Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
آل عمران
Ali 'Imran
Family of Imran · Medinan · 200 ayahs
١ - ﴿الٓمٓ﴾ تقدم الكلام على هذه الحروف في أول سورة البقرة، آية: (١) وهي للبيان و التنبيه والتحدي و الإعجاز، والله أعلم بمراده بذلك.
3:2Page 50
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Self-Sustaining.1
٢ - ﴿ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي : لا معبود بحق سواه ﴿ٱلۡحَيُّ ﴾ الذي لـه الحيـاة الدائمـة الكامـلة بـلا زوال ولا فناء ﴿ٱلۡقَيُّومُ﴾ أي: القائم بنفسه جل وعلا، المقيم لأحوال خلقه الدينية منها والدنيوية والقدرية، الدائم القيام بذلك. وقد ورد في الحديث: أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: آية الكرسي- سورة البقرة: (٢٥٥)- وهذه الآية. وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة: (٢٥٥).
3:3Page 50
نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣
He has sent down upon you, [O Muḥammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel
٣ - ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن، متلبساً ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ الذي لا شك فيه ولا ريب، وبالصدق في أخباره وأحكامه، وبالحجة الغالبة إلى قيام الساعة ﴿مُصَدِّقٗا﴾ أي: موافقاً ﴿لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ أي: لما تقدمه من الكتب المنزلة قبله على أنبياء الله ورسله، فهي تصدّقه بما أخبرت به وبشّرت، وهو يشهد لها ويوافقها ويصدّق ما جاء به الأنبياء والمرسلون عن ربهم. ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ﴾ على موسى بن عمران عليه السلام ﴿وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ على عيسى بن مريم عليه السلام وفي تخصيص القرآن بصيغة التنزيل- أي: نزّل تنزيلاً- إيماء إلى أنه نزل منجّماً على التدريج، بخلاف التوراة، والإنجيل فقد جاءا بصيغة الإنزال- أي: أنزل إنزالاً- فإنهما نزلا جملة واحدة.
3:4Page 50
مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤
Before, as guidance for the people. And He revealed the Criterion [i.e., the Qur’ān]. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allāh will have a severe punishment, and Allāh is Exalted in Might, the Owner of Retribution.1
٤ - ﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي: أنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن ﴿هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾ أي: هاديين من الضلالة لمن تبعهما في زمانهما، أما هذه الأمة فهي متعبّدة بما لم يُنسخ من الشرائع السماوية مما ورد ذكره في القرآن أو السُّنة الصحيحة على وجه الإقرار. ﴿وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ﴾ أي: وأنزل بهذه الكتب الفارق- أي: ما فرق به- بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، بما ذكره فيها من الحجج والبينات، والدلائل والبراهين الواضحات، مما لم يبق لأحد عذراً في جحودها والكفر بها. وقيل: الفرقان: هو القرآن، الفارق بين الحق والباطل في أمر عيسى وغيره. وهذا من باب عطف العام على بعض أفراده. والفرقان: مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقاً وفرقاناً، إذا فصل بينهما، وهو كل ما فُرّق به بين الحق والباطل. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ التي بيّنها في كتابه وعلى لسان رسوله، فجحدوا القرآن والسُّنة وأنكروهما وردوهما ﴿لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ﴾ يوم القيامة بسبب كفرهم ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٞ﴾ أي: منيع الجانب، أو قوي غالب قاهر كل شيء، أو غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده و وعيده. وعزيز: من العزة: و هي حالة تمنع صاحبها أن يُغلب أو يُقهر. يقال: عز يَعزّ عزاً وعزة، فهو عزيز. ﴿ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ عظيم وعقوبة شديدة ممن عصاه وكفر به وكذّب بآياته وخالف رسله، لا يقدر على مثلها مُنتقم غيره. والنقمة: السطوة، يقال: انتقم منه، إذا عاقبه بذنبه وجنايته، والفعل منه: نقم- بفتح القاف و كسرها- والانتقام: العقاب بسبب ذنب تقدم.
3:5Page 50
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥
Indeed, from Allāh nothing is hidden in the earth nor in the heaven.
٥ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ﴾ كائنٌ ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ لعلمه بما يقع في الكون من كليٍّ وجزئيٍّ، فعلمه محيطٌ بجميع خلقه، لا يخفى عليه إيمان من آمن، ولا كفر من كفر، يعلم السر وأخفى.وخصَّ السماء والأرض بالذكر، لأن الحس والإدراك لا يتجاوزهما.
3:6Page 50
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦
It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
٦ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ﴾ أي: يخلقكم﴿فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ من ذكر وأنثى، وكامل وناقص، وشقي وسعيد، وغير ذلك ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه وسلطانه ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في أمره وشرعه، وخلقه وصنعه وتدبيره.
3:7Page 50
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧
It is He who has sent down to you, [O Muḥammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific.1 As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allāh. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding,
٧ - ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن ﴿مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ﴾ بينات واضحات المعاني والدلالة، لا التباس فيها ولا اشتباه. وهو من الإحكام: بمعنى الإتقان. يقال: أحكمه، أي: أتقنه، فاستحكم ومنعه من الفساد، كحكمه حكماً.وذلك لإحكام عبارتها عن احتمال التأويل والاشتباه، ولمنع الناس من التصرف فيها، لظهورها ووضوح معانيها، وإقامتها حجة من الله على عباده، وعصمة لهم من الزيغ والانحراف. فالمحْكم: ما عُرف تأويله وفُهم معناه المراد منه. أو: ما لا التباس فيه ولا تصريف ولا تحريف عما وُضع له، ولا يحتمل من التأويل إلا وجها واحداً. ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: أصله الذي يعتمد ويعول عليه في الأحكام، ويرجع إليه في الحلال والحرام، ويرد إليه ما خالفه، وما تشابه من آياته، وأشكل من معانيها. وأم كل شيء: أصله وعماده. قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى في لغة العرب: أماً. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ أي: ومنه آيات أُخر متشابهات، وهي غير المحْكمات. والمتشابه: ما يحتمل من التأويل أكثر من معنى، ولا يتعين المراد منها حتى تضم إلى المحكم. أو ما فيه تصريف وتحريف أو خفاء وعدم ظهور، أو احتمال وتردد. وقد يكون المتشابه:مما استأثر الله بعلمه، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور، و إليه ذهب الحنفية. أو مما لا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق، وهو يشمل العام، والمجمل، والمطلق، ونحو ذلك، وإليه ذهب الشافعية. أو مما دل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد، أو خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، ولم يقم دليل آخر على تعيين المراد منه، كآيات الصفات مثل: الاستواء والنزول، واليد والقدم، والتعجب والضحك، والفوقية والمعية، والرحمة والغضب، ونحو ذلك. ومذهب السلف فيه: حمله على ظاهره من غير تفسير و لا تشبيه و لا تأويل على سبيل التفصيل و لا تمثيل له بالحوادث و لا تعطيل ، و لا تحريف و لا تكييف، تعالى الله عن الشبيه و المثيل، فهي صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل، يجب الإيمان بها كما وردت مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى عن التجسيم والتشبيه، لئلا يضاد النقل العقل، وأن ظاهرها غير مراد قطعا لاستحالته عليه تعالى، فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات و صفاتهم. وهذا المذهب أسلم و أحكم و أولى بالاتباع، و هو المعول عليه. و الله تعالى أعلم.يقال: اشتبه الأمران، إذا أشبه كل واحد منهما الآخر حتى التبسا. وأمور مشتبهة ومشبهة- كمعظمة-أي: مشكلة. وشُبّه عليه الأمر تشبيهاً: أي: لُبّس عليه.فائدةالحكمة في إنزال المتشابه:إن كان المتشابه مما استأثر الله بعلمه: فالحكمة فيه الابتلاء والاختبار- كابتلاء الله عباده بالتكاليف والعبادات- ليكون العبد خاضعاً لسلطان الربوبية، مقراً بالعجز والقصور، وفيه غاية التربية. وإن كان المتشابه مما يحتاج معناه إلى نظر دقيق أو مما قام الدليل على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على تعيينه: فالحكمة فيه أن يشتغل أهل النظر والفقه في الدين برد المتشابه إلى المحكم واستخراج الأحكام وأدلتها من النصوص واستقصاء معانيها ومراميها. فيثابون على اجتهادهم كما أثيبوا على عبادتهم. ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ﴾ أي: ميل عن الحق، وانحراف عن الاستقامة، وطرح للقصد السوي، وتنكب عن الجادة إلى الكفر والأهواء والبدع. يقال: زاغ يزيغ، إذا مال، ومنه: زاغت الشمس، إذا مالت. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ﴾ أي: فيتعلقون بالمتشابه من الكتاب، يحرفونه عن مواضعه، ويصرفونه عن وجهه، ويجعلونه دليلاً على مقصدهم وبدعتهم وسوء مذهبهم. أما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم ﴿ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ﴾ أي: اجتهاداً في طلب فتنة المؤمنين عن دينهم، بالتشكيك والتلبيس عليهم، وإثارة الشُّبه حولهم، ومناقضة المحكم بالمتشابه. أو: اجتهاداً في طلب فتن أتباعهم وجهالهم بإيقاعهم في اللبس والشبهات. والابتغاء: الاجتهاد في الطلب. يقال: بغيت الشيء وابتغيته، إذا طلبت أكثر ما يجب. والفتنة: ما يُدفع إليه الإنسان من شدة و نحوها. ﴿وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ أي: وطلب تأويل أو تفسير الكتاب وتحريفه عن موضعه، وصرفه عن وجهه، بما يوافق مشاربهم ومذاهبهم وأهواءهم. ومثله احتجاج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركهم الاحتجاج بقوله: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه)الزخرف(٥٩)وقوله: (قال إني عبد الله) مريم(٣٠)، وقوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)آل عمران(٥٩)، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه عبد الله ورسوله. والتأويل: يطلق بمعنى التفسير والبيان، ومنه: (نبئنا بتأويله)يوسف(٣٦)، أي: تفسيره. وقول المفسرين: تأويل هذه الآية كذا وكذا. و بمعنى حقيقة الشيء وما يئول إليه، من الأَوْل: وهو الرجوع إلى الأصل، وردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه. يقال: آل الأمر إلى كذا يئول أَوْلاً، إذا رجع. وأوَّلتُه إليه: رجعته، ومنه: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله)الأعراف(٥٣) أي: ما ينتظرون إلا حقيقة ومآل ما أخبروا به من أمر المعاد. والمراد هنا: المعنى الثاني. وذهب آخرون إلى اختيار المعنى الأول. وفي الحديث عند البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بمعناه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب)- إلى قوله-: (وما يذكر إلا أولو الألباب)، فقال: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم».و في رواية عند أحمد:«فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم». وعند الطبراني في «الكبير» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال:- وذكر منها- أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله، وليس يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا» . ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ وحده ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ الثابتون المتمكنون فيه، الذين أتقنوا علمهم فلم تعرض لهم فيه شبهة ولا حيرة، ولم يداخلهم فيه شك ولا ريبة. والرسوخ: أصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض، واستعمل في المعاني، فقيل: رسخ الإيمان في قلبه، أي: ثبت واستقر. ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ جميعاًَ، محكمه ومتشابهه ﴿كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾ أي: كل من المحكم والمتشابه حق وصدق من عند الله، لا اختلاف ولا تضاد، فنرد المتشابه، الذي يحتمل أكثر من وجه، إلى المُحكم الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، هو الحق، فيتبين بذلك المعنى المراد منه. فائدةإذا أريد بالتأويل: حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ، وبالمتشابه ما استأثر الله بعلمه أو مما لم يقم دليل على تعيين المراد منه كآيات الصفات ونحوها، فالوقف في القراءة متعين على لفظ الجلالة، لأن حقائق الأمور وكُنهها لا يعلمها على الكلية والجلية إلا الله تعالى. ويكون قوله: (والراسخون في العلم) مبتدأ، و(يقولون آمنا به) خبره. وإذا أريد بالتأويل: التفسير والبيان وبالمتشابه ما يحتاج معناه إلى دقيق نظر، جاز الوقف في القراءة على لفظ «العلم»، لأن الراسخين فيه يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، فيكون هذا مدحاً لهم على علمهم في إنزال نصوص الكتاب والسنة منازلها من الحق والصواب، محكمها ومتشابهها. وعلى هذا يكون قوله: (يقولون آمنا به) حالاً منهم .﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: وما يتعظ ويفهم، ويعقل ويتدبر المعاني على وجوهها إلا أولو العقول السليمة والفهوم القويمة التي لا تركن إلى الأهواء الزائفة. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في نصارى نجران، قالوا: إن الله تعالى يقول عن نفسه في القرآن: (نحن، وإنا) وذلك للجماعة، فهو ثالث ثلاثة-تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- فأمرهم برد هذا إلى المحكم نحو قوله: (قل هو الله أحد)الصمد(١) ونحو (إنما الله إله واحد)النساء (١٧١).روى ابن أبي حاتم بسنده، أن رسول الله ﷺ سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم». وعند أحمد في «مسنده» أن رسول الله ﷺ سمع قوما يتدارئون، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه».
3:8Page 50
رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨
[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1
٨ - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تملها عن الحق والهدى والإيمان بك والتسليم لك، باتباع المتشابه، كما زاغت قلوب الذين يتبعون المتشابهات، دون ردها إلى المحكمات. وهذا من تمام قول الراسخين ودعائهم. وقيل: هو من كلامه تعالى، أي: قولوا ذلك.يقال: زاغت الشمس تزيغ زيغاً، إذا مالت. ﴿بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا﴾ أي: أرشدتنا إلى الحق والهدى ﴿وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ ﴾ كائنة من عندك عظيمة واسعة، تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً ويقيناً. ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ أي: كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال، كثير الفضل والهبات، تهب من تشاء جزيل العطاء. وفي الحديث عند ابن مردويه، وأصله في الصحيحين عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يدعو: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله: ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه. أما تسمعي قوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة) الآية». وعند أبي داود والنسائي، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: «لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب».
3:9Page 50
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩
Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."
٩ - ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ﴾ أي: تجمعهم يوم بعثهم ومعادهم، وهو من تمام كلام الراسخين ودعائهم، أو من كلام الله، أي: قولوا ربنا إنك جامع الناس ﴿لِيَوۡمٖ﴾ أي: لحساب يوم ﴿لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ أي: لا شك في وقوعه و وقوع ما فيه من الحساب والجزاء، و هو يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ أي: موعده بالبعث والمعاد، والحساب والجزاء، فإن الوفاء بالوعد شأن الإله. ويحتمل أن يكون هذا من كلامه تعالى كما تقدم. والميعاد: مفعال من الوعد. والآية: متضمنة الإقرار والإيمان بالبعث والجزاء، واليقين التام بأن الله موقع ما وعد به، وهذا يستلزم موجبه ومقتضاه من العمل والاستعداد لذلك اليوم. والغرض من هذا الدعاء: بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذا سألوا الله الثبات على الحق والهدى لينالوا ثوابهما.
3:10Page 51
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.
١٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله وآياته، وكذبوا رسله، وخالفوا كتبه ﴿لَن تُغۡنِيَ﴾ أي: لن تدفع أو تنفع ﴿عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾ التي ينفقونها في جلب المنافع و دفع المضار، ﴿وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم﴾ الذين يتناصرون بهم في الأمور المهمة ﴿مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ﴾ أي: من عذابه، فلن تفيدهم لديه، ولن تنجيهم من أليم عقابه ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ أي: حطبها الذي توقد به وتسجر وتسعر.
3:11Page 51
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.
١١ - ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: حال هؤلاء الكفار في عدم غناء الأموال والأولاد عنهم، واستحقاقهم عذاب الله، وشأنهم وعادتهم، كحال وشأن و عادة آل فرعون. وأصل الدأب: الدوام، يقال: دأب على كذا يدأب دأَباً ودأْباً ودؤوباً، إذا داوم عليه وجدّ فيه وتعب. ثم غلب استعماله في الحال والشأن والعادة. ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ من الأمم الكافرة، كعاد وثمود وغيرهما ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ ورسلنا ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ﴾ أي: عاقبهم الله العقوبات المهلكة في الدنيا والآخرة بسبب ذنوبهم ومن جملتها تكذيبهم بآيات الله ورسله ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لكل من كفر وكذّب بالله ورسله.
3:12Page 51
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢
Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."
١٢ - سبب نزول الآية:روى أبو داود في «سننه» والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشاً» فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (لعبرة لأولي الأبصار). ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بهذا الدين. قيل: هم اليهود الذين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فأبوا عليه، ونقضوا العهود والمواثيق معه، ومالئوا قريشاً والمشركين على حربه.وقيل: هم مشركو مكة. ﴿سَتُغۡلَبُونَ﴾ في الدنيا بالقتل- كما غلب المشركون في بدر- والأسر والجلاء وضرب الجزية، وقد كان ذلك، وصدق الله وعده بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على سائر اليهود ﴿وَتُحۡشَرُونَ﴾ في الآخرة [وفي قراءة : بالياء في الفعلين (سيغلبون و يحشرون)] ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ أي: الفراش والمضجع هي ، فساء ما مهدتموه لأنفسكم فيها من المستقر والمأوى. والمهاد: كفراش، وزناً ومعنىً، هو الموضع الذي يوطأ للصبي ويمهّد له، وجمعه مُهُد، ككتاب وكتب.
3:13Page 51
قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣
Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.
١٣ - ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ﴾ أيها اليهود- أو: الكفار عموماً- القائلون لمحمد ﷺ: لسنا أغماراً في الحرب، بل نحن أولو قوة ومعرفة به، ﴿ءَايَةٞ﴾ أي: علامة ودلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره. ﴿فِي فِئَتَيۡنِ﴾ أي: طائفتين أو جماعتين أو فرقتين ﴿ٱلۡتَقَتَاۖ﴾ يوم بدر للقتال ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وطاعته، نصرة لدينه وإعلاء لكلمته، وهم النبي ﷺ وأصحابه ﴿وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ ﴾ وهم مشركو مكة. وأصل الفئة: من الفيء: وهي الرجوع، وسميت الفئة جماعة لأنه يُرجع إليها في وقت الشدة والحاجة، وجمعها: فئات وفئون. [وفي قراءة بالياء بدلاً من الهمزة: (فيتين)، و(فِيَة )]. والخطاب لليهود ليحذروا يوماً يصيبهم الله بمثل ما أصاب قريشاً في بدر. ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ﴾ أي: يرى المشركون المسلمين- يوم بدر- مع قلتهم، مثليهم في العدد ،و ذلك عند التحام الفريقين في ساحة القتال، فتضعف قلوبهم، ويحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، فينهزموا ويتمكن المسلمون منهم قتلاً وأسراً.وهذا من المدد المعنوي. وقيل: يرى المسلمون المشركين مثليهم في العدد، وكانوا في الحقيقة ثلاثة أمثالهم يوم بدر. فقلل الله المشركين في أعين المسلمين، فأراهم إياهم مثلي عدتهم عند التحام الحرب، لتقوى نفوسهم بالاتكال على الله والاستعانة به، وكانوا قد أُعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، و ذلك في قوله تعالى: (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين)الأنفال(٦٥). [وفي قراءة: بالتاء: (ترونهم مثليهم) أي: المسلمون المشركين] ﴿رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ أي: رؤية ظاهرة معاينة مكشوفة لا لبس فيها .أما قوله تعالى في سورة الأنفال (٦٦): (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم) فهذا عند المعاينة والتصافّ والتقاء الفريقين قبل التحام الحرب، يقلّل الكفار في أعين المسلمين ليقووا على حربهم وقتالهم، ويقلّل المسلمين في أعين الكفار ليطمعوا فيهم و لا يجبنوا عن قتالهم، أي: ليقدم كل منهما على الآخر ويغريه به. ﴿وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ أي: يقوي بنصره من يشاء أن يقويه ويعينه ولو بدون الأسباب الحسية العادية، ومن جملة ذلك تأييده أهل بدر. يقال: أيدته تأييداً فهو مؤيَّد، أي: قويته تقوية وأعنته، ومنه قوله: (ذا الأيد)ص(١٧)، أي: ذا القوة.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: في رؤية القليل كثيراً- عند التحام الحرب- والكثير قليلاً- عند المعاينة والتصاف- وغلبة القلة مع عدم العدة، الكثرة مع وفرتها. ﴿لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ أي: لعظة ودلالة لذوي البصائر والأفهام. والعبرة: من العبور وهو التجاوز من حال إلى حال، ومنه عبر الوادي يعبره عبرا و عبورا، قطعه من عِبره إلى عِبره، أي: من شاطئه إلى شاطئه، وسمي الاتعاظ: عبرة، لأن المتعظ يعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة.
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
١٤ - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ أي: المشتهيات بالطبع، وأنواع الملاذ المرغوب فيها ، مما تشتهيه النفس وتدعو إليه وتجد فيه اللذة والمتعة. وقد زينها الله للناس ابتلاءً واختباراً.والشهوة: انفعال النفس بسبب الشعور بالحاجة إلى ما تستلذه .﴿مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ بدأ بهن لكثرة تشوق النفوس إليهن، وكون الفتنة بهن أشد. وقد ثبت في الصحيح قوله ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء». وقال في قصد الإعفاف بهن: «حُبِّب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة». ﴿وَٱلۡبَنِينَ﴾ ولم يذكر البنات، لشمول البنين لهن على سبيل التغليب. وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة وتارة لتكثير النسل، وفي الحديث: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة». ﴿وَٱلۡقَنَٰطِيرِ﴾ أي: الأموال الكثيرة التي يُتوثق بها في دفع الحاجة ﴿ٱلۡمُقَنطَرَةِ﴾ أي: المجموعة قنطاراً قنطاراً، والمضاعفة أضعافاً أضعافاً. أو المحكمة المحصّنة. والقناطير: جمع قنطار: اسم للمال الكثير الذي يتوثق به في دفع الحاجة، مأخوذ من الإحكام. تقول: قنطرت الشيء، إذا أحكمته، ومنه: القنطرة لتوثقها بعقد الطاق. والمقنطرة: المجمعة قنطاراً قنطاراً، كقولهم: دراهم مدرهمة وألف مؤلفة، وإِبل مؤبلة، وذكره للتأكيد. وحب المال تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الفقراء والضعفاء، وتارة يكون للنفقة على صلة الأرحام والقرابات وفي وجوه البر والطاعات. ﴿مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ﴾ أي: المرسلة الراعية في المروج والمسارح. يقال: سوَّم ماشيته: إذا أرسلها في المرعى. أو: المطهَّمة الحسان ، من السيما: بمعنى الحُسن. أو: المعْلمة ذات الغرة والتحجيل أو بعلامة تتميز بها عن غيرها، من السِّمة أو السومة: بمعنى: العلامة. والخيل: اسم جمع كرهط. أو جمع خائل، كطير وطائر. وسميت خيلا، لاختيالها في مشيتها بطول أذنابها. وحب الخيل على ثلاثة أقسام- كما جاء في الحديث: فتارة تربط معدة في سبيل الله للغزو والجهاد، فصاحبها مثاب عليها .وتارة تربط فخراً ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر.وتارة للتعفف واقتناء نسلها مع إخراج حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر. ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ أي: الإبل والبقر والغنم. جمع نعم، ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم ، إلا الإبل خاصة.﴿وَٱلۡحَرۡثِۗ﴾ أي: الزرع أو الأرض المتخذة للغراس والزراعة. وعند أحمد في مسنده: «خير مال امرئ له، مَهْرة مأمورة- أي: كثيرة النسل- أو سُكَّة- أي: النخيل المصطفّ- مأبورة- أي: ملقحة-». ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور من أنواع الملاذ والمشتهيات ﴿مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ يُتمتع به فيها، ثم يفنى ولا يبقى. ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ﴾ أي: المرجع والمنقلب الحسن والثواب، وهو الجنة، فهي الأحق بالرغبة فيها، لبقائها دون غيرها من المتع، لفنائها. والمآب: اسم مصدر بوزن مفعل، كمقال . من آب إياباً وأوباً ومآباً، إذا رجع.
3:15Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
١٥ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لأمتك:﴿أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ﴾ أي: هل أخبركم بما هو خير لكم من تلك المستلذات والمشتهيات، مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا. والاستفهام للتقرير. ثم بيّنه بقوله: ﴿لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ﴾ الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وخصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون بذلك ﴿عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي: من تحت أشجارها ومنازلها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ خلوداً لا يلحقه موت، ماكثين فيها أبد الآباد ﴿وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ﴾ لا يلحقهن ما يلحق النساء في الدنيا من أذى الحيض، والنفاس، ونحو ذلك. فهن مطهرات عن كل آفة ونقص. ﴿وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ وفي الحديث الصحيح : «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً». وفي سورة التوبة (٧٢): (و رضوان من الله أكبر) أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم. [وفي قراءة: بضم الراء: ( رُضوان )]. ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾أي: عالم بمصالحهم فيجازي كلاً بعمله، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشر.
3:16Page 52
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦
Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "
١٦ - ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا﴾ بك وبكتابك وبرسولك، وصدقنا وأخلصنا العبادة لك.﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ بفضلك وكرمك. ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ يوم القيامة. فهم يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم وتصديقهم، لمغفرة ذنوبهم، ووقايتهم عذاب النار. وفي الآية: دلالة على جواز توسل العبد إلى ربه وسؤاله بما منَّ عليه من الإيمان والعمل الصالح، وأنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرَّب به إلى الله، ثم يدعو ويسأل حاجته.
3:17Page 52
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
١٧ - ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ على طاعة الله وأقداره في البأساء والضراء وحين البأس، وعن معاصيه ومحارمه، طلباً لمرضاته، وابتغاء لجزيل ثوابه.﴿وَٱلصَّٰدِقِينَ﴾ في الإيمان والأحوال، والأقوال والأفعال والنيات، باستواء الظاهر والباطن والسر والعلانية. ﴿وَٱلۡقَٰنِتِينَ﴾ أي: المطيعين الخاضعين لله، الخاشعة له قلوبهم.والقنوت: لزوم الطاعة ودوامها مع الخضوع والخشوع. ﴿وَٱلۡمُنفِقِينَ﴾ من أموالهـم في سبيل الله نفقـة واجبـة ومندوبة، في البر والطاعات وصلة الأرحام والقرابات، المتصدقين على ذوي الحاجات ﴿وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ﴾ أي: والسائلين الله المغفرة وقت الأسحار. والأسحار: جمع سحر، وهو من ثلث الليل الأخير، أو من حين يدبر الليل إلى طلوع الفجر. وتخصيص الأسحار بالاستغفار، لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، و لما فيها من صفاء النفس ومكابدة لذة النوم. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». وفي الآية: دلالة على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.و في الحديث : دلالة على نزول الله في كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله و كماله و عظمته.
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
١٨ - ﴿شَهِدَ ٱللَّه﴾ أي: بيّن وأظهر وأعلم بالدلائل والبراهين والآيات، وكفى به شهيداً. والشهادة: الإخبار المقرون بالعلم والبيان والإظهار .﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق سواه ، سبحانه المتفرد بكمال الألوهية، وجلال الربوبية على جميع الخلق. ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: وشهد الملائكة بالإقرار أنه لا إله إلا هو ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ﴾ شهدوا كذلك بوحدانيته، وأقروا بألوهيته وربوبيته، اعتقاداً بالجنان، وقولاً باللسان، وعملاً بالأركان. وفي ذلك فضيلة للعلم والعلماء، حيث قرن شهادتهم، على توحيده ودينه وجزائه، بشهادته وشهادة ملائكته.﴿قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ أي: تفرد قائماً بالعدل المطلق في جميع أموره وأحكامه، في قدره وحكمه، وصنعه وشرعه، وأمره ونهيه، وجزائه وتدبير أمر خلقه. أو: مقيماً للعدل في كل أمر ، وهو الله تعالى. والمعنى: شهد الكل بأن الله مقيم للعدل أو قائم به في كل أموره وأحكامه.والقسط والإقساط: العدل.﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرره تأكيداً لما سبق، فلا معبود بحق في الوجود سواه ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه وسلطانه، الذي لا يُرام جنابه عظمة ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في صنعه وشرعه، وأمره وقدره، فلا يصدر عنه شيء إلا وفق العدل والاستقامة. وفي الحديث عند أحمد، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله ﷺ- وهو بعرفة- يقرأ هذه الآية: (شهد الله أنه لا إله إلا هو)- إلى قوله:- (العزيز الحكيم)، ثم قال: «وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب». وروى الطبراني في «الكبير» عن الأعمش- في هذه الآية- أن رسول الله ﷺ قال: «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences