Al-Jami' al-WajizAl‑Hadid · 57:1–22

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الحديد

Al-Hadid

The Iron · Medinan · 29 ayahs

57:1Page 537

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: نزّه الله تعالى و مجّده عمّا لا يليق بجلاله وكماله ودلّ عليه، جميع العوالم في السماوات والأرض، من ملائكة وإنس وجنّ وحيوان وجوامد.فتنزيهُ الملائكة والمؤمنين من الثقلين، كائن بلسان المقال، وتنزيهُ باقي الخلق، كائن بلسان الحال، بمعنى: دلالتها على وجوده وتنزيهه، فإن كلّ الموجودات دالّة بإمكانها وحدوثها على الصّانع الحكيم، المتّصف بكلّ كمال، المنزّه عن كل نقص، خاضعة لسلطانه وتصرّفه.وقيل: بل كلّ شيء ناطق بتسبيح الله حقيقة، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، كما قال تعالى: (تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً)الإسراء(٤٤).وسبّح: مأخوذ من سبح في الأرض والماء، يسبح: ذَهَب وأبعد فيهما، واللاّم للتأكيد، كما في: شكرتُ له.وعُبّر هنا وفي الحشر والصّف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن، بالمضارع، وفي الأعلى، بالأمر، وفي الإسراء، بالمصدر، استيفاء للجهات المشهورة لهذه المادّة، وإعلاماً بتحقّق تسبيح الكائنات لخالقها في جميع الأوقات.وجيء ب «ما» دون «مَنْ» تغليباً للأكثر.﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه، الغالب في سلطانه، القادر على كل شيء ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره وشرعه وقدره.

57:2Page 537

لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢

His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.

٢ - ﴿لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ تصريفاً وتدبيراً ﴿يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ﴾ أي: يُحيي في الدنيا بالإنشاء، ويُميت بعد الإحياء، ويحيي الأموات للبعث.﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء، كائناً ما كان، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

57:3Page 537

هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣

He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.

٣ - ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ﴾ الذي ليس قبله شيء، أي: السابق على كلّ الموجودات، من حيثُ إنه موجدُها ومحدثها، فهو تعالى موجود قبل كلّ شيء، بغير حدّ ولا بداية.﴿وَٱلۡأٓخِرُ﴾ الذي ليس بعده شيء، أي: الباقي بعد فناء كلّ شيء، بلا نهاية ﴿وَٱلظَّٰهِرُ﴾ الذي ليس فوقه شيء، أي: الغالب العالي على كلّ شيء، أو: الظاهر بوجوده ومصنوعاته وتدبيره والأدلة الدالة عليه ﴿وَٱلۡبَاطِنُۖ﴾ الذي ليس دونه شيء، أي: العالم بما بطن وخفي من الأمور، فلا شيء أقرب إلى شيء منه.يقال: أنت أبطن بهذا الأمر، أي: أخبر به وأعلم. أو: الباطن بكنه ذاته عن العقول فلا تدركه ولا تحيط به الحواسّ والعقول.وفي الحديث عند مسلم والترمذي وابن أبي شيبة: عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ تسأله خادماً، فقال: «قولي: اللهم ربنا وربّ كل شيء، منزل التوراة، والإنجيل والفرقان، فالق الحبّ والنوى، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنّا الدّيْن، وأغننا من الفقر».وأخرجه أيضاً: أحمد من حديث أبي هريرة، وأبو يعلى الموصلي من حديث عائشة، وفيه: أنه كان يدعو عند النوم فيقول: «اللهم ربّنا وربّ كل شيء..». الحديث.﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ قد أحاط علمه بجميع المعلومات، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماوات.

57:4Page 538

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤

It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.

٤ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ث﴾ هي كقوله تعالى:(وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقّدر فيها أقواتها في أربعة أيام)فصلت(١٠) وقوله تعالى:(فقضاهنّ سبع سماوات في يومين)فصّلت(١٢).﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواءً يليق بجلاله وكماله تعالى،أي: علا و ارتفع، بلا كيف ولا تشبيه، ولا تمثيل ولا تأويل. والاستواء: العلوّ والارتفاع.﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ما يدخل فيها من حبّ ومطر وغيره ﴿وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا﴾ أي: من نبات ومعادن ونحوها.﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ من رزق وأقدار وأحكام مع الملائكة.﴿وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ﴾ أي: ما يصعد إليها من الملائكة، والأعمال، والأرواح، والدعاء، وغيرها.وفي صحيح مسلم: «يُرفع إليه عمل اللّيل قبل النهار، وعمل النهار قبل اللّيل».﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ﴾ بعلمه المحيط بكلّ شيء وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه ﴿أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾ في برّ أو بحر أو سماء، رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، فهو عالم بكم أينما كنتم، يسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سرّكم ونجواكم، ومتقلّبكم ومثواكم، لا يخفى عليه منكم خافية.فالمعيّة – في هذه الآية – مجاز عن العلم المحيط بكلّ شيء، بعلاقة السّببية، والقرينة، والسّباق، واللَّحاق، مع استحالة الحقيقة.وقد أوّل السلف هذه الآية بذلك، كما أخرجه البيهقي عن ابن عباس والثوري.وفي «البحر»: أن الأمّة مجمعة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تُحمل على ظاهرها، من المعيّة بالذات، لاستحالتها.﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، بل يحفظها عليكم، ويجازيكم بها.وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجبريل – في حديث عمر المشهور – لما سأله عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه،فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».وفي الحديث عند أبي نُعيم، عن عبد الله العامري مرفوعاً: قال رجل: يا رسول الله، ما تزكية المرء نفسه؟ قال: «يعلم أن الله معه حيث كان».وعنده أيضا من حديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت».وقد تقدم قوله تعالى: (يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور)هود(٥)، وقوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)الرعد(١٠)، فالجميع في علم الله تعالى سواء.

57:5Page 538

لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥

His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.

٥ - ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ تصريفاً وتدبيراً، وكُرّرت للتأكيد.﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ أي: إليه مرجع الأمور كلّها يوم القيامة، لا إلى غيره، فيحكم في خلقه بما يشاء، فضلاً وعدْلاً.

57:6Page 538

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦

He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.

٦ - ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ﴾ أي: يُدخله ﴿فِي ٱلنَّهَارِ﴾ فيزيد، وينقص اللّيل ﴿وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ﴾ أي يدخله ﴿فِي ٱلَّيۡلِۚ﴾ فيزيد، وينقص النّهار ﴿وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بمكنوناتها وضمائرها، من نيّات ومعتقدات، وخير وشرّ، لا يخفى عليه من ذلك خافية.

57:7Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

٧ - ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ أي: دُوموا على الإيمان بالله ورسوله، واستمرّوا على ذلك ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ ي سبيل الله ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ﴾ أي: خلفاء في التصرّف فيه، من غير أن تملكوه حقيقة، فالمال مال الله، وأنتم مستخلفون فيه، فعليكم أن تصرفوه في طاعة الله ومرضاته. أو: ممّا جعلكم خلفاء من تقدّمكم فيه، ممّن ترثونه عنه، وسيخلفكم فيه غيركم، ممّن يرثه عنكم، فلا تبخلوا به.﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ﴾ أي: بالله ورسوله ﴿وَأَنفَقُواْ﴾ في سبيل الله وطاعته ﴿لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ أي: ثواب عظيم، هو الجنة.والآية: ترغيب في الإيمان بالله ورسوله، والإنفاق في سبيل الله ومرضاته وطاعته.روى مسلم وأحمد، عن عبد الله بن الشخّير، قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: «(ألهاكم التكاثر) يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت؟ أو: لبست فأبليت؟ أو: تصدّقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك، فذاهب وتاركه للناس».

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

٨ - ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: وأيّ عذر، أو مانع لكم من الإيمان بالله، أي: لا مانع لكم منه.﴿وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ﴾ بما بيّن لكم من الحجج والبراهين على صحّة ما جاءكم به ﴿وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ﴾ أي: والحال أن الله قد أخذ عليكم ميثاقكم حين أخرجكم من ظهور آبائكم وأشهدكم على أنفسكم:(ألست بربّكم قالوا بلى)الأعراف(١٧٢). أو: بما نصب لكم من الأدلّة الدالّة على التوحيد ووجوب الإيمان، وبما ركّب فيكم من العقول ومكّنكم من التأمل والنظر. ويحتمل أن يكون المعنى: وقد أخذ ميثاقكم ببيعة الرسول ﷺ لكم على الإيمان والسمع والطاعة، كما قال تعالى:(واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا)المائدة(٧).[وفي قراءة: (وقد أُخِذ ميثاقُكم) بالبناء للمفعول، بضم الهمزة وكسر الخاء، وضمّ القاف].﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ بما أخذ عليكم من الميثاق.

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

٩ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ﴾ محمد ﷺ ﴿ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ﴾ أي: حجج واضحات وبراهين ظاهرات، هي: آيات القرآن وغيرها من المعجزات القاطعات.﴿لِّيُخۡرِجَكُم﴾ الله بإرسال الرسول إليكم بتلك الآيات، أو: ليخرجكم الرسول بتلك الآيات، وبالدّعوة إلى الله ﴿مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي: الكفر ﴿إِلَى ٱلنُّورِۚ﴾ أي: الإيمان ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ﴾ أي: في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان، بإنزاله الكتب وإرساله الرسل ﴿لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ أي: كثير الرأفة والرحمة، بليغهما، حيث أنزل كتبه، وأرسل رسله، لهداية عباده، وإخراجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان.

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

١٠ - ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: وأيّ عذر، أو: مانع لكم - بعد إيمانكم – يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله.﴿وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: والحال أن الله يرث كلّ شيء فيهما، فلا يبقى لأحد مال ولا ملك. أي: فاغتنموا الإنفاق في سبيل الله، قبل أن يعود المُلك إلى مالكه، والمال إلى وارثه.والجملة حال من فاعل «لا تنفقوا» أو من مفعوله المعلوم ممّا تقدّم.﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم﴾ أي: في الأجر والمثوبة ﴿مَّنۡ أَنفَقَ﴾ في سبيل الله﴿مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ﴾ أي: فتح مكّة – على ما ذهب إليه الجمهور – أو: صلح الحديبية – كما روُي عن الشعبي – وسمّاه فتحاً باعتبار نتائجه. ﴿وَقَٰتَلَۚ﴾ في سبيل الله قبل الفتح، وهم: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ﴾ أي: أجرا وثوابا ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ﴾ أي: من بعد فتح مكة أو صلح الحديبة ﴿وَقَٰتَلُواْۚ﴾ وذلك أنه قبل فتح مكّة كان الحال شديداً على الإسلام والمسلمين، فلم يكن يؤمن حينئذ إلاّ الصدّيقون، وأما بعد الفتح، فإنه ظهر الإسلام ظهوراً عظيماً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.﴿وَكُلّٗا﴾ من الفريقين، أي: المنفقين المقاتلين قبل الفتح وبعده ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنّة، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم...وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)النساء(٩٥).وفي صحيح مسلم: «المؤمن القوي، خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير». فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل الأوّل عليه.[وفي قراءة:(وكلٌّ وعد الله الحسنى) بالرفع، مبتدأ].﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ فيجازي كلاّ بعمله، أي: فلخبرته تعالى فاوت بين ثواب من أنفق قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد الفتح، وما ذاك إلاّ لعلمه تعالى بقصد الأوّل وإخلاصه التامّ وإنفاقه في حال الجهد والقلّة والضيق، وقتاله في حال قلّة العدد والعُدد.وفي الحديث: «سبق درهم مائة ألف».رواه النسائي.وروى الإمام أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيّام سبقتمونا بها؟ فبلغ النبي ﷺ، فقال: «دعوا لي أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحُد – أو: مثل الجبال - ذهباً، ما بلغتم أعمالهم».قال ابن كثير: ومعلوم أن إسلام خالد ابن الوليد كان بين صلح الحديبية وفتح مكّة. وقد يُستدلّ لقول الشعبي بأن المراد بالفتح: صلح الحديبية، بمثل هذا الحديث.

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

١١ - ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّه﴾ بإنفاق ماله في سبيل الله ﴿قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ بأن ينفقه حلالاً طيّباً خالصاً لوجه الله، وابتغاء مرضاته محتسباً، مع صدق النيّة، وطيب النفس، دون رياء أو سُمعة، أو منّ، أو أذى، ومع تحريّ أكرم الأموال وأطيبها، وأفضل الجهات.والعرب تقول لكلّ من فَعَل فِعْلاً حسناً: قد أقرض، وسمّي قرضاً، لأن القرض إخراج المال لاسترداد البدل، والله تعالى يُبدله أضعافاً، ولهذا قال:﴿فَيُضَٰعِفَهُۥ﴾ [وفي قراءة: (فيضعِّفَه) بالتشديد، وبالرفع فيهما] ﴿لَهُۥ﴾ أي: أضعافاً كثيرة، من عشر إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات.﴿وَلَهُۥ﴾ مع المضاعفة ﴿أَجۡرٞ كَرِيمٞ﴾ هو الجنّة، يوم القيامة.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن مسعود، قال: لمّا نزلت هذه الآية: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم».قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فناداها: يا أم الدحداح، اخرجي، فقد أقرضته ربي عزّ وجلّ، فقالت له: ربح بيعك، يا أبا الدحداح، ونقلت عنه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله ﷺ قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» - والعذق: القنو من النخل. ورداح: ضخم، مخصّب -.والآية: حثّ من الله تعالى على الإنفاق في سبيله، مؤكّد للأمر السابق به، وللتوبيخ على تركه.

57:12Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

١٢ - ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ أي: اذكر يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ﴿يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: أمامهم، وذلك بحسب أعمالهم ﴿وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ﴾ أي: وعن أيمانهم، والمراد: في جميع جهاتهم، وذُكرت الأيمان لشرفها، أو بسبب كتبهم التي أعطوها بأيْمانهم، وذلك على الصّراط يوم القيامة، يضيء نورهم – أي: نور إيمانهم وأعمالهم – لهم الطريق عليه إلى الجنّة.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء: أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف تعرف أمّتك من بين الأمم يوم القيامة ؟ قال: «أعرفهم محجّلون من أثر الوضوء، و أعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم» الحديث.﴿بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي: يقال لهم – تبشيراً وتكريماً -: بشراكم اليوم دخول جنات تجري من تحتها الأنهار﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: ماكثين فيها، لا يتحوّلون عنها.﴿ذَٰلِكَ﴾أي: النّور والبشرى ﴿هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ الذي لا يقادر قدره.

57:13Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

١٣ - ﴿يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: انتظرونا [وفي قراءة: (أَنْظِرونا)–بفتح الهمزة وكسر الظاء– أي: أمهلونا، أو: من الإنظار بمعنى: الانتظار، أي: انتظرونا].﴿نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾ أي: نأخذ أو نُصب منه القبس والإضاءة. والمعنى: انتظرونا أو أمهلونا لنلحق بكم، فنصيب شيئاً من نوركم نستضيء به، وذلك أنه يؤخذ بالمؤمنين إلى الصّراط في نورهم، ويسلب الله نور المنافقين والمنافقات.والاقتباس في الأصل: طلب القبس، أي: الجذوة من النار، وتجوِّز به عمّا ذكر.وفي الحديث عند الطبراني، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «وأمّا عند الصراط، فإن الله تعالى يعطي كلّ مؤمن نورا، وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط، سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا» الحديث.﴿قِيلَ﴾ أي: قالت الملائكة أو المؤمنون لهم استهزاءً بهم: ﴿ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ﴾ أي: من حيث جئتم من الظلمة ﴿فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ﴾ أي: اطلبوه لأنفسكم، أو: ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا النّور، كما التمسناه بالإيمان والعمل الصالح.والأمر للتحسير والتنديم.﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم﴾ أي: بين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٖ﴾ أي: حاجز، قيل: هو الحجاب المذكور في سورة الأعراف في قوله تعالى: (وبينهما حجاب) – كما روي عن مجاهد - ﴿لَّهُۥ بَابُۢ﴾ أي: لذلك السّور باب ﴿بَاطِنُهُۥ﴾ أي: باطن ذلك السّور أو الحاجز وهو الجانب الذي يلي المؤمنين ﴿فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ﴾ أي: الجنة ونعيمها ﴿وَظَٰهِرُهُۥ﴾ وهو الجانب الذي يلي المنافقين ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ أي: من جهته ﴿ٱلۡعَذَابُ﴾ أي: عذاب جهنم.

57:14Page 539

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

١٤ - ﴿يُنَادُونَهُمۡ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين، قائلين: ﴿أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ﴾ على الطاعة في الدنيا، نصلّي الجماعات، ونشهد الجُمعات، ونؤدي سائر الواجبات ؟﴿قَالُواْ﴾ أي: المؤمنون: ﴿بَلَىٰ﴾ كنتم كذلك في الظاهر، أي: فيما يظهر لنا.﴿وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق وإبطان الكفر، أو باللّذات والمعاصي والشهوات ﴿وَتَرَبَّصۡتُمۡ﴾ أي: انتظرتم بالمؤمنين الدوائر والنوائب والحوادث المهلكة. أو: أخّرتم التوبة من وقت إلى وقت، وتلبّثتم بالإيمان. يقال: تربّص بفلان: انتظر به خيراً أو شراً يحلّ به، والمراد هنا: الثاني.﴿وَٱرۡتَبۡتُمۡ﴾ أي: شككتم في أمر الدّين، وخبر الله، فلم تصدّقوا بالقرآن، ولا آمنتم به، بل كنتم من أمره وخبره في شكّ وحيرة.﴿وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ﴾ أي: خدعتكم الآمال الكاذبة، أو غرّتكم الدنيا، والأطماع الباطلة، فصدّتكم عن سبيل الله وأضلّتكم. ﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ وهو الموت، أي: ما زلتم في هذا كلّه حتّى جاءكم الموت، أو نصر الله، أو عذاب النّار.﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ أي: خدعكم الشيطان بسبب سعة رحمة الله وحلمه، فأطمعكم في النّجاة من العقوبة، وزيّن لكم الكفر والمعاصي، حتى أوقعكم في الهلكة.

57:15Page 539

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

١٥ - ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ﴾ – بالياء والتاء، قراءتان – ﴿مِنكُمۡ﴾ أيها المنافقون ﴿فِدۡيَةٞ﴾ تفدون بها أنفسكم من النار يوم القيامة، فلا عوض ولا بدل ﴿وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ بالله ظاهراً وباطناً، فلا يُقبل منكم ولا منهم ملء الأرض ذهباً.وهذا من تتمّة قول المؤمنين للمنافقين.﴿مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ﴾ أي: منزلكم الذي تأوون إليه، النّار، هو مستقرّكم ومصيركم وإليها منقلبكم﴿هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ﴾ أي: النّار أوْلى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم.أو: هي ناصركم، فلا ناصر لكم إلاّ هي.﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ الذي تصيرون إليه، وهو النّار.والأصل في قوله: «هي مولاكم»، أي: هي مكانكم، الذي يُقال فيه: هو أوْلى بكم، كما يقال: هو مئنّة الكرم، أي: مكان لقول القائل: إنه لكريم. أو: هي ناصركم، من باب قولهم: تحيّة بينهم ضربٌ وجيع، أي: لا ناصر لكم إلاّ النار.والمراد: نفي الناصر قطعاً، بعد نفي أخذ الفدية وخلاصهم بها من العذاب، ونظيره قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل)الكهف(٢٩).

57:16Page 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.

١٦ - ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ﴾ أي: ألم يَحن أو يأْت الوقت ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ﴾ أي: تخضـع وتـرقّ وتليـن ﴿لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ﴾ – بالتخفيف والتشديد، قراءتان– ﴿مِنَ ٱلۡحَقِّ﴾ وهو القرآن؟أي: ألم يأت الوقت الذي تلين فيه قلوب المؤمنين، فتخضع وتذلّ لذكر الله ووعده ووعيده والقرآن ؟مضارع أنَى الشيءُ – كرَمَى – أَنْيا وأَناءً – بالفتح – وإِنىً – بالكسر -: حان أناه، أي: وقته، فهو معتلّ، حُذفت منه الياء للجازم.﴿وَلَا يَكُونُواْ﴾ أي: الذين آمنوا معطوف على «تخشع» ﴿كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ﴾ أي: الأجل أو الزّمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، فاستمرّت بهم الغفلة، أو الإمهال والاستدراج ﴿فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ﴾ بذلك السبب، فلم تلن لذكر الله، فاضمحلّ إيمانهم، وزال إيقانهم.﴿وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿فَٰسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله.والآية: عتاب للمؤمن على الفتور والتكاسل فيما نُدبوا إليه، بعد أن أصابوا من لين العيش ما أصابوا.روى مسلم والنسائي عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) إلاّ أربع سنين.وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم، فقال: (ألم يأن للذين آمنوا) الآية.وفي الآية أيضا: الحث على الاجتهاد على خشوع القلب وخضوعه لله تعالى، ولذكره، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكّر المؤمنون المواعظ الإلهية، والأحكام الشرعية، كلّ وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك.

57:17Page 539

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧

Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1

١٧ - ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ﴾ خطاب للمؤمنين المذكورين في الآية السابقة ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾ بالغيث والنبات، فكذلك يحيي قلوبكم القاسية بذكر الله وآياته وتلاوة كتابه.﴿قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ الدالّة على قدرتنا، من إحياء الأرض الموات وغيرها ﴿لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ عن الله حججه وبراهينه وآياته، فتعملوا بموجب ذلك.والآية: تمثيل لإحياء القلوب القاسية بذكر الله وآياته وكتابه بإحياء الأرض الموات بالغيث، للترغيب في الخشوع، والتحذير من القساوة والغلظة.

57:18Page 539

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

١٨ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ﴾ أي: المتصدّقين والمتصدّقات بأموالهم على أهل الحاجات و في سبيل الله. من التصدّق، بإدغام التاء في الصّاد. [وفي قراءة: (المصدِّقين والمصدِّقات) بتخفيف الصّاد فيهما، من التصديق والإيمان].﴿وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ أي: والذين أقرضوا، وحُذف الموصول لدلالة ما قبله عليه.ويحتمل أن يكون: من باب عطف الفعل على الاسم، أي: إن الذين تصدّقوا واللائي تصدّقن، وأقرضوا الله قرضاً حسناً. والمراد بالقرض الحسن: التصدّق والإنفاق في سبيل الله، مع خلوص نيّة، وصحّة قصد، واحتساب أجر، عند الله تعالى.﴿يُضَٰعَفُ﴾ [وفي قراءة: (يُضعَّف) بالتشديد] أي: أجرهم وثوابهم، أو قرضهم ﴿لَهُمۡ﴾ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.﴿وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ﴾ في الآخرة، هو الجنّة.

57:19Page 540

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

١٩ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ﴾ جميعاً ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ﴾ أي: المبالغون في التصديق وهم الذين كمّلوا مراتب الإيمان، والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق.هذا تمام الجملة، فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صدّيقون. ثم استأنف الكلام، فقال:﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ أي: في جنات النّعيم، وهم الذين قاتلوا في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، فقُتلوا، كما جاء في الصحيحين: «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة حيث شاءت» الحديث.﴿لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ﴾ أي: لهم عند الله أجر جزيل، ونور عظيم، يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.ومما يستدلّ به على أن المراد من الآية: الإخبار عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صدّيقون: ما أخرجه الشيخان والإمام مالك في «الموطأ»، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدريّ الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين».ولا شك أن الصّدّيق أعلى مقاماً من الشهيد.وقال آخرون: بل المراد من الآية: (أولئك هم الصدّيقون والشهداء عند ربّهم): الإخبار عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صدّيقون وشهداء، أي: هم في حكمه تعالى بمنزلة الصدّيقين والشهداء، المشهورين بعلوّ الرتبة، ورفعة الدرجة.﴿لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ﴾ أي: لهم مثلُ أجرهم ونورهم يوم القيامة، وحُذف ما يُفيد التشبيه بين الجملتين، للتنبيه على قوّة المماثلة، وبلوغها حدّ الاتحاد.أو: أنهم صدّيقون وشهداء، لهم أجرهم ونورهم الموعودان لهم يوم القيامة.﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ الدالّة على وحدانيتنا، وقدرتنا، وعظيم سلطاننا، فجمعوا بين الكفر والتكذيب بآيات الله ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: النّار، يعذّبون فيها، لا أجر لهم ولا نور.

57:20Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

٢٠ - ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ﴾ أيها الناس ﴿أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: الاشتغال فيها ﴿لَعِبٞ﴾ لا ثمرة له سوى التّعب.و اللعب: خلاف الجدّ.﴿وَلَهۡوٞ﴾ شاغل عمّا يعني ويَهُمّ.واللهو: كلّ شيء يُتلهّى به، ثم يذهب وينقضي.﴿وَزِينَةٞ﴾ أي: تزيّن بمتاع الدنيا، في الملابس والمطاعم والمراكب والدّور ونحوها.﴿وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ﴾ بالأنساب والأحساب، أو بالخلقة والقوّة، أو بمتع الدنيا ﴿ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ أي: مباهاة وتطاول بالعَدد والعُدد، أي: إنما حاصل أمر الدنيا عند أهلها، هذا الذي تقدم. ﴿كَمَثَلِ غَيۡثٍ﴾ أي: مثلها – في زهرتها و زينتها وإعجابها لكم - كمثل مطر ﴿أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ﴾ أي: الزرّاع أو الحرّاث ﴿نَبَاتُهُۥ﴾ النّاشيء عنه، أو الحاصل به.والكفّار: الزرّاع الذين يحرثون الأرض، ويبذرون فيها البذر، وسُمّوا كفّارا: من الكَفْر وهو السّتر، لسترهم البذر في الأرض للإنبات.وقيل: هم الكافرون بالله، وخصّوا بالذّكر، لأنهم أشدّ إعجاباً بزينة الدنيا واغتراراً بها.﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: النّبات، أي: ييبس بعاهة بعد خضرته ونضارتـه، أو: يثـور وينمـو إلى أقـصى غايتـه ﴿فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا﴾ بعد الخضرة والنضارة ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ﴾ أي: فتاتاً هشيماً متكسّرا بعد يُبسه، وهكذا الدنيا في سرعة زوالها وانقضائها بعد نضارتها وزينتها.والآية: تقريرٌ لما وصفت به الدنيا، بعد بيان حالها، وتمثيلٌ لها في سرعة تقضّيها، وذهاب نعيمها، وقلّة جدواها ونفعها – بحال نبات أنبته الغيث، فاستوى وأعجب به الزرّاع، ثم هاج، فاصفرّ بعد الخضرة، ثم صار حطاماً هشيماً من اليُبس.﴿وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ﴾ لمن آثر الدنيا على الآخرة وعمل لها ﴿وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ﴾ لمن آثر الآخرة على الدنيا وعمل لها.﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ﴾ أي: في الآخرة ﴿إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ أي: لمن اغترّ بها ولم يعمل لآخرته، أمّا من استعان على الآخرة بطلبها، فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منه. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «موضع سوط في الجنّة خير من الدنيا وما فيها» وزاد ابن جرير في روايته: « اقرأوا: (وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور)».

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

٢١ - ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ أي: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة من ربكم، مسارعة المتسابقين في المضمار، بالأعمال الصالحة، والتوبة النّصوح، والبعد عن الذنوب ومظانّها.﴿وَجَنَّةٍ﴾ أي: وسارعوا إلى جنّة ﴿عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: لو وُصلت إحداهما بالأخرى.والمراد: جنس السماء والأرض، كما قال في آية آل عمران، الآية ١٣٣:(وجنّة عرضها السماوات والأرض).﴿أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ﴾ وهذا الإيمان شامل لأصول الدين وفروعه. وقال في آل عمران، الآية ١٣٣:(أُعدّت للمتقين).﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ﴾ من عباده، أي: هذا فضله عليهم، وإحسانه إليهم ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ الذي لا يُقادَر قدره.

57:22Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

٢٢ - ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ﴾ أي: نائبة من نوائب الدنيا ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ من قحط، وجدب، و وباء، وغلاء، ونحو ذلك ﴿وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ من مرض، وخوف، وألم، وموت أهل وولد، وذهاب مال، ونحوها، ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ﴾ هو اللوح المحفـوظ، أي: إلاّ مكتوبة فيه ﴿مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ أي: نخلقها – أي المصيبة-، أو: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة، أو: من قبل أن نخلق الأرض.وقيل: (إلاّ في كتاب) أي: في علم الله تعالى، وأطلق عليه كتاب، للتنبيه على أنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها وأثبتها، كما يُثبَتُ الشيءُ في الكتاب.﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ أي: إثباتها في الكتاب ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ أي: سهل هيّن، غير عسير، لسعة علمه وإحاطته بكلّ شيء. وفي الحديث عند أحمد ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». ورواه الترمذي أيضا، وقال: حسن صحيح.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском