Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
البروج
Al-Buruj
The Mansions of the Stars · Meccan · 22 ayahs
١ - ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ﴾ قسم من الله تبارك وتعالى بالسماء ذات المنازل والطرق الاثنى عشر التي تسير فيها الكواكب. أو: هي منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجاً كذلك، تسير الشمس في كل واحد منها شهراً، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ويستسرّ ليلتين.جمع بُرْج، وهو القصر العالي.شُبّهت بالقصور لنزول الشمس والقمر والكواكب بها، كما ينزل الأكابر و الأشراف بالقصور.
٢ - ﴿وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ﴾ هو يوم القيامة، الذي وعد الله به الخلق للحساب والجزاء وفصل القضاء بينهم.
٣ - ﴿وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ﴾ أي: من يَحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين،وما يُحضر فيه من الأهوال والشدائد والعجائب.من الشهادة بمعنى: الحضور.أو: من يَشهد في ذلك اليوم على غيره، ومن يُشهد عليه فيه، من الشهادة على الخصم أو له. أي: وأقسم بكل شاهد على غيره في ذلك اليوم وبكلّ مشهود عليه فيه، ويشمل الرّسل والأمم.وقيل: الشاهد: يوم الجمعة، يشهد على كلّ عامل بما عمل فيه.والمشهود: يوم عرفة، تشهده الناس وتحضره الملائكة.وقد أقسم الله تعالى في هذه الآيات الثلاث، الدالة على قدرته وعظيم سلطانه، بالسماء ذات البروج لما فيها من الدلالة على القدرة، وبيوم القيامة وما فيه من شاهد ومشهود، تعظيماً له، وإرهاباً لمنكريه.وجواب القسم قوله:
85:4Page 590
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
Destroyed [i.e., cursed] were the companions of the trench1
٤ - ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ﴾ بتقدير اللاّم و«قد»، أي: لقد قُتلوا، أي: لُعنوا أشدّ اللّعن. والجملة خبريّة. وقيل: هي دعاء عليهم بالإبعاد والطرد من رحمة الله تعالى.وجواب القسم محذوف لدلالتها عليه، كأنه قيل: أُقسم بهذه الأشياء المذكورة إن كفّار مكة لملعونون، كما لُعن أصحاب الأخدود.والأخدود: الخَدّ، وهو الشقّ العظيم المستطيل في الأرض، كالخندق، وجمعه: أخاديد.وأصحاب الأخدود: قوم كافرون ذوو بأس وشدّة، وهم أحد ملوك الكفّار وجنده، نقموا على المؤمنين إيمانهم بالله، فقهروهم، وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوْا عليهم، فنكّلوا بهم، وحفروا لهم أخدوداً في الأرض، وأسعروا النّار فيه، ثم أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فألقوهم في النّار، لإبائهم الارتداد إلى الكفر.والقصّة مطوّلة رواها الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والنسائي بنحوه.
٥ - ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ﴾ بدل اشتمال من الأخدود، أي: النّارُ فيه ذاتُ الوقود، أي: ما توقد به من الحطب الجزْل. فالوَقود –بالفتح-: الحطب الجزل الموقد به، وأمّا الوُقود – بالضمّ -: فهو الإيقاد.
٦ - ﴿إِذۡ هُمۡ﴾ أي: أصحاب الأخدود ﴿عَلَيۡهَا قُعُودٞ﴾ أي: لُعنوا حين أحدقوا بالنّار قاعدين حولها، مشرفين عليها من حافات الأخدود، يقذفون فيها المؤمنين.
85:7Page 590
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
And they, to what they were doing against the believers, were witnesses. 1
٧ - ﴿وَهُمۡ﴾ أي: الملك وجنده الذين خدّوا الأخدود ﴿عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ من عرضهم على النّـار أو طـرحـهـم فيـها، ليرجعـوا عن دينهـم ﴿شُهُودٞ﴾ أي: حضور، يشهدون تعذيبهم هذا العذاب المهلك، بإلقائهم في النار إن لم يرجعوا عن دينهم.
85:8Page 590
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,
٨ - ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ﴾ أي: ما عاب أصحاب الأخدود على المؤمنين، أو ما أنكروا عليهم، أو ما كرهوا منهم ﴿إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ﴾ في ملكه، الغالب على أمره ﴿ٱلۡحَمِيدِ﴾ أي: المحمود في كلّ حال، في جميع أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.أي: ما فعلوا بهم ذلك إلاّ من أجل أنهم آمنوا بالله وحده.يقال: نَقَم الأمْرَ – من باب: ضَرَب - كَرِهَهُ. وفي لُغة: كفَهِم.
85:9Page 590
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1
٩ -﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ خلقاً وعبيداً يتصرّف فيهم بما شاء كيف شاء ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد علماً وسمعاً وبصراً، لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية.ومن كان هذا شأنه، فهو حقيق بأن يُؤمن به ويوحّد و يُعبد.
85:10Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠
Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.
١٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ أي: محنوهم في دينهم وبَلَوْهم بالأذى والتعذيب بالنّار، ليرتدّوا عن الإيمان بالله.والفتْن: إدخال الذهب في النار لاختبار جودته.والمراد: عذّبوهم أو أحرقوهم.﴿ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ﴾ من فتنتهم و كفرهم ﴿فَلَهُمۡ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ بسبب كفرهم وفتنتهم المؤمنين عن دينهم.﴿وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ أي: ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، وهو عذاب الحريق، بسبب الحرق الذي وقع منهم للمؤمنين. أي: لهم عذابان منوّعان على الكفر وعلى الفتنة، فهو من عطف الخاصّ على العامّ. أو هما عذاب واحد والثاني بيان للأول. وقيل: إن عذاب الحريق كان لهم في الدنيا، بأن أخرج الله لهم النّار من الأخدود، فأحرقهم بها – كما في رواية ابن أبي حاتم عن الرّبيع بن أنس -.
85:11Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.
١١ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ ومنهم الذين صبروا على نار الأخدود، وثبتوا على دينهم، ولم يرتدّوا عنه ﴿لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ﴾ بسبب الإيمان والعمل الصالح ﴿ذَٰلِكَ﴾ الذي لهم، هو ﴿ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ﴾ الذي لا يقاربه فوز ولا يُدانيه.
85:12Page 590
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢
Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.
١٢ - ﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ﴾ أي: أخذه للجبابرة والظلمة بالعذاب والانتقام ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أي: لأليم عنيف. والبطش: الأخذ بقوّة وعنف.
85:13Page 590
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣
Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.
١٣ - ﴿إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ﴾: أي: يُبدئ البطش بالكفار في الدنيا، ثم يُعيده عليهم في الآخرة، فبطشه بهم شديد. أو: هو يُبدئ الخلق في الدنيا،ويعيده كما بدأه في الآخرة بعد الموت بقدرته.
١٤ - ﴿وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ﴾ لمن تاب وأناب وآمن ﴿ٱلۡوَدُودُ﴾ أي: كثير المحبّة لمن أطاعه وأخلص له، المتودّد إلى أوليائه بالكرامة.وفي اقتران «الودود» ب «الغفور» دلالة على أن أهل الذنوب، إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبّهم، كما قال تعالى:(يحبّهم ويحبّونه)المائدة(٥٤).
١٥ - ﴿ذُو ٱلۡعَرۡشِ﴾ أي: صاحب العرش، خالقه أو مالكه ﴿ٱلۡمَجِيدُ﴾ – بالرفع، صفة لله تعالى – أي: العظيم الجليل المتعالي في ذاته وصفاته.[وفي قراءة: بالجرّ (المجيدِ) صفة للعرش] أي: صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته أنه وسع السموات والأرض والكرسيّ، فهي بالنسبة إلى عرش الرحمن، كحلقة ملقاة في أرض فلاة.والعرش: أعظم المخلوقات على الإطلاق. والمجد: النهاية في الكرم والفضل وسعة الأوصاف وعظمتها.
١٦ - ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ لا يتخلّف عن إرادته تعالى مُرادٌ من أفعاله وأفعال غيره، فلا يعجزه شيء.
١٧ - ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ﴾ يا محمد ﴿حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ﴾ أي: خبر الجموع القوية الطاغية من الأمم الخالية، الذين عُرفوا بالشدّة وقوّة البأس، وتجنّدوا على أنبيائهم، وكفروا بهم، واجتمعوا على أذاهم.
١٨ - ﴿فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ﴾ بدلٌ من الجنود. أي: قد أتاك حديثهم وعرفته، وعرفت وبال أمرهم، فذكّر قومك بشئونه تعالى، وأنذرهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم.
85:19Page 590
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩
But they who disbelieve are in [persistent] denial,
١٩ - ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: من قومك، أو من مشركي العرب ﴿فِي تَكۡذِيبٖ﴾ شديد لك، ولما جئت به، لاستقرارهم على التكذيب عناداً، فلم يعتبروا بمن كان قبلهم من الأمم الكافرة، فحالهم أعجب من سابقيهم.
٢٠ - ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ﴾ علماً وقُدرة، فهو محيط بأعمالهم، محصٍ لها، ومجازيهم عليها، قادر عليهم، قاهر لهم، وهم في قبضته وسلطانه لا يفوتونه ولا يعجزونه، كقوله: (إن ربّك لبالمرصاد )الفحر(١٤).
٢١ - ﴿بَلۡ هُوَ﴾ أي: الذي كذّبوا به ﴿قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ﴾ أي: عظيم كريم، متناهٍ في الشرف والرفعة، والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر.
٢٢ - ﴿فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ﴾[وفي قراءة بالرفع (محفوظٌ)] أي: مكتوب في لوح محفوظ عند الله من الزيادة فيه والنقص منه، والتغيير والتبديل، ووصول الشياطين إليه، وهو أمّ الكتاب الذي أثبت الله فيه كلّ شيء.وفيه دلالة على جلالة القرآن ورفعة قدره عند الله تعالى. روى الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درّة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويُميت ويُحيي، ويعزّ ويذلّ، ويفعل ما يشاء».انتهى تفسير سورة البروج
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences