Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
هود
Hud
Hud · Meccan · 123 ayahs
11:1Page 221
الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2
١- ﴿الٓرۚ ﴾ تقدم تفسير هذه الحروف في أول سورة البقرة. و هي للبيان والتحدي والإعجاز. والله تعالى أعلم بمراده بذلك. ﴿كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ﴾ أي : هذا كتاب نظمت آياته وأتقنت بعجيب النظم وبديع المعاني، تنظيما محكما رصينا، متقنا معجزا، لا يتطرق إليه نقص ولا نقض، و لا خلل ولا آفة، صادقةٌ أخباره، عادلة أوامره ونواهيه، فصيحة ألفاظه، بهية معانيه، وهو: القرآن الكريم .من الإحكام : و هو الإتقان. يقال : أحكمت الشيء : أتقنته، فاستحكم. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتۡ﴾ أي مُيزت و بيّنت، بالأحكام والعقائد و القصص والمواعظ، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب. أو: فُرقت في التنزيل، فنزلت نجوما على حسب الوقائع والمصالح .و «ثم» على المعنى الأول : للترتيب الإخباري، وعلى الثاني : للترتيب الزماني .ومجمل المعني : أن آيات القرآن محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فالقرآن كامل صورة ومعنى .﴿مِن لَّدُنۡ﴾ أي : من عند ﴿حَكِيمٍ﴾ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها ﴿خَبِيرٍ﴾ عالم بعواقب الأمور، وبأحوال الناس ومصالحهم.أي : هذا القرآن، المحكم في لفظه، المفصل في معناه، من عند الله، الحكيم في أقواله وأفعاله وصنعه وتدبيره، الخبير بعواقب الأمور، المطلع على الظواهر والبواطن.
11:2Page 221
أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢
[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"
٢-﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ﴾ أي : إنما أنزل هذا القرآن المحكم المفصل، أو : إنما أحكمت آياته وفصلت، لأجل عبادة الله وحده، لا شريك له، وإخلاص الدين كله لله. فإن الإحكام والتفصيل في الآيات إنما يدعو إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرع على ذلك من الطاعات والقربات. وقيل : أُمر رسول الله ﷺ أن يقول للناس : أمركم ربكم ألا تعبدوا إلا الله، ﴿إِنَّنِي لَكُم﴾ أيها الناس ﴿مِّنۡهُ﴾ أي : من الله ربكم ﴿نَذِيرٞ﴾ بالعقاب والعذاب، لمن خالفه وعصاه ﴿وَبَشِيرٞ﴾ بالجنة والرضوان، لمن أطاعه، ممتثلا أمره ونهيه .وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله ﷺ صعد الصفا – في بدء الدعوة الإسلامية – فدعا بطون قريش، الأقرب فالأقرب، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا معشر قريش، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم، أكنتم مُصدقيّ « قالوا : ما جربنا عليك كذبا. قال :» فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»
11:3Page 221
وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣
And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.
٣ - ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ﴾ معطوف على:﴿ألا تعبدوا﴾، أي: ولاستغفاركم ربكم من ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ﴾ أي : ولإخلاصكم في توبتكم منها، وفيما تستقبلون من أعمالكم، بالطاعة والإنابة. وجملة:«وأن استغفروا» معطوف على: «ألا تعبدوا». و «أن» مصدرية، وهي توصل بالأمر والنهي، كما توصل بغيره .أو : وأمركم بالاستغفار من ذنوبكم، والتوبة منها إلى الله، فيما تستقبلون من أعمالكم، بالرجوع إليه بالطاعة والإنابة و إخلاص العبادة، وأن تستمروا على ذلك .وقدّم ذكر الاستغفار : لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، و التوبة هي السبب الموصل إليها. وقيل : استغفروا ربكم في الصغائر، وتوبوا إليه في الكبائر .ثم ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة، فقال : ﴿يُمَتِّعۡكُم﴾ في الدنيا ﴿مَّتَٰعًا حَسَنًا﴾ من طيب عيش، وسعة رزق. أي: يبسط رزقكم ويُنسئ آجالكم ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى﴾ أي : إلى وقت مقدر في علم الله، وهو : وقت موتكم ﴿وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ﴾ في الطاعة والعلم والعمل، ﴿فَضۡلَهُۥۖ﴾ أي : جزاء فضله: إما في الدنيا. أو : في الآخرة.أو : فيهما جميعا. أي : يُعطي أهل الإحسان و البر في الطاعة والعمل الصالح، من فضله وبره في الدنيا والآخرة، ما هو جزاء لإحسانهم وبرهم، من حصول ما يحبون، ودفع ما يكرهون .وقيل : المعنى : أن الله يعطي كل من فضلت حسناته على سيئاته، من فضل الله الذي يتفضل به على عباده، فالفضل منه تعالى، لأهل الفضائل في الآخرة. ومثله قوله (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة )النحل(٩٧).وفي الصحيح : أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص: «و إنك لن تنفق نفقة، تبتغى بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك-أي: في فمها-».﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ أي : تُعرضوا عما دعوتكم إليه، من إخلاص العبادة لله، والاستغفار والتوبة. وفيه حذف إحدى التاءين، والأصل : «تتولوا» .﴿فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾ هو : يوم القيامة. وفيه تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن تولى وأعرض عن أوامر الله، وكذب رسله، فإن العذاب نائل منه يوم القيامة، لا محالة .
11:4Page 221
إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤
To Allāh is your return, and He is over all things competent."
٤ - ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ﴾ أي : معادكم يوم القيامة، بالموت، ثم بالبعث، ثم بالجزاء مع الأعمال، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر .﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ ومنه البعث والإحياء بعد الموت، والثواب والعذاب، وهذا مقام ترهيب، كما أن قوله : (وأن استغفروا ربكم ..) الآية، مقام ترغيب .
11:5Page 221
أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥
Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
٥ - ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ﴾ أي: الكفار أو المنافقون ﴿يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ﴾ أي: يطوونها على ما يسترونه من الكفر والشرك، والشك في الله والنفاق وسيء الأقوال والأعمال، أو من العداوة والبغضاء، لرسول الله ﷺ. أو: يزورُّون عن الحق واستماعه بصدورهم ﴿لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ﴾ أي : من الله تعالى، جهلا منهم بربهم.من ثنيت الثوب : إذا طويته على ما فيه من الأشياء المستورة .و ثناه عنه: طواه و عطف بعضه على بعض ليخفيه. و المراد: أنهم أعرضوا وطووا صدورهم على ما فيها من مكنون الحقد و الحسد. وقد قيل : إنها نزلت في الأخنس بن شريق، من منافقي مكة، وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث، يضمر لرسول الله ﷺ الكراهة، ويطوي صدره على بغضه، ويظهر له المحبة والمودة، ويظن أن ذلك يخفى عن الله تعالى .قال تعالى مبينـا خطأهم في هذا الظن: ﴿أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ﴾ أي : يتغطون بها، أو : يبالغون في الاستخفاء، كمن يجعلون ثيابهم أغشية لهم، حتى لا يظهر منهم شيء ﴿يَعۡلَمُ﴾ تعالى ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من الأقوال والأفعال ﴿وَمَا يُعۡلِنُونَۚ﴾ منها، فلا يغني استخفاؤهم منه شيئا، لأن الظاهر والباطن، والسر والعلانية، عند الله سواء .﴿إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي : بما في القلوب، أو : بما تكنه الصدور من النوايا والضمائر والسرائر، فيجازيهم على ذلك .وقد أخرج البخاري عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : أن أناسا – من غير المؤمنين – كانوا يستحيون أن يتخلّوا – لقضاء حاجتهم – وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم .
11:6Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
٦ - ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ وهي: جميع ما دب عليها من آدمي وحيوان﴿إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا﴾ تكفّل به، تفضلا منه تعالى وإحسانا ورحمة ﴿وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا ﴾ أي : موضع قرارها في الأصلاب، أو: محل استقرارها في الأرض، حيـث تقيـم وتسكـن وتأوي ﴿وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ﴾ أي : و موضع استيداعها في الأرحام، أو : موضعها الذي تموت فيه ،﴿كُلّٞ﴾ مما ذكر، من الدواب، ورزقها، ومستقرها، ومستودعها، وتفاصيل أحوالها ﴿فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾أي : بيّن ظاهر، هو : اللوح المحفوظ، أي : مثبت فيه.والآية : بيان لإحاطة علمه تعالى بكل شيء، فقد جرى به قلمه، ونفذت فيه مشيئته .ومثله قوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)الأنعام(٣٨) وقوله : (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)الأنعام(٥٩) .
11:7Page 222
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."
٧ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ﴾ قيل : من أيام الدنيا، وقيل : من أيام الآخرة، أي: في قدرها، لأنه لم يكن ثَمّ شمس ولا قمر، ولو شاء الله تعالى لخلقهن في لمحة، و العدول عنه، لتعليم خلقه التثبت في الأمور. ﴿وَكَانَ عَرۡشُهُۥ﴾ تعالى، قبل خلق السموات والأرض ﴿عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾ أي : ليس تحت عرشه، قبل خلق السموات والأرض، غير الماء. فقد روى البخاري في «صحيحه» عن عمران بن حصين، أنه ﷺ سُئل عن أحوال هذا العالم فقال : «كان الله – أي : في الأزل – ولم يكن شيء قبله – وفي رواية : غيره – وكان عرشه على الماء» .ورواه أحمد في «مسنده» عن عمران بن حصين، بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء». والحديث مخرجٌ في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة ، كما قال ابن كثير. وأخرج مسلم في «صحيحه»، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال : قال رسول الله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». فخلق الماء سابق على خلق العرش، وقد جاء ذلك صريحا فيما رواه أحمد والترمذي وصححه، مرفوعا : «إنّ الماء خُلق قبل العرش» .﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ﴾ أي : ليختبركم ويمتحنكم و هو أعلم بكم، متعلق ب «خلق»، أي : خلق السموات والأرض، وما فيهما من منافع لكم ومصالح، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه، من مبادئ وجودكم، وأسباب معاشكم، ليختبركم فيما أمر به و نهى عنه، ليتميز المحسن من المسيء، والمطيع من العاصي، ويظهر للناس حاله في الدنيا وفي يوم الحساب، ويجري حكم القضاء الإلهي في أمره، على حسب ما يظهر من حاله .﴿أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾ بطاعة الله، أي: ليختبركم، فيما أمر به، ونهى عنه، أيكم أطوع لله، وأورع عن محارمه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته .والعمل لا يكون حسنا، حتى يكون:خالصا لوجه الله، صوابا على شريعة محمد ﷺ، متبعا فيه الكتاب والسنة، فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين، حبط وبطل .﴿وَلَئِن قُلۡتَ﴾ يا محمد للمشركين: ﴿إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ﴾ للحساب والجزاء، ﴿لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ﴾ أي : ما ﴿هَٰذَآ﴾ القرآن، الناطق بالبعث والمعاد، أو : الذي تقوله يا محمد عن البعث بعد الموت والحساب والجزاء ﴿إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن واضح، أو: باطل مخادع كالسحر. [وفي قراءة: (ساحر) إشارة إلى النبي ﷺ]. وهذا القول منهم كفر وعناد .
11:8Page 222
وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨
And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
٨ - ﴿وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ﴾ والعقاب والمؤاخذة ﴿إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ﴾ أي : إلى طائفة من الأيام معلومة أو قليلة، أو : إلى أجل معدود، ووقت مقدر، وأمد معلوم. والمعدودة: إشارة للقلة ﴿لَّيَقُولُنَّ﴾ أي: الكفار و المشركون تكذيبا و استعجالا، وسخرية واستهزاء : ﴿مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ﴾ عنا، أي : أيُّ شيء يمنعه من النزول ويؤخره ؟ قال تعالى في جواب تكذيبهم وشكهم : ﴿أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ﴾ العذاب ﴿لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ﴾ أي : ليس مدفوعا أو محبوسا عنهم، بل واقع بهم لا محالة .﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي : وأحاط، أو: نزل بهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ من العذاب الذي كانوا يستعجلونه. أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه، استهزاء منهم .والأمة في القرآن : تستعمل في معانٍ متعددة منها : الأمد : كقوله تعالى في هذه الآية:(إلى أمةٍ معدودة) وقوله : (وادكر بعد أمة)يوسف(٤٥). ومنها الإمام المقتدى به، كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة)النحل(١٢٠). وفي الملة والدين، كقوله تعالى حكاية عن المشركين:(إنا وجدنا آباءنا على أمة) الزخرف(٢٣). وفي الجماعة من الناس، كقوله تعالى: (وجد عليه أمة من الناس يسقون)القصص(٢٣). وفي الفرقة والطائفة، كقوله تعالى : (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)الأعراف(١٥٩) .
11:9Page 222
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩
And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.
٩ - (وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ﴾ أي : نعمة، من رغد عيش، وسعة رزق و أمن وغنى وصحة وعافية وسلامة، ونحو ذلك ﴿ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ﴾ أي : سلبناه إياها ﴿إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ﴾ أي : قنوط من رحمة الله، شديد اليأس من أن يعود إليه مثل ما سلب منه، أو خيرا منه، قاطع الرجاء من فضل الله، بلا صبر ولا تسليم لقضائه﴿كَفُورٞ﴾ أي : كثير الكفران، لما سلف له التقلب فيه من نعم الله.يقال يئس من الشيء ييأس: إذا قنط منه. فهذه طبيعة البشر : اليأس بعد سلب النعمة، والغفلة بعد زوال النقمة، فإذا أصابته شدة بعد نعمة، حصل له يأس وقنوط لما يستقبل من أمره، و كفر وجحود لماضي حاله، كأنه لم ير خيرا ، ولم يرج بعد ذلك فرجا.
11:10Page 222
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠
But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -
١٠ - ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ﴾ من غنى وصحة وسلامة ﴿بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ﴾ أي : بعد نائبة ونكبة أصابته، من فقر وشدة ومرض، ونحو ذلك ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ﴾ أي: المصائب والنوائب ﴿عَنِّيٓۚ﴾ غير شاكر لله، ولا مُثن عليه ﴿إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ﴾ أي : بطر بالنعمة، أشرٌ بها، مغتر بها، أي : كثير الفرح بالنعمة بطرا وأشرا ﴿فَخُورٌ﴾ أي : كثير الفخر على الناس، كثير التعاظم والتطاول عليهم، بما أوتي من نعم الله، مشغول بذلك عن القيام بحقها من الشكر والطاعة .
11:11Page 222
إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١
Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.
١١ - ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: لكن الذيـن صبروا على الضراء والشدائد والمكاره، إيمانا بالله واستسلاما لقضائه، فلم ييأسوا. و الاستثناء منقطع. ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ في النعماء والسراء، والرخاء والعافية، فلم يبطروا ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتصفون بالصبر على الضراء، وعمل الصالحات في السراء من واجبات ومستحبات.﴿لَهُم مَّغۡفِرَةٞ ﴾ لذنوبهم، بما يصيبهم من الضراء ، ﴿وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ هو : الجنة، بما أسلفوه من الصالحات في زمن الرخاء، والصبر على الضراء، فهؤلاء ثابتون في الحالين: حال زوال النعم وتبدلها، فلا ييأسون من رحمة الله، بل يذكرون الله ويحمدونه، ويرجون ثوابه. و حال زوال النقم وحصول النعم، فلا يبطرون بنعمة الله، بل يشكرون الله ويحمدونه .وفي الحديث : «والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه». وفي الصحيحين : «و الذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له – وفي رواية- : عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير – إن أصابته سراء فشكر، كان خيرا له، وإن إصابته ضراء فصبر، كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن».
11:12Page 222
فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢
Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.
١٢ - ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يا محمد – لعظم ما تراه منهم من الكفر، والتكذيب، واقتراح الآيات، تعنتا وجحودا -﴿تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ﴾ أي: تارك تبليغ بعض ما أنزل الله عليك، وأمرك بتبليغه، من القرآن مما يشق عليهم سماعه، أو العمل به، كسبِّ آلهتهم، وأمرهم بالإيمان بالله وحده، والنهي عن الشرك والإنذار لهم والنعي عليهم .﴿وَضَآئِقُۢ بِهِۦ﴾ أي: بتبليغه ﴿صَدۡرُكَ ﴾ مخافة، أو: لأجل ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ تكذيبا واستهزاء ﴿لَوۡلَآ﴾ أي : هلاَّ ﴿أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ﴾ أي: مال مكنوز، مخزون ينتفع به ﴿أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ﴾ يصدقه ويشهد له بالنبوة والرسالة !أي : فلا يكن منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك، أحبوا ذلك أم كرهوا .والمراد : دُمْ على التبليغ والدعوة إلى الله، ولا تضق بأمرهم ذرعا ،﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ﴾ فما عليك إلا البلاغ والإنذار، لا الإتيـان بما اقترحـوه، وعلينا الحساب، ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ﴾ أي : قائم به، حافظ له، فيجازيهم بأعمالهم. و«لعل» للترجي والتوقع، ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه، فقد يمتنع لمانع، وهنا لا يُتوقع منه ﷺ ترك تبليغ شيء مما أوحى الله إليه، ولا ضيق الصدر به، لثبوت عصمته من ذلك. وفى الآية : تنديد بالمشركين، وإنذار لهم بسوء العاقبة، وحث له ﷺ على عدم المبالاة بهم. وفيها: بيان لحرص النبي ﷺ على إيمان الناس، وتسلية له عن تكذيبهم وعنادهم وتعنتهم باقتراح الآيات، وتنشيط له ﷺ على متابعة تبليغ الرسالة وأمور الدعوة.ومثله قوله تعالى :(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون)الحجر(٩٧). وفى الآية أيضا: إرشاد إلى أنه لاينبغى للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين ولا قدح القادحين، خصوصا إذا كان القدح لامستند له، ولايقدح فيما يدعو إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه.
11:13Page 223
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣
Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
١٣ - ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ﴾ أي : بل أيقولون : اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه، فتحداهم الله بقوله : ﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ﴾ فى الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعنى ﴿مُفۡتَرَيَٰتٖ﴾ أى : مختلقات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي ! فإنكم عرب فصحاء بلغاء .وقد وقع التحدي لهم بالقرآن كله، كما في قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله)الإسراء(٨٨)، ثم بعشر سور، كما في هذه الآية، ثم بسورة واحدة منه، كما في قوله تعالى:(فأتو بسورة من مثله)البقرة(٢٣)، ويونس آية : (٣٨). وقد عجزوا عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، فدل على أنه منزل من عند الله تعالى. ﴿وَٱدۡعُواْ﴾ للاستظهار والمعاونة على المعارضة بالعشر السور ﴿مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ دعاءه و قدرتم على الاستعانة به ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : من غيره، ممن تعبدونهم وتجعلونهم شركاء لله في العبادة أو شفعاء لكم ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ فيما تزعمون، من أن القرآن افتراء، فعجزوا، ولو استطاعوا ذلك لفعلوه .
11:14Page 223
فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤
And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?
١٤ - ﴿فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ﴾ أي: لم يأتوا بما دعوتموهم إليه، من الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، أو : من دعوتموهم أيها المشركون، للاستظهار والمعاونة ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ أيها المؤمنون، علم اليقين، أو: قد يكون الخطاب للمشركين، أو : للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم ﴿أَنَّمَآ أُنزِلَ﴾ هذا القرآن متلبسا ﴿بِعِلۡمِ ٱللَّهِ﴾ ومن عند الله، فليس افتراء عليه ﴿وَأَن﴾ أي : وأنه، أو : واعلموا أنه ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾ المستحق وحده للألوهية والعبادة، فلا معبود بحق سواه ﴿فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ أي : منقادون لألوهيته، مستسلمون لعبوديته، ثابتون على دينه، مخلصون له الدين والقصد، أي: فكونوا كذلك، وأسلموا لله. أو:(فهل أنتم مسلمون) أيها المشركون، بعد هذه الحجة القاطعة، أي : أسلموا، وادخلوا في دين الله .وفي الآية : أن مما يُطلب فيه العلم اليقيني، ولا يكفي فيه غلبة الظن : علم القرآن و علم التوحيد، لقوله تعالى : (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو) الآية.
11:15Page 223
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥
Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.
١٥ - ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا﴾ صارفا رغبته فيها، وسعيه وعمله لها، دون أن يصرف من إرادته شيئا للآخرة، ﴿نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا﴾ أي: نعطهم جزاء ما عملوه من خير فيها كصدقة وصلة رحم، بسطةً في الأموال والأولاد، والجاه والسلطان، وسعة في الرزق، ورغدا في العيش، ونحو ذلك ﴿وَهُمۡ فِيهَا﴾ أي : في الدنيا ﴿لَا يُبۡخَسُونَ﴾ أي: لا ينقصون شيئا، مما قدر لهم من ثواب الدنيا، أو : من أجور أعمالهم، بل يعطون حقهم في الدنيا وافيا غير منقوص.من البخس : وهو نقص الحق ظلما .
11:16Page 223
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦
Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.
١٦ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ ﴾ لعدم رغبتهم فيها، وعدم سعيهم وعملهم لها،﴿وَحَبِطَ﴾ أي : وبطل في الآخرة ثواب ﴿مَا صَنَعُواْ﴾ أي : ما عملوا من أعمال الخير، ﴿فِيهَا﴾ أي : في الدنيا، لفساد مقاصدهم، وعدم إخلاصهم. أو : حبط عملهم في الآخرة، فلا ثواب له، لعدم شرطه، وهو: الإيمان .﴿وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا من أعمال الخير، لعدم وجود شرطها، وهو الإيمان، فذهب نفعه وتبدد أثره. يُقال : حبط – بكسر الباء وفتحها، كسمع وضرب - حبطا وحبوطا : بطل. وأحبط الله عمله : أي : أبطله.روى مسلم، عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، أما الكافر : فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يُجزى بها». وهذا كقوله تعالى :(وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)الفرقان( ٢٣) .وقد قيل : إن الآية نزلت في الكفار من أهل الكتاب والمشركين، الذين يعملون أعمالا صالحة في الدنيا، مع تشبثهم بالكفر، فهؤلاء يعجل الله لهم ثوابها كاملا في الدنيا، وليس لهم في الآخرة إلا النار، جزاء على كفرهم. وقيل : هي في المرائين الذين يراؤون الناس بأعمالهم. قال قتادة : من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاء، و أما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة .و نظير هذه الآية: قوله تعالى:(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ١٨ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ١٩)الإسراء(١٩،١٨) .وقوله تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب)الشورى(٢٠) .
11:17Page 223
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧
So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.
١٧ - ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ﴾ أي : على يقين أو برهان جلي واضح، أو: على بيان ﴿مِّن رَّبِّهِۦ﴾ بالوحي الذي أنزله الله عليه، وهو: النبي ﷺ، أو: المؤمنون، والبينة : هي القرآن.﴿وَيَتۡلُوهُ﴾ أي : ويتلو هذا البرهان ويتبعه، ويقويه ويؤيده ﴿شَاهِدٞ﴾ له بصدقه ﴿مِّنۡهُ﴾ أي : من الله تعالى، وهو : ما أوحاه الله إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة. وقيل : الشاهد : هو إعجاز القرآن في نظمه. وقيل: هو جبريل عليه السلام يتلو على محمد ﷺ ما بُعث به ﴿وَمِن قَبۡلِهِۦ﴾ أي: ومن قبل القرآن ﴿كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ﴾ وهو : التوراة، شاهد له - أيضا- بالصدق، حال كونه ﴿إِمَامٗا﴾ لهم في الدين﴿وَرَحۡمَةًۚ﴾ بهم، أي : أيكون من كان على بينة من ربه كمن ليس كذلك ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ لا يستويان .والتلوّ : التبعية، بمعنى : التقوية. والشاهد : ما أوحاه الله إلى رسله من الشرائع، وقيل : هو إعجاز القرآن، أو التوراة المؤيدة له بالصدق، الموافقة له فيما جاء به من الحق. والضمير في (منه) : لله عز وجل أو: للقرآن، لإفادة أن إعجازه وصف ثابت له في ذاته، غير خارج عنه. و(من قبله) حال من (كتاب موسى) المعطوف على (شاهد) .﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي : من كان على بينة من ربه، وعَلِمَ شهادة الشاهديْن المذكوريْن وهما القرآن، أو : إعجازه، أو : شرائع الأنبياء، والتوراة. ﴿يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ﴾ أي : بالقرآن، أو : يصدقون بالنبي ﷺ، فلهم الجنة ،﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ﴾ أي : بالقـرآن أو: بمحمـد ﷺ ﴿مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ﴾ من سائر أهل الملل و النِّحل، مشركهم وكافرهم، و أهل الكتاب وغيرهم، ممن بلغه القرآن، ﴿فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ﴾ أي : فهو من أهل النار لا محالة. فقد أخرج مسلم، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني، ثم لايؤمن بي إلا دخل النار» .(فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ﴾ أي : في شك ﴿مِّنۡهُۚ﴾ أي : مـن القرآن، من كونه نازلا من عند الله، أو : من أن موعدهم النار. والخطاب لرسول الله ﷺ، والمراد : أمته. أو : لكل من يصلح للخطاب. والمراد : التحريض على النظر الصحيح، المزيل للشك .﴿إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ فلا مرية فيه، ولاشك، ولا ريب، كقوله : (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)السجدة(٢) وقوله سبحانه : (ذلك الكتاب لا ريب فيه)البقرة(٢) .(وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُـونَ﴾ مع ظهـور الدلائل الموجبة للإيمان، ولكنهم يعاندون إما جهلا و ضلالا، أو : ظلما وبغيا. كقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف(١٠٣) وقوله: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)الأنعام(١١٦) .والآية بيان لحال الذين يريدون بأعمالهم وجه الله، والدار الآخرة، إثر بيان حال أضدادهم الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا .ثم بعد أن بيّن الله حال المؤمنين- كما في الآية السابقة- بيّن حال الكافرين، وذكر من أوصافهم أربعة عشر وصفا: أولها : افتراء الكذب على الله، وآخرها: الخسران في الآخرة، فقال :
11:18Page 223
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨
And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers
١٨ - ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي : لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ﴾ أي : اختلق ﴿عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ﴾ بنسبة ما يستحيل عليه من الشريك والولد. أو : بقولهم لأصنامهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أو : قولهم: الملائكة بنات الله، ونحو ذلك .﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ﴾ يوم القيامة، ليجازيهم بظلمهم، ويحاسبهم على أعمالهم .﴿وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ﴾ أي: الحاضرون في موقف العرض والحساب، وهم: الحفظة من الملائكة الذين يشهدون للرسل بالبلاغ و على الكفار بالتكذيب. أو: الملائكة والأنبياء والمؤمنون، الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه- جمع شاهد أو : شهيد، بمعنى حاضر. كصاحب أو أصحاب- يقولون عند العرض والحساب :﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: المعروضون، هم ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ﴾ بما نسبـوه إليه مما لا يليـق بجلال ذاته، وكمال صفاتـه، ﴿أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء على الله وكتابه ورسوله، أو على المشركين، لقوله : (إن الشرك لظلم عظيم)لقمان(١٣) .وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول: رب أعرف، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعطى كتاب حسناته، و أما الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين)».
11:19Page 223
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.
١٩ - ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي : يمنعون ويردون أنفسهم وغيرهم عن دين الله، والدخول فيه، وعن اتباع طريق الهدى والحق ﴿وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا﴾ أي : و يطلبون سبيل الله معوجة غير معتدلة أو ذات اعوجاج، فيصفونها بالاعوجاج، تنفيرا للناس عنها، فيحسِّنون الباطل، ويقبِّحون الحق. أو يلتمسون سبيل الله زيغا وميلا عن جادة الاستقامة ﴿وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ﴾ تأكيد ﴿كَٰفِرُونَ﴾ أي : جاحدون بها، مكذبون بوقوعها.
11:20Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
٢٠ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي : الكافرون بالآخرة، الصادون عن دين الله.﴿لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ﴾ الله ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي : مفلتين أنفسهم من عذابه أو فائتينه، إن أراد الله عقوبتهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّه﴾ أي : من غيره ﴿مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ﴾ أي: من أنصار، يمنعونهم من عذابه، أو يدفعون عنهم ما أراده الله من عقوبتهم، ويحصِّلون لهم ما ينفعهم، بل هم تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم متى شاء، ولكن (يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)إبراهيم(٤٢). وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ﴿يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ﴾ أي : يُغلّظ عليهم و يُزاد لهم فيه، لأنهم ضلوا بأنفسهم، وأضلوا غيرهم، بافترائهم على الله، وصدهم عن سبيله، ووصفهم الملة الإسلامية بالعوج. [وفي قراءة بالتشديد : (يُضعَّف لهم العذاب)]. (مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ﴾ للحق، سماع تدبر وقبول، ينتفعون به، بسبب عنادهم وتكبرهم ﴿وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ﴾ الحق إبصار مهتد أو ينظرون إليه نظر تفكر واعتبار، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه. أي : أنهم أفرطوا في إعراضهم عن عن الحق، وبُغضهم له، ونفورهم عنه، حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا على الإبصار، كقوله تعالى : (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)الملك(١٠) .أو يكون المعنى: أن الله ختم على سمعهم و أبصارهم و حال بينهم وبين طاعته، حكمة منه و عدلا، فلا يسمعون الحق و لا يبصرونه.
11:21Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
٢١ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ أي : غبنوها حظها من رحمة الله، لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم، حيث فوّتوا ثواب الله ، واستحقوا عذابه ،﴿وَضَلَّ عَنۡهُم﴾ أي : ذهب وغاب عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ على الله، من دعوى الشريك والولد، فلم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله من شئ، لما جاء أمر ربك، بل ضرتهم كل الضرر، كقوله: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين)الأحقاف(٦) وقوله سبحانه:(كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)مريم(٨٢) وقول إبراهيم لقومه : (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)العنكبوت(٢٥) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences