Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
المرسلات
Al-Mursalat
The Emissaries · Meccan · 50 ayahs
١ - ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا﴾ قسم من الله تبارك وتعالى على البعث والجزاء على الأعمال بالمرسلات: وهي الرّياح المرسلة لعذاب المكذّبين، عُرفاً:أي: متتابعة متلاحقة في إرسالها كعُرف الفرس يتلو بعضه بعضاً. ونصبه على الحال.فقوله: (والمرسلات): من الإرسال، وهو التسليط والتوجيه.والأظهر: أنّها الرّياح، كما قال تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح)الحجر(٢٢) وقال: (وهو الذي يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته)الأعراف(٥٧).وقوله: (عُرْفاً) أي: متتابعة متلاحقة في إرسالها، يقال: طار القطا عُرفاً عُرفاً، أي: بعضها خلف بعض. والمعنى على التشبيه: أي: حال كونها في تتابعها وتلاحقها كعُرف الفرس ونحوها، وهو منبت الشعر والريش من العنق.وقيل: (والمرسلات عُرفاً): هي الملائكة المرسلة بالعُرف من وحي الله وأمره ونهيه، والحكمة، والمصلحة، لا بالنّكر والعبث. أو: مُرسلة بشئون الله القدرية، وتدبير العالم، وبشئونه الشرعية ووحيه إلى رسله، كعُرف الفرس يتبع بعضهم بعضاً.
٢ - ﴿فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا﴾ أي: الرّياح الشديدة الهُبوب، السريعة الممرّ، ترسل عاصفة لما أُمرت به من نعمة ونقمة.ووصفها بالعصف، وهو الشدّة، لإهلاكها من تُرسل إليهم، أو لسرعتها في مُضيّها لتنفيذ أمره تعالى.يقال: عصفت الريح – من باب: ضرب -: اشتدّت، وعصفت الحرب بالقوم: إذا ذهبت بهم.وناقة عصوف: تعصف براكبها، فتمضي به كأنها ريح في السرعة.والعطف بالفاء هنا يُؤذن بأنه من عطف الصّفات.وقيل: (والعاصفات عصفاً) هي الملائكة الموكّلة بالرياح يعصفون بها بأمر الله، أو: المرسلة بأمر الله، كالريح العاصف في المبادرة لأمره، وسرعة تنفيذه.
٣ - ﴿وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا﴾ قسم من الله تعالى بالملائكة التي تنشر أجنحتها في جوّ السماء عند نزولها بالوحي على رسل الله. أو التي تنشر النّفوس الموتى بالكفر والجهل، فتحييها بالوحي المنزّل على أنبياء الله ورسله.أو الملائكة الموكّلة بالسّحاب تنشره في آفاق السماء كما يشاء الله.وقيل: هي الرّياح تنشر السّحاب والمطر وتفرّقه في السّماء، فيُنشر الله به الأرض، أي: يُحييها بعد موتها.أو هو المطر الذي يُنشر الله به الأرض، فيُحييها بعد موتها.
٤ - ﴿فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا﴾ أي: الملائكة تنزل بما يفرق ويفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى الضلال، من وحي الله وأمره، على أنبياء الله ورسله.أو هي آيات القرآن التي تفرق وتفصل بين الحقّ والباطل، والحلال والحرام.
٥ - ﴿فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا﴾ أي: وحياً، هي الملائكة التي تُلقي الذكر والوحي إلى الأنبياء والرّسل، ليبلّغوه للأمم، فيعظونهم ويذكرونهم منافعهم ومصالحهم.
٦ - ﴿عُذۡرًا﴾ أي: للإعذار من الله للخلق، بمعنى: إزالة أعذار الخلق، كقوله تعالى: (رسلاً مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)النساء(١٦٥).﴿أَوۡ نُذۡرًا﴾ أي: للإنذار والتخويف بالعقاب عند العصيان.والمعنى: أن الملائكة تُلقي الوحي إلى الأنبياء والرسل للإعذار و الإنذار من الله تعالى، إعذاراً منه إلى خلقه، لئلاً يكون لهم على الله حجّة، وإنذارا لهم من عذابه وعقابه إن خالفوا أمره.[وفي قراءة بضمّ الذال فيهما: (عُذُراً أو نُذُراً)].ثم ذكر المُقسم عليه وهو جواب القسم، فقال:
٧ - ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ أي: إن الذي توعدون به – يا أهل مكّة – من البعث والنشور وقيام الساعة والجزاء على الأعمال ﴿لَوَٰقِعٞ﴾ أي: كائن نازل لا محالة، متحتّم وقوعه. وهو جواب القسم.فقد أقسم الله تعالى في صدر هذه السورة على أن الساعة آتية، والبعث واقع لا محالة - بخمسة أشياء عظيمة من خلقه، ذُكرت صفاتها، ولم تُذكر هي، فاختُلف في تفسيرها اختلافاً بيّناً كثيراً.والظاهر: أن المُقسم به شيئان، فُصل بينهما بالعطف بالواو المشعر بالمغايرة، فأقسم أولاً: في الآيتين الأولى والثانية بالرياح، وأقسم ثانياً في الآيات الثالثة والرابعة والخامسة بالملائكة. أفاده العلامة حسنين مخلوف في تفسيره. ومنهم من جعل الأوصاف الخمسة للرياح، ومنهم من جعلها كلّها للملائكة، ومنهم من غاير بينها، فجعل الثلاثة الأولى للرياح، والرابعة والخامسة للملائكة، والله تعالى أعلم.ثم بيّن تعالى متى يقع ذلك،وهو المقسم عليه، فقال:
٨ - ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ﴾ أي: مُحقت، أو: مُحي نورها، وأُذْهب ضوْؤُها، فلم يكن لها نور ولا ضياء، كقوله تعالى: (وإذا النجوم انكدرت)التكوير(٢).يقال: طمستُ الشيء – من باب: ضرب – محوتُه واستأصلتُ أثره.وجواب «إذا» وما عُطف عليها، محذوف، تقديره: وقع ما توعدون. أو: بان الأمر.وقيل: هو (لأيّ يوم أجّلت) بإضمار القول، أي: يقال: لأي يوم أجّلت.
٩ - ﴿وإذا السماء فُرجت﴾ أي: شُقّت، أو فُتحت وفُطرت، أو صُدِّعت.كما قال تعالى: (إذا السماء انشقّت)الإنشقاق(١) وقال سبحانه: (وفتحت السماء فكانت أبواباً)النبأ(١٩).والفرجة: الشقّ بين الشيئين، كفرجة الحائط، و منه قوله سبحانه: (وما لها من فروج)ق(٦) أي: شقوق وفتوق.
١٠ - ﴿وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ﴾ أي: اقتُلعت وأزيلت من أماكنها بسرعة.يقال: نسف البناء ينسفه: قلعه من أصله.أو: دُكّت وذُرِّيت في الهواء، كما تُذرِّي الرياح التبن. أو: فُتِّتت وسُيّرت وذُهب بها، فلا عين لها ولا أثر. و الآية كقوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا)طه(١٠٥) و قوله سبحانه:(ويوم نسيّر الجبال)الكهف(٤٧).
١١ - ﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ﴾[وفي قراءة بالواو بدلاً من الهمزة: (وُقِّتت). وبالتخفيف (وُقِتت)] أي: بُلِّغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، للفصل و القضاء بينهم وبين المكذّبين من أممهم. أو: جُعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، أو للشهادة على الأمم بالتبليغ. من التوقيت: وهو جعل الشيء منتهياً إلى وقته المحدود.وقيل: (أُقّتت) أي:جُمعت لوقت، كقوله:(يوم يجمع الله الرّسل)المائدة(١٠٩) أو أجّلت له للحُكْم بينهم وبين الأمم.
١٢ - ﴿لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ﴾ استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل والتعجيب من هول ذلك اليوم وشدّته. أي: لأي يوم أجّلت الرّسل وأُرجئ أمرها؟أو: لأي يوم أُخّرت الأمور المتعلقة بالرسل، من تعذيب الكفّار وتنعيم المؤمنين، والشهادة على الأمم، وظهور أهوال الآخرة؟ ثم أجاب بقوله:
١٣ - ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ﴾ بين الخلائق بأعمالهم، فيُقضى بينهم ويُفرّقون إمّا إلى الجنة، وإمّا إلى النار.أو: ليوم الفصل والقضاء بين الحقّ والباطل.ويحتمل أن يكون المعنى: (وإذا الرسل أُقّتت) أي: جُمعت لوقت أو أُجّلت (لأي يوم أجّلت) أي: ليوم عظيم أُجّلت للشهادة على أممهم بالتبليغ (ليوم الفصل) بين الخلائق والحساب والجزاء على الأعمال. ويؤخذ من قوله: (ليوم الفصل) جواب «إذا» في قوله تعالى: (فإذا النجوم طُمست) وما بعدها من المعطوف عليها، وتقديره: وقع الفصل بين الخلائق - وقد تقدّم بيانه -.
77:14Page 580
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ١٤
And what can make you know what is the Day of Judgement?
١٤ - ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ﴾ تعظيم لأمره، وتفخيم لشأنه، أي: ما أعلمك ما يوم الفصل؟ إنه يوم هائل لا يقادر قدره.
١٥ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أي: هلاك أو عذاب يوم القيامة للمكذّبين به و بأخباره، وهو وعيد شديد، وتهديد أكيد.وقد تكرّرت هذه الآية في هذه السورة عشر مرّات، عقب كلّ آية كذب بها الجاحدون المكذّبون. قال العلاّمة مخلوف في تفسيره: وكأن الويل قُسّم بينهم على قدر تكذيبهم، فلكل مكذّب بشيء، نوع من العذاب، غير النوع الذي لتكذيبه بآخر.
١٦ - ﴿أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الماضية المكذّبة بتكذيبهم رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، أي: أهلكناهم بالعذاب في الدنيا.
١٧ -﴿ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ بعدهم، أي: ممّن كذّبوا وسلك سبيلهم في الكفر، كأهل مكّة وغيرهم، ممّن وافقهم على التكذيب بمحمد ﷺ.وهو وعيد لهم،لأنهم مثل السابقين.أي: فنُهلكهم كما أهلكنا من كان قبلهم.
١٨ - ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثلَ ما فعلنا بالمكذّبين من الأمم الماضية من الإهلاك والعذاب ﴿نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: بكلّ من أجرم وأشرك فيما يستقبل من الأمم، فنهلكهم ونعذّبهم، إمّا في الدنيا، أو في الآخرة.
١٩ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ تأكيد، أي: هلاك أو عذاب يوم القيامة، أو يوم ذلك الإهلاك للمكذّبين بالله ورسله، الجاحدين قدرته على ما يشاء.
77:20Page 581
أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٢٠
Did We not create you from a liquid disdained?
٢٠ - ﴿أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ﴾ أي: ضعيف حقير، وهو النّطفة أو المنيّ.
77:21Page 581
فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ٢١
And We placed it in a firm lodging [i.e., the womb]
٢١ - ﴿فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ﴾ أي: مقرّ يتمكّن منه ويستقرّ فيه، وهو الرّحم.
٢٢ - ﴿إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ أي: إلى وقت معلوم عند الله لخروجه من الرّحم،وهو وقت الولادة.
77:23Page 581
فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣
And We determined [it], and excellent [are We] to determine.
٢٣ - ﴿فَقَدَرۡنَا﴾ على ذلك الخلق ﴿فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ﴾ عليه نحن. أو: ملكنا فنعم المالكون.[وفي قراءة: (فقدّرنا) بالتشديد] أي: فقدّرنا ذلك الوقت المعلوم تقديراً محكماً، لا يتقدّم الانفصال عنه ولا يتأخّر، فهو كقوله تعالى: (من نطفة خلقه فقدّره)عبس(١٩). أو: فقدّرنا أعضاءه وصفاته. وقيل: القراءتان بمعنى: التقدير.
٢٤ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بقدرتنا على ذلك، أو على الإعادة والبعث، أي: هلاك أو عذاب لهم.
٢٥ - ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا﴾ أي: ضامّة قابضة جامعة. أو: وعاءً تَضُمُّ.
٢٦ - ﴿أَحۡيَآءٗ﴾ على ظهرها، في منازلهم ﴿وَأَمۡوَٰتٗا﴾ في بطنها، في قبورهم. والمعنى: ألم نجعل الأرض ضامّة جامعة للأحياء على ظهرها، وللأموات في بطنها.والكفات: الموضع الذي يُكْفَتُ فيه الشيء، أي: يُضمّ ويُقبض. يقال: كَفَت الشيء يَكْفِتُه كَفْتَاً: ضمّه وقبضه، فهو اسم آلة. أو مصدر أريد به اسم الفاعل.و(أحياءً وأمواتاً): مفعول لفعل محذوف، أي: تكْفِتُ أحياءً كثيرة على ظهرها، وأمواتاً كثيرة، في بطنها، بمعنى: تجمع وتضمّ.وقيل: هو جمع كِفْتٍ، وهو الوعاء، يقال: هذا كِفْت هذا وكفيتُه: إذا كان وعاءه، والأرض أوعية – باعتبار أقطارها – للأحياء والأموات.و (أحياء وأمواتاً): منصوبان على المفعولية ل (نجعل) بتقدير مضاف، أي: ذات أحياء وأموات.وقال الخليل: الكفت: تقليب الشيء ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، أي: هم يكونون من تراب الأرض ثم يعيشون على ظهرها أحياء، ثم ينقلبون فيها أمواتاً.
77:27Page 581
وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ٢٧
And We placed therein lofty, firmly set mountains and have given you to drink sweet water.
٢٧ - ﴿وَجَعَلۡنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿رَوَٰسِيَ﴾ أي: جبالاً ثوابت لئلا تميد وتضطرب ﴿شَٰمِخَٰتٖ﴾ أي: مرتفعات.جمع شامخ: وهو المرتفع جدّا.﴿وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا﴾ أي: حلوا عذباً زلالاً، من الأنهار الجارية والآبار والعيون والأمطار، تشربون منه أنتم ودوابّكم، وتسقون زرعكم.
٢٨ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بما أنعمنا عليهم من نعمنا، التي هذه من جملتها، أو بآيات الله ورسله، أي: هلاك أو عذاب لهم.
77:29Page 581
ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٩
[They will be told], "Proceed to that which you used to deny.
٢٩ - ﴿ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ من العذاب في الدنيا.أي: يُقال لهم ذلك يوم القيامة، ثم فسّره بقوله:
77:30Page 581
ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ ٣٠
Proceed to a shadow [of smoke] having three columns
٣٠ - ﴿ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ﴾ أي: من دخان جهنّم الذي يتصاعد من وقودها ﴿ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ﴾ أي: ثلاث فِرَق أو فروع يتفرّقها ذلك الدخان العظيم إذا ارتفع.
77:31Page 581
لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ٣١
[But having] no cool shade and availing not against the flame."
٣١ - ﴿لَّا ظَلِيلٖ﴾ أي: لا مظلّلٍ لهم من حرّ ذلك اليوم أو حرّ جهنّم.وهو تهكّم بهم، وردٌّ لما أوهمه لفظ «الظلّ». ﴿وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾ أي: ولا يدفع عنهم شيئاً من حرّ اللّهب، ولا يكنّهم منه. وعُدّي (يغني) ب (مِنْ)، لتضمّنه معنى: يُبْعِد.
77:32Page 581
إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ ٣٢
Indeed, it throws sparks [as huge] as a fortress,
٣٢ - ﴿إِنَّهَا﴾ أي: جهنم ﴿تَرۡمِي بِشَرَرٖ﴾ هو ما يتطاير من النار متفرّقاً في كلّ جهة. واحده شررة. ﴿كَٱلۡقَصۡرِ﴾ أي: كلّ واحدة من الشرر في عظمها وارتفاعها كالقصر، وهو البناء العالي.وقيل: هو الغليظ من الشجر. أو هو قطع من الخشب نحو الذراع أو أقلّ أو أكثر، يستعدّ به للشتاء. مفرده: قَصْرة.
٣٣ - ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ﴾ أي: كأن الشّرر إبل أو جِمالٌ سود في هيئتها ولونها، إذ تطاير وارتفع.وقوله: (جمالة): جمع جمل، كحجارة وحجر، وجمعها: جمالات – بتثليث الجيم - وهي الإبل السّود. وإنما قيل لها: صفر، وهي سود، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصّفرة، كما قيل للظباء البيض: أُدْم، لما يعلو بياضها من الكُدْرة. شُبّه الشّرر حين ينفصل من النّار في عظمه وارتفاعه بالقصر، وحين يأخذ في الارتفاع والانبساط لانشقاقه وتشعّبه عن أعداد غير محصورة – بالجمالة الصّفر في اللون، أي: بالإبل السّود، وسرعة الحركة، والكثرة والانشقاق والتتابع، إذ كان ذلك شأن هذه الإبل عند اجتماعها، وتزاحمها،واضطراب أمرها.[وفي قراءة: (جِمالاتٌ) جمع جِمالة. و بضم الجيم (جُمالاتٌ)].
٣٤ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بآيات الله ورسله، أي: هلاك أو عذاب لهم.
٣٥ - ﴿هَٰذَا﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ أي: لا يتكلّمون فيه بشيء من حجّة ونحوها، لما فيه من الهول والشدّة.
77:36Page 581
وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ ٣٦
Nor will it be permitted for them to make an excuse.
٣٦ - ﴿وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ﴾ في الاعتـذار والتنصّـل.﴿فَيَعۡتَذِرُونَ﴾ أي:فيتنصّلون ممّا أجرموا في حقّ الله، لقيام الحجّة عليهم. يقال: اعتذرت إليه: أتيتُ بعذر. والعذر: هو تحرّي الإنسان ما يمحو به ذنوبه وإساءته.والمعنى: لا إذن، فلا اعتذار لهم. كقوله: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم)الروم(٥٧).
٣٧ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بالله ورسله، أي: هلاك أو عذاب لهم.
77:38Page 581
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
This is the Day of Judgement; We will have assembled you and the former peoples.
٣٨ - ﴿هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ﴾ أي: يقال لهم: هذا يوم الفصل والقضاء، الذي يفصل الله فيه بين الخلائق، ويقضي بينهم بحكمه وعدله، ويتميّز فيه الحقّ من الباطل.﴿جَمَعۡنَٰكُمۡ﴾ أيها المكذّبـون مـن هـذه الأمـة ﴿وَٱلۡأَوَّلِينَ﴾ من المكذّبين من قبلكم من الأمم الماضية، فتُحاسبون وتعذّبون جميعاً.
٣٩ - ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ﴾ أي: حيلة أو مكر لاتّقاء العذاب، ودفعه عنكم والخلاص منه ﴿فَكِيدُونِ﴾ بها، أي: فاحتالوا لأنفسكم عليّ. أي: ليس لكم قدرة ولا سلطان على ذلك. والآية تهديد شديد و وعيد أكيد لهم.
٤٠ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، أي: هلاك أو عذاب لهم.
77:41Page 581
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ ٤١
Indeed, the righteous will be among shades and springs
٤١ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ﴾ أي: في ظلال الأشجار وظلال القصور.جمع ظلّ: ضدّ الضّحى، ويقال لكلّ موضع لم تصل إليه الشمس: ظلّ. والجنّة لا شمس فيها، بخلاف الظلّ الذي للكفاّر من الدخان أو النار – كما تقدّم - ﴿وَعُيُونٖ﴾ من ماء وعسل ولبن وخمر.
٤٢ - ﴿وَفَوَٰكِهَ﴾ وهي ما يُتفكّه به ويُتنعّم. جمع فاكهة. ﴿مِمَّا يَشۡتَهُونَ﴾ أي: يطلبون ويرغبون، فمهما طلبت أنفسهم واستدعت شهواتهم، وجدوا.
77:43Page 581
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
[Being told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
٤٣ - ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا﴾ حال، أي: مُهنّئين ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي: بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة، يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم.
٤٤ - ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الجزاء العظيم للمتقين ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في طاعتهم وعبادتهم وأعمالهم.
٤٥ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أي: هلاك أو عذاب لهم، حيث صاروا في شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم.
77:46Page 581
كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ ٤٦
[O disbelievers], eat and enjoy yourselves a little; indeed, you are criminals.
٤٦ - ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ في الدنيا ﴿قَلِيلًا﴾ من الوقت أو الزّمان، وغايته إلى الموت. وهو أمر تهديد ووعيد.﴿إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ﴾ أي: مشركون بالله، كافرون، مسنونٌ بكم سنّة المجرمين قبلكم من الأمم، وهو الأكل والتمتع أياماً قليلة، ثم البقاء في الهلاك أبداً.
٤٧ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ كرّره لزيادة التوبيخ والتقريع.
77:48Page 581
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ ٤٨
And when it is said to them, "Bow [in prayer]," they do not bow.
٤٨ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ﴾ أي: صلّوا مع محمد ﷺ وأصحابه ﴿لَا يَرۡكَعُونَ﴾ أي: لا يصلّون.وسمّيت الصلاة ركوعاً باسم ركنها.أو: اخشعوا واخضعوا وتواضعوا لله تعالى. لكنهم لا يقبلون ولا ينقادون علوّا واستكباراً. وقيل: إن ذلك يقال لهم في الآخرة حين يُدعون إلى السجود، فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا.
٤٩ - ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ بأوامر الله ونواهيه.
77:50Page 581
فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ٥٠
Then in what statement after it [i.e., the Qur’ān] will they believe?
٥٠ - ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ﴾ أي: بعد هذا القـرآن ﴿يُؤۡمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا به مع وضوح برهانه واستقامة حجّته وصحة دلائله؟ أي: لا يؤمنون بشيء بعده، ولا يصدّقون.روى أحمد وأبو داود والترمذي بنحوه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن قرأ: (والمرسلات) فبلغ: (فبأي حديث بعده يؤمنون) فليقل: آمنا بالله».انتهى تفسير سورة المرسلات
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences