Al-Jami' al-WajizAl‑Insan · 76:1–31

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الانسان

Al-Insan

The Man · Medinan · 31 ayahs

76:1Page 578

هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١

Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?

١ - ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ﴾ أي: قد أتى على نوع الإنسان و جنسه، والمراد: بنو آدم ﴿حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ﴾ أي: طائفة محدودة من الزمان الممتدّ غير المحدود.والدّهر: يطلق على كل زمان طويل غير معيّن، وعلى مدّة العالم كله.﴿لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ بالإنسانية في ذلك الحين، بل كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. أو: بل كان شيئاً منسياً.فالمراد بالإنسان: الجنس، وبالحين: مدّة الحمل.ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، فيكون المعنى: (هل أتى على الإنسان) أي: قد أتى على أصله، وهو آدم عليه السلام، (حين من الدهر) قيل: أربعون سنة قبل أن يُنفخ فيه الروح، حيث خُلق من طين، ثم من حمأ مسنون، ثم من صلصال (لم يكن) فيه (شيئاً مذكوراً) بل كان جسداً مصوّراً، من تراب وطين، لا يُذكر ولا يُعرف، ثم نُفخ فيه الروح، فصار معروفاً مذكوراً.وقيل: المعنى: قد مضت أزمنة قبل آدم، وما كان آدم شيئاً، ولا مخلوقاً، ولا مذكورا لأحد من الخليقة.و «هل» بمعنى: قد، لتحقيق ثبوت ما بعدها. أو استفهام للتقرير.

76:2Page 578

إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢

Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.

٢ - ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي: جنسه أو نوعه ﴿مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ﴾ أي: أخلاط ممتزجة متباينة الصّفات، بمعنى: مختلطٍ ممتزجٍ من ماء الرّجل وبييضة المرأة. أو: من عناصر شتّى يُخلق الإنسان منها،وطباع مختلفة.يقال: مَشج بينهما – من باب: ضرب -: خلط ومزج، وهو جمع مَشَج – كسَبَب – أو مَشِج – ككَتِف – أو مشيج – كنصير -. يقال: مشجت هذا بهذا: إذا خلطته به.وقيل: (من نطفة أمشاج) أي: من منيّ مختلط ببييضة المرأة، ممتزجٍ أحدهما بالآخر. ف «نطفة أمشاج» أي: مختلطة.وأمشاج: مفرد جاء على أفعال، كأعشار، في قولهم: بُرْمة أعشار، أي: متكسّرة.﴿نَّبۡتَلِيهِ﴾ أي: نختبره، أو مبتلين مختبرين له و نحن أعلم به، أي: خلقناه مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف الشرعية حتى يتأهل لذلك. والجملة مستأنفة، أو حال مقدّرة، كقوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)الملك(٢).﴿فَجَعَلۡنَٰهُ﴾ بسبب ذلك الابتلاء والاختبار ﴿سَمِيعَۢا بَصِيرًا﴾ أي: ذا سمع يسمع به، وذا بصر يُبصر به ليتمكن من الاستماع للآيات التنزيليّة، والنظر في الآيات التكوينية. أي: ركبنا فيه الحواسّ ليعظم إدراكه، فيمكن ابتلاؤه واختباره.

76:3Page 578

إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣

Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.

٣ - ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: بيّنا له الطريق الموصل إلى البغية، ووضحناه له، ودللناه عليه، وعرّفناه به، وبصّرناه إيّاه، بإنزال الكتب، وإرسال الرّسل، ونصب الدلائل.﴿إِمَّا شَاكِرٗا﴾ أي: مؤمناً ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالان من مفعول (هديناه)، أي: بيّناه له أو دللناه عليه في حال شكره أو كفره المقدّرة.أو: بيّنا له طريق الهداية والإسلام، ودللناه عليه، فمنهم مهتد مؤمن، ومنهم ضالّ كافر.أو: بيّنا له طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ، وعرّفناه منافعه ومضارّه، التي يهتدي إليها بطبعه، وكمال عقله، فهو في ذلك إمّا شقي وإمّا سعيد. كما في الصحيح عند مسلم من حديث أبي مالك الأشعري: «كلّ الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها، أو معتقها».وقد تقدّم في سورة الروم من رواية جابر بن عبد الله عند أحمد، قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، إمّا شاكراً وإمّا كفوراً».أو: ليتميّز شكره من كفره وطاعته من معصيته.كما عند أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺقال: «ما من خارج يخرج، إلاّ ببابه رايتان: راية بيد مَلَك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحبّ الله، اتبعه المَلَك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله، اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته».وقوله: (إمّا): للتفصيل، باعتبار تعدّد الأحوال، مع اتحاد الذّات. أو للتقسيم للمهديِّ باختلاف الذّوات والصّفات.

76:4Page 578

إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤

Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.

٤ - ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا﴾ أي: أعددنا وهيّأنا، أو أرصدنا ﴿لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ﴾ بها يُقادون ويُسحبون في النّار [و في قراءة (سلاسلاً)] ﴿وَأَغۡلَٰلٗا﴾ تجمع أيديهم إلى أعناقهم، بها يُقيّدون ﴿وَسَعِيرًا﴾ أي: ناراً مستعرة شديدة الوقود، بها يُحرقون ويعذّبون. كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ٧١ في الحميم ثم في النار يُسجرون ٧٢)غافر(٧١ -٧٢).

76:5Page 578

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥

Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1

٥ - ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ﴾ وهم أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدّون حقّ الله.جمع بَرٍّ. والبرُّ: المطيع المتوسّع في فعل الخير. أو جمع بارّ. أي: المطيعون.﴿يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ﴾ أي: من خمر- تسميةً للحال باسم المحلّ - أو: من إناء فيه خمر. وإطلاق الكأس على الثاني حقيقة، وعلى الأوّل مجاز، وهو المراد هاهنا، لقوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: الخمر، أي: ما تُمزج وتُخلط به الخمر ﴿كَافُورًا﴾ وهو طيب معروف فيه بياض وبرودة، وله رائحة طيّبة.والكافور لا يُمزج بالإناء، وإنما يُمزج بالخمر التي فيه. والمزاج: ما يُمزج به و يُخلط.والمراد: كان مزاجها ماءً يشبه الكافور في أوصافه.أو أنه تعالى جعل في خمر الجنّة الأوصاف المحمودة في الكافور، وعبّر عن ذلك بالمزاج على سبيل التجوّز. أو أن الكافور يخالطها وتُمزج به الخمر حقيقةً، ليكمل ريحها وطعمها ويطيب.وعن ابن عباس: كلّ ما ذُكر في القرآن ممّا في الجنّة وسماه الله، ليس له في الدنيا شبيه إلاّ في الاسم.قال العلامة حسنين مخلوف في «تفسيره»: فالكافور، والزنجــبيل، والأشجــار، والقــصور، والمأكول، والمشروب، والملبوس، والثمار، لا يشبه ما في الدنيا إلاّ في مجرّد الاسم.والله سبحانه وتعالى يرغِّب الناس ويُطمعهم بأن يذكر لهم أحسن شيء وألذّه وأطيبه ممّا يعرفونه في الدنيا، لأجل أن يرغبوا ويسعوا في الوصول إلى هذا النعيم المقيم.

76:6Page 579

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦

A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].

٦ - ﴿عَيۡنٗا﴾ بدلٌ من (كأس) على المحلّ بتقدير مضاف، أي: يشربون كأساً، أي: خمراً، خمر عينٍ أو ماءَ عيْنٍ ﴿يَشۡرَبُ بِهَا﴾ أي: منها ﴿عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ أي: المؤمنون. أو: يرتوي بها عباد الله ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا﴾ أي: يُجرونها حيث شاءوا من منازلهم، أو يقودونها، أو يصرفونها حيث شاءوا، أو يتصرّفون فيها أنّى شاءوا، وكيف أرادوا. وقيل: يشقّونها شقّا كما يشق النهر إلى حيث شاءوا.ويحتمل أن تكون (عيناً) بدل من (كافورا)، فيكون المعنى: يشربون خمراً ممزوجة كافوراً، كافور عينٍ يشرب بها عباد الله. أي: أن الكافور الذي مُزج لهم، هو عين يشرب بها المقرّبون من عباد الله.والآية بيان لجزاء الشاكرين إثر بيان جزاء الكافرين،وقد ذكر من أوصافهم، فقال:

76:7Page 579

يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

٧ - ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ﴾ أي: يقومون بما ألزموا به أنفسهم من النّذور والعهود، من فعل الطاعات وترك المنكرات. والنّذر في الشرع: ما أوجبه المكلّف على نفسه لله تعالى من صلاة أو صوم أو ذبح أو غيرها، ممّا لم يكن عليه واجباً بالشرع.وفي الحديث عند البخاريّ: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه».﴿وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ أي: كان عذابه فاشياً منتشراً غاية الانتشار، وهو يوم القيامة. من استطار الفجر: إذا انتشر ضوؤه، واستطار الغبار: انتشر في الهواء وتفرّق، كأنه طار في نواحيه.وقيل: استطار شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض، فانشقّت السماء وتناثرت الكواكب، ودكّت الأرض ونسفت الجبال.

76:8Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

٨ - ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ أي: على حبّهم للطعام وشهوتهم له، كما قال تعالى: (وآتى المال على حبّه)البقرة(١٧٧) أي: على حبّ المال. وقال: (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون)آل عمران(٩٢).﴿مِسۡكِينٗا﴾ أي: فقيراً، أو: هو مـن أسكنته الحاجة ﴿وَيَتِيمٗا﴾ أي: من لا أب له، ولا شيء له ﴿وَأَسِيرًا﴾ وهو المحبوس بحقّ.

76:9Page 579

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

٩ - ﴿إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ﴾ أي: يقولون لمن أعطوهم الطعام بلسان الحال، أو بلسان المقال: إنما نطعمكم رجاء ثواب الله ورضـاه ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ﴾ أي: مجازاة على هذا الإطعام ومكافأة ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ أي: ولا شكراً عند الناس أو ثناء ومديحاً، أي: لا نريد جزاءً ماليّا، ولا ثناء قوليّا على ذلك، إنما هو خالص لوجه الله.

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

١٠ - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا﴾ أي: قائلين: إنا نخاف من ربّنا يوماً أو عذاب يوم شديد الهول عظيم الأمر، تَعْبَسُ فيه الوجوه وتكلح لهوله، من شدّة مكارهه وطول بلائه. و وصْف اليوم بالعبوس – وهو وصف لأهله - مجاز في الإسناد، من باب: نهاره صائم.أو: (عبوسا) أي: كريه المنظر لهوله وشدّته.﴿قَمۡطَرِيرٗا﴾ أي: شديداً في ذلك.يقال: اقمطرّ يومنا، أي: اشتدّ. ويوم مقمطرّ وقمطرير: إذا كان شديداً غليظاً صعباً. أو: شديداً في العبوس والكرب، يُقبِّض ما بين العينين لشدّته وهوله.

76:11Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

١١ - ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ﴾ أي: دفع عنهم شره وآمنهم ممّا خافوا منه، بسبب خوفهم من ربّهم وإطعامهم لوجهه.﴿وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ ﴾ أي: وأعطاهم حسناً، وبهجةً، ونقاءً في وجوههم ﴿وَسُرُورٗا﴾ في قلوبهم. وهذا بدل عبوس الكفّار وحزنهم، فجمع لهم بين سرور الظاهر والباطن.

76:12Page 579

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

١٢ - ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بسبب صبرهم في الدنيا على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى أقداره المؤلمة، أعطاهم و نوّلهم وبوّأهم ﴿جَنَّةٗ﴾ في الآخرة جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدّر ومنغّص ﴿وَحَرِيرٗا﴾ كما قال تعالى: (ولباسهم فيها حرير)فاطر(٣٣).

76:13Page 579

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

١٣ - ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّة، والمعنى: وجزاهم جنّة حال كونهم متكئين فيها ﴿عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ﴾ أي: على السّرر في الحجال، أو على ما يُتكأ عليه من سرير أو فراش ونحوه. والحجال: جمع حَجَلة – محرّكة -: بيت يُزيّن بالقباب والأسرّة والستور.﴿لَا يَرَوۡنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا﴾ أي: لا يجدون فيها حرّا، ولا برداً مُفرطاً شديداً. ومنه: زَمْهَر اليوم، أي: اشتدّ برده. والمراد: أن هواء الجنة معتدل، لا حرّ فيه ولا برد. وفي الحديث عند ابن أبي شيبة: «إن هواء الجنة سجسج، لا حرٌّ ولا برد». و السجسج: الظل الممتدّ ما بين الفجر وطلوع الشمس.

76:14Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

١٤ - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا﴾ أي: قريبةً منهم ظلال أشجارها. عطف على الجملة التي قبلها – (لا يرون فيها شمساً) الواقعة حالاً من الضمير في (متكئين) - أي: أن ظلال الأشجار قريبة منهم، مُظللة عليهم، زيادة في نعيمهم.﴿وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا﴾ أي: سُخّرت لهم ثمارها تسخيراً، وسُهّل تناولها لهم تسهيلاً، وقُرّبت أو أُدنيت لمتناوليها، بحيث ينالها القائم، والقاعد والمضطجع، لا يردّ أيديهم عنها بُعد ولا شوك، كقوله: (قطوفها دانية).من قولهم: ذُلِّل الكَرْم – بالضم -أي: دُلّيت عناقيده. وأصله: من الذُِلّ - بالضمّ والكسر -: ضد الصعوبة. والقطوف: جمع قِطْف – بكسر القاف -: وهو العنقود حين يُقطف، أو الثمار المقطوفة.

76:15Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

١٥ - ﴿وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ﴾ أي: يطوف عليهم الولدان والخدم، إذ أرادوا الشّراب، بآنية من فضّة،﴿وَأَكۡوَابٖ﴾ أي: وأقداح بلا عُرىً، أي: من فضّة، فيسهل الشرب منها من كلّ موضع، فلا يُحتاج عند التناول إلى إدارتها.﴿كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠﴾ أي: جُعلت هذه الأكواب في صفاء الزّجاج وبريقه.

76:16Page 579

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

١٦ - ﴿قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ﴾ – منصوب إمّا على البداية أو تمييز – أي: إن قوارير أهل الجنّة من فضّة، فاجتمع لهذه الأكواب بياض الفضّة، وصفاء القوارير، وهي الزّجاج.أي: جُعلت هذه الأكواب جامعة بين صفاء الزّجاج وشفيفه وبريقه، وبياض الفضّة وحسنها ولينها وشرفها، بحيث يُرى باطنها من ظاهرها.جمع قارورة، وهي في الأصل: إناء رقيق صاف من الزجاج، توضع فيه الأشربة ونحوها وتستقرّ فيه.والقوارير التي في الدنيا من الرّمل، فبيّن الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضّة، يُرى ما في داخلها من خارجها.وعن ابن عباس: ليس في الجنّة شيء إلاّ أُعطيتم في الدنيا شَبهه، إلا قوارير من فضّة.﴿قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا﴾ أي: قدّر الطائفون بها شرابها على مقدار ريّ الشّاربين من غير زيادة ولا نقصان، وذلك ألذّ وأشهى، وأبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة.

76:17Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

١٧ - ﴿وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿كَأۡسٗا﴾ أي: خمراً، أو إناءً فيه خمر.﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي: مزاج الخمر التي يُسْقوْنها، أي: ما تُمزج به وتُخلط ﴿زَنجَبِيلًا﴾ وهو شراب حارّ طيّب الرائحة، فتارة تُمزج لهم الخمر بالكافور، وهو بارد – كما تقدّم في آية: (٥) – وتارة بالزنجبيل، وهو حارّ، ليعتدل الأمر، وكلاهما مستلذّ طيب الرائحة والطعم.

76:18Page 579

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

١٨ - ﴿عَيۡنٗا﴾ بدلٌ من (كأس) بتقدير مضاف، أي: خمر عينٍ ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنّة ﴿تُسَمَّىٰ﴾ أي: هذه العين﴿سَلۡسَبِيلٗا﴾ أي: توصف بأنها سلسة في الانسياغ، سهلة المذاق.وأصل السلسبيل: ما كان في الشراب غاية في السّلاسة، وسهولة الانحدار في الحلق.فيشربون تارة خمراً ممزوجةً بالكافور أو بما يشبهه، وتارة خمراً ممزوجة بالزّنجبيل أو بما يشبهه، وكلّه في غاية السلاسة والسّهولة.أو: (عيناً) بدل من (زنجبيلاً) أي: أن الزنجبيل عين في الجنّة تُسمّى سلسبيلا، سمّيت بذلك لسلاسة مسيلها وحدّة جريها. أو أنها اسم عين في الجنّة.

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

١٩ - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: على أهل الجنّة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم ﴿وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: دائمون باقون على حالة واحدة، من الطّراوة، والنضارة، والبهاء، لا يهرمون ولا يتغيّرون.﴿إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ﴾ أي: ظننتهم من حسنهم، وصفاء ألوانهم، وإشراق وجوههم، وانبثاثهم في مجالسهم﴿لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا﴾ أي: دراً مفرّقا في عرصات المجالس.واللّؤلؤ إذا نُثر على البساط، كان أصفى منه منظوماً في سلكه أو عقده.وشبّههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين فإنه شبههنّ باللؤلؤ المكنون، لأنهم لا يُمتهنّ بالخدمة.

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

٢٠ - ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ﴾ يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك في الجنّة ﴿رَأَيۡتَ﴾ – جواب إذا - ﴿نَعِيمٗا﴾ لا يوصف ﴿وَمُلۡكٗا كَبِيرًا﴾ أي: واسعاً لا غاية له، ولا يقادر قدره.

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

٢١ - ﴿عَٰلِيَهُمۡ﴾- بفتح الياء، منصوب على الظرفية، خبر لمبتدأ بعده - ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ﴾ أي: فوقهم ثيابٌ مخضّرة من سندسٍ، وهو ما رقّ من الحرير أو الديباج.[وفي قراءة:- بسكون الياء-: (عَالِيهِم) مبتدأ، وما بعده خبره، والضمير المتصل به: «هم» للمعطوف عليهم].﴿وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ﴾ وهو ما غلُظ من الحرير أو الدّيباج. [وفي قراءة: بجرّ «خضر» و «إستبرق» (خضرٍ وإستبرقٍ). وفي أخرى: بجرّ «خضر» ورفع «إستبرق» (خُضْرٍ وإستبرقٌ). وفي ثالثة: برفع «خضر» وجرّ «إستبرق» (خُضْرٌ و إستبرقٍ)].والمعنى: أن لباس أهل الجنّة فيه السّندس وهو ممّا يلي الباطن، والإستبرق مما يلي الظاهر.﴿وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ﴾ في أيديهم، وهذه صفة الأبرار، وأمّا المقرّبون، فقد تقدّم في سورة فاطر: (يحلّون فيها من أساور من ذهب). أو أن أهل الجنّة يحلّون من النوعين معاً ومفرّقا. جمع أسْورة.﴿وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا﴾ أي: شراباً بالغاً الغاية في الطهر، لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهِّراً لما في بطونهم من كلّ أذىً وقذى. أو: أن الشراب الذي يُسقونه في الجنة شراب طاهر، لا نجاسة فيه ولا قذارة، كخمر الدنيا التي وصفها الله بأنها رجْس.

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

٢٢ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ أي: النّعيم ﴿كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ﴾ بأعمالكم، أي: ثواباً لها ﴿وَكَانَ سَعۡيُكُم﴾ أي: عملكم في الدنيا ﴿مَّشۡكُورًا﴾ أي: متقبّلا مبرورا، مجازىً عليه غير مضيّع.أي: يقال لهم ذلك تكريماً لهم، وإحساناً إليهم.

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

٢٣ - ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا﴾ أي: فصّلناه وفرّقناه في الإنزال، فلم نُنزله عليك جملة واحدة. وقوله: (نحن) تأكيد لاسم «إنّ»، أو فصْل. وجملة: (نزلنا عليك القرآن..) خبر «إنّ».

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

٢٤ - ﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ﴾ أي: اصبر لحكمه القدريّ بالصبر على قضائه وقدره، فإن حكمته تعالى تقتضي تأخير نصرك إلى أجل، ولحكمه الدينيّ الشرعيّ، بتبليغ دعوة الله ورسالته.﴿رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من المشركين ﴿ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا﴾ أي: داعياً إلى الإثم، ولا داعياً إلى الكفر.ولم يُؤْت بالواو لاحتمال الكلام عليه:النهي عن المجموع، ويحصل الامتثال بالانتهاء عن واحد دون الآخر. قال الزجّاج: إن «أو» ههنا أوكد من الواو، لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً وعَمْراً، فأطاع أحدهما كان غير عاص، فإذا أبدلتها ب «أو»، لا تطع زيداً أو عمْراً، فقد دللت على أن كل واحد منهما أهل لأن يُعصى، ويُعلم منه النهي عن إطاعتهما معاً.

76:25Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

٢٥ - ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ﴾ أي: دُم على ذكره تعالى، أو: دُم على الصلاة ﴿بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا﴾ أي: أوّل النهار وآخره. أي: دم على ذكره في جميع الأوقات. أو دُم على الصلاة في البُكرة، وهي صلاة الفجر، وفي الأصيل، وهي صلاة الظهر والعصر.

76:26Page 580

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

٢٦ - ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ﴾ أي: صلّ له من الليل، وهي صلاة المغرب والعشاء، وإطلاق السجود على الصلاة مجاز، من إطلاق اسم الجزء على الكلّ.﴿وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا﴾ أي: صلّ صلاة الليل تطوّعا، أو تهجّد له هزيعاً طويلاً من الليل.وقد تقدّم تقييد هذا المطلق في سورة المزّمل بثلث الليل، أو نصفه أو ثلثيه.والأمر للوجوب على القول ببقاء وجوب قيام اللّيل عليه خاصّة وعدم تخفيفه، وللندب على القول بتخفيفه في حقّه ﷺ، كما خُفّف عن أمته بفرضيّة الصلوات الخمس، فالمراد به: نافلة اللّيل.

76:27Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

٢٧ - ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ﴾ أي: كفّار مكّة وغيرهم من المكذّبين لرسول الله ﷺ يحبّون الدار الدنيا ولذائذها ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ﴾ أي: ينبذون وراء ظهورهم، ويتركون خلفهم ﴿يَوۡمٗا ثَقِيلٗا﴾ أي: شديد الهول، هو يوم القيامة، فلا يستعدون له، ولا يعبأون به، ولا يحسبون له حساباً.

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

٢٨ - ﴿نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ﴾ أي: ابتدأنا خلقهم وإيجادهم من العدم ﴿وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ﴾ أي: قوّينا وأحكمنا خَلْقهم بإعطائهم جميع القوى، ومنها ربط مفاصلهم وأوصالهم بعضها ببعض بالعروق والأعصاب.يقال: أسره الله، أي: خَلَقه، وبابه: ضَرَب، وفرسٌ شديد الأَسْر: أي الخَلْق. والأَسْر: القوّة، مشتق من الإسار – بالكسر-: وهو القِدُّ الذي تُشدّ به الأقتاب.يقال: أَسَرْتُ القتب أَسْراً: شددته وربطته. ومنه: الأسير، لأنه يُكتنف بالإسار.والمراد: الامتنان عليهم بأن الله تعالى سوّى خلقهم وأحكمه، ثم هم يكفرون به.﴿وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا﴾ تأكيد، أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدّلنا أمثالهم في الخلقة بأن أنشأناهم للبعث نشأة أخرى، وأعدناهم خلقاً جديداً. وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة.أو: وإذا شئنا جعلنا أمثالهم في الخلقة بدلاً عنهم، بأن نهلكهم ونجيء بأطوع لله منهم، كما قال تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين)النساء(١٣٣) وقال: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)إبراهيم(١٩).

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

٢٩ - ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ ﴾ أي: الآيات التي اشتملت عليها هذه السّورة ﴿تَذۡكِرَةٞۖ﴾ أي: موعظة بالغة لمن ينتفع بها، ويتعظ ﴿فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا﴾أي: طريقاً ومسلكاً ووسيلة يتقرّب بها إليه بالإيمان والطاعة والعمل الصالح.

76:30Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

٣٠ - ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ - بالتاء والياء، قراءتان - أي: وما تشاؤون شيئاً، أو اتخاذ السبيل بالإيمـان والطاعـة ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ ذلك ويأذن فيه، أي: إلاّ وقت مشيئة الله لمشيئتكم، فإن مشيئة العبد متعلّقة بمشيئة الله تابعة لها، ومشيئة الله نافذة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٗا﴾ في صنعه وفعله، وحكمه وشرعه، وقضائه وقدره، أي: كان ولا يزال سبحانه كذلك، فهو عليم بمن يستحق الهداية، فييسّرها له ويقيّض له أسبابها بفضله، ومن يستحقّ الغواية والضلال، فيصرفه عن الهدى، ولا يقيّض له أسبابه بعدله.

76:31Page 580

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

٣١ - ﴿يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ﴾ من عباده ﴿فِي رَحۡمَتِهِۦۚ﴾ أي: جنّته، وهم المؤمنون حيث يوفّقه للعمـل بالطاعـة ﴿وَٱلظَّٰلِمِينَ﴾ منصوب بفعل مقدّر تقديره: أوعد، يفسّره: ﴿أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا﴾ أي: مؤلماً موجعاً، وهم الكافرون، بظلمهم وعدوانهم.انتهى تفسير سورة الإنسان

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском