Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
١ - ﴿حمٓ﴾ تقدّم الكلام على هذه الحروف المقطّعة في أوّل سورة البقرة، وهي للبيان والتنبيه لما سيأتي بعده والتحدّي والإعجاز، والله أعلم بمراده بذلك.
41:2Page 477
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
٢ - ﴿تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ أي: هذا القرآن تنزيل صادر من الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، كقوله:(قل نزّله روح القدس من ربك بالحق)النحل(١٠٢).
41:3Page 477
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
٣ - ﴿كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ﴾ أي: مُيّزت ونُوّعت آياته: لفظاً بفواصل ومقاطع، ومعنىً بكون بعضها في بيان صفاته وأفعاله تعالى، وبعضها في عجائب خلقه في العوالم كلّها، وبعضها في الأحكام، وبعضها في المواعظ والقصص والأخبار، وبعضها في التبشير والإنذار، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وبعضها في رياضة النفوس وتهذيبها، وغير ذلك من الفنون والعلوم التي لا تُحصى.أو: هو كتاب بُيّنت معانيه وألفاظه، و أُحكمت أحكامه، كما قال تعالى:(كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير)هود(١).﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا﴾ أي: حال كونه قرآناً عربيا، بيّنا واضحاً معجزاً في لفظه ومعناه، أي: بلغة العرب ليكون لهم ذكراً وحجّة ونعمة.﴿لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ أن القرآن منزّل من عند الله، ويوقنون بذلك، ويفهمون ذلك، أمّا الذين لا يعلمون فلا يكون لهم نعمة، بل هو عليهم عمى.
41:4Page 477
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
٤ - ﴿بَشِيرٗا﴾ بالثواب العاجل والآجل للمؤمنين. صفة (قرآناً).﴿وَنَذِيرٗا﴾ بالعقاب العاجل والآجل للكافرين.﴿فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ﴾ أي: أكثر الكفّار عمّا اشتمل عليه من البشارة والنذارة، واستكبروا عن الإصغاء له﴿فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ﴾ له سماعاً ينتفعون به، أي: سماع قبول وتدبّر وإجابة، مع بيانه وضوحه، وإن كانوا قد سمعوه سماعاً تقوم عليهم به الحجّة الشرعيّة.
41:5Page 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
٥ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: كفّار مكة للنبي ﷺ: ﴿قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ﴾ أي: في أغطية متكاثفة تمنع الفهم ﴿مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ﴾ فلا تفقه ما تقول. جمع «كنان»﴿وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ﴾ أي: صمم أو ثقل عمّا جئتنا به يمنع من استماع قولك ﴿وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ﴾ أي: ساتر وحاجز منيع يمنع التواصل، فلا يصل إلينا شيء ممّا تقول. و الآية تمثيل لنُبوّ قلوبهم عن إدراك الحقّ وقبوله، ومجّ أسماعهم له، وامتناع التواصل بينهم وبين رسول الله ﷺ، و موافقتهم له، لتباعد ما بين المذهبين.﴿فَٱعۡمَلۡ﴾ على دينك وطريقتك ﴿إِنَّنَا عَٰمِلُونَ﴾ على ديننا وطريقتنا، فلا نتابعك.وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة: أن أبا الوليد، عتبة بن ربيعة، وكان سيداً في قومه، ذهب إلى رسول الله ﷺ يعرض عليه أموراً، فقرأ عليه رسول الله ﷺ حم السجدة، فلمّا رجع إلى قومه قال: إني سمعت قولاً ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ، قالوا: سحرك يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدالكم.
41:6Page 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
٦ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذّبين المشركين بالله: ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ لا ما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرّقين. والمعنى: إنما أنا كواحد منكم، لولا الوحي الذي أوحاه الله إليّ، فصرت به نبياً، ووجب عليكم اتباعي.﴿فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ﴾ تعالى بالإيمان والطاعة، وإخلاص العبادة والدّين. أي: فالزموا الاستقامة في طريقكم إليه تعالى، بالإيمان به، وطاعته، وتصديق خبره، و اتباع أمره، واجتناب نهيه والإخلاص في عبادته.﴿وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ﴾ لما سلف منكم من الذنوب ﴿وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ﴾ أي: هلاك وخزي لهم أو حسرة وشدّة عذاب.
41:7Page 477
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
٧ - ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ أي: يمنعون زكاة أموالهم و صدقاتهم، ولا يخرجونها في مصارفها، ولا ينفقون في طاعة الله ﴿وَهُـم بِٱلۡأٓخِـرَةِ هُـمۡ﴾ تـأكيـد ﴿كَٰفِرُونَ﴾ أي: جاحدون لها.
41:8Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
٨ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: آمنوا بالله ورسله وكتبه وصدّقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة للإخلاص والمتابعة.﴿لَهُمۡ أَجۡرٌ﴾ أي: ثواب ﴿غَيۡرُ مَمۡنُونٖ﴾ أي: غير مقطوع عنهم.من مَنَنْتُ الحبل: إذا قطعته. أو: غير منقوص عمّا وعدهم الله به، كقوله: (عطاء غير مجذوذ)هود(١٠٨). وقيل: غير محسوب.
41:9Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
٩ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، الجاعلين له أنداداً: ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ﴾ أي: أوجدها في مقدار يومين من أيام الدنيا، وقيل:من أيام الآخرة: اليوم منهما كألف سنة من أيّامنا﴿وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ﴾ أي: نظراء وأمثالاً من مخلوقاته تعبدونها معه. أو: أضداداً مساوين له في القدر عندكم، أو: شركاء له وأكْفاء تطيعونهم في معاصي الله؟﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: المتّصف بما ذكر، الخالق للأشياء كلها هو ﴿رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: مالكهم الذي يربّيهم بنعمه.جمع «عالم» وهو ما سوى الله، وجُمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون، تغليباً للعقلاء. أي: فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته؟والآية تنديد بالمشركين، لتماديهم في الشرك مع ظهور الدلائل الموجبة للإيمان بوحدانيّته تعالى وكمال قدرته.
41:10Page 477
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
١٠ - ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿رَوَٰسِيَ﴾ أي: جبالاً ثوابت ﴿مِن فَوۡقِهَا﴾ لئلاّ تميد وتضطرب ﴿وَبَٰرَكَ فِيهَا﴾ أي: جعل الأرض مباركة قابلة للخير، كالإنبات، وإخراج ما ينفع الناس ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا﴾ أي: قسّم أرزاق أهلها، بأن جعل أقواتهم التي يحتاجون إليها في معايشهم على مقادير معيّنة، بحيث جعل في كلّ قطر ما يناسب أهله، ليكون الناس محتاجاً بعضهم إلى بعض، فيما يرتفقون به، وليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من قطر إلى قطر، وهو سبب عمارة الأرض، ونظام العالم.﴿فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ ﴾ أي: خلق ما في الأرض في تمام أربعة أيام، أي: تتمّتها، فمدّة خلق الأرض: يومان، وخَلْق ما فيها من رواسي، ومباركة فيها وتقدير لأقواتها: يومان، وتمام المدّتين: أربعة أيام كاملة.﴿سَوَآءٗ﴾ أي: مستوية كاملة، مصدرٌ مؤكدِّ لمضمرٍ، هو صفةٌ ل «أيام»، أي: استوت الأربعة الأيام سواء، أي: استواءً، بأن تمّت فلا تزيد ولا تنقص.و قريء بالرفع و الجر.وقُيِّدت به لدفع توهّم التجوّز بإطلاقها على ما دونها بقليل.﴿لِّلسَّآئِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن خلق الأرض بما فيها، ليعلمه.فكأنه قيل: هذا الحصر، جواب للذين يسألون قائلين: في كم خُلقت الأرض وما فيها؟ فمدّة خلق كلٍّ من الأرض وما فيها: مقدار يومين، وتمام المدّتين: أربعة أيام كاملة.وقيل: (للسائلين) أي: قدّر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها، المحتاجين إليها من المقتاتين بالسعي فيها.
41:11Page 477
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
١١ - ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن خلق الأرض في يومين، وخلق ما فيها في يومين، ﴿ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: توجّهت إرادته، أو: قصد وعمد إلى خلقها وإيجادها ﴿وَهِيَ دُخَانٞ﴾ أي: مكوّنة مما يشبه الدخان (و هو السديم).والدخان: بخار الماء أو ما ارتفع من لهب النار.واستوى: أي: عمد وقصد قصداً سويّا، من قولهم: استوى إلى مكان كذا، إذا توجّه إليه توجّهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر.﴿فَقَالَ لَهَا﴾ أي: للسماء ﴿وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا﴾ أي: انقادا لأمري، واستجيبا لمرادي منكما، طائعتين أو مكرهتين.والمعنى: أخرجا ما خلقتُ فيكما من المنافع لمصالح العباد: كالشمس والقمر والنجوم في السماء، والأنهار والثمار والنبات في الأرض.﴿قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾ أي:أتينا أمرك واستجبنا لمرادك، أو: فعلنا ما أمرتنا به منقادين مذعنين. وهو تصوير و تمثيل لانفعالهما، وظهور الطاعة منهما، وتأثير القدرة الإلهية فيهما، فكان تنزيلاً لهما معاملة من يعقل بكلامهما. أو: أن الله خلق فيهما الكلام، فتكلّمتا بأمره، كما أراد سبحانه.و الحمل على حقيقة المعنى أولى من المجاز.
41:12Page 478
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
١٢ - ﴿ فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ﴾ أي: خلقهنّ، وصيّرهنّ، وأحكمهنّ، وفرغ من تسويتهنّ، سبع سموات، على أبدع صورة وأحكم وضع ﴿فِي يَوۡمَيۡنِ﴾ آخرين، أي: في مقدارهما، فمّدة الخلق كلّها ستة أيام: يومان لخلق الأرض، و يومان لخلق ما فيها، و يومان لخلق السماوات السبع، كما قال تعالى:(وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستّة أيام)هود(٧).﴿وَأَوۡحَىٰٓ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ﴾ أي: خلق وأوجد في كلّ منها ما اقتضت حكمته أن يكون فيها من الملائكة والنيّرات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلاّ الله تعالى. أو: جعل فيها النظام والأمر والتدبير الذي تجري عليه الأمور فيها بحسب ما اقتضته حكمته تعالى.و الإيحاء هنا: هو الأمر التكويني.﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: الأولى ﴿بِمَصَٰبِيحَ﴾ أي: بكواكب ونجوم مضيئة منيرة متلألئة، كتلألؤ المصابيح، على أهل الأرض﴿وَحِفۡظٗاۚ ﴾ أي: وحفظناها حفظاً من الاختلال والاضطراب والسقوط.أو: (وحفظاً) أي: حرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى، أي: وحفظناها حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع بالشهب، كما قال سبحانه وتعالى:(ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين)الملك(٥).﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من خلق الأرض والسماوات وما فيهما ﴿تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ﴾ في ملكه الغالب على أمره، الذي عزّ كلّ شيء فغلبه وقهره﴿ٱلۡعَلِيمِ﴾ بخلقه، الذي أحاط علمه بهم، وبجميع حركاتهم وسكناتهم.فهذا النظام البديع، هو من ترتيب الله القادر على صنع كلّ شيء، الذي يعلم كلّ شيء. فائدةظاهر هذه الآيات: (٩ - ١٢) وآية:(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهنّ سبع سماوات)البقرة(٢٩) يدلّ على تقدّم خلق الأرض وما فيها – من خلق الرواسي والبركة فيها وتقدير أقواتها – على خلق السماء وما فيها. واختلف فيه على أقوال:الأول: ذهب جمهور المفسّرين: إلى تقدّم خلق الأرض وما فيها على خلق السماء وما فيها، لما تقدّم من ظاهر هذه الآيات وآية البقرة.الثاني: وذهب غيرهم: إلى أن خلق السماء متقدّم على خلق الأرض، أخذاً بظاهر قوله تعالى: (ءأنتم أشدّ خلقاً أم السماء بناها)النازعات(٢٧) إلى قوله:(والأرض بعد ذلك دحاها)النازعات(٣٠) أي: بسطها وأوسعها.الثالث: ووفّق بعضهم بين ظواهر الآيات، كما روى البخاريّ عن ابن عباس - من طريق سعيد بن جبير – أن رجلاً قال لابن عباس: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، ثم ذكر من بينها: قوله تعالى: (ءأنتم أشدّ خلقاً أم السماء بناها) – إلى قوله: - (والأرض بعد ذلك دحاها)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين)فصلت(٩) إلى قوله: (طائعين)، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟قال ابن عبّاس: خَلَق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهنّ في يومين آخرين، ثم دحى الأرض، ودحيها: أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: (دحاها) وقوله: (خلق الأرض في يومين)، فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلق السماوات في يومين.وحاصل جواب ابن عباس: أن الله خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، أي: بسطها، فالأرض متقدّمة خلقاً، متأخرة دحواً.ولكن اعترض عليه: بأن آية البقرة صريحة في خلق ما في الأرض جميعاً قبل خلق السماوات، ومعلوم أن خلق ما في الأرض إنما هو بعد الدّحو – أي: البسط – فكيف يكون الدّحو متأخراً عن خلق السماوات؟ولذلك رجّح الجمهور القول الأول، وأوّلوا قوله تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها) – أي: بسطها وأوسعها -: بأن بعْديّة الدّحو، إنما هي في الذكر لا في الإيجاد. أفاده حسنين مخلوف في تفسيره.وسيأتي بيانه مفصلاً في تفسير سورة النازعات إن شاء الله تعالى.
41:13Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
١٣ - ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ﴾ أي: كفّار مكّة عن الإيمان بعد هذا التبيين والبيان، وعن التدبّر والتفكّر في هذه الآيات ﴿فَقُلۡ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَنذَرۡتُكُمۡ﴾ أي: خوّفتكم ﴿صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ﴾ أي: عذاباً مهلكاً مثل عذابهم، يستأصلكم ويجتاحكم، وذلك بسبب ظلمهم وكفرهم وتكذيبهم لرسلهم.والمراد: حذّرتكم عذاباً مثل العذاب الذي أهلك عاداً وثمود.والصاعقة في الأصل: كلّ ما أفسد الشيء وغيّره عن هيئته، وتطلق على الصّيحة التي يحصل بها الهلاك.
41:14Page 478
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
١٤ - ﴿إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾ أي: من قبلهم ومن بعدهم، أو: مقبلين عليهم، ومدبرين عنهم، فكفروا.أو: يتبع بعضهم بعضاً، متوالين.أو: جاءتهم الرسل المتقدّمون منهم والمتأخرون، كقوله:(وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه)الأحقاف(٢١).﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ﴾ أي: بأن لا تعبدوا إلاّ الله وحده، أي: يأمرونهم بإخلاص العبادة لله، وعدم الإشراك به، فردّوا رسالتهم وكذّبوهم، ﴿قَالُواْ﴾ جهلاً وعناداً، وكفراً وتعنّتاً: ﴿لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَٰٓئِكَةٗ﴾ أي: لأرسل إلينا ملائكة رسلاً، ولم يرسل إلينا بشراً من جنسنا.﴿فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ أي: بما تزعمونه من أن الله أرسلكم إلينا، فلا نتّبعكم وأنتم بشر مثلنا.
41:15Page 478
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
١٥ - ﴿فَأَمَّا عَادٞ﴾ وهم قوم هود – عليه السلام - ﴿فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ أي: تكبّروا عن الإيمان بالله، وتصديق رسله، واستعلوا على من في الأرض بغير استحقاق، فبغوْا وعتوْا وعصوْا ﴿وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ ﴾ أي: لا أحد - استفهام إنكاري بمعنى النفي - وكانوا ذوي شدّة في تركيبهم وقواهم، فاغترّوا بذلك حين تهدّدهم هود بالعذاب، معتقدين أنهم يمتنعون بها من بأس الله.قال تعالى راداً عليهم: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي: يعلموا ﴿أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ ﴾؟ فهو القادر على أن يُنزل بهم ما شاء من أنواع عقابه وبأسه، كما قال تعالى:(وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض)فاطر(٤٤).﴿وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: بمعجزات الرسل ﴿يَجۡحَدُونَ﴾ أي: يكذّبون، فعاقبهم الله عقوبة تناسب قوتهم التي اغترّوا بها.
41:16Page 478
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
١٦ - ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا﴾ أي: شديدة السَّموم. من الصَّر – بالفتح – وهو شدّة الحرّ.أو: شديدة البرودة مهلكة.من الصِّر – بالكسر – وهو شدّة البرد الذي يَصرّ، أي: يجمع ظاهر جلد الإنسان ويُقبِّضه.أو: شديدة الصّوت. من صَرَّّ يَصِرُّ صَرّاً وصريراً: إذا صوّت وصاح بشدّة. والحقّ أنها تجمع الشدّتين معاً.﴿فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ﴾ – بكسر الحاء وسكونها، قراءتان - أي: مشؤومات عليهم، أو: مشائيم ذوات نحوس، استمرّت بهم حتى أبيدوا، كقوله:(في يوم نحس مستمرّ)القمر(١٩) أي: ابتُدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمرّ بهم هذا النحس (سبع ليال وثمانية أيام حسوماً)الحاقة(٧) حتى أبادهم عن آخرهم.و (نحسات): جمع نَحِسَةٍ، صفةٌ مشبّهة، من نَحُِسَ، كفرِح وكَرُم – ضدّ سَعِد، وهي أيام الحسوم التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقّة، فاتّصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة.﴿لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ﴾ أي: الذلّ والهـوان ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ بسبب ذلك الاستكبار﴿وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ﴾ أي: أشدّ إذلالاً وإهانة لهم.﴿وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ﴾ أي: لا يُمنعون من عذاب الله في الأخرى، كما لم ينصروا بمنعه عنهم في الدنيا.
41:17Page 478
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧
And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.
١٧ - ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح – عليه السلام - ﴿فَهَدَيۡنَٰهُمۡ﴾ هداية بيان، أي: بصّرناهم، وبيّنا لهم، ووضحنا لهم الحقّ، ودللناهم على طريق الهدى، بما جاءهم على لسان نبيّهم صالح – عليه السلام - وبالنّاقة التي جعلها الله آية وعلامة لهم على صدق نبيّهم، وعرّفناهم طريق الشرّ، ونهيناهم عن اتباع الضلالة ﴿فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ أي: اختاروا الكفر والضلال، على العلم والإيمان ﴿فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ﴾ أي: الهوان والذلّ، وصف به العذاب مبالغة.أو: بمعنى: العذاب المهين. أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة، وذلاً وهواناً، وعذاباً ونكالاً ﴿بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ من التكذيب والجحود، أي: بسبب كسبهم، لا ظلماً من الله لهم.وإنما نصّ هنا على هداية البيان في قوله: (فهديناهم) مع أن جميع الأمم المهلكة، قد قامت عليهم الحجّة، وحصل لهم البيان، لأن آية ثمود – وهي الناقة - كانت آية عظيمة مبصرة، قد رآها كبيرهم وصغيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلذا خصّهم في هذا المقام بزيادة البيان والهدى.
41:18Page 478
وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
١٨ - ﴿وَنَجَّيۡنَا﴾ أي: من تلك الصّاعقة ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الله ويخافون وعيده، أو: يتقون الشرك والمعاصي، وهم صالح – عليه السلام - والمؤمنون معه.
41:19Page 478
وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩
And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,
١٩ - ﴿وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ أي: واذكر لهؤلاء المشركين يوم يُجمعون إلى النار ﴿فَهُمۡ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُستوقف سوابقهم، ليلحق بهم أواخرهم، حتى يجتمعوا، فإذا تكاملت العدّة سيقوا إلى النّار، وبُديء بالأكابر فالأكابر جُرماً، وهو كناية عن كثرتهم.من الوزْع، بمعنى: المنْع، و هو أن يُحبس أوّلهم على آخرهم، أو يردّ أولهم على آخرهم، ليتلاحقوا ويجتمعوا. أو: يساقون ويُدفعون إلى النار دفعاً عنيفاً.والوازع: الذي يكفّ الناس ويحبس أوّلهم على آخرهم.وأعداء الله: هم كلّ من بارز الله بالكفر بآياته، والاستكبار عن عبادته، وتكذيب رسله ومعاداتهم ومحاربتهم.[وفي قراءة: (ويوم نحشُر أعداءَ الله إلى النار) بالنون المفتوحة، وضمّ الشين، وفتح همزة «أعداء» الثانية].
41:20Page 478
حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠
Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.
٢٠ - ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا﴾ أي: النّار، أي: وردوا ووقفوا عليها،﴿شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا من المعاصي، التي أنكروها يوم القيامة، وخصّ هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأن أكثر الذنوب إنما تقع بها أو بسببها.و المراد بالجلود هنا: جميع الأعضاء و الأركان و هو من عطف العام على الخاص.
41:21Page 479
وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١
And they will say to their skins, "Why have you testified against us?" They will say, "We were made to speak by Allāh, who has made everything speak; and He created you the first time, and to Him you are returned.
٢١ - ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ﴾؟ أي: يلومون جلودهم وأعضاءهم و جوارحهم حين شهدوا عليهم ﴿ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ أراد نُطقه، فإنه كما أنطق الألسن في الدنيا، فكذلك أنطقنا في الآخرة، لنشهد عليكم بما عملتم من القبائح و المعاصي﴿وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ بعد الموت للحساب والجزاء.قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى، كالذي بعده.والمعنى: أن القادر على إنشائكم ابتداءً، وإعادتكم بعد الموت أحياء، قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم.أو: فكما خلقكم أوّل مرة بذواتكم وأجسامكم، خلق أيضا صفاتكم، ومن ذلك الإنطاق، فهو لا يخالف ولا يمانع في أمره ومشيئته، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجزيكم بما عملتم من خير أو شرّ.وإنما توجّه اللوم إلى الجلود دون السمع والبصر، لكونها المدركة ألم العذاب الذي لا يدركه السمع ولا البصر.وفي الحديث عند البزّار، ومسلم والنسائي بنحوه، عن أنس بن مالك قال:«ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسّم فقال: ألا تسألوني عن أيّ شيء ضحكت؟ قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإنني لا أقبل عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيداً والملائكة الكرام الكاتبين – قال: فيردّد هذا الكلام مراراً – قال: فيختم على فيه، وتتكلّم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعْداً لكنّ وسحقاً، عنكنّ كنت أجادل».وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، عرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يُصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النار».
41:22Page 479
وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢
And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.
٢٢ - ﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ﴾ في الدنيا، أي: تستخفون عند ارتكابكم الفواحش و المعاصي، مخافة أو كراهة ﴿أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ﴾ لأنكم لم توقنوا بالبعث والمعاد، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي.ولمّا كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية، كان معنى الاستخفاء هنا والاستتار: هو ترك المعصية، خوفاً من هذه الشهادة.﴿وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ﴾ أي: اعتقدتم عند استتاركم واستخفائكم عن مباشرة المعاصي﴿أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: من المعاصي خفيةً فاجترأتم على فعلها. والآية: قيل: هذا من كلام الجلود، أي: تقول لهم جوارحهم يوم القيامة حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم في الدنيا تُخفون شيئاً عنا، مخافة أن نشهد عليكم بما ترتكبون من الكفر والمعاصي، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتنا عليكم، بل كنتم تستترون بالحجب والحيطان لاعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم خفيّات أعمالكم.وقيل: هذا من كلام الله سبحانه وتعالى. فقد روى الشيخان وأحمد والترمذي وغيرهم عن ابن مسعود قال: اختصم عند البيت ثلاثة نفر، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم) الآية.
41:23Page 479
وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."
٢٣ - ﴿وَذَٰلِكُمۡ﴾ أي: هذا الظنّ الفاسد ﴿ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ﴾ وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، وهو ما تخفونه وتسترونه من المعاصي ﴿أَرۡدَىٰكُمۡ﴾ أي: أهلككم، وهو خبر «ذلكم» ﴿فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ في الآخرة، حيث تجرأتم على معاصي الله فخسرتم أنفسكم وأهليكم.يقال: رَدِيَ – كَصدِيَ -: هَلَك، وأرداه غيرُه: أهلكه.وفي الحديث عند أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:«لا يموتنّ أحد منكم إلاّ وهو يحسن بالله الظنّ، فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنّهم بالله، فقال الله تعالى:(وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين)».
41:24Page 479
فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤
So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.
٢٤ - ﴿فَإِن يَصۡبِرُواْ﴾ أي: على العذاب ﴿فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ﴾ أي: مأوى ومنزل، ومكان إقامة واستقرار لهم، أو محلّ ثواء وإقامة أبديّة،﴿وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ﴾ أي: يطلبوا العُتبى، أي: الرّضا من ربّهم، و ذلك بزوال سبـب العتبى، و هـو غضب الله عليهـم﴿فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ﴾ أي: ما هم من المرضيّ عنهم، بل لابد لهم من الثواء في النّار. أو: إن يسألوا العُتبى، وهو الرّجوع إلى ما يرضي الله تعالى عنهم جزعاً ممّا هم فيه من العذاب (فما هم من المعتبين) أي: المجابين إلى ذلك المرجوع بهم إلى مطلوبهم.
41:25Page 479
۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥
And We appointed for them companions1 who made attractive to them what was before them and what was behind them [of sin], and the word [i.e., decree] has come into effect upon them among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
٢٥ - ﴿وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ﴾ أي: هيّأنا وسبّبنا لهؤلاء المشركين – من حيث لم يحتسبوا – قرناء ونظراء من الشياطين، كما قال تعالى:(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا)مريم(٨٣) أي: تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عيها.أو: قرناء السوء من الجنّ والإنس يضلّونهم بالإغواء، ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض.والقيْض: قشر البيض الأعلى، يقال: قيّض الله فلاناً لفلان، جاءه به وأتاحه له. والقرناء: جمع قرين، وهو النظير، ويشمل عموم الشياطين من الجنّ والإنس.أو: سلّطنا عليهم قرناء من الشياطين بمنزلة الأخلاّء لهم فأضلّوهم.﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم﴾ أي: حسّنوا لهم ﴿مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ﴾ من أمر الدنيا، والعمل لها، و اتباع الشهوات والأهواء، والوقوع في معاصي الله ﴿وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾ من أمر الآخرة، بقولهم: لا بعث ولا حساب، ولا جنّة ولا نار،﴿وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ﴾ أي: ثبت عليهم العذاب ووجب، وتحقّق مقتضاه، وهو قوله تعالى لإبليس:(لأملأن جهنّم منك وممن تبعك منهم أجمعين)ص(٨٥).﴿فِيٓ أُمَمٖ﴾ أي: في جملة أمم من الأمم المكذّبة الكافرة ﴿قَدۡ خَلَتۡ﴾ أي: مضت وهلكت ﴿مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ﴾ على الكفر والتكذيب ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ﴾ لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بتكذيبهم وسوء أفعالهم، فلم يربحوا شيئاً.وفي الآية بيان أن هذا التسليط والتقييض للشياطين على الكافرين إنما هو بمشيئة الله وكونه وقدرته، وقضائه وقدره، بسبب إعراضهم عن ذكر الله وآياته وجحودهم للحقّ، كما قال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ٣٦ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ٣٧) الزخرف(٣٦ -٣٧).
41:26Page 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦
And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."
٢٦ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: قال بعضهم لبعض توصيةً عند قراءة النبيّ ﷺ: ﴿لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ﴾ أي: لا تُنصتوا له، أو: لا تطيعوا القرآن ولا تنقادوا لأوامره، و ذلك بأن تعرضوا عنه بأسماعكم، فإن اتّفق سماعكم له، فعارضوه ولا تطيعوه ﴿وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ﴾ أي: ائتوا في القرآن أثناء تلاوة محمد – ﷺ – له باللغو واللّغط، وهو مالا معنى له، من نحو الصّياح والمكاء والتصدية والتخليط في الكلام، أو: ما لا أصل له.أو: عارضوه باللغو والباطل، أو: ارفعوا أصواتكم ليتشوّش القارئ له، فلا يسمعه السامع.﴿لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ﴾ـهُ على القراءة، فيسكت عنها، أو تصدّون من أراد سماعه، فلا يسمعه.يقال: لَغِيَ يَلْغىَ – كلقيِ يَلْقى – إذا تكلّم باللّغو. وهو الكلام الذي لا فائدة فيه، ولا معنى له.قال تعالى فيهم:
41:27Page 479
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧
But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.
٢٧ - ﴿فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا﴾ أي: في مقابلة ما اعتقدوه في القرآن وعند سماعه من اللغو فيه، وهو وعيد عامّ لجميع الكفّار ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ﴾ أي: في الآخرة ﴿أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: جزاء أقبح أعمالهم وشرّ أفعالهم في الدنيا، وهو الشرك بالله.وقيل: المعنى: يجازيهم بمساويء أعمالهم لا بمحاسنها، كصّلة الرحم، وإكرام الضيف، ونحو ذلك ممّا يقع منهم، لأنه باطل لا أجر لهم فيه في الآخرة مع كفرهم، كما قال تعالى:(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً)الفرقان(٢٣).
41:28Page 479
ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨
That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.
٢٨ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: العذاب الشديد، أو أسوأ الجزاء ﴿جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ﴾ عطف بيان ل «جزاء» المخبر به عن ذلك، أي جزاؤهم النّار بالكفر والتكذيب.﴿لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ﴾ أي: دار الإقامة المستمرّة، التي لا انقطاع لها، ولا انتقال عنها، أو دار المكث واللّبث ﴿جَزَآءَۢ﴾ منصوب على المصدر بفعله المقدّر، أي: يُجزون جزاءً ﴿بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ أي: بسبب جحدهم القرآن، وأنه منزّل من عند الله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences