Al-Jami' al-WajizAl‑Ma'idah · 5:1–3

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

المائدة

Al-Ma'idah

The Table Spread · Medinan · 120 ayahs

5:1Page 106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ ١

O you who have believed, fulfill [all] contracts.1 Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur’ān] - hunting not being permitted while you are in the state of iḥrām.2 Indeed, Allāh ordains what He intends.

١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ أي: بالعهود المؤكدة الوثيقة، وهي التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها، من الأحكام والتكاليف، مما أحل وحرّم، وفرض وحدّ، وأمر ونهي في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . والعقود التي تعقدونها بينكم وبين أنفسكم أو بينكم و بين الناس، كعقود المعاملات، من بيع وشراء وإجارة ونحوهما، وعقود التبرعات، كالهبة ونحوها، وعقود الأمانات، كالرهن ونحوه، وعقود الشركات، وعقود المحالفات التي كانت بينكم في الجاهلية، لحديث:«كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام». وكذا عقود النكاح، وعقود اليمين، مما يجب الوفاء به شرعاً. والوفاء بالعقود: إكمالها، وإتمامها، والقيام بها وبحقها، وعدم نقضها، ونقصها، والانتقاص من حقوقها، ويكون الوفاء بها في حدود التعاون على الخير، لا في الإثم والعدوان. والإيفاء والوفاء: الإتيان بالشيء وافياً كاملاً لا يُنقص منه، يقال: وفى، ووفّى، وأوفى بمعنىً. والعقود: جمع عَقْد، وأصله: الربط محكماً، تُجُوِّز به عن العهد الموثق، وهو المراد هنا، وهو شامل للعقود التي بين العبد وربه من التزام أمره، واجتناب نهيه، والتي بينه وبين رسول الله، من اتباعه وطاعته، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، من القيام ببرهم، وصلتهم، والإحسان إليهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين إخوانه وأصحابه، من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق، من عقود المعاملات والأمانات ونحوها، والتي بينه وبين جماعة المسلمين في قوله: (إنما المؤمنون إخوة)الحجرات(١٠)، من موالاتهم، ومناصرتهم على الحق، والتعاون عليه، والتآلف بين المسلمين، وعدم الفرقة والاختلاف. فهذا الأمر بإيفاء العقود شامل لأصول الدين وفروعه، وكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها.و في الحديث الصحيح:«المسلمون عند شروطهم».وقال ﷺ:«كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل».فائدة فقهيةوقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (أوفوا بالعقود)، وهي على قولين: الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أنه لا خيار في مجلس البيع، لهذه الآية، قالوا: لأن قوله: (أوفوا بالعقود) يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نَفْي خيار المجلس. الثاني: وذهب الشافعي وأحمد والجمهور: إلى القول بخيار المجلس، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :«البيِّعان بالخَيار ما لم يتفرقا». وفي لفظ آخر للبخاري:«إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا»، قالوا : وهذا صريح في إثبات خيار المجلس بعد عقد البيع، وليس الخيار منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. قلت: وهو الأظهر عندي دليلا. والله تعالى أعلم.﴿أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ من الإبل والبقر والغنم، أي: لأجلكم، رحمة بكم، أكلاً بعد الذبح و التذكية الشرعية. والبهيمة: اسم- في العرف- لذوات الأربع من دواب البر والبحر. وسميت بذلك : لإبهام أمرها من جهة نقص نطقها و فهمها و عدم تمييزها و عقلها. والأنعام: الإبل والبقر والغنم، ولا يدخل فيها الحافر لغة. والإضافة للبيان، وهي بمعنى: «مِن» أي: بهيمة من الأنعام، كخاتم فضّة. وألحق بها في حِلّ الأكل ما يماثلها في الاجترار وعدم الأنياب، كالظباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش، ونحوها.فائدةوقد استدل ابن عمر وابن عباس وغيرهم بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذُبحت، أي: الذي يموت في بطن أمّه بعد ذبحها: لما ورد في السنن من حديث أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال:«كلوه، إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمّه». وعند أبي داود من حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ ، قال:«ذكاة الجنين ذكاة أمّه».﴿إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ﴾ تحريمه من بهيمة الأنعام، في الآية الثالثة من هذه السورة، في قوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبح على النصب)المائدة(٣). فإن هذه المذكورات، وإن كانت من بهيمة الأنعام، فإنها محرمة، إما لما يلحقها من عوارض التحريم، كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، و النطيحة، وما أكل السبع بدليل قوله: (إلا ما ذكيتم) أي: فإنها حلال إذا استُدركت بالتذكية، وإما لحرمتها عيناً، كالدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله، وما ذُبح على النصب، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه بالتذكية. والاستثناء في قوله: (إلا ما ذكيتم) منقطع. وقيل: يجوز أن يكون متصلاً، والتحريم لما عرض من الموت ونحوه. ﴿غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ﴾ أي: غير مستحلّيـه، فهو حرام ﴿وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ﴾ أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلّها- في جميع الأحوال والأوقات- غير مُجوِّزين للاصطياد، أو الانتفاع بالمصيد، أي: غير مُستحلِّين لهما، وأنتم مُحرِمون بحج، أو عمرة، أو بهما، سواء أكنتم في الحلّ أم في الحرم، فإذا تحللتم من الإحرام، حلَّ لكم ذلك- أي: الاصطياد، أو الانتفاع بالمصيد- لقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا)المائدة(٢). وفي حكم المُحرِم: من كان في الحرم وليس مُحرماً، فَيُحرم عليه الاصطياد والانتفاع بالمصيد كذلك. ومُحِلّي: جمع مُحِلّ، بمعنى: مُستَحِلّ. والصيد: مصدر بمعنى: الاصطياد، أو اسم للحيوان المَصِيد. وحُرُم: أي: مُحرم بالحج أو بالعمرة أو بهما، يقال: أحرم فهو مُحرم، وحرام، وهم حُرُم. و (غير): حال من الضمير في «لكم»، وجملة: «وأنتم حُرم» حال من الضمير في «مُحلّي». والمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، حال كونكم غير مستحلي الصيد، وأنتم محرمون بحج أو عمرة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ في جميع ما يأمر به، وينهى عنه، لا اعتراض عليه. فما أراده الله يحكم به حكماً موافقاً لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود، لحصول مصالحكم، ودفع المضار عنكم، وكما أحل لكم بهيمة الأنعام رحمةً بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها، من ذوات العوارض، كالميتة ونحوها، صوناً لكم، ومن الصيد في حال الإحرام، احتراماً له وإعظاماً.

5:2Page 106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢

O you who have believed, do not violate the rites of Allāh or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of iḥrām, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.

٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا تنتهكوا حرمة أعلام دين الله ومتعبداته في الحج، وهي مناسكه، أو الأعمال الحجية التي جعلها الله علامة على طاعته والتسليم له من إحرام وطواف وسعي. جمع شعيرة، بمعنى: العلامة. فلا تحلوها، بأن يقع منكم الإخلال بشيء منها أو التهاون بحرمتها، أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد تعظيمها وعبادة الله فيها. وقيل: المراد بالشعائر هنا: فرائض الله، وحرمات الله، أي: محارمه، فلا تحلوا محارم الله التي حرّمها. والنهي هنا يشمل النهي عن فعلها، والنهي عن اعتقاد حِلِّها، ويدخل في ذلك النهي عن محرّمات الإحرام، ومحرّمات الحرم. ﴿وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ﴾ أي: ولا تُحلوا الأشهر الحرم الأربعة، ولا تنتهكوا حرمتها بالقتال فيها. والأشهر الحرم الأربعة هي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب). ومنه قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حُرم)التوبة(٣٦). وفي الصحيح عند البخاري من حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع:«السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان». فائدة فقهيةواختلف في حكم القتال في الأشهر الحرم على أقوال ثلاثة: الأول: فذهب الجمهور من العلماء: إلى أن القتال في الأشهر الحرم جائز، وأن عدم استحلال القتال فيها بهذه الآية ، منسوخ بقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)التوبة(٥). قالوا: فلم يستثن شهراً حراماً من غيره. واستدلوا كذلك على حِلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم بعمومات الكتاب والسنة، والتي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقاً، والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقاً، وبأن النبي ﷺ قاتل أهل الطائف بعد حُنين، في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحُرم. الثاني: وذهب ابن عباس- واختاره ابن جرير- : إلى عدم حِلّ القتال في الأشهر الحرم، وأن النهي عن القتال فيها بهذه الآية غير منسوخ بآية التوبة وغيرها من العمومات، لأن النهي عن القتال خاص، والأمر به عام، فَيُحمل العام على الخاص، كما تقرر في الأصول. الثالث: وذهب البعض إلى التفصيل، فقالوا: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، أما استدامته وتكميله في الشهر الحرام إذا بُدئ القتال في غيره، فإنه يجوز. وحملوا قتال النبي ﷺ لأهل الطائف على ذلك، لأن أول قتالهم كان في حُنين في شهر شوّال. وكل هذا في قتال الابتداء، لا الدفع. أما قتال الدفع أو المدافعة- أي: إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال- فإنه يجوز للمسلمين القتال، دفعاً عن أنفسهم، في الشهر الحرام وغيره، بإجماع العلماء. قلت: وهذا التفصيل أوْلى عندى في قتال الابتداء، لا الدفع. والله تعالى أعلم.﴿وَلَا ٱلۡهَدۡيَ﴾ أي: ولا تُحلّوا حرمة ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام تقرباً إلى الله تعالى، بالتعرض له، بنحو غصب، أو سرقة، أو حبس عن بلوغه محلّه أي: موضعه الذي يحلّ فيه إراقة دمه وقيل: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله. والهدي: ما يُهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، واحدتها هديّة، وذلك في حج أو عمرة أو غيرها. ﴿وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ﴾ أي: و لا تُحلّو ذوات القلائد، وهي البُدْن، بالتعرض لها بنحو غصب أو سرقة أو حبس. وخُصت بالذكر مع أنها من الهدي، اعتناءً بها، إظهاراً لشعائر الله، وحملاً للناس على الاقتداء بالسنة. وقيل: لا تتركوا تقليد الهدي في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليُعلم أنها هديٌ للكعبة، فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها. والقلائد: جمع قلادة، وهي ما يُقلَّد به الهدي، ليُعلم أنه مُهدىً إلى البيت الحرام، فلا يتعرض له أحد بسوء. وقد كان مشركو الحرم يُقلِّدون أنفسهم من لحاء شجره، فيأمنون به. ولما حج رسول الله ﷺ أشعر هديه و قلّده، ومنه قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)الحج(٣٢). ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ﴾ أي: ولا تُحلّوا أذى قوم قاصدين البيت الحرام ﴿يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا﴾ أي: يطلبون رزقاً ﴿مِّن رَّبِّهِمۡ﴾ وربحاً بالتجارة والمكاسب المباحـة ﴿وَرِضۡوَٰنٗاۚ﴾ من الله بقصده لحج، أو عمرة، أو طواف، أو صلاة، أو غيرها من أنواع العبادات. فلا تتعرضوا لمن قصد البيت الحرام -طالباً فضل الله، وراغباً في رضوانه -بسوء، ولا تصدوه عنه، ولا تمنعوه منه، ولا تُهيِّجوه ولا تُهينوه، بل أكرموه، وعظِّموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم، وليكن زمان الحج ومكانه أماناً واطمئناناً. ويدخل في هذا: الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله، وجعل القاصدين له، مطمئنين غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه، ولا على أموالهم من الجباية و النهب ونحو ذلك. و (آمّين): جمع آمّ، من الأَمِّ، وهو القصد المستقيم.فائدةهذه الآية مخصوصة بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)التوبة(٢٨). وقد كان عامهم في السنة التاسعة للهجرة، حين بعث النبي ﷺ عليّاً، فقرأ على الناس يوم الحج- نيابة عن رسول الله ﷺ - براءة، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. وعليه: فالمشرك لا يُمكّن من الدخول إلى الحرم. ومثله قوله: (ما كان للمشركين أن يَعمروا مساجد الله)التوبة(١٧). والنّهي في الآية عن التعرض لمن قصد البيت وأَمّه ابتغاء فضل الله ورضوانه، يدل على أن من قصده بالإلحاد فيه، والشرك عنده، والكُفر به، فإن من تمام احترام الحرم وتعظيمه، صدُّ من هذه حاله، ومنعه من الإفساد ببيت الله، لقوله سبحانه: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)الحج(٢٥). وقد قيل: إن سبب نزول هذه الآية: أن المشركين كانوا يحجّون، ويعتمرون، و يُهدون، فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فنزل قوله: (ولا آمّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا) الآية- أي: بزعمهم- ثم نسخ الله هذا الحكم بآية براءة: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). والقول الأول أوْلى بالصواب، وهو أن الآية مُحكمة في الحجاج والعُمّار المسلمين. وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له عهدُ أمان، وإن أمّ البيت الحرام، وفيه اختلاف. ﴿وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ﴾ من إحرامكم- بحج أو عمرة- أي: فرغتم من أعمالهما ﴿فَٱصۡطَادُواْۚ﴾ إن شئتم وهو أمر إباحة بعد الحظر المتقدم، أي: يباح لكم الصيد، في غير الحرم، فكل ما كان مُحرّماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، فقد أبحناه لكم. والأمر بعد التحريم يرد الأشياء إلى ما كانت عليه قبل التحريم.﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ﴾ أي: ولا يحملنكـم ﴿شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ﴾ [وفي قراءة بإسكان النون: (شَنْئان)] أي: بغضهم، وهم المشركون من أجل ﴿أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ عام الحديبية ﴿أَن تَعۡتَدُواْۘ﴾ عليهم بالقتل وغيره، أي: تتجاوزوا ما أمركم الله فيه طلباً للاشتفاء منهم، ظلماً وعدواناً. بل الزموا أمر الله وطاعته فيهم بالعدل في حق كل أحد، فيما أحببتم وكرهتم. من جَرَمه على كذا: أي حمله عليه. أو: ولا يكسبنكم بغضكم للمشركين من أجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام عام الحديبية، على اعتدائكم عليهم انتقاماً منهم. من جَرَمَ بمعنى: كسب، غير أنه يستعمل غالباً في كسب ما لا خير فيه، ومنه الجريمة. وأصل الجُرم: قطع الثمرة من الشجرة، وأطلق على الكسب، لأن الكاسب ينقطع لكسبه. والشنآن: البغض، أو هو البغض المصحوب بتقزُّز، مصدر شنأه - بفتح النون وكسرها - أي: أبغضه. يقال: شنأته أشنؤه شنآناً. [وفي قراءة بكسر الهمزة في «أَنْ»: (إِنْ صدوكم)]. وعند ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم، قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال الصحابة: نصدُّ هؤلاء، كما صدَّنا أصحابهم، فأنزل الله الآية. ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ أي: لِيُعن بعضكم بعضاً على فعل الطاعات والقربات، والتزام الخيرات، واجتناب المنكرات والمنهيات. فالعبد مأمور بفعل الخير والبر بنفسه، وإعانة غيره على فعله. والبرّ: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة في حقوق الله وحقوق خلقه. والتقوى: اسم جامع لامتثال كل ما أمر الله به ورسوله، واجتناب كل ما نهى الله عنه ورسوله. ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ﴾ وهو ترك ما أمر الله بفعله، وفعل ما أمر بتركه، أو كل ذنب ومعصية. ﴿وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ وهو مجاوزة حدود الله ، أي: ما حدّه الله في دينه، وفرضه على العباد في أنفسهم وفي غيرهم. فكل معصية وظلم يجب على العبد كفَّ نفسه عنه، وإعانة غيره على تركه. وفي الصحيح عند البخاري وأحمد من حديث أنس بن مالك:«انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال:«تحجزه وتمنعه من الظلم، فذاك نصره». وفي الحديث أيضاً:«الدال على الخير كفاعله». وفي الصحيح:«من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً». ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ﴾ أي: اخشوه بامتثال ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر ﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ في العاجل والآجل لمن خالفه وعصاه وتجرأ على محارمه.

5:3Page 107

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣

Prohibited to you are dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,2 and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

٣ - ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ﴾ أي: أكلها. والميتة: هي ما مات من الحيوانات من دوابِّ البر وطيره - مما أباح الله أكله - حتف أنفه، من غير ذكاة شرعية، ولا اصطياد، لما فيها من الضرر باحتقان الدم فيها، وقد تموت بعلة تكون سبب هلاكها، فتضر بآكلها في الدين والبدن. ويستثنى من الميتة: السمك والجراد، فإنه حلال. فقد روى مالك والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر؟ فقال:«هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته». وهذه الآية بكمالها وتمامها هي المفسرة لقوله تعالى في الآية الأولى: (إلا ما يتلى عليكم). ﴿وَٱلدَّمُ﴾ أي: المسفوح السائل الجاري، كما في سورة الأنعام(١٤٥): (أو دماً مسفوحاً). وفي الحديث عند أحمد وابن ماجه والبيهقي عن ابن عمر، مرفوعاً:«أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك و الجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال». وقد كان من فعل أهل الجاهلية، أن أحدهم إذا جاع، أخذ شيئاً محدداً من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيواناً من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، فحرم الله الدم على هذه الأمة. و أما ما كان من الدم في اللحم و العروق، فهذا غير مسفوح، و هو معفوٌّ عنه. ﴿وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ﴾ وذلك شامل لجميع أجزائه، فاللحم إذن يعم جميع أجزائه، حتى الشحم وغيره. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقالوا: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تُطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال:«لا، هو حرام»، أي: بيعه. ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ أي: وما ذكر على ذبحه غير اسمه تعالى، من صنم، أو وثن، أو طاغوت، أو نحو ذلك، فإنها حرام بالإجماع، لكونها شركاً بالله تعالى.والإهلال: رفع الصوت، وقد كانوا في الجاهلية يرفعون صوتهم عند الذبح بغير اسم الله، كاللات والعزى.و هذه المحرّمات الأربع من المطعومات، مذكورة في سور البقرة و الأنعام و النحل ، و زاد عليها في هذه السورة ، ستًّا هي:﴿وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ﴾ أي: البهيمة التي تموت بالخنق قصداً أو اتّفاقاً، سواء أكان بفعلها، كأن تُدخل رأسها في موضع لا تستطيع التخلص منه فتموت، أو بفعل غيرها من آدمي أو غيره. وكان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها. ﴿وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ﴾ أي: البهيمة التي تُضرب قصداً أو بغير قصد، بمثقل غير محدد، كخشب أو حجر أو عصاً حتى تموت من غير تذكية. وكانوا في الجاهلية يضربونها بالعصيّ حتى إذا ماتت أكلوها. أما الصيد: فليس فيه وقيذ إذا أصاب بحده، فإن كان بعرضه فهو وقيذ، لما في الصحيح أن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب، قال:«إذا رميت بالمعراض فخزق، فكله، وإن أصاب بعرضه، فإنما هو وقيذ، فلا تأكله». ففرَّق بين ما أصابه بالسهم ونحوه بحده فأحله، وما أصاب بعرضه، فجعله وقيذاً لم يحله، وهذا مجمع عليه. (وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ﴾ أي: البهيمة التي تسقط من علو، كشاهق، أو جبل، أو جدار، أو سطح ونحوه، إلى أسفل فتموت، فلا تحل بذلك. من التردي، مأخوذ من الردي، بمعنى: الهلاك. ﴿وَٱلنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح دون تذكية، فلا تحل، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، إن لم تدرك ذكاتها قبل موتها. يقال: نطحه ينطَحه وينطِحه - بفتح الطاء وكسرها - إذا أصابه بقرنه. والنطيحة فعيلة، بمعنى: مفعولة، أي: منطوحة. ﴿وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ﴾ أي: وما افترسه ذو ناب، كالأسد والنمر والذئب ونحوه، أو عَدى عليه ذو مخلب، كالجوارح من الطيور التي تفترس الصيد، فأكل منه، فمات بسببه دون تذكية، فلا يحل إجماعاً، وإن كان قد سال منه الدم، ولو من مذبحه. وكان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البقرة أو البعير أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ﴾ استثناء من التحريم عائد على ما انعقد موته بسبب عارض، أي: إلا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وفيه بقية حياة، أو حياة مستقرة، يضطرب اضطراب المذبوح، فذكيتموه و ذبحتموه، فإنه يحل بذلك. من التذكية: وهي الإتمام، يقال: ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها. والمراد هنا: إتمام فَري الأوداج وإنهار الدم.فائدة فقهيةواختُلف في اعتبار وجود الحياة في البهيمة المذكاة وعدمه، على قولين: الأول: ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور: إلى اعتبار وجود الحياة في البهيمة المذكاة لتحليلها بالتذكية، قالوا: فإن ذكاها وفيها بقية حياة، حلت، ولو كانت مُبانة الحشوة، أو مخروقة الجوف، أو مثقوبة البطن والأمعاء. الثاني: وذهب مالك: إلى عدم اعتبار الحياة في البهيمة المذكاة لتحليلها، فلو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، أو ثقب بطنها، أو دق ظهرها، أو خرق جوفها حتى تخرج أمعاؤها، وكان فيها بقية حياة، كانت حياتها كعدمها، لعدم فائدة الذكاة فيها. قلت: والأول أوْلى، لاعتبار التذكية في قوله: (إلا ما ذكيتم) . والله أعلم. أما الدليل في التذكية على إنهار الدم وأنه يكون في الحلق واللّبة: ما في الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقُصُب؟ فقال:«ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السنَّ والظفر. وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة». أي: أن السن و الظفر لا ينهران الدم. وفي الحديث عند الدارقطني عن عمر موقوفاً:«ألا إن الذكاة في الحلق واللبّة». وعند أحمد وأصحاب السنن- بسند صحيح- من حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبّة والحلق؟ فقال: «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك». لكنه محمول على ما لا يُقدر على ذبحه في الحلق واللبّة.﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ وهي أحجار نصبوها حول الكعبة، كانوا يذبحون عليها، ويعبدونها من دون الله، ويعظمونها، ويلطخونها بدماء الذبائح. فنهى الله المؤمنين عن ذلك كله، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي تذبح عند النُّصب، ولو كان يذكر عليها اسم الله، لأنها شرك بالله. والنُّصب: جمع نِصاب، ككتب وكتاب، أو جمع نَصْب، كسُقف وسَقْف، أو هي واحد الأنصاب، وهي غير الأصنام، إنما الأصنام: المصورة المنقوشة. ﴿وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ﴾ أي: و حرَّم عليكم أن تطلبوا علم ما قُسِم لكم في سفر، أو غزو، أو نحو ذلك من أموركم بواسطة الأزلام، أو القداح، وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية، مكتوب على أحدها: أمرني ربي، أو افعل، وعلى الآخر: نهاني ربي، أو لا تفعل، والثالث غفْل من الكتابة، فإذا أرادوا شيئاً من ذلك، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها، فإن خرج الآمر، أقدموا على الأمر، وإن خرج الناهي ،أمسكوا عنه، وإن خرج الغُفل، أجالوها ثانية، حتى يخرج الآمر أو الناهي. والاستقسام: طلب القسم أو الحكم أو النّصيب ، أي: ما يُقدَّر له من خير أو شر. وقد حرمه الله على المؤمنين، لأنه تعرض لدعوى علم الغيب، وضرب من الكهانة، وقد عوض الله المؤمنين عنه خيراً بالاستخارة الشرعية.والأزلام: جمع زُلَم- بضم الزاي وفتحها، مع فتح اللام- كجَمل وصُرد. وهي الأقداح: جمع قِدْح- بكسر القاف-: سهم صغير لا نصل له ولا ريش. ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: المذكور من جميع المحرمات التي حرّمها الله صيانة لعباده، وحفظاً لدينهم وأبدانهم، سواء في ذلك تعاطيه، وتناوله، وفعله ﴿فِسۡقٌۗ﴾ أي: خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وغيّ وضلالة، وشرك وجهالة.فائدة حديثيةوفي الحديث عند أحمد والبخاري عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يُعلِّمنا السّورة من القرآن، ويقول:«إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسميه باسمه- خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به». ﴿ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: انقطع رجاؤهم وطمعهم ﴿مِن دِينِكُمۡ﴾ أي: من إبطال أمر دينكم، وردّتكم عنه، لما رأوا من عز الإسلام وظهوره، و قوته و هيمنته، وسطوته. والمراد «باليوم»: يوم عرفة، وكان يوم جمعة، عام حجة الوداع، في السنة العاشرة من الهجرة. واليأس: انقطاع الرجاء، وهو ضد الطمع. وفي هذه السنة لم يحج مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال:«إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرة العرب». ﴿فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ﴾ أي: فلا تخافوا المشركين أن يظهروا على أمركم أو يبطلوا دينكم، أو يردوكم عنه. ﴿وَٱخۡشَوۡنِۚ﴾[و في قراءة بإثبات الياء: (واخشوني)] أي: ولكن خافوا الله الذي أيدكم بنصره، وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم، وجعل الدائرة عليهم ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾ بظهوره على الدين كله، وإتمام نصره، وإكمال شرائعه، وأحكامه وفرائضه، الظاهرة منها والباطنة، في الأصول والفروع، فلا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ولا أصل إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ﴿وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي﴾ الظاهرة والباطنة، بإكمال الدين، وبفتح مكة، وقهر الكفار، وإياسهم عن الظهور عليكم، كما وعد بقوله: (ولأتم نعمتي عليكم)البقرة(١٥٠)، وقوله: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً)الأنعام(١١٥) أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، والحلال والحرام. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ أي: اخترته واصطفيته لكم ديناً وشِرعةً، كما ارتضيتكم له، فارضوه لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله لكم، وبعث به أفضل رسله، وأنزل به أشرف كُتبه. وعن ابن عباس: (اليوم أكملت لكم دينكم) هو الإسلام، قد أكمل الله لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله فلا يُنقصه أبداً، وقد رضيه الله، فلا يُسخطه أبداً. وروى ابن مردويه عن علي، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، وهو قائم عشية عرفة، وكان يوم جمعة. ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ﴾ أي: فمن ألجأته الضرورة ودعته الحاجة الملحة إلى أكل شيء من هذه المحرمات - المذكورة في الآية - وتناولها ﴿فِي مَخۡمَصَةٍ﴾ أي: في مجاعة شديدة، فأكله ﴿غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ﴾ أي: غير مائلٍ لمعصيةٍ عمداً، بأن يكون غير باغ ولا عاد ولا متجاوز قدر الضرورة، فلا إثم عليه. ومثله قوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)البقرة(١٧٣). والاضطرار: الوقوع في الضرورة الشرعية.والمخمصة: خلو البطن من الغذاء عند شدة الجوع. ومتجانف: من الجنف, وهو الميل. يقال: جنِف - بكسر النون - عن الحق: إذا مال عنه. وجنَِف عن طريقه - بكسر النون وفتحها - جَنَفاً وجُنُوفاً، مال عنه. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ﴾ له ما أكل في حال الضرورة الملجئة ﴿رَّحِيمٞ﴾ به في إباحته له، بما يقيم به أوده، من غير نقص يلحقه في دينه. وهذا بخلاف المائل لإثم، المتلبِّس به، كالباغي - الطالب للحرام وهو يجد سعة عنه -والعادي - المتجاوز حد الضرورة - فلا يحل له الأكل. وفي المسند عند أحمد مرفوعاً عن ابن عمر، وعند ابن حبان في «صحيحه»: قال رسول الله ﷺ :«إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته».فائدة فقهيةقال الفقهاء: قد يكون أكل الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو إذا ما خاف على نفسه الهلاك ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، أو مباحاً بحسب الأحوال. واختلفوا: هل يتناول من الميتة عند الضرورة قدر ما يسد به رمقه، أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال ثلاثة: الأول: فذهب قوم: إلى أن له أن يتناول منها قدر ما يسد به الرّمق، واستدلوا له: بما رواه أحمد عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إن بأرض تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحلُّ لنا الميتة؟ قال:«إذا لم تصطبحوا- يعني به: الغداء- ولم تغتبقوا- يعني به: العشاء- ولم تحتفئوا بها بقلاً، فشأنكم بها- أي: فكلوا منها-» وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. الثاني: وذهب غيرهم: إلى أن له أن يتناول منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، واستدلوا له: بما تفرّد به أبو داود من حديث النجيع العامري، أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: ما يحل لنا من الميّتة؟ قال:«ما طعامكم؟» قلنا: نصطبح ونغتبق- أي: قدح غُدوة وقدح عشيّة- فقال النبي ﷺ :«ذاك وأبى الجوع». فأحل لهم الميتة على هذه الحالة. فكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئاً لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم. الثالث: وذهب آخرون: إلى أنه يجوز عند الضرورة الملجئة الأكل من الميتة والشّبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، واستدلوا: بما رواه أبو داود عن جابر بن سمرة: أن رجلاً نزل الحرّة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلّت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، فقالت له امرأته: اسلخها، حتى نُقدِّد شحمها ولحمها، فنأكله، قال: لا، حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتاه فسأله، فقال:«هل عندك غنىً يغنيك؟» قال: لا، قال:«فكلوها». قلت: والأول أوْلى، فإن ألجأته الضرورة إلى غير سد الرمق، فبها، لعموم قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. قوله: (غير متجانف لإثم) كقوله في سورة البقرة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تُنال بالمعاصي، وهو قول الشافعي. وسببه: أنه فسّر قوله: (غير باغ) أي: غير خارج على المسلمين (ولا عاد) أي: ولا قاطع الطريق على المسلمين. والتفسير بغير طالب للحرام، وهو يجد عنه سعة، وغير متجاوز حدّ الضرورة الشرعية- أْوْلى في سياق الآية.و الله أعلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском