Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
المطففين
Al-Mutaffifin
The Defrauding · Meccan · 36 ayahs
١ - سبب نزول الآية: أخرج النسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: (ويل للمطفّفين) فأحسنوا الكيل بعد ذلك.﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾ أي: عذاب، أو هلاك، أو واد في جهنّم لهم، وهم الذين يبخسون حقوق الناس وينقصونها في الكيل والوزن عن الواجب لهم من الوفاء.جمع مُطفِّف، من الطّفيف، وهو التافه الحقير القليل، لأن ما يبخسه المطفّف شيء نزر حقير.والآية وعيد شديد لمن يأخذ لنفسه وافياً، ويُعطي غيره ناقصاً، قليلاً كان أو كثيراً.وقد عظّم الله أمر الكيل والوزن، لابتناء المعاملات عليهما، والتطفيف فيهما خيانة واعتداء على الحقوق، ومبنى التعامل فيهما يجب أن يكون قائماً على الأمانة والمعادلة والوفاء،كما قال تعالى:(وأوفوا الكيل إذا كلتم)الإسراء(٣٥) وقال:(وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)الرحمن(٩).وأهلك الله قوم شعيب ودمّرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميكال والميزان.ثم فسّر المطفّفين بقوله:
83:2Page 587
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢
Who, when they take a measure from people, take in full.
٢ - ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ أي: أخذوا الكيل منهم ﴿يَسۡتَوۡفُونَ﴾ لأنفسهم الكيل والوزن.أي: إذا أخذوا من الناس ما لهم قِبَلهم من حقّ بحكم الشراء ونحوه، يستوفون لأنفسهم، فيكتالونه منهم وافياً وافراً زائداً. و«على» و «مِنْ» يتعاقبان، فيقال: اكتلتُ عليه: أخذت منه ما عليه كيلاً. واكتلت منه: استوفيت منه. ويقال: كال المعطي واكتال الآخذ.وعُبّر ب «على» بدل «مِنْ» لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء.أو للإشارة إلى أنه اكتيال ضارّ بالناس، لاحتيالهم فيه على الأخذ الوافر، بما تيسّر لهم من الحيل. وكانوا يفعلونه بكبْس المكيل، أو تحريك المكيال، ونحـو ذلك.ومثل الاكتيال: الاتزان فيما يوزن، والذّرْعُ فيما يُذرع.
83:3Page 587
وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣
But if they give by measure or by weight to them, they cause loss.
٣ - ﴿وَإِذَا كَالُوهُمۡ﴾ أي: كالوا للناس المكيل ﴿أَو وَّزَنُوهُمۡ﴾ أي: أو وزنـوا لهـم المـوزون للبيع ونحوه ﴿يُخۡسِرُونَ﴾ أي: يُنقصـون في الكيل أو الوزن حقّهم الواجب لهم، وهو الوفاء والتمام.يقال: كاله، وكال له: وزنه، ووزن له. ويقال: خسر الميزان، وأخسره: نقصه.
83:4Page 587
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤
Do they not think that they will be resurrected
٤ - ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ أي: ألا يتيقّـن، أو: ألا يخطر ببال ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المطفّفون ﴿أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ﴾ من قبورهم بعد مماتهم.
٥ - ﴿لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ أي: فيه، هو يوم القيامة.
83:6Page 587
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
The Day when mankind will stand before the Lord of the worlds?
٦ - ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ﴾ أي: من قبورهم ﴿لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: لأمره وحكمه وقضـائه، وحسابـه وجزائه.وأُدخلت همزة الاستفهام على «لا» النافية في قوله: (ألا يظنّ): توبيخاً وإنكاراً وتعجّباً من اجترائهم على التطفيف،كأنهم لا يخطر ببالهم ولا يخمّنون تخميناً أنهم مبعثون ليوم عظيم الأهوال، مسئولون فيه عن مقدار الذّرة، فإن من يظنّ ذلك ولو ظنّا ضعيفاً، لا يكاد يجترىء على بخس الحقّ، وخيانة الأمانة، وأكل مال الناس.وفي الصحيحين و «الموطأ» من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (يوم يقوم الناس لربّ العالمين) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه«.وفي رواية لأحمد: أنه ﷺ قال: (يوم يقوم الناس لربّ العالمين) لعظمة الرحمن عزّ وجل يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم».
83:7Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧
No! Indeed, the record of the wicked is in sijjeen.
٧ - ﴿كَلَّآ﴾ أي: حـقاّ، أو: ردْع وزجْر، أي: ليس الأمر كما يظن هؤلاء أنهم غير مبعوثين ﴿إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ﴾ أي: ما يُكتب من أعمالهم السيّئة ﴿لَفِي سِجِّينٖ﴾ أي: لمثبت في ديوان الشرّ الجامع لأعمال فجّار الثقلين، أو في سجلّ أهل النار.والمراد بهم هنا: الكفّار والعصاة والفسقة، الذين منهم المطفّفون. وأصل سجّين: على وزن «فِعِّيل» وصف من السَّجْن بمعنى: الحَبْس، مصدر سَجَنه يسجُنه سَجْناً، أي: حبسه.أطلق على هذا الكتاب الجامع لشرّ أعمالهم، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم. وقيل: إن ما يكتب من أعمالهم لفي شرّ موضع في نار جهنّم.وقد تقدّم في حديث البراء بن عازب عند الطبراني: «أن الله يقول في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجّين».وقيل: إن مصير الفجّار ومأواهم إلى سجّين.
٨ - ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ﴾ تعظيم لأمره، وتهويل لشأنه، أي: ما أعلمك يا محمد أي شيء سجّين أو كتاب سجّين؟
٩ - ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾ أي: هو كتاب مسطور بيّن الكتابة. من رقم الكتاب: إذا أعجمه وبيّنه. أو: هو كتاب مُعْلَم، أو معلّم بعلامة، يعلم من رآه أنه لا خير فيه.من رقم الكتاب: إذا جعل له رَقْماً، أي: علامة يُعرف بها، وهو بيان ل «كتاب».
١٠ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أي: عذاب أو هلاك لهم إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من العذاب الأليم، والسجن المقيم. ثم بيّنهم بقوله:
١١ - ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ أي: بيوم الجزاء على الأعمال، وهو اليوم الذي يدين الله فيه العباد، فيجزيهم بأعمالهم.
83:12Page 588
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
And none deny it except every sinful transgressor.
١٢ - ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ﴾ أي: بيوم الدّين ﴿إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ﴾ أي: متجاوز الحدّ في الإثم والمعاصي﴿أَثِيمٍ﴾ أي: كثير الإثم في أقواله وأفعاله.
83:13Page 588
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
١٣ - ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا﴾ المنزّلة على محمد ﷺ، أي: القرآن ﴿قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطّره السّابقون في كتبهم من الأباطيل والخرافات. جمع أُسطورة – بالضمّ -.و الآية كقوله سبحانه:(وقالوا أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً)الفرقان(٥).
83:14Page 588
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1
١٤ - ﴿كَلَّاۖ﴾ ردْع وزجر عن قولهم الباطل في القرآن، أي: ما الأمر كذلك ﴿بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾ أي: غَلَب وغطّى عليها، فغشيها، أو طبع عليها ﴿مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ من المعاصي والأعمال السيئة.يقال: ران ذنبه على قلبه – من باب: باع - ريْناً ورُيُوناً: غلبه عليه وغطّاه، وكلّ ما غلبك فقد ران بك، ورانك، وران عليك.أخرج ابن ماجه والترمذي – وقال: حسن صحيح - والنسائي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا أذنب ذنباً، كانت نُكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صُقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)».و لفظ النسائي: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع و استغفر، صقل قلبه، وإن عاد، زادت حتى تغلف قلبه، فهو الران الذي قال الله:(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)».
83:15Page 588
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥
No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1
١٥ - ﴿كَلَّآ﴾ أي: حـقّا، أو ردْع وزجْـر لهــم عـن الكسب الرائن على قلوبهم ﴿إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ عن رؤيته تعالى وكرامته، فلا يرون ربهم، ولا ينظرون إليه، كما ينظر إليه المؤمنون.وقد قال الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله عزّ وجلّ يومئذ، كما دلّ عليه منطوق قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)القيامة(٢٢).
83:16Page 588
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦
Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.
١٦ - ﴿ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: ثم إنهم مع حرمانهم من رؤية ربّهم، لداخلون النّار، أو لمقاسون حرّها الشديد.
83:17Page 588
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧
Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."
١٧ - ﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ لهم تبكيتاً وتوبيخاً: ﴿هَٰذَا﴾ أي: العذاب ﴿ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا، فانظروه وذوقوه.
83:18Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
١٨ - ﴿كَلَّآ﴾ أي: حقّا، أو ردْع وزجْر وتكذيب لهم ﴿إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ أي: ما يُكتب من أعمالهم الحسنة ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: لمثبت في ديوان الخير الجامع لأعمال صُلحاء الثّقلين، أو في سجلّ أهل الجنة.وعليّين: اسم لذلك الديوان الجامع لصالح أعمالهم، فهو مفرد كَقِنِّسْرين، منقول من جمع عِليٍّ بصيغة فِعِّيل، من العُلُوِّ، لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنّة. أو: إن ما يُكتب من أعمالهم لفي أعلى الأماكن وأرفعها وأشرفها.وقيل: إن مصير الأبرار إلى عليّين، وهو خلاف سجّين.
١٩ - ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ أي: وما أعلمك يا محمد أي شيء عليّون، أو كتاب عليّين؟ تفخيم لشأنه وتعظيم لأمره.
٢٠ -﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾ أي: هو كتاب مسطور بيّن الكتابة أو مُعْلَم، يعلم من رآه أن الخير كلّه فيه.
٢١ - ﴿يَشۡهَدُهُ﴾ أي: ذلك الكتاب ﴿ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ من الملائكة، أي: يحضره جمعٌ منهم، إجلالاً لهم وتعظيماً لشأنهم.
٢٢ - ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ﴾ أي: المؤمنين الطائعين الصادقين في إيمانهم. جمع بَرٍّ.﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي: هم يوم القيامة في نعيم مقيم، هي الجنّة.
٢٣ - ﴿عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ﴾ أي: على الأسـرّة في الحجـال ﴿يَنظُرُونَ﴾ إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامة والنعيم، أو ينظرون إلى وجه الله الكريم.كما في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه مرفوعا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يُرى أقصاه كما يُرى أدناه، وإن أعلاهم، لمن ينظر إلى الله عزّ وجلّ في اليوم مرتين».أخرجه الترمذي وابن أبي حاتم.
83:24Page 588
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
٢٤ - ﴿تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ﴾ إذا نظرت إليهم ﴿نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ أي: بهجة التنعّم ورونقه وحسنه وغضارته، وبهاءه ونضارته. [و في قراءة:بالبناء للمفعول(تُعرَف في وجوههم نظرة النعيم)].
83:25Page 588
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
٢٥ - ﴿يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ﴾ أي: من خمر طيّبة بيضاء لذيذةٍ، خالصةٍ ممّا يكدّرها حتى من الغوْل الذي في خمر الدنيا ﴿مَّخۡتُومٍ﴾ أوانيه وأكوابُه، أي: له ختام، لا يفكُّ ختمه إلاّ هم.
83:26Page 588
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
٢٦ - ﴿خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ﴾ أي: ختام إنائه المسك بدلَ الطين [وفي قراءة: (خاتمه مسك)] أي: عاقبته، أو آخر الإناء الذي يشربون منه الخمر، هو المسك الأذفر.أو: آخر طعمه ريح المسك، أي أن شاربه يجد في نهاية شربه رائحة المسك.أو هو تمثيل لكمال نفاسته عن أن يداخله شيء يُنقص لذّته، أو يُفسد طعمه، إذ ليس هناك غبار أو ذباب أو خيانة، ليُصان الرحيق عن ذلك بالختم.وفي الحديث عند أحمد عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعاً: «إيّما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم» الحديث.﴿وَفِي ذَٰلِكَ﴾ الرحـيـق النّفـيـس، أو النّعيـم العظيـم ﴿فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ أي: فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون في الخير.و الآية كقوله تعالى:(لمثل هذا فليعمل العاملون)الصافات(٦١) وذلك إنما يكون بالمبادرة إلى الأعمال التي تُقرّب منه تعالى.وأصل التنافس: التغالب في الشيء النّفيس والتنازع فيه، وهو الشيء الذي تحرص عليه النّفوس، ويريده كلّ أحد لنفسه، وينفس به على غيره، أي: يضنّ به.يقال: نَفِس على الشيء – كفَرِح – نفاسة: ضنّ به عليه، ولم يره أهلا له.
٢٧ - ﴿وَمِزَاجُهُۥ﴾ أي: ومزاج ذلك الرّحيق، أي: ما يُمزج به ويخلط ﴿مِن تَسۡنِيمٍ﴾ أي: من شراب في الجنّة منصبّ عليهم من علْو، يقال له: «تسنيم».وهو مصدر سنّمه: إذا رفعه، لأن شرابها أرفع شراب في الجنة، وأشرفُه وأعلاه.
83:28Page 588
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
٢٨ - ﴿عَيۡنٗا﴾ أي: هذا التسنيم من عين في الجنّة.منصوب ب «أمدح» مُقّدرا.﴿يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ أي: منها، أو بتضمين «يشرب» معنى: يلتذّ.
83:29Page 588
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.
٢٩ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ﴾ أي: اكتسبوا المآثم ﴿كَانُواْ﴾ أي: في الدنيا ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ﴾ استهزاءً وسخرية بهم.
83:30Page 588
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠
And when they passed by them, they would exchange derisive glances.
٣٠ - ﴿وَإِذَا مَرُّواْ﴾ أي: المؤمنون ﴿بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي: يشير المجرمون إلى المؤمنين بالأعين استهزاءً وسخرية.والغمز: إرخاء الجفن أو الحاجب استهزاءً.
83:31Page 588
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١
And when they returned to their people, they would return jesting.
٣١ - ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ﴾ أي: رجع المجرمون ﴿إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ﴾ من مجالسهم ﴿ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾ [وفي قراءة: (فاكهين)] أي: رجعوا إلى منازلهم وأهليهم معجبين بما هم فيه من التنعّم بالدنيا، متلذّذين باستخفافهم بالمؤمنين، والطعن فيهم، والسّخرية منهم، والاستهزاء بهم.
83:32Page 588
وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢
And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."
٣٢ - ﴿وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ﴾ أي: رأى المجرمون المؤمنين في الدنيا ﴿قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ﴾ في اتّباعهم محمدا ﷺ وإيمانهم به.
83:33Page 588
وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣
But they had not been sent as guardians over them.
٣٣ - قال تعـالى: ﴿وَمَآ أُرۡسِلُـواْ﴾ أي: المجــرمــون ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: على المؤمــنين ﴿حَٰفِظِينَ﴾ لهــم ولأعمالهم، أي: موكّلين بهم من جهة الله، يحفظون عليهم أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، رقباء عليهم.
83:34Page 588
فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤
So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,
٣٤ - ﴿فَٱلۡيَوۡمَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ﴾ أي: يضحك المؤمنون من الكفّار حين يرونهم أذلاّء مهانين، قد نزل بهم من عذاب الله ما نزل، بعد أن كانوا في الدنيا أعزاء مستكبرين، كما كان الكفّار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، أي: هذا في مقابلة ذلك.
٣٥ - ﴿عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ﴾ في الجنّة، وهي الأسرّة في الحجال ﴿يَنظُرُونَ﴾ من منازلهم إلى الكفّار وهم يعذّبون في النّار، أو: ينظرون إلى الله عزّ وجلّ.
83:36Page 589
هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?
٣٦ - ﴿هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ أي: هل جوزي وكوفئ الكفّار ثواب ما كانوا يفعلون بالمؤمنين في الدنيا من سخريتهم بهم وضحكهم منهم، بضحك المؤمنين منهم في الآخرة؟والاستفهام للتقرير، أي: قد فعلنا ذلك، عدلاً منّا وحكمة.والتثويب والإثابة: المجازاة، يقال: ثوّبه وأثابه: إذا جازاه، وأكثر ما يُستعمل في الخير، على أن المراد: التهكّم بهم. انتهى تفسير سورة المطففين
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences