Al-Jami' al-WajizAl‑Muzzammil · 73:1–20

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

المزمل

Al-Muzzammil

The Enshrouded One · Meccan · 20 ayahs

73:1Page 574

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ١

O you who wraps himself [in clothing],1

١ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ﴾ أي: المتزمّل في ثيابه أو بها، المتلفّف فيها، نودي بذلك تأنيساً له وملاطفة، على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطَب، من حالته التي هو عليها.يقال: زمّلته في ثيابه تزميلاً، أي: لفّفته فتلفّف. وأصل المزّمل: المتزمِّل، فأدغمت التاء في الزاي.وهذا الخطاب له ﷺ حيث كان يتزمّل بثيابه أوّل ما جاءه جبريل بالوحي، خوفاً منه.فقد روى البخاري في «صحيحه» عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال: «... فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئثْتُ منه – أي: فزعت رعبا - فرجعت فقلت: زملوني، زمّلـوني، فدثّرونـي، وفي روايـة: فزمّلوني».ثم بعد ذلك خوطب ﷺ بالنبوة والرسالة، وأنِسَ بجبريل عليه السلام.

73:2Page 574

قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٢

Arise [to pray] the night, except for a little -

٢ - ﴿قُمِ ٱلَّيۡلَ﴾ أي: للصّلاة والعبادة ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ منه، بحكم الضرورة للاستراحة والنوم ومصالح البدن.

73:3Page 574

نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا ٣

Half of it - or subtract from it a little

٣ - ﴿نِّصۡفَهُۥٓ﴾ بدل من (قليلاً)، أي: فلا تقم هذا النّصف للصّلاة، واتّخذه للنوم والراحة، ووُصف بالقلّة، للإشارة إلى أن النصف الآخر العامر بالقيام للصّلاة بمنزلة الأكثر في الثواب والفضيلة، بالنسبة لهذا النّصف الخالي منه.﴿أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ﴾ أي: من هذا النّصف الخالي من القيام ﴿قَلِيلًا﴾ حتى يصير ثلثاً، وتكون مدّة القيام الثلثين.

73:4Page 574

أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤

Or add to it, and recite the Qur’ān with measured recitation.

٤ - ﴿أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ﴾أي: على هذا النصف الخالي من القيام قليلاً، حتى يصير ثلثين، فتكون مـدّة القيـام ثلثاً.أو: (نصفه) بدل من (اللّيل) أي: قم نصفه (أو انقص منه) أي: من هذا النصف (قليلاً) إلى الثلث.(أو زد عليه) أي: على هذا النصف إلى الثلثين. فكأنه قال: قم للصّلاة والعبادة نصف الليل، أو ثلثه، أو ثلثيه. و «أو» للتخيير، أي: خيّره تعالى بين قيام النّصف تامّاً، وبين قيام الثلث، وقيام الثلثين.﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ أي: بيّنه تبييناً إذا قرأته، وفصّله تفصيلاً، وترسّل فيه ترسّلاً، أثناء ما ذكر من القيام، واقرأه على تمهّل وتدبّر، لأن ذلك أعون على تأمّله وفهمه، وأثبت لمعانيه في القلب.من قولهم: ثَغْر رَتْلٌ: أي: مفلّج الأسنان، لم يتّصل بعضها ببعض.والترتيل: هو أن يبيّن جميع الحروف، ويوفي حقّها ومستحقّها، دون تنطّع وتقعّر في النّطق.فائدةأخرج أحمد ومسلم عن سعيد بن هشام، قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ، قالت: ألست تقرأ هذه السورة: (يا أيها المزّمل)؟ قلت: بلى، قالت: «فإن الله افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حَوْلا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السّورة – وهي قوله سبحانه: (فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسّر من القرآن)المزمل(٢٠) فصار قيام الليل تطوّعا من بعد فرضه».واختُلف في الوجوب وعدمه في حقّه ﷺ وحقّ أمّته على أقوال:فقيل: أوجب الله تعالى قيام اللّيل على نبيّه ﷺ وعلى أمّته، وخيّره بين قيام النّصف أو الثلث أو الثلثين، ثم خفّف عنه وعن أمّته وجوب قيام هذا المقدار المعيّن، بقوله في آخر السّورة: (فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسّر من القرآن) أي: فصلّوا بالليل ما تيسّر لكم دون تحديد بالمقادير المعيّنة – من النصف والثلث والثلثين – ثم خفّف وجوب القيام في حقّه ﷺ وحقّ أمّته بفرض الصلوات الخمس، مع ضميمة قوله ﷺ للأعرابيّ حين سأله عن الصّلوات الخمس: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلاّ أن تطوّع» رواه البخاري.وقيل: خُفّف وجوب القيام في حقّ الأمّة فقط، وبقي الوجوب في حقّه ﷺ، لقوله تعالى: (ومن اللّيل فتهجّد به نافلة لك)الإسراء(٧٩) أي: فريضة زائدة على الصلوات الخمس، خاصّة بك.وقيل: كان القيام فرضاً على النبي ﷺ وحده، دون سائر أمّته، لتوجّه الخطاب له، وهو قول قويّ. أفاده العلامة حسنين مخلوف في «تفسيره».قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلاً):قالت عائشة: كان ﷺ يقرأ السورة فيرتّلها، حتى تكون أطول من أطول منها.رواه مسلم.وفي صحيح البخاري عن أنس: أنه سُئل عن قراءة رسول الله ﷺ، فقال: كانت مدّا، ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم.وأخرج أحمد وأبو داود والترمذيّ عن أم سلمة: أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ، فقالت: كان يقطّع قراءته آية آية: (بسم الله الرحمن الرحيم ١ الحمد لله رب العالمين ٢ الرحمن الرحيم ٣).وفي الحديث أيضاً: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» و «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن». رواهما البخاري.

73:5Page 574

إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥

Indeed, We will cast upon you a heavy word.1

٥ - ﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ﴾ أي: سنوحي إليك ﴿قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾ أي: قرآناً عظيماً جليلاً، ثقيلاً على المكلّفين، لما فيه من الفرائض والحدود، والتكاليف الشرعية، ومنها الجهاد. أو: شديداً شاقّا عليك تحمّله، وقد كان ﷺ يلقى من الوحي شدّة عظيمة.والمعنى: لا تبال مشقّة هذا القيام الذي أوجبناه عليك،لأنه مهما بلغ، أسهلُ مما سيرد عليك في الوحي المنزّل من التكاليف الكثيرة، فانهض به ومرّن به نفسك على تحمّل المشاق.

73:6Page 574

إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦

Indeed, the hours of the night are more effective for concurrence [of heart and tongue]1 and more suitable for words.2

٦ - ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: إن العبادة التي تحدث في الليل وتنشأ فيه ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا﴾ أي: ثباتا في القلب ورسوخاً فيه، أو: أشدّ مواطأة بين القلب واللّسان، وموافقة على تفهّم القرآن، ورسوخاً في العبادة.[و في قراءة (أشد وطاءً)] ﴿وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾ أي: أبين قولاً، وأثبت مقالاً، وأصوب قراءة من عبادة النّهار، لحضور القلب فيها، وأشدّ استقامة، لهدوء الأصوات والحركة باللّيل، وذلك أجمع للفكرة، وأبعث على التأمل والتدبّر واستحضار المعاني.وقيل: الناشئة: النفس المتهجدة التي تنشأ من مضجعها – أي: تنهض- إلى العبادة.من نشأ من مكانه ونشر: إذا نهض.أو: هي ساعات الليل وأوقاته، لأنها تنشأ واحدة بعد واحدة، أي: متعاقبة.أو: نشأة الليل وطبيعة خلقه ومظهره.والمراد: الحث على الاستدامة على هذه العبادة الليلية، والترغيب فيها بذكر مزاياها وآثارها في ترويض النفوس وشحذ الهمم، استعداداً للقيام بما سيُشرع من التكاليف.

73:7Page 574

إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧

Indeed, for you by day is prolonged occupation.

٧ - ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾ أي: تقلّباً وتصرّفاً في مهمّاتك، وتردّداً في حوائجك ومعاشك وأشغالك، واشتغالاً بأعباء الرسالة، فلا تستطيع أن تتفرّغ للعبادة تفرّغاً تاماً إلا في الليل. أي: فصلّ فيه.وقد تقدّم أن هذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم خفّف الله عن عباده، فصارت تطوّعاً.من السّبح، وأصله: المرّ السريع في الماء، ثم استعير لما ذُكر.

73:8Page 574

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨

And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.

٨ - ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ﴾ أي: دُم على ذكره تعالى ليلا ونهاراً بالتسبيح، والتحميد، والصّلاة، وتلاوة القرآن، وسائر أنواع الذكر، فهو تعميم بعد التخصيص.﴿وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا﴾ أي: انقطع إليه تعالى في العبادة والدعاء انقطاعاً دون غيره،وجرّد نفسك عن كلّ ما سواه. من التبتّل: وهو الانقطاع إلى عبادة الله عزّ وجلّ.مصدر بتل، وهو ملزوم التبتّل، ومنه: بَتَلْتُ الحبل، أي: قطعته.

73:9Page 574

رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩

[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1

٩ - ﴿رَّبُّ﴾ [و في قراءة: بالجر (ربِّ)] ﴿ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ﴾ اسم جنس، فيشمل المشارق والمغارب كلّها،أي: هو ربّ المشرق والمغرب، ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق سواه.﴿فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا﴾ أي: قائماً بأمورك، حافظاً ومدبّراً لها، أو: موكولاً له أمورك، مفوضاً إليه أسبابك، واثقا به، كما قال تعالى:(فاعبده وتوكّل عليه)هود(١٢٣).

73:10Page 574

وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠

And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.

١٠ - ﴿وَٱصۡبِرۡ﴾ يا محمد ﴿عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: كفّار مكّة، من الأذى والتكذيب لك.﴿وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا﴾ أي: اعتزلهم اعتزالاً حسناً لا جزع فيه.وهذا قبل الأمر بقتالهم.أو: أعرض عن مكافأتهم بالمثل.

73:11Page 574

وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١

And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.

١١ - ﴿وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ أي: دعْني، أو اتركني وإيّاهم وكِلْ أمرهم إليّ، فسأكفيكهم. وفيه وعيد وتهديد.﴿أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ﴾ أي: أهل التنعّم والترفّه والسّعة وغضارة العيش في الدنيا، وهم المكذّبون المترفون من صناديد قريش﴿وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا﴾ أي: أخّـرهم زماناً قليلاً، هو مدّة الدنيا، أو انقضاء آجالهم، أو المدّة الباقية إلى يوم بدر، ثم يعذّبون أشدّ العذاب، كما قال تعالى:(نمتّعهم قليلاً ثم نضطّرهم إلى عذاب غليظ)لقمان(٢٤).

73:12Page 574

إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢

Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire

١٢ - ﴿إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا﴾ أي: عندنا قيوداً أو أغلالاً ثقالاً شديدة. واحدها نِكْل – بكسر النّون – وهو القيد الشديد يوضع في الرّجل لمنع الحركة. وسمّيت القيود أنكالا: لأنها يُنكل بها، أي: يُمنع.﴿وَجَحِيمٗا﴾ أي: ناراً محرقة، مؤجّجة مسعّرة.

73:13Page 574

وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣

And food that chokes and a painful punishment -

١٣ - ﴿وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ﴾ أي: ذا نشوب في الحلق، أي: أنه يغصّ أو ينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج ولا ينساغ فيه، وهو الزّقوم والغسلين والضّريع.والغصّة: ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره، وجمعها: غُصص. أو: ما يغصّ به آكله فلا يُسيغه.﴿وَعَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلماً موجعاً زيادة على ما ذكر، لمن كذّب النبي ﷺ.

73:14Page 574

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤

On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.

١٤ - ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ﴾ أي: استقرّ ذلك العذاب لدينا يوم تضطرب الأرض والجبال وترتجّ وتتزلزل بما عليها، وهو يوم القيامة.من الرّجْف: وهو الاضطراب الشديد، ومنه: الرّجفة والإرجاف، وبحر رجّاف، أي مضطرب.﴿وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا﴾ أي: وتكون الجبال رملاً مجتمعاً، بعد أن كانت حجارة صلبة عظيمة.من كَثبَ الشيء يكثُبه ويكثِبه – بالضمّ والكسر -: جَمَعه من قُرْب وصبّه. وجَمْعُه: كُثُب وأكثبة وكُثبان، وهي تلال الرّمل.﴿مَّهِيلًا﴾ أي: سائلاً متناثراً بعد اجتماعه، منهالاً. والمهيل: الذي يحرّك أسفله، فينهال عليه من أعلاه ويتتابع. وهو من هال يهيل. وأصله: مهيول، نُقلت ضمّة الياء إلى الهاء لاستثقالها، وعُبّر بالماضي لتحقّق وقوعه.

73:15Page 574

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥

Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.

١٥ - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ﴾ يا أهل مكّة، والمراد: عموم الناس ﴿رَسُولٗا﴾ هو محمد ﷺ.﴿شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ﴾ يوم القيامة بأعمالكم ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا﴾ هو موسى عليه السلام يدعوه إلى الحقّ.

73:16Page 574

فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦

But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.

١٦ - ﴿فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ﴾ وكذّبه ولم يؤمن بما جاء به ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا﴾ أي: ثقيلاً شديداً مهلكاً، وخيم العاقبة، ردئ العقبى.يقال: ضرْبٌ وبيل، أي: شديد، وكلأ وبيل، أي: وخم لا يُستمرأ لثقله.واستوبل فلان كذا: لم يحمد عاقبته.أي: فاحذروا أنتم أن تكذّبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون من العقوبة الشديدة، وهو قوله سبحانه:(فأغرقناه ومن معه جميعاً)الإسراء(١٠٣).

73:17Page 574

فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧

Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1

١٧ - ﴿فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ﴾ في الدنيا ﴿يَوۡمٗا﴾ أي: عذاب يوم، أي: كيف تَقُون أنفسكم إن بقيتم على كفركم، وبأي حِصْن تتحصّنون من عذاب يوم ﴿يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا﴾ لشدّة هوله، وهو يوم القيامة.أي: يصير الأطفال فيه بيض الشّعور، وهو حقيقة، أو مجاز، كناية عن شدّة الخوف.جمع أشيب. والأصل في شين «شيباً» الضمّ، وكُسرت لمجانسة الياء. ويقال في اليوم الشديد: يومٌ يُشيِّب نواصي الأطفال.

73:18Page 574

ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨

The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.

١٨ - ﴿ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ﴾ أي: السماء مع عظمها، شيء منشقّ في ذلك اليوم.أو: السماء ذات انفطار، أي: انشقاق، بسبب ذلك اليوم.أو: متشقّقة متصدعة بسببه، لشدّته وعظيم هوْله.والتذكير – في قوله: (منفطر) -: لتأويل السماء بالسّقف، أو لأن السماء اسم جنس واحده «سماوة»، فيجوز فيه التذكير والتأنيث. والباء في «به» بمعنى: «في» أو: بسببه، والضمير عائد إلى اليوم.﴿كَانَ وَعۡدُهُۥ﴾ تعالى بمجيء ذلك اليوم ﴿مَفۡعُولًا﴾ أي: كائناً واقعاً لا محالة، فإنه لا يخلف وعده.

73:19Page 574

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩

Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.

١٩ - ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ﴾ أي: ما تقدّم من الآيات ﴿تَذۡكِرَةٞۖ﴾ أي: عظة وعبرة للخلق، يتذكّرون بها ويتعظون ويعتبرون.﴿فَمَن شَآءَ﴾ الاتعاظ والانتفاع بها ﴿ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ﴾ أي: بالإيمان والطاعة ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقاً موصلاً إلى رضوان الله وجنّته.وفي الآية: دليل على أن الله أقدر العباد على أفعالهم، ومكّنهم منها، وأن أفعالهم تقع بمشيئتهم، دون جبر أو قهر، لكنها لا تخرج عن حدود مشيئة الله.

73:20Page 575

۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ ٢٠

Indeed, your Lord knows, [O Muḥammad], that you stand [in prayer] almost two thirds of the night or half of it or a third of it, and [so do] a group of those with you. And Allāh determines [the extent of] the night and the day. He has known that you [Muslims] will not be able to do it1 and has turned to you in forgiveness, so recite what is easy [for you] of the Qur’ān. He has known that there will be among you those who are ill and others traveling throughout the land seeking [something] of the bounty of Allāh and others fighting for the cause of Allāh. So recite what is easy from it and establish prayer and give zakāh and loan Allāh a goodly loan.2 And whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. It is better and greater in reward. And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

٢٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ﴾ شروع في بيان التخفيف للقيام المأمور به في أوّل السّورة، وحكمته.﴿أَنَّكَ﴾ يا محمد ﴿تَقُومُ أَدۡنَىٰ﴾ أي: أقلّ ﴿مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: تقوم للصلاة زمناً أقلّ منهما بيسير. أفعلُ تفضيل، من دنا: إذا قَرُب، واستعمل في القلّة مجازاً، للزومها للقرب، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت، قلّ ما بينهما من الأحياز.﴿وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ﴾ أي: ويعلم أنك تقوم نصفه أحياناً، وتقوم ثلثه أحياناً أخرى. فهو عطف على (أدنى).[وفي قراءة: (ونصفِه وثلثِه) بالجرّ، عطفاً على (ثلثي) أي: ويعلم أنك تقوم أقلّ من نصفه وأقلّ من ثلثه، للتهجّد في هذه الأوقات].﴿وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ﴾ أي: وتقوم معك للصلاة – ذلك القدر- طائفة من أصحابك، والباقون يقومون في منازلهم.﴿وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ﴾ أي: يعلم مقاديرهما، ما يمضي ويبقى منهما، ويحصيهما بدقّة.﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ﴾ تأكيد لما قبله، أي: علم الله أن لن تُطيقوا مقادير اللّيل والنّهار على الحقيقة، أي: لن تستطيعوا ضبط المقادير التي يستغرقها القيام المأمور به، إلاّ أن تأخذوا بالأوسع والأحوط، وذلك شاق عليكم.أو: علم الله أنكم لن تطيقوا قيام الليل الذي أوجبه عليكم، أو ضبط وقت قيامه بدقّة، للحرج والعسْر.﴿فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ﴾ أي: فرجع بكم إلى التخفيف، وعاد عليكم بالعفو واليُسر ورفع الحرج، ورخّص لكم في ترك القيام المقدّر بتلك المقادير الثلاثة، ورَفَع التّبعة عنكم في تركه، وأمركم بما تيسّر عليكم.﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ في الصلاة؛ بأن تصلّوا ما تيسر لكم من صلاة اللّيل.أو: فصلوا ما تيسّر لكم من صلاة الليل، دون تقدير بجزء معيّن منه.وسمّيت الصلاة قرآناً، كما في قوله تعالى: (وقرآن الفجر)الإسراء(٧٨) - أي: صلاته، تسميةً لها باسم ركنها؛ كما سمّيت قياماً وركوعاً وسجوداً، وكما في قوله: (ولا تجهر بصلاتك)الإسراء(١١٠) أي: بقراءتك.وقد تقدّم في أوّل السورة بيان ارتفاع وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة، لما في حديث الأعرابي عند الشيخين: هل عليّ غيرها؟ - يعني: الصلوات الخمس – قال: «لا ، إلاّ أن تطوّع»، من الدليل على عدم وجوب غير الصّلوات الخمس.﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ﴾ لا يطيقون قيام اللّيل. بيان للأسباب الداعية إلى التخفيف، بعد أن امتحنهم الله بالقيام، فقاموا به كما أمرهم ﴿وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: يسافرون فيها ﴿يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطلبون من رزقه ما يحتاجون إليه في معاشهم، بالتجارة والمكاسب، أي: فلا يطيقون قيام الليل.﴿وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ وهم المجاهدون فلا يتفرّغون للقيام فيه، فكلّ من الطوائف الثلاثة يشقّ عليهم ما ذُكر في قيام الليل، فخفّف الله عنهم بقيام ما تيسّر منه، فقال: ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾ أي: فصلوا ما تيسّر لكم من صلاة اللّيل، وقوموا بما تيسّر لكم منه. أو: فاقرأوا ما تيسر من القرآن في صلاتكم. فصار قيام الليل تطوّعا بعد أن كان فريضة، وكرّره مراعاة لأسباب المرض والسفر والجهاد.﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: المفروضـة الواجبة عليكـم ﴿وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ أي: المفروضة الواجبة، فتكون الآية مدنية. ولكن الراجح أن الآية مكيّة، فيكون المراد بالزكاة: الصدقات التي بها طُهرة النفوس.أو: الزكاة المفروضة من غير تعيين، فقد قيل: إن الزكاة فُرضت بمكة من غير تعيين لأنصابها ومقاديرها والذي فُرض بالمدينة تعيينها.﴿وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ﴾ بأن تُنفقوا ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير ﴿قَرۡضًا حَسَنٗاۚ﴾ أي: احتسابا، خالصاً لوجه الله، بطيبة نفس.﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ﴾ في الدنيا من أعمال البرّ ونحوها ﴿تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ في الآخرة مدّخراً لكم﴿هُوَ خَيۡرٗا﴾ مما خلّفتم، وممّا أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا ﴿وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ﴾ أي: ثوابا، فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال:« قال رسول الله ﷺ: أيّكم ماله أحبّ إليه من مال وارثه؟ قالوا: ما منّا من أحد إلاّ ماله أحبّ إليه من مال وارثه. قال: إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي. ورواه البخاري والنسائي بنحوه.﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب. فائدة فقهية استدلّ أبو حنيفة بقوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسّر من القرآن): على أنه لا يجب تعيّن قراءة الفاتحة في الصلاة، واعتضد بحديث المسيء صلاته عند الشيخين وفيه: «ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن».وذهب الجمهور إلى وجوب تعيّن قراءة الفاتحة في الصلاة، واستدلّوا:بحديث عبادة بن الصامت عند البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».وبحديث أبي هريرة مرفوعاً عند ابن خزيمة في صحيحه: «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأمّ القرآن».قلت: والحق أن قراءة الفاتحة متعيّنة في الصلاة، وأن ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح دليلا عندي، والله تعالى أعلم.انتهى تفسير سورة المزمل

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском