Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
الأعلى
Al-A'la
The Most High · Meccan · 19 ayahs
١ - ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ أي: نزّه ومجّد أسماءه تعالى عن كلّ مالا يليق بها، فلا تُلحد فيها بالتأويلات الزائغة، ولا تطلقها على غيره بوجه يُشعر بتشاركهما فيه، ولا تُسمّ بها غيره، إذا كانت مختصّة به تعالى، كلفظ الجلالة والرحمن، ولا تذكرها في موضع لا يليق بها، أو على وجه ينافي التعظيم والإجلال.أو: نزّه ربك عمّا لا يليق بجلاله وكماله، ومجّده في ذاته وصفاته، وأفعاله وأحكامه وأسمائه، وعمّا يصفه به الملحدون.أو: قل: سبحان ربّي الأعلى، منزّهاً له تعالى عن كلّ مالا يليق به.ولمّا نزلت، قال النبي ﷺ: «اجعلوها في سجودكم». والأعلى: صفة ل (ربّك) وهو الأرفع من كل شيء.وقد أخرج أحمد وأبو داود عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: (سبّح اسم ربك الأعلى) قال: «سبحان ربي الأعلى».
٢ - ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ أي: خلق الأشياء كلّها وأوجدها بقدرته، فجعلها سواءً في الإحكام والإتقان، حسبما اقتضته حكمته، كقوله: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)الملك(٣). أو: خلق الخليقة فسوّاها في أحسن الهيئات وأتقنها، وأحكم خلقها وعدّله.
٣ - ﴿وَٱلَّذِي قَدَّرَ﴾ [و في قراءة: بالتخفيف (قَدَرَ)] مقادير الخلائق ﴿فَهَدَىٰ﴾ إلى ما قدّره من خير أو شرّ، ويسّره له.أو: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في أجناسها، وأنواعها، وأفرادها، وصفاتها، وأفعالها، وآجالها، فهدى ووجّه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغي له طبعاً واختياراً، ويسّره لما خُلق له، بخلق الميول والإلهامات، ونصب الدلائل، وإنزال الآيات.وهذه هي الهداية العامّة، وأنه هدى كلّ مخلوق لمصلحته ولما يسّره له، كقوله تعالى:(قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)طه(٥٠). وفي الحديث عند مسلم عن عبدالله ابن عمرو، مرفوعا: «إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».
٤ - ﴿وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ﴾ أي: أنبت العشب وما ترعاه الدوابّ من النبات أخضر غضّا رطباً.
٥ - ﴿فَجَعَلَهُۥ﴾ أي: المرعى بعد ذلك، أي: بعد أن كان أخضر غضّا طريّاً نضراً ﴿غُثَآءً﴾ أي: يابساً جافاً هشيماً ﴿أَحۡوَىٰ﴾ أي: أسود من القِدم والعِتْق، متغيّرا إلى الحوّة.وأصل الغثاء: الهالك البالي من ورق الشجر، ومنه: غثاء السيل.و أحوى: من الحُوّة: وهي سواد إلى الخضرة، أو حمرة تضرب إلى السّواد، وُصف به الغُثاء، لأنه إذا قَدُم وأصابته المياه، اسودّ وتعفّن، فصار أحوى.
87:6Page 591
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
We will make you recite, [O Muḥammad], and you will not forget,
٦ -﴿سَنُقۡرِئُكَ﴾ يا محمد القرآن على لسان جبريل ﴿فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ أي: فتحفظـه و لا تنساه في وقـت من الأوقات.
87:7Page 591
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.
٧ - ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ﴾ أي: إلاّ وقت مشيئة الله أن تنساه كلّه، لكنه سبحانه وتعالى لا يشاء ذلك، بدلالة قوله: (لا تحرّك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه)القيامة(١٧)وقوله: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون)الحجر(٩).والمقصود من هذا الاستثناء: بيان أنه تعالى لو أراد أن يُصيّره ناسياً للقرآن، لقدر عليه، كما قال تعالى: (ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك)الإسراء(٨٦) إذ هو على كلّ شيء قدير، ولكن لم يشأ ذلك فضلاً منه وإحساناً.أو يكون المعنى: فلا تنسى ممّا سنُقرئك منه شيئاً، إلاّ ما شاء الله أن تنساه ؛ فيذهب به عن حفظك، برفع حكمه ونسخ تلاوته.﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى ﴿يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ﴾ من القول والفعل، أي: العلانية منهما ﴿وَمَا يَخۡفَىٰ﴾ منهما، أي: الإسرار بهما، فلا تخفى عليه من ذلك خافية.
٨ - ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ﴾ أي: نوفّقك توفيقاً مستمراً للطريقة اليسرى في الدّين والدنيا، وفي كلّ أمر من أمورهما التي تتوجّه إليك: علما وعملاً، واهتداء وهداية، ومن ذلك تيسير تلقّي الوحي، والإحاطة بما فيه، ممّا يتعلّق بتكميل نفسه وتكميل غيره.وقيل: اليُسرى: هي الأمور الحسنة في الدين والدنيا والآخرة. أو: نشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لا حرج فيه ولا عسر.
٩ - ﴿فَذَكِّرۡ﴾ أي: عظ بالقرآن ﴿إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ﴾ أي: حيث تنفع التذكرة والموعظة.أي: فذكّر الناس وعظهم – حسبما يسّرناك له – بما يوحى إليك، واهدهم إلى ما فيه خيرهم، في دينهم ودنياهم، وحذّرهم من متابعة أهوائهم. ثم بعد أن بلّغت الناس عامّةً وذكَّرتهم، وبالغت في ذلك، خُصّ بالتذكير منهم من يُرجى منه التذكّر والاتعاظ، ولا تتعب نفسك في تذكير من لا يورثه التذكير إلاّ عتوّا ونفوراً وإصراراً على المعصية، واتباعاً لهواه.وهو كقوله: (فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد)ق(٤٥) وقوله: (فأعرض عمّن تولى عن ذكرنا)النجم(٢٩) أي: بعد أن ذكّرت وبلّغت، كرّر التذكير لمن يخاف الوعيد، ولا تكرّره لمن أعرض عن الذكر واتّبع هواه. ثم بيّن تعالى أن الناس ينقسمون في الذكرى إلى قسمين، فقال:
١٠ - ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ﴾ أي: سينتفع بالذكرى ويتّعظ بالموعظة منك يا محمد، من يخشى الله تعالى ويخاف عذابه، وهم المؤمنون المنتفعون بالذكرى.
١١ - ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ أي: الذكرى، أي: يتركها جانباً فلا يلتفت إليها، ويتحاماها، فلا ينتفع بها ﴿ٱلۡأَشۡقَى﴾ من الكفار، أي: الكافر الشقيّ المصرّ على العناد، وإنكار المعاد، الذي خلا قلبه من خشية الله، فكان أشقى الناس!
87:12Page 591
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢
[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,
١٢ -﴿ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ أي: يدخلها، أو يقاسي حرّها وعذابها، وهي نار الآخرة. والصّغرى: نار الدنيا.
١٣ - ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح بالموت ممّا هو فيه من العذاب ﴿وَلَا يَحۡيَىٰ﴾ فيها حياة طيّبة، ينتفع بها.وفي الحديث عند أحمد ومسلم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» الحديث.والآية كقوله: (لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها)فاطر(٣٦) وقوله: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون)الزخرف(٧٧).
١٤ - ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ﴾ أي: فاز بالمطلوب، وظفر بالمقصود، وأدرك البغية، ونجا من المكروه والمكروب.﴿مَن تَزَكَّىٰ﴾ أي: من تطهّر بالإيمان من الشرك والمعاصي، واتّعظ بالذكرى وانتفع بالموعظة. وقيل: من زكّى ماله.
١٥ - ﴿وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ﴾ أي: ذكر ربّه بقلبه ولسانه. أو: كبّر لافتتاح الصلاة ﴿فَصَلَّىٰ﴾ الصلوات الخمس، أو هي وما تيسّر له من النوافل.أخرج الحافظ البزّار عن جابر بن عبد الله، يرفعه: (قد أفلح من تزكّى) قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أنّي رسول الله». (وذكر اسم ربه فصلّى) قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها، والاهتمام بها».
١٦ - ﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ﴾ – بالتاء والياء، قراءتان – أيها الكفّار ﴿ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: وترضون بها،وتعرضون عن الآخرة إعراضاً كلّيا.والالتفات عن الغيبة فيه: لتشديد التوبيخ.وقيل: الخطاب في الآية للناس عامّة، أي: بل تؤثرون أيها الناس الحياة الدنيا على الآخرة. فإيثارهم الدنيا: ترجيحهم إياها على الآخرة في السعي والعمل وترتيب المبادئ.والالتفات فيه: لتشديد التوبيخ في حقّ الكفّار منهم، وتشديد العتاب في حقّ المؤمنين.
١٧ - ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ﴾ المشتملة على الجنّة ﴿خَيۡرٞ﴾ من الدنيا ﴿وَأَبۡقَىٰٓ﴾ أي: وأدوم، فإن الدنيا دانية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويعمل لدار الزوال والفناء، ويترك العمل لدار الخلد والبقاء؟وفي الحديث عند أحمد عن عائشة، مرفوعاً: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».وعنده أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري، مرفوعاً: «من أحب دنياه، أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته، أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى».
١٨ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ أي: المذكور من قوله تعالى: (قد أفلح من تزكّى) إلى قوله: (والآخرة خير وأبقى).﴿لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي: لثابت معناه في الصّحف الأولى، المنزّلة قبل القرآن، و يبدُلُ منه:
١٩ - ﴿صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ أي: صحف إبراهيم وتوراة موسى عليهما الصّلاة والسلام. انتهى تفسير سورة الأعلى
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences