Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
التغابن
At-Taghabun
The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs
64:1Page 556
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.
١ - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: ينزّهه تعالى عن كلّ عيب ونقص ويمجّده عمّا لا يليق به، ويدلّ عليه، جميع العوالم في السماوات والأرض.وأتى ب «ما» دون «مَنْ» تغليبا للأكثر، والآية كقوله: (وإن من شيء إلا يسبّح بحمده)الإسراء(٤٤).﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾ أي: التصرّف المطلق في كل شيء ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ في الأولى والآخرة على ما له من صفات الكمال والجلال، وعلى جميع ما يخلقه ويشرعه ويقدّره ويُنعم به.﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ إيجاداً وإعداماً، لا يعجزه شيء، فما شاء كان، وما لم يشأ، لم يكن.
64:2Page 556
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢
It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.
٢ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ﴾ أي: أوجدكم من العدم وأنشأكم كما أراد،﴿فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ﴾ أي: فبعض منكم كافرٌ به، وبعض منكم مؤمنٌ به، فالفاء لتفصيل الإجمال في قوله: (خلقكم) كالفاء في قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه)النور(٤٥). أو: هو الذي خلقكم خلقا بديعا، حاويا للكمالات العلمية و العملية، و مع ذلك فمنكم كافرٌ، مختارٌ للكفر، كاسب له، على خلاف ما تقتضيه الفطرة، ومنكم مؤمن، مختار للإيمان، كاسب له، حسبما تقتضيه الفطرة، والكلّ بإذن الله ومشيئته، وقضائه وقدره، وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، وكان الواجب عليكم جميعاً أن تكونوا مختارين للإيمان، شاكرين لله نعمة الخلق والإيجاد، وما يتفرّع عليهما من سائر النّعم، فلم تفعلوا ذلك مع تمام تمكنكم منه، بأن جعل لكم قدرة وإرادة ومشيئة، بل تفرّقتم شيعاً ! فالفاء هنا للترتيب لا للتفصيل، كالفاء في قوله تعالى: (وجعلنا في ذرّيتهما النبوّة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون)الحديد(٢٦).﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بمن يستحق الهداية ممّن يستحقّ الضلال.
64:3Page 556
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.
٣ - ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: مقترناً بالحكمة البالغة والعدل. وقيل: خلق ذلك لإظهار الحقّ: وهو أن يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ﴾ أي: أتقنها وأحكمها في أكمل صورة، وأحسن تقويم، وأجمل شكل.كقوله: (الذي خلقك فسوّاك فعدّلك)الإنفطار(٧)، وقوله: (وصوّركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات)غافر(٦٤) وقوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)التين(٤).والتصوير: التخطيط والتشكيل.﴿وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآل يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم.
64:4Page 556
يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤
He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
٤ - ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ لا تخفى عليه من ذلك خافية.﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾ أي: ما تخفون وما تظهرون، من أقوال وأفعال.﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من الأسرار والخبايا، والضمائر والنوايا.
64:5Page 556
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥
Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
٥ - ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ﴾ يا أهل مكة ﴿نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ﴾ أي: خبر كفّار الأمم الماضية من قبلكم، كقوم نوح وعاد وثمود، أي: قد جاءكم الخبر عنهم في القرآن، وكيف دعتهم رسلهم إلى توحيد الله، وعبادته، وترك ما اتّخذوهم أرباباً من دونه، وكيف آل أمر المكذبين إلى الهلاك، وأمر الرسل والمؤمنين بهم إلى النجاة؟والاستفهام للتوبيخ أو للتقرير والتعجّب من أمرهم.﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ﴾ أي: سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، من العقوبة والنّكال ﴿وَلَهُمۡ﴾ أي: في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم، هو عذاب النار. والوبال: الثقل والشدّة المترتّبة على أمر من الأمور.
64:6Page 556
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦
That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.
٦ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: عذاب الدنيا، أو العذاب في الدارين ﴿بِأَنَّهُۥ﴾ أي: بسبب أنه ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالحجج الظاهرات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات على الإيمان وصحّة ما جاءوهم به، ﴿فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا﴾ أي: منكرين أن تكون الرسل من جنس البشر، متعجّبين من ذلك، مستبعدين له،﴿فَكَفَرُواْ﴾ بالرسل ﴿وَتَوَلَّواْۖ﴾ أي: وأعرضوا عن الإيمان بهم، وبما جاءوا به.﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُ﴾ عنهم وعن إيمانهم وعبادتهم، حيث أهلكهم وقطع دابرهم ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه وعن عبادتهم ﴿حَمِيدٞ﴾ في أوصافه وأقواله وأفعاله، محمود من جميع مخلوقاته بلسان المقال والحال.
64:7Page 556
زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧
Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."
٧ - ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: أنهم ﴿لَّن يُبۡعَثُواْۚ﴾ أي: من قبورهم أحياءً بعد مماتهم ﴿قُلۡ﴾ يا محمد: ﴿بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ﴾ أي: لتخرجـنّ من قبـوركم أحياءً ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ﴾ في الدنيا، أي: لتخبرُنّ بجميع أعمالكم، إقامة للحجّة عليكم، ثم تجزون به ﴿وَذَٰلِكَ﴾ أي: البعث والجزاء ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ أي: هيّن سهل غير عسير.والزّعم: ادّعاء العلم، وأكثر ما يكون في الباطل.وهذه هي الآية الثالثة التي أُمر فيها رسول الله ﷺ أن يُقسم بربه على وقوع المعاد: فالأولى: في يونس: (قل إي وربّي إنه لحقّ).والثانية: في سبأ: (وقال الذين كفروا لا تأتينـا الساعـة قل بلى وربي لتأتينّكم).والثالثة: هذه الآية: (زعم الذيـن كفـروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن).
64:8Page 556
فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨
So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.
٨ - ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ محمد ﷺ فيما يخبركم به من البعث والجزاء وغيره، أي: إن كان الأمر كذلك من البعث والمعاد والجزاء، فآمنوا بالله ورسوله ﴿وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾ هو القرآن، فإنه بإعجازه بيّن بنفسه، مبيّن لغيره، كما أن النور كذلك.﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ فلا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، وهو مجازيكم بها.
64:9Page 556
يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
٩ - ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ﴾ - بالياء و النون -أي: اذكر يوم يجمعكم الله ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ﴾ أي: في اليوم الذي يجتمع فيه الأوّلون والآخرون للحساب والجزاء، وهو يوم القيامة.﴿ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ﴾ أي: يومٌ يغبن فيه بعض الناس بعضاً، بنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها في الجنّة، لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها من النار، لو كانوا أشقياء.مستعار من تغابن القوم في التجارة: إذا غَبن بعضهم بعضاً فيها، يقال: غبنتُ فلاناً: إذا بايعته أو شاريته، فكان النّقص عليه.وفيه تهكّم بالأشقياء، لأنهم بنزولهم منازلهم من النّار، لا يغبنون السعداء، فلا غَبْن أعظم من غَبْن أهل الجنّة أهل النار، لأن أهل النار استبدلوا النعيم بالعذاب، وأهل الجنة على العكس من ذلك، والمغبون من غبن وخسر أهله ومنازله في الجنّة!وقيل: سمّي يوم التغابن: لأنه يظهر فيه غَبْن الكافر بتركه الإيمان، وغَبْن المؤمن بتقصيره في الإحسان.والأوّل أوْلى.﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ﴾ أي: يمحها عنه ﴿وَيُدۡخِلۡهُ﴾ [وفي قراءة: (نكفّـر عنـه سيئاتـه و ندخلـه) بالنون في الفعليـن] ﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ﴾ فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطـر على قلب بشر ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: تكفير السيئات وإدخـال الجنّات، هو ﴿ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ أي: الظفر الذي لا يساويه ظفر ولا يدانيه.
64:10Page 557
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠
But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.
١٠ -﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ أي: القرآن ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ﴾ أي: ماكثين فيها أبداً ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآل هي.
64:11Page 557
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١
No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.
١١ - ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ أي: رزيّة مما يسوء العبد في نفس، أو مال، أو ولد، أو قول، أو فعل ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ أي: بأمره تعالى وعلمه،وقضائه وقدره، وإرادته ومشيئته.﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ فيعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما قدّره الله و قضاه ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾ أي: يوفقه للصّبر عند المصيبة، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضائه وقدره.أو: لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هذا في مقام المصيبة.أما فيما يتعلّق بالآية من حيث العموم اللفظي: فإن من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه، وصدّق إيمانه بالعمل الصالح، يهد الله قلبه في أقواله، وأفعاله، وجميع أحواله، وفي علمه وعمله، وفي ثبات قلبه وصبره ويقينه عند ورود كلّ فتنة.وفي الصحيحين: «عجباً لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء، إلاّ كان خيراً له، إن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سرّاءُ شكر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن».﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ لا تخفى عليه من ذلك خافية.
64:12Page 557
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢
And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.
١٢ - ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾ أي: في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ﴾ أي: أعرضتم عن طاعة الله وطاعة رسوله، ونكلتم عن العمل بشرعه.﴿فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: البيّن، أي: عليه ما حُمّل من البلاغ، وقد فعل، وعليكم ما حُمّلتم من السمع والطاعة.
64:13Page 557
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣
Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.
١٣ - ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ ﴾ أي: لا معبود بحقّ سوى الله، فوحّدوا له الإلهية والعبوديّة، وأخلصوها لديه، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: ليفوّضوا أمورهم إليه، ويعتمدوا عليه، لا على غيره، و يثقوا به.
64:14Page 557
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
١٤ - سبب نزول الآية: أخرج الترمذي والحاكم وصحّحاه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم فاحذروهم) في قوم من أهل مكّة أسلموا، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدّين، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا) الآية.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ﴾ يحولون بينكم وبين الطاعات، ويشغلونكم عن الخير، كالجهاد والهجرة، وقد يحملونكم على السّعي في اكتساب الحرام، وارتكاب الآثام، وذلك لفرط محبّتكم إيّاهم، وشدّة التعلّق بهم.﴿فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ﴾ ولا تأمنوا غوائلهم أن تطيعوهم في التخلّف عن الخير، أو تؤثروا حبكم لهم وشفقتكم عليهم على طاعة الله، ولا يحملكم ما ترغبونه لهم من الخير على أن تكسبوا لهم شيئاً بمعصية الله.ولمّا كان النّهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما هو ضرر محض على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالعفو عنهم والصّفح لهم، فقال:﴿وَإِن تَعۡفُواْ﴾ عمّا يقبل العفو من ذنوبهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير، بترك عقابهم ﴿وَتَصۡفَحُواْ﴾ بترك التثريب عليهم، والتعيير لهم ﴿وَتَغۡفِرُواْ﴾ أي: تستروا عيوبهم وتمهّدوا لهم الاعتذار﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ لكم ولهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بكم وبهم، وإنّ الجزاء من جنس العمل.
64:15Page 557
إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥
Your wealth and your children are but a trial, and Allāh has with Him a great reward.
١٥ - ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ أي: بلاء واختبار ومحنة، قد يحملونكم على كسب الحرام، وارتكاب الآثام، ومنع حقّ الله تعالى، وقد يشغلونكم عن أمور الآخرة، فلا تطيعوهم في معصية الله.﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ﴾ أي: يوم القيامة ﴿أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ لمن آثر طاعة الله، وترْك معصيته، على محبّة ماله وولده.وفي الحديث عند البزّار: «الولد ثمرة القلوب، وإنّهم مجبنة مبخلة محزنة».وروى أحمد وأهل السنن عن بريدة: أن رسول الله ﷺ كان يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: «صدق الله ورسوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما».
64:16Page 557
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦
So fear Allāh as much as you are able and listen and obey and spend [in the way of Allāh]; it is better for your selves. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
١٦ - ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ أي: ابذلوا في تقواه – والتي هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه - جهدكم وطاقتكم، وما بلغه وسعكم، كما ثبت في الصحيحين: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». فقيّد التقوى هنا بالاستطاعة والقدرة، وفيه دليل: على أن كل واجب عجز عند العبد، يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض الأمور، وعجز عن بعضها، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه.أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية: (اتقوا الله حقّ تقاته) اشتدّ على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرّحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (فاتقوا الله ما استطعتم) تخفيفاً على المسلمين.﴿وَٱسۡمَعُواْ﴾ مـا تؤمـرون بـه، سمـاع قبول وانقيـاد ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ الله ورسوله في جميع أموركم، ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ من النفقات الواجبة والمستحـبّة في سبيـل الله، يكـن ﴿خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ﴾ في الدنيا والآخرة.وقيل: أنفقوا مالاً لأنفسكم تستنقذوها به من عذاب الله.﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ﴾ أي: يُكْف بخلها الشديد مع حرصها، أي: من يكفه الله ويقه شُحّ نفسه بُخلاً وحرصاً، فيفعل في ماله جميع ما أمر الله به، طيّبة نفسه بذلك ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب.والشحّ: البخل الشديد مع الحرص.
64:17Page 557
إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧
If you loan Allāh a goodly loan, He will multiply it for you and forgive you. And Allāh is [most] Appreciative1 and Forbearing,2
١٧ - ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ بأن تنفقوا أموالكم في سبيل الله احتساباً بها الأجر والثواب، بطيبة نفس، وإخلاص نيّة، بلا منّ ولا أذى. ونزّل ذلك منزلة القرض له، كما ثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول: «من يقرض غير ظلوم ولا عديم».﴿يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ﴾ [وفي قراءة: (يُضعِّفه لكم) بالتشديد] أي: أضعافاً كثيرة، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلاّ الله.﴿وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ﴾ ذنوبكم، ويكفّر عنكم سيئاتكم بالصّفح عنها ﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ﴾ أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، بحسن الجزاء ومضاعفة الثواب لهم، يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجزي عليه الكثير من الأجر.﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، بل يمهل طويلاً، ليتذكّر العبد الإحسان مع العصيان، فيتوب.
64:18Page 557
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Wise.
١٨ - ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: السّر والعلن، أو ما غاب وما حضر، أو غاب عن البصر والإدراك وشوهد ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ أي: الغالب على أمره، الشديد في انتقامه ممّن عصاه، القاهر في ملكه وسلطانه ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في صنعه وتدبير خلقه، وفي أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، يضع الأمور مواضعها، ويُنزلها منازلها، تبارك وتعالى.انتهى تفسير سورة التغابن
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences