Al-Jami' al-WajizAz‑Zukhruf · 43:1–35

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الزخرف

Az-Zukhruf

The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs

43:1Page 489

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

١ - ﴿حمٓ﴾ وهي للبيان والتنبيه والتحدّي والإعجاز، وقد تقدّم الكلام على الحروف المقطّعة في أوّل سورة «البقرة»، والله تعالى أعلم بمراده بذلك.

43:2Page 489

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

٢ -﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ﴾ يُقسم تعالى بالقرآن الذي أبان وأظهر طريق الهدى من طريق الضلال، وأبان ما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم. وجواب القسم:

43:3Page 489

إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣

Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.

٣ - ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: أنزلناه ﴿قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا﴾ أي: بلسان العرب ولغتهم، لأن كلّ نبيّ أنزل كتابه بلسان قومه ﴿لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ ألفاظه ومعانيه، فتفهمونه، يا معشر العرب، وتتدبّرونه، وتحيطون بما فيه، فإنه في أعلى درجات البلاغة والبيان والفصاحة، مُبين عن المراد، ميسَّر للفهم، واضح جليّ، كما قال تعالى:(بلسان عربيّ مبين)الشعراء(١٩٥).

43:4Page 489

وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤

And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2

٤ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: القرآن ﴿فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: مثبت في أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، إذ هو أصل الكتب السماوية، وكلّها منقولة منه، كما قال تعالى: (وعنده أمّ الكتاب)الرعد(٣٩) أي: أصلها، وقال: (إنه لقرآن كريم ٧٧ في كتاب مكنون ٧٨)الواقعة(٧٧ - ٧٨) وقال: (بل هو قرآن مجيد ٢١ في لوح محفوظ ٢٢) البروج(٢١ - ٢٢). أو: هو العلم الأزليّ.﴿لَدَيۡنَا﴾ أي: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو علوّ ورفعة في قدره وشأنه وشرفه وفضله ومحلّه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي، والأخبار والأحكام، فليس فيه حكم مخالف للحكمة والعدل والميزان.أو: هو رفيع القدر، محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة، لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض ولا تضادّ، ذو حكمة بالغة ومكانة عظيمة، محكم برئ من اللّبس والزيغ. وهذا كلّه تنبيه على شرف القرآن وفضله.

43:5Page 489

أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥

Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?

٥ - ﴿أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ﴾ أي: أفنترك تذكيركم وإلزامكم الحجة بإنزال القرآن ﴿صَفۡحًا﴾ أي: إعراضاً أو معرضين عنكم.والمعنى: أنهملكم فنُعرض عن أن نذكّركم بالقرآن إعراضاً، فلا توعظون ولا تؤمرون ولا تُنهون، لأجل ﴿أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ﴾ أي: مفرطين في الجهالة والضلالة، مسرفين على أنفسكم في الكفر، مصرّين عليه؟ أي: لا يكون ذلك ! فلا نترك تذكيركم به، ولا نُعرض عن ذلك.[و في قراءة: بكسر الهمزة(إن كنتم قوما مسرفين)].يقال: ضربتُ عنه صفحاً: إذا أعرضت عنه وتركته. والصّفح: مصدر صفحتُ عنه: إذا أعرضتَ عنه، وذلك أن تولّيه صفحة وجهك وعنقك.وقيل: معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم، فلا نعذّبكم، ولم تفعلوا ما أُمرتم به؟ قاله ابن عباس، وهو قول مجاهد، واختاره ابن جرير.فإن من سنّة الله تعالى وحكمته وفضله أن لا يترك عباده هملاً، لا يرسل إليهم رسولاً، ولا ينزل عليهم كتاباً، ولو كانوا مسرفين ظالمين، بل الحكمة تقتضي خلاف ذلك.

43:6Page 489

وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦

And how many a prophet We sent among the former peoples,

٦ - ﴿وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا﴾ أي: وكثيراً أرسلنا ﴿مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: في الأمم السالفة السابقة.

43:7Page 489

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧

But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.

٧ - ﴿وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ﴾ يدعوهم إلى الإيمان وطاعة الله﴿إلاّ كانوا به يستهزئون﴾ أي: كاستهزاء قومك بك، فيكذّبونه ويسخرون منه ومن دعوته. وفيه تسلية له ﷺ في تكذيب من كذّبه من قومه.

43:8Page 489

فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.

٨ - ﴿فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم﴾ أي: من هؤلاء المسرفين المكذّبين لك من قومك ﴿بَطۡشٗا﴾ أي: سطوة وقوّة.يقال: بطش به يبطِش ويبطُش – بكسر الطاء وضمّها -: أخذه بالعنف والسطوة.كقوله: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدّ قوّة)غافر(٨٢).﴿وَمَضَىٰ﴾ أي: سلـف في القـرآن غـيـر مرّة ﴿مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: صفتهم أو: ذكرُ قصصهم التي يحقّ أن تسير مسير المثل لشُهرتها، أي: قد علمتم أخبارهم، فاحذروا مثل مصائرهم.أو: (ومضى مثل الأولين) أي: سنّتهم، أو عقوبتهم، أو عبرتهم، أو: عقوبة الأولين وسنّتنا فيهم، حيث جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذّبين أن يصيبهم ما أصابهم.كقوله: (فجعلناهم سلفا ومثلاً للآخرين)الزخرف(٥٦) وقوله:(سنّت الله التي قد خلت في عباده)غافر(٨٥).

43:9Page 489

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩

And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"

٩ - ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم﴾ يا محمد، أي: المشركين بالله من قومك، العابدين معه غيره: ﴿ مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ الله ﴿ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ أي: المتصّفُ في نفس الأمر بالعزّة والعلم، لا أنّهم يصفونه تعالى بهما. فقولهم: خلقها الله، اعتراف منهم بأنه تعالى الخالق لكلّ ما سواه، وأن معبوداتهم بعض مخلوقاته، ولكنهم كانوا يتخذونها وسائط بينهم وبين الله، فكانت دعوته ﷺ لإبطال هذه الوسائط وتحقيق التوحيد.ثم وصف الله تعالى نفسه بصفات خمس، موجبة للإيمان به وإفراده بالعبادة، وفيها من الإلزام لهم بالحجّة ما فيه، فقال:

43:10Page 489

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠

[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided

١٠ - ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا﴾ أي: فَرْشاً، ووطاءً تطؤونها بأقدامكم، لإمكان الاستقرار عليها [وفي قراءة: (مهاداً) أي: فراشاً ممهّداً].﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا﴾ أي: طرقاً تسلكونها، أو: معايش.﴿لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم ومصالحكم.

43:11Page 490

وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١

And who sends down rain from the sky in measured amounts, and We revive thereby a dead land - thus will you be brought forth -

١١ - ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ﴾ أي: بمقدار الحاجة والكفاية إليه، وحسبما تقتضيه المصلحة، فلا ينقص بحيث لا يُنتفع به، ولا يزيد بحيث يضرّ البلاد والعباد. أو: بتقدير محكم لحاجتكم وكفايتكم منه.يقال: قَدَرتُ الثوب فانقدر: إذا جاء على المقدار.﴿فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ﴾ أي: فأحيينا بهذا الماء النازل من السماء بلدة مجدبة مقفرة، لا نبات فيها ولا زرع.﴿كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ﴾ -بضم التاء وفتحها، قراءتان - أي: مثلَ ذلك الإنشار والإحياء، تبعثون من قبوركم أحياء للحساب والجزاء، فكيف تنكرونه وتتعاظمونه؟ وفيه تنبيه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها.

43:12Page 490

وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢

And who created the species, all of them, and has made for you of ships and animals those which you mount

١٢ - ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا﴾ أي: الأصناف والأنواع جميعها، ممّا تنبت الأرض، من نبات وزروع وثمار، وغير ذلك، ومن أنفسهم، على اختلاف أجناسهم وأصنافهم وأشكالهم، ومن الحيوانات كذلك على اختلاف أجناسها وأصنافها، وممّا لا يعلمون من ليل ونهار، وحرّ وبرد، وما يتقلّب فيه الإنسان من خير وشرّ، وإيمان وكفر، ونفع وضرّ، وغنى وفقر، وصحّة وسقم، وغير ذلك من المتقابلات.وقيل: خلق كل شيء فزوّجه، فجعل منه الذكر والأنثى، كقوله سبحانه و تعالى:(ومن كل شيء خلقنا زوجين)الذاريات(٤٩).﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ﴾ أي: السفن على اختلاف أنواعها ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ أي: ومن الأنعام، وهي الإبل ﴿مَا تَرۡكَبُونَ﴾ حيث ذلّلها لكم وسخّرها ويسّرها.

43:13Page 490

لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣

That you may settle yourselves upon their backs and then remember the favor of your Lord when you have settled upon them and say, "Exalted is He who has subjected this to us, and we could not have [otherwise] subdued it.1

١٣ - ﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ﴾ أي: لتستقرّوا وتستعْلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، ﴿ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ﴾ أي: فيما سخّر لكم من المراكب في البرّ والبحر، ﴿إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ متمكّنين مرتفقين ﴿وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ﴾ تنزيها لله عن كل نقص وعيب. ﴿ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا﴾ أي: ذلّل لنا هذا المركب الصّعب، وجعله منقاداً لنا ﴿وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾ أي: ما كنّا مطيقين لتسخيره، غالبين له، لولا أن سخّره الله لنا.من أقرن الشيء وله: أطاقه وقوي عليه، كأنه صار له قِرْناً، أي: مثله في الشدّة.أو: ضابطين. يقال: فلان مُقْرن لفلان، أي: ضابط له مطيق.

43:14Page 490

وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤

And indeed we, to our Lord, will [surely] return."

١٤ - ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ أي: لراجعون، صائرون إليه بعد موتنا، فإليه تعالى سيرنا الأكبر.قال ابن كثير: وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخرويّ، فقال: (وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى)البقرة(١٩٧) وباللّباس الدنيوي على الأخرويّ، فقال: (وريشاً ولباس التقوى ذلك خير)الأعراف(٢٦).وفي الحديث عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر، ركب راحلته ثم كبّر ثلاثا، ثم قال: «(سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا السّفر، و اطو لنا البعد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا». وكان إذا رجع إلى أهله قال: «آيبون تائبون، إن شاء الله، عابدون، لربّنا حامدون».وعند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي من حديث علي بن أبي طالب أنه أُتي بدابّة، فلمّا وضع رجله في الرّكاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها، قال: الحمد لله (سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم حمد الله ثلاثاً، وكبّر ثلاثاً، ثم قال: «سبحانك لا إله إلاّ أنت قد ظلمت نفسي، فاغفر لي».ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ما فعلت.

43:15Page 490

وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥

But they have attributed to Him from His servants a portion.1 Indeed, man is clearly ungrateful.

١٥ - ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ﴾ -بإسكان الزاي و ضمها، قراءتان - أي: نصيباً، حيث قال المشركون: الملائكة بنات الله، فإن الولد جزء أبيه – تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيراً -.﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي: جـنـسه، القائـل لذلـك القول ﴿لَكَفُورٞ مُّبِينٌ﴾ أي: بيّن ظاهر الكفر، جحود نعم ربّه عليه.

43:16Page 490

أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦

Or has He taken, out of what He has created, daughters and chosen you for [having] sons?

١٦ - ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ﴾ أي: بل أتّخذ الله لنفسه من خلقه البنات ﴿وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ﴾ أي: اختار لكم، أو: أخلصكم وآثركم بالبنين؟والاستفهام للإنكار، والتوبيخ والتعجيب من شأنه.أي: جعل لنفسه المفضول من الصّنفين ولكم الفاضل، فكيف يستقيم هذا والخلق خلقه، و الأمر أمره؟

43:17Page 490

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧

And when one of them is given good tidings of that which he attributes to the Most Merciful in comparison [i.e., a daughter], his face becomes dark, and he suppresses grief.

١٧ - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم﴾ أي: أحد هؤلاء الجاعلين له من عباده جزءً ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا﴾ أي: بما جعل له شبها ومماثلاً، بنسبة البنات إليه، لأن الولد يشبه الوالد.والمعنى: والحال أن أحدهم إذا أُخبر بولادة أنثى له، أو: بُشّر بالبنت تولد له﴿ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا﴾ أي: صار متغيّراً تغيّر مغتمّ حُزناً وألماً. أو: اغتمّ وتربّد وجهه غيظاً وتأسّفاً ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: وهو ممتلئ قلبه غمّا وكآبة، وغيظاً وكرْباً، من سوء ما بُشر به.فإذا كان هذا حالهم مع البنات، فكيف ينسبونهنّ إلى الله؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيراً.

43:18Page 490

أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨

So is one brought up in ornaments while being during conflict unevident1 [attributed to Allāh]?

١٨ - ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ﴾ أي: أيجترئون، ويجعلون لله مَنْ شأنه وطبيعته أن يُربّى ويَشُبّ في الزّينة والنعمة، ويستكمل بهما.فالهمزة للإنكار والواو للعطف، والمراد: البنات.﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ﴾ أي: عند المجادلة والمخاصمة وإقامة الحجّة ﴿غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ أي: غير مظهـر لحجّته ولا مُفصح عنها، أي: ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان لعجزه وضعفه، فكيف يُنسب من هذا شأنه إلى الله تعالى؟و «يُنشّأ»: أي: يُربّى ويَشُبّ، يقال: نشأ في بني فلان نشئاً ونشوءاً، إذا شبّ فيهم. ونُشِّئ وأُنشئ بمعنىً.[و في قراءة:بفتح الياء و تخفيف الشين:(أومن يَنْشَأ في الحلية)].والمعنى: أن الأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحليّ، وأما نقص باطنها ومعناها، فعجزُها وضعفها عن الانتصار لنفسها إذا خاصمت، أوَ من يكون هكذا يُنسب إلى الله تعالى؟ ويُجعل جزءً له من خلقه؟ وفي الكلام متروك، استُغني بدلالة ما ذُكر منه عليه.

43:19Page 490

وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩

And they described the angels, who are servants of the Most Merciful, as females. Did they witness their creation? Their testimony will be recorded, and they will be questioned.

١٩ - ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فإن قولهم: الملائكة بنات الله، يتضمّن كون الملائكة إناثاً.[و في قراءة (و جعلوا الملائكة الذين هم عندَ الرحمن إناثا)].﴿أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ﴾ أي: أحضروا خلق الله إيّاهم، أو: أرأوا خلقه الملائكة، حتى يشهدوا أنهم إناث؟ وهو تجهيل لهم وتهكّم بهم. [و في قراءة (ءَأُشهدوا خلقهم)].﴿سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ﴾ بذلك في صحائف أعمالهم، لنجازيهم عليها ﴿وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيترتّب عليهم العقاب، وفيه تهديد شديد، ووعيد أكيد.

43:20Page 490

وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠

And they said, "If the Most Merciful had willed, we would not have worshipped them." They have of that no knowledge. They are not but misjudging.

٢٠ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: المشركون: ﴿لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ أي: في زعمكم أيّها المؤمنون ﴿مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ﴾ أي: ما عبدنا هذه الملائكة، أو: ما عبدنا هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة، فعبادتنا إيّاها إنما هو بمشيئة الله وعلمه، فهو راض بها، ويقرّنا عليها، فإنه لو لم يرض ذلك منّا لعاقبنا!قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ﴾ القول من الرّضى بعبادتها، وإقرارهم عليها ﴿مِنۡ عِلۡمٍۖ﴾ بل هي حجّة باطلة عقلاً وشرعاً ﴿إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ أي: يكذّبون فيه بلا دليل ولا برهان. أو متخرّصون في القول، يقولون ظنّا وحسباناً. أو يخمّنون.قال العلامة حسنين مخلوف: احتجّ المشركون بأن الله تعالى لم يشأ ترك عبادتهم الملائكة، ولو شاء سبحانه ذلك، لتحقّق وثبت، بل شاء تعالى عبادتها، وتحقّقت، فتكون مأموراً بها أو حسنة، ويمتنع أن تكون منهياً عنها أو قبيحة.وهي حجة داحضة عقلاً وشرعاً، أما عقلاً: فإن المشيئة لا تستلزم الأمر ولا الرّضا، لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض، حسنةً كانت أو قبيحة، وهي تابعة للعلم، والله تعالى قد علم من سوء استعداد الكافر، وفساد فطرته، أنه لو خُلّي ونفسه، لاختار الكفر ديناً، فأراده منه، وهو تعالى لا يقع في ملكه إلاّ ما يريد، لكنه لم يأمره به، ولا يرضاه منه، فإنه تعالى لا يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يرضى لعباده الكفر.وشرعاً: فإن الله قد بعث الرسل والأنبياء، وأنزل الشرائع والكتب، بالتوحيد والنّهي عن الشرك، وإنذار المشركين، كما قال تعالى:(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)الزخرف(٤٥) فكيف يأمرهم بما نهاهم عنه؟ ومن أين علموا رضاه تعالى عن عبادتهم الملائكة؟

43:21Page 490

أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١

Or have We given them a book before it [i.e., the Qur’ān] to which they are adhering?

٢١ - ﴿أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا﴾ أي: بل ءأعطيناهم كتاباً ﴿مِّن قَبۡلِهِۦ﴾ أي: من قبل القرآن ينطق بصحّة ما يدّعونه من عبادة غير الله ﴿فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ﴾ يأخذون بما فيه، ويحتجّون به، ويجعلونه لهم دليلاً؟ لا، لم يحدث ذلك.كما قال تعالى:(أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلّم بما كانوا به يشركون)الروم(٣٥) أي: لم يكن ذلك.

43:22Page 490

بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢

Rather, they say, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are in their footsteps [rightly] guided."

٢٢ - ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ﴾ بعد عجزهم عن الحجّة والدليل من العقل والنّقل: ﴿إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ﴾ أي: على دين وملّة، أو: على عادة تعوّدوها، وطريقة تُؤمّ وتُقصد، ساروا عليها، وهي الشرك في العبادة.﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾ بهم، في عبادة غير الله.فاعترفوا بأنهم لا مستند لهم في عبادة غير الله ولا حجّة بأيديهم، ولا شبهة، ولا دليل لهم من عقل أو نقل، سوى تقليد آبائهم في الضّلالة والجهالة.

43:23Page 491

وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣

And similarly, We did not send before you any warner into a city except that its affluent said, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are, in their footsteps, following."

٢٣ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: الأمر كما ذُكر من عجزهم عن الحجّة والدليل، وتمسّكهم بالتقليد الباطل ﴿مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ ﴾ استئناف مبيّن لذلك، دالّ على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم ونظرائهم وأشباههم من الأمم السالفة المكذّبة للرسل، مستند غيرُه.﴿إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ﴾ أي: منعَّموها، أو: متنعّموها، وهم الرؤساء والطغاة الذين صرفهم التنعّم وحبّ البطالة عن النظر إلى التقليد، أي: إلاّ قالوا مثل قول قومك: ﴿إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ﴾ أي: دين وملّة، أو: عادة وطريقة ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ أي: متّبعون لفعلهم، وخصّ المترفين بذلك: تنبيهاً على أن التنعّم هو سبب إهمال النظر، وترك التفكّر فيما حوته رسالات المرسلين.جمع مُترف، يقال: ترف – كفَرحَ – تنعّم، وأترفَتْه النعمة: أطغته.والآية كقوله:(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون)الذاريات(٥٢).

43:24Page 491

۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤

[Each warner] said, "Even if I brought you better guidance than that [religion] upon which you found your fathers?" They said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

٢٤ - ﴿قَٰلَ﴾ لهم الرسول ردّاً عليهم [وفي قراءة: (قل)] أي: يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم﴾ [و في قراءة:(جئناكم)] أي: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم ﴿بِأَهۡدَىٰ﴾ أي: بدين أهدى وأصوب ﴿مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ﴾ من الضلال والجهل؟ ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ﴾ أنت ومن قبلك من الرّسل ﴿كَٰفِرُونَ﴾ لسوء قصدهم وعنادهم ومكابرتهم للحقّ وأهله.

43:25Page 491

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٢٥

So We took retribution from them; then see how was the end of the deniers.

٢٥ - قال تعالى: ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ﴾ أي: من الأمم المكذّبة للرسل قبلك، كقوم نوح وعاد وثمود، بأنواع من العذاب والعقوبات.﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ من تلك الأمم والأقوام، أي: آخر أمرهم ممّا أصبح مثلاً وعبرة، فإن آثارهم موجودة، عرضة للناظر المعتبِر. أي: فليحذر هؤلاء، إن استمرّوا على تكذيبهم، أن يصيبهم مثل ما أصابهم.

43:26Page 491

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship

٢٦ - ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ﴾ أي: واذكر لهم وقت قوله ﴿لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ﴾ الذين قلّدوا آباءهم، فعبدوا الأصنام جهالة منهم في التقليد، دون نظر أو استدلال أو إعمال فكر ﴿إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ﴾ أي: برئ من عبادتكم أو معبوداتكم، برئ من هذه الأصنام، لا أعبدها، ولا أدعوها، ولا أتخذها آلهة، بل أكفر بها وأعاديها.و «براء» مصدر وقع موقع الصّفة، وهي برئ مبالغة، يقال: تبرّأ منه، فهو منه براء – بالفتح والمدّ – يستوي فيه الواحد والمثنّى والجمع، والمذكّر والمؤنث.وأصل البراء والبرْء والتبرّي: التفصّي ممّا يُكره مجاورته.والآية إخبار عن إبراهيم عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلّهم يزعم أنه على طريقته، إذ أنكر على قومه عبادة الأصنام، ونهاهم عنها، ولم يقلّدهم في جهالتهم، تمسّكاً بالبرهان الحقّ، ليسلكوا مسلكه في النظر والاستدلال، معرضين عن التقليد فيما لا يصحّ التقليد فيه.

43:27Page 491

إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧

Except for He who created me; and indeed, He will guide me."

٢٧ - ﴿إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: لكـن الذي خلقـني وأوجدني وأبدعني، فإنني أتولاّه، وأعترف بألوهيته وربوبيّته، وأصرف إليه عبادتي، وأدعوه دون غيره مخلصاً له ديني، والاستثناء منقطع.و يجوز أن يكون الاستثناء متصلا، والمعنى: إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي خلقني. ﴿فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ﴾ أي: سيرشدني إلى دينه القويم، ويثبّتني على الحقّ، بما فيه صلاح ديني ودنياي وآخرتي.

43:28Page 491

وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨

And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].

٢٨ -﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: كلمة التوحيد أو: هذه المقالة – وهي البراءة من الشرك ومن عبادة ما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده ﴿كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ﴾ أي: في ذرّيته إلى يوم القيامة، فلا يزال فيهم من يوحّد الله﴿لَعَلَّهُمۡ﴾ أي: أهل مكة ﴿يَرۡجِعُونَ﴾ عمّا هم عليه من الشرك إلى دين أبيهم إبراهيم، فيتوبون أو يذّكَرون! أو: جعلها باقية في عقبه موصىً بها رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعوة التوحيد.

43:29Page 491

بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩

However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2

٢٩ - ﴿بَلۡ مَتَّعۡتُ﴾ أي: أمهلت ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ المشركين من قومك ﴿وَءَابَآءَهُمۡ﴾ فتطاول عليهم العُمر بضلالهم، ولم أعاجلهم بالعقوبة، فاغتروا بالمهلة وأكبّوا على الشهوات ﴿حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: القرآن ﴿وَرَسُولٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن الرسالة والنذارة، مظهر لهم الأحكام الشرعية، وهو محمد ﷺ.

43:30Page 491

وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠

But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."

٣٠ - ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: القرآن من عند الله ﴿قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ جاحدون، أي: كابروه وعاندوه، كفراً وحسداً وبغياً، فلم يكتفوا بمجرّد الإعراض عنه، بل قدحوا فيه فجعلوه بمنزلة السّحر الباطل.

43:31Page 491

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١

And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1

٣١ - ﴿وَقَالُواْ﴾ مقترحين على الله، معترضين عليه، مستعظمين أن ينزل القرآن على محمد ﷺ، وهو في زعمهم دون عظمائهم جاها ومالاً: ﴿لَوۡلَا﴾ أي: هلاّ ﴿نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ الذي يزعم محمد أنه وحي من عند الله ﴿عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ﴾ أي: من أهل إحدى القريتين: مكة والطائف، من أية واحدة منهما ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجاه والمال، يريدون بذلك: الوليد بن المغيرة المخزوميّ بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفيّ بالطائف، أو غيرهما، ممّن هو معظم عندهم، ذو جاه ومال.

43:32Page 491

أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢

Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.

٣٢ - قال تعالى راداً عليهم: ﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ﴾ أي: النبوّة والرسالة، أي: أبأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة، فيضعونها حيث شاءوا، ويختارون لها من أرادوا؟ لا بل إلى الله عز وجلّ، فالله أعلم حيث يجعل رسالته.والآية إنكار عليهم، وتجهيل لهم، وتعجيب من شأنهم.﴿نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ أي: تولّينا تدبير أسبابها بمشيئتنا المبنيّة على الحكم والمصالح، وفاوتنا بينهم فيما أعطيناهم من الأموال والأرزاق، والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، ولم نكلْه إليهم، لعلمنا بعجزهم عنه، فكيف لا يقنعون بقسمته تعالى في أمر النبوّة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟﴿وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ﴾ أي: في الرزق ومبادئ المعيشة، من مال، ورياسة، وقوة، وعلم، وعقل، وحريّة، وغير ذلك.﴿لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ﴾ أي: مسخّرا في العمل، مستخدماً فيه.أو: ليستخدم بعضهم بعضاً في حوائجهم، ويسخّر بعضهم بعضاً في مهامّهم، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض، ويكون بينهم من التعاون والترافد ما ينتظم به أمر المعاش والعمران، إذ لو تساوى الناس فيما بينهم من القوى الظاهرة والباطنة، لم يحتج بعضهم إلى بعض، ولتعطّل كثير من منافعهم ومصالحهم.أي: فلو وكلْنا ذلك إلى أولئك المقترحين على الله في أمر النبوة والرسالة، لتهارج الناس وتهالكوا، واختلّ النظام وتقوض العمران، وإذا كانوا عاجزين عن تدبير أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا، فما ظنّهم بأنفسهم في تدبير أمر الدّين، وهو أعلى شأناً، وأبعد شأوا من أمر الدنيا!.وكيف يتحكمون على الله في منصب الرسالة، وقد اصطفى لها من شاء من عباده، بإرادته وعلمه وحكمته، ولا معقّب لحكمه.و (سُخرياً) –بضم السين المهملة -: من التسخير بمعنى: التذليل، يقال: سخّر الله السفينة تسخيراً، أي: ذلّلها حتى جرت وطاب لها السير، وكلّ ما ذلّ وانقاد وتهيّأ لك على ما تريد، فقد سُخّر لك، وهو سُخريّ، والياء للنسب.﴿وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ﴾ وهي ما أعدّه الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة ﴿خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ في الدنيا من الأموال وسائر متاعها. والآية تصغير لشأن الدنيا في مقابلة الآخرة، كقوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)يونس(٥٨).

43:33Page 491

وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣

And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.

٣٣ - ﴿وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ مجتمعةً على الكفر مُتفقة، مطبقة عليه ﴿لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ﴾ جمع سَقْف.[وفي قراءة: (سَقْفاً) – بفتح السين وسكون القاف] أي: لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوانها عندنا.﴿وَمَعَارِجَ﴾ أي: مصاعد من الدّرج، أو سلالم، من فضّة.جمع مَعْرج. أو: مراقي﴿عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ﴾ أي: على المعارج والمراقي يرتقون، ويصعدون، ويعْلون إلى الغرف والمباني العالية.والآية بيان لحقارة الدنيا عند الله تعالى، وأنه لولا كراهة أن يكفر الناس جميعاً إذا رأوا الكفّار في سعة من الرّزق، بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة، لأعطينا الكفّار في الدنيا ما وصفنا من أسباب التنعّم لهوانها علينا، ولكن اقتضت الحكمة أن يكون فيهم الغنيّ والفقير، كما اقتضت أن يكون ذلك في المؤمنين، ليتميّز من يطلب الدنيا للدنيا، ومن يطلبها لتكون زاداً للآخرة.

43:34Page 492

وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤

And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline

٣٤ - ﴿وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا﴾ أي: ولجعلنا لبيوت الكفّار أبواباً من فضة، وسرراً من فضّة ﴿عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾.

43:35Page 492

وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥

And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.

٣٥ - ﴿وَزُخۡرُفٗاۚ﴾ أي: وذهباً أو زينة، مزوّقة، أي: ولجعلنا لهم زخرفاً ليجعلوه في السقف والمعارج والأبواب والسّرر، ليكون بعض كلٍّ منها من فضة، وبعضه من ذهب وزينة.والمعنى – كما تقدّم -: لولا كراهة الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكر من متاع الدنيا، لأعطيناه ذلك، لقلة خطر الدنيا عندنا، وهوانها علينا، وعدم حظّه في الآخرة من النّعيم.﴿وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَمَّا﴾ – بتشديد الميم، بمعنى: إلاّ، و «إن» نافية، وبتخفيفها: «لمَا» ف «ما» زائدة، قراءتان – ﴿مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ أي: ليس كلّ ذلك إلاّ متاع الحياة الدنيا، يتمتع به فيها، ثم يزول ويحول.أو: وما كلّ ذلك المذكور إلاّ متاع الحياة الدنيا.﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الشرك والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته، ممتثلاً أمره، مجتنباً نهيه، فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها الدائم الذي لا يزول.وفي الآيات: دليل على أن الله يمنع عباده بعض أمور الدنيا، منعاً عاماً أو خاصاً، لمصالحهم ومنافعهم، وأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، كما في الحديث عند الترمذي – وقال: حسن صحيح – وابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء أبداً».وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة».وفي حديث عمر بن الخطاب، وقد رأى رسول الله ﷺ على رمال حصير، قد أثّر في جنبه، فقال: يا رسول الله، هذا كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان ﷺ متكئاً فجلس، وقال: «أو في شكّ أنت يا ابن الخطاب؟» ثم قال: «أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» وفي رواية: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة».رواه مسلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском