﴾ بيانٌ لأولي الأرحام، أي: أنّ ذوي القرابات من المؤمنين والمهاجرين، بعضهم أوْلى ببعض في التوارث، من المؤمنين والمهاجرين من غير ذوي القرابات، ممّن بينهم حلف أو مؤاخاة، أو موالاة، كالتوارث بين المهاجرين والأنصار.أو: صلة ل «أوْلى»، فيكون المعنى: أنّ ذوي القرابات بعضهم أوْلى ببعض في التوارث من المؤمنين والمهاجرين، أي: من الإرث بالإيمان والهجرة والموالاة، الذي كان في صدر الإسلام. فقد كان بالمدينة توارثٌ بين المهاجرين والأنصار بالهجرة والمآخاة في الدّين، كما تقدّم في آية: (٧٢) من الأنفال، ثم جُعل التوارث بحقّ القرابة، كما في آية: (٧٥) من الأنفال، وأُكّد الأمر بهذه الآية.فعن ابن عباس قال: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوّة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ.رواه البخاري.وعن الزبير بن العوّام، قال: أنزل الله فينا خاصّة معشر قريش –أي: المهاجرين – والأنصار: (وأولوالأرحام بعضهم أولى ببعض) وذلك أنّا معشر قريش، لما قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم و وارثناهم، حتى أنزل الله فينا هذه الآية، فرجعنا إلى مواريثنا.وهذه الآية حجة على ولاية ذوي الأرحام، في جميع الولايات، كولاية النكاح والمال، وغير ذلك.﴿إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم﴾ أي: إخوانكم المؤمنين و المهاجرين غير الرحم و القرابة ﴿مَّعۡرُوفٗاۚ﴾ من صدقة أو وصيّة أو صلة، فإن ذلك جائز.أي: لكن إذا أوصيتم إلى من توادّونهم من هؤلاء – غير ذوي القرابات من المؤمنين والمهاجرين - بشيء من أموالكم، كان ذلك جائزاً، فيكون لهم بحكم الوصيّة لا الميراث.أو: (إلاّ أن تفعلوا إلى أوليائكم) الذين كان رسول الله آخى بينكم و بينهم من المهاجربن و الأنصار (معروفا) من النصرة و الوصية لهم والعقل عنهم، و نحوه.﴿كَانَ ذَٰلِكَ﴾ أي: الحكم في جَعْل الميراث بين ذوي الأرحام من القرابات، دون غيرهم من المتوارثين بالإيمان والهجرة والمؤاخاة.﴿فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ ﴿مَسۡطُورٗا﴾ أي: مكتوباً مقرّرا لا يعتريه تبديل ولا تغيير، مقدّرا في علم الله الأزلي، وقضائه القدري الشرعي، أي: فيجب عليكم العمل به.
33:7Page 419
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧
And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant
٧ - ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا﴾ أي: واذكر وقت أخْذِنا ﴿مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ﴾ أي: العهد الوثيق المؤكد على الوفاء بتبليغ الرسالات، وإقامة الدّين الحقّ، والدعوة إلى عبادة الله وحده. أو: بتصديق بعضهم بعضاً في أصول الشرائع، و التعاون و التناصر والاتفاق فيما بينهم، وعدم التفرق في الدين.﴿وَمِنكَ﴾ يا محمّد، أي: وأخذنا العهد والميثاق منك ﴿وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ﴾ وخصّ هؤلاء الخمسة منهم بالذكر، وهم أولو العزم من الرّسل، لفضلهم على سائرهم، ومزيد مزيّتهم على من سواهم. وقدّم ذكر محمد ﷺ لمزيد فضله وشرفه عليهم وعلى سائر النبيين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.وذِكْرُ الخمسة هنا من باب عطف الخاصّ على العامّ.﴿وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ أي: عهداً وثيقاً قويًا شديداً على الوفاء، عظيم الشأن بما حُمِّلوا وبما أخذه الله عليهم.والآية كقوله: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه)الشورى(١٣) وكقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه)آل عمران(٨١).
33:8Page 419
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨
That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.
٨ - ﴿لِّيَسۡـَٔلَ﴾ الله ﴿ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ﴾ في الوفاء بهذا الميثاق، وتبليغ الرسالة إلى قومهم، أي: فعلنا ذلك وأخذنا الميثاق منهم ليسأل الله الصادقين عن صدقهم. فإن الله سائلٌ الأنبياء وأتباعهم عن هذا العهد الغليظ: هل وفّوا به وصدقوا؟ و سائل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، و عما فعل قومهم فيما بلّغوهم.﴿وَأَعَدَّ﴾ الله ﴿لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ بهم من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلماً موجعاً.فنحن نشهد أن الرسل جميعاً قد بلّغوا رسالات ربّهم، ونصحوا أممهم، وإن كذّبهم من كذبهم من أهل الضلال والكفر.
33:9Page 419
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
٩ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ بيان لمزيد فضله تعالى على عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم عنهم، وهزمه إيّاهم بالرّعب، حين تحزّبوا عليهم، وكان ذلك في شوال سنة خمس أو أربع من الهجرة، في غزوة «الأحزاب» أو «الخندق».﴿إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ﴾ من الكفّار، وهم جنود الأحزاب الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ وغزوه إلى المدينة، وهم: قريش وغطفان، وبنو قريظة والنضير من اليهود، وكانوا اثني عشر ألفاً، ولمّا سمع رسول الله ﷺ بمقدمهم، أمر بحفر خندق حول المدينة، بإشارة سلمان الفارسي.﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا﴾ هي ريح الصّبا، وكانت شديدة البرودة، فأكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وقطّعت خيامهم، وفي الحديث الصحيح:«نُصرت بالصّبا، و أهلكت عاد بالدّبور». رواه البخاري.﴿وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ﴾ هم الملائكة، ولم يقاتلوا في هذه الغزوة – كبدر - وإنما ألقوا الرعب في قلوب المشركين المتحزّبين على رسول الله.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: من حفر الخندق وغيره ﴿بَصِيرًا﴾ [وفي قراءة: (بما يعملون) – بالياء - أي: من تخريب المشركين (بصيراً)].
33:10Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
١٠ - ﴿إِذۡ جَآءُوكُم﴾ أي: الأحزاب ﴿مِّن فَوۡقِكُمۡ﴾ أي: من أعلى الوادي، وهو من جهة المشرق ﴿وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ﴾ أي: من أسفل الوادي، من جهة المغرب، وهم بنو قريظة ﴿وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ أي: مالت عن سَنَنِها حيرةً ودهشة و عدلت عن مقرها ومستوى نظرها، شاخصة طامحة لا تلتفت إلى شيء إلاّ إلى عدوّها.يقال: زاغَ يزيغ زيغاً وزيغاناً: مال، وزاغ البصرُ: كلّ، وكلالُه من استدامة شخوصه من شدّة الهول.﴿وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ﴾ أي: نَبَتْ وارتفعت عن أماكنها من الصّدور، حتى وصلت منتهى الحلاقيم، وهو كناية عن شدة اضطراب القلوب من عظم الفزع والخوف.﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠﴾ أي: أنواع الظّنون المختلفة، من النصر واليأس من النجاة والشك بوعد الله، فقد ظن المنافقون أن محمداً ﷺ وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حقّ، وأنهم هم المنصورون.أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ:«نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا»، قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالرّيح.
33:11Page 419
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
١١ - ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان الدّحض، حين نزلت الأحزاب حول المدينة ﴿ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: اختبروا بالخوف والجوع، والضيق، وشدّة الحصار ومحِّصوا بالشدائد، ليتبيّن المؤمنون المخلصون من المنافقين، وليتميّز الثابت من المتزلزل ﴿وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا﴾ أي: اضطربوا اضطراباً كثيراً من شدّة الخوف والفزع، فمنهم من اضطرب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه، أو حُرّكوا بالفتنة تحريكاً شديداً.أو: أزعجوا إزعاجاً شديداً من كثرة عدوّهم.
33:12Page 419
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
١٢ - ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾ أي: واذكر حين يقول المنافقون ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: شبهة وضعف اعتقاد، وهم: أهل الشكّ والريب، والشبهة والاضطراب، لضعف إيمانهم، وشدّة ما هم فيه من ضيق الحال، أو: هم المنافقون، والعطف لتغاير الصّفات، قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ﴾ أي: من النّصر والظّفر ﴿إِلَّا غُرُورٗا﴾ أي: باطلاً من القول أو خداعاً.يقال: غرَّه غَرّاً وغروراً وغِرَّةً: خدعه وأطمعه بالباطل، فاغترّ هو. وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلاً من المنافقين.
33:13Page 419
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
١٣ - ﴿ وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ ﴾ أي: جماعة من المنافقين ﴿ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ ﴾ أي: المدينة، وكانت تُسمّى بذلك قديماً ﴿لَا مُقَامَ لَكُمۡ﴾ [و في قراءة: بفتح الميم (لا مَقام لكم)] أي: لا إقامة، أو: لا مكان إقامة لكم ههنا، أي: عند النبي ﷺ في مقام المرابطة حول الخندق ﴿فَٱرۡجِعُواْۚ ﴾ إلى بيوتكم ومنازلكم بالمدينة، وكانوا خرجوا مع النبي ﷺ إلى سَلْع – جبل خارج المدينة – للقتال ﴿وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ﴾ أي: من المنافقين ﴿ٱلنَّبِيَّ﴾في الرّجوع إلى المدينة، وهم: بنو حارثة بن الحارث، وبنو سلِمة ﴿يَقُولُونَ﴾ معتذرين عن رجوعهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ﴾ أي: خالية، ضائعة، سائبة قاصية، أو غير حصينة، نخشى عليها العدوّ، ولا نأمن على أهلنا.يقال: دار ذات عَوْرة، ودار مُعْوِرةٌ: إذا كان يسهل دخولها، وكلّ مكان ليس بممنوع ولا مستور، فهو عورة، والعورة في الأصل: الخلل في البناء ونحوه.قال تعالى مكذّبا إيّاهم: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ﴾ أي: ليست بيوتهم كما يزعمون ﴿إِن﴾ أي: ما ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا﴾ أي: هرباً من القتال مع المؤمنين.
33:14Page 419
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
١٤ - ﴿وَلَوۡ دُخِلَتۡ﴾ أي: المدينة ﴿عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا﴾أي: من جوانبها ونواحيها أي: لو دخل الكفّار عليهم المدينة من أقطارها ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ﴾ أي: خيانة المؤمنين ومقاتلتهم، أو: الدخول في الكفر، أي: لو طلب الداخلون منهم ذلك ﴿لَأٓتَوۡهَا﴾ – بالمدّ والقصر، قراءتان – أي: لأعطوها وفعلوها، أو: لدخلوا في الكفر﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا﴾ أي: ما تأخروا بالفتنة إلاّ زماناً يسيراً، قَدْر ما يأخذون أسلحتهم، أو: لكفروا سريعاً دون إبطاء، ولأقرّوا بالكفر طيبة به أنفسهم.والتلبّث: الإبطاء والتأخر، وهو تمثيل لإسراعهم إلى القتال، وهم في أشد حال، إذا ما دُعوا إلى مقاتلة المسلمين، لفرط كراهتهم لهم، فضلاً عن تعلّلهم باختلال البيوت مع سلامتها.
33:15Page 419
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
١٥ - ﴿وَلَقَدۡ كَانُواْ﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل هذا الخوف، أو بعد بدر وقبل الأحزاب ﴿لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ﴾ أي: لا يفرّون ولا ينهزمون. كُنّي به عن ذلك، لأن المنهزم الفارّ، يولّى ظهره من فرّ منه.﴿وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا﴾ أي: مطلوباً صاحبه بالوفاء به، ومجازىً على عدم ذلك. يذكِّرهم الله تعالى عهدهم مع رسوله ﷺ بنصرته وحمايته عندما هاجر إليهم، أي: فأنتم مسئولون أمام الله عن الوفاء به.
33:16Page 420
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
١٦ - ﴿قُل﴾ لهم يا محمد: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ﴾ فإن ذلك لا يؤخّر آجالكم، ولا يطوّل أعماركم ﴿وَإِذٗا﴾ إن فررتم منهما ﴿لَّا تُمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا، بعد فراركم وهروبكم﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ أي: إلاّ تمتُّعا أو زماناً قليلاً، بقيّة آجالكم.
33:17Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
١٧ - ﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: يُجيركم ويحميكم منه، أو: يمنعكم من قَدَره تعالى﴿إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا﴾ أي: هلاكاً وهزيمة، أو: نقصا في الأموال و الأنفس والثمرات ﴿أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ ﴾ من نصر وظفر، وخصب وسلامة، وعافية، فإنه تعالى الضارّ النافع، المعطي المانع، فلا يأتي بالخير إلاّ هو، ولا يدفع السّوء إلاّ هو ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره ﴿وَلِيّٗا﴾ يواليهم، فينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرٗا﴾ ينصرهم، فيدفع الضرّ عنهم، فلا مجير لهم منه ولا مغيث.
33:18Page 420
۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨
Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3
١٨ - ﴿قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ﴾ أي: المثبطين منكم عن القتال، الصّارفين الناس عن نصرة رسول الله ﷺ، وهم طائفة من المنافقين كانوا يخذّلون المسلمين ويُثبطونهم.من العَوْق: وهو المنع والصّرف والتثبيط، كالتعويق والاعتياق. يقال: عاقه يعوقه عَوْقاً، وعوّقه واعتاقه: صرفه عن الوجه الذي يريده. و«قد» للتحقيق.﴿وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ﴾ أي: أصحابهـم وعشائرهـم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ﴾ أي: تعالَوْا إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، والأمن والدّعة، ولا تشهدوا مع محمد قتالاً، فإنا نخاف عليكم الهلاك. و «هلمّ»: اسم فعل أمر. أو: أَقْبلوا أو قرّبوا أنفسكم إلينا.﴿وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ﴾ أي: الحرب والقتال، أي: وهم مع تعويقهم وتخذيلهم لا يأتون القتال ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلاّ إتياناً قليلاً، حين لا يجدون منه بدّا، فيأتون رياء وسمعة، لا احتساباً عند الله تعالى. أو: لا يشهدون القتال إن شهدوا إلاّ تعذيراً ودفعاً عن أنفسهم المؤمنين، زمناً قليلاً.
33:19Page 420
أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩
Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.
١٩ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ﴾ أي: بخلاء عليكم بالنّصرة والخير والمودة، والنفقة في سبيل الله، والمعاونة في حفر الخندق، وبكل ما فيه منفعة لكم. جمع شحيح: من الشحّ، وهو البخل مع الحرص.منصوب على الحال من ضمير «يأتون».﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ﴾ من جهة العدوّ، أو: منه ﷺ ﴿رَأَيۡتَهُمۡ﴾ يا محمد﴿يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ﴾ خوفاً من القتال أو منك، ﴿تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ﴾ بأحداقهم يميناً وشمالاً، دون أن تطرف ﴿كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ أي: كنظر أو كدوران عيني الذي تغشاه سكرات الموت، لذهوله وشدّة خوفه وجزعه، أو: تصيبه الغشية من سكراته، إعظاماً للخوف، وفرقاً من الحرب.﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ﴾ وانقطعت الحرب وحيزت الغنائم، وكان الأمن والسلام ﴿سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: آذوكم بألسنة سليطة ذربة، قاطعة كالحديد.أو: بسطوا فيكم ألسنتهم الذّربة بالأذى والسبّ والتنقيص ورموكم به.أو بالغوا فيكم بالكلام طعناً وذماً.يقال: سلق البيض وغيره يسلُقُه: أغلاه بالنار إغلاءة خفيفة. وسلقه بالكلام: آذاه به.وأصل السَّلْق: بسط العضو ومدّه للقهر، يداً كان أو لساناً.و «حداد»: أي: ماضيةٍ صارمةٍ، تؤثّر تأثير الحديد. يقال: حدّ السكين، وأحدّها، وحدّدها: مسحها بحجر أو مبرد، فهي حديد.﴿أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ﴾ أي: بخلاء حريصين على المال والغنيمة، يشاحّون المسلمين عند قسمتها. أو: أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله.و المعنى: ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلّة الخير، فأمّا عند الأمن والغنيمة، فأشحّ قوم، وأسوأه مقاسمة، وأبسطه لساناً، وأما عند البأس، فأجبن قوم، وأخذله للحقّ.﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الأوصاف ﴿لَمۡ يُؤۡمِنُواْ﴾ حقيقة ولم يصدّقوا بالله ورسوله، ﴿فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ﴾ أي: أبطلها وأذهب أجرها، لانتفاء شرطها فيهم، وهو: الإيمان والإخلاص ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ﴾ أي: الإحباط والإبطال أو النّفاق ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا﴾ أي: سهلاً هيّنا عنده، فما من شيء يكون إلاّ بإرادته تعالى.
33:20Page 420
يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠
They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.
٢٠ - ﴿يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ﴾ أي:يظن هؤلاء المنافقون – لجبنهم وخوفهم واضطرابهم – أن الأحزاب لم ينصرفوا إلى ديارهم، بما أرسل الله عليهم من الرياح والجنود.﴿وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ﴾ مرّة أخرى، أي: وإذا فُرض رجوع الأحزاب للقتال مرّة أخرى، ﴿يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ﴾ أي: يتمنّى هؤلاء المنافقون لو أنهم كائنون في البادية مع الأعراب، غُيَّبا عنكم، حذرا من القتل، لشدّة خوفهم وجبنهم.يقال: بدا القومُ بداً: خرجوا إلى البادية. وقوم بُدىً وبُدّاً: بادون، أي: كائنون في البادية، وصائرون فيها.والأعراب: جمع أعرابيّ، وهم أهل البادية، كما أن العرب جمع عربيّ، وهم أهل الحاضرة.﴿يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ﴾ أي: يستخبر هؤلاء المنافقون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوّكم ﴿وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم﴾ أي: بين أظهركم ﴿مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا﴾ قتالاً ﴿قَلِيلٗا﴾ رياء وتعذيراً وسمعة، لجبنهم، وخوفهم، وضعف يقينهم بالله.
33:21Page 420
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
٢١ - ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ﴾ – بضمّ الهمزة وكسرها، قراءتان – ﴿حَسَنَةٞ﴾ أي: خَصْلة حسنة من حقّها أن يُؤتسى ويُقتدى بها، وهي الثقة بالله، والتوكل عليه، والثبات في الشدائد، والصبر على المكاره، والقتال بنفسه. أو: قدوة صالحة في كل الأمور في أقواله وأفعاله وأخلاقه وأحواله، بمعنى: المؤتسى به، أو المقتدى به.﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ أي: هذا التأسّي والاقتداء برسول الله ﷺ إنما هو كائن لمن كان يرجو الله، أي: يرجو ثوابه ولقاءه، ويرجو رحمته يوم القيامة، أو: يخاف الله ويخاف عقابه يوم القيامة ﴿وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ أي: بخلاف من ليس كذلك.وقرن الرجاء بذكره تعالى بكثرة، لما في الذكر من عظيم الأجر وجزيل المثوبة.والآية أصل عظيم في التأسّي برسول الله ﷺ، والاقتداء به، في أقواله وأفعاله وأحواله، وصبره ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وكلّ شأنه وأمره.
33:22Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
٢٢ - ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ ﴾ الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ وأصحابه ﴿قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ من الابتلاء والاختبار والامتحان، الذي يعقبه النصر القريب - قال ابن عباس: يعني قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) إلى قوله: (ألا إن نصر الله قريب)البقرة(٢١٤).﴿وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ فيما أخبرا به، ووعدا به ﴿وَمَا زَادَهُمۡ﴾ ذلك الأمر، أو الحال، من الضيق والشدّة وتحزُّب الأحزاب عليهم وتزلزل المنافقين وبث أراجيفهم﴿إِلَّآ إِيمَٰنٗا﴾ بالله، وتصديقاً لوعده ﴿وَتَسۡلِيمٗا﴾ لأمره وقضائه، وانقياداً وطاعة له، ولرسوله.وفي الآية دليل على زيادة الإيمان وقوّته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، وهو الحقّ وعليه أهل السنة والجماعة.
33:23Page 421
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
٢٣ - ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ﴾ من الصبر والثبات مع النبي ﷺ، فوفّوا بما عاهدوا عليه الله ورسوله، بخلاف من كذب في عهده، وخان الله ورسوله، وهم المنافقون.﴿فَمِنۡهُم﴾ أي: من المؤمنين الصادقين﴿مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ﴾ أي: أدّى نذره، و وفّى بعهده مع الله فقاتل مع رسوله صادقاً، حتى استشهد في سبيله.والنّحب في الأصل: النذر.وقضاؤه: الوفاء به. يقال: نحب – كنصر – إذا نذر.أو: (قضى نحبه) أي: أجله، أي: مات، أو قُتل في سبيل الله شهيداً، على ما هو عليه من الصدق والوفاء.﴿وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ﴾ ذلك، أي: ينتظر قضاء نحبه ونذره، حتى يحضر أجله، فهم مستمرّون على الثبات والوفاء بما عاهدوا الله ورسوله عليه، حتى يدركوا النصر أو الشهادة، أو: ينتظر ما وعد الله به من النصر أو الشهادة ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ أي: ما غيّروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه، ولا نقضوه ولا بدّلوه، كما غيّر المنافقون عهدهم، ونقضوا وبدّلوا. روى البخاري عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية.وروى الإمام أحمد عن أنس قال: عمّي أنس بن النضر لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فشقّ ذلك عليه، وقال: أوّل مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرينّ الله عز وجل ما أصنع، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فقاتل القوم حتى قُتل، قال أنس: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته – عمّتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم. ورواه مسلم والترمذي والنسائي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences