Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
يونس
Yunus
Jonah · Meccan · 109 ayahs
10:1Page 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
١ – ﴿الٓرۚ ﴾ تقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، وهي للبيان والتحدي والإعجاز، والله تعالى أعلم بمراده بذلك.﴿تِلۡكَ﴾ أي : هذه الآيات ﴿ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: القرآن. والإضافة بمعنى: «مِن»، أي: آيات من الكتاب ﴿ٱلۡحَكِيمِ﴾ أي: المحكم بالحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والحدود و الأحكام. وقيل:(الحكيم) أي: ذو الحكمة ، لاشتماله عليها . وقيل:(الحكيم) أي : الحاكم ، كقوله تعالى : (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)البقرة(٢١٣).
10:2Page 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."
٢ - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ﴾ أي : لأهل مكة أمرا ﴿عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ﴾ أي: إيحاؤنا القرآن ﴿إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ﴾ أي:من جنسهم، هو محمد ﷺ ﴿أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ عذاب الله وعقابه ، وخوّفهم نقم الله ، وذكرهم بآيات الله ، وبلغهم على سبيل التحذير لهم، بما سيأتي في هذه السورة من الآيات .﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ بالله، إيمانا صادقا ﴿أَنَّ﴾ أي : بأن ﴿لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ﴾ أي : سابقة فضل، وسلف صدق ، ومنزلة رفيعة ، ودرجة عاليـة ﴿عِندَ رَبِّهِمۡۗ﴾ أو : أجرا حسنا، بما قدّموه من الأعمال الصالحة الصادقة وثوابا كريما بما أسلفوه من الإيمان والإحسان .وقوله : (أكان للناس عجبا) استفهام إنكار ، على من تعجب من الكفار، إرسال المرسلين من البشر، كقوله: (أبشر يهدوننا)التغابن(٦) وقوله: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم)الأعراف (٦٣). قال ابن عباس : لما بعث الله محمدا ﷺ رسولا ، أنكرت العرب ذلك، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فأنزل الله : (أكان للناس عجبا) الآية .والجار المجرور في قوله:(للناس)– حال من قوله : (عجبا)، و«عجبا» بالنصب : خبر كان ، واسمها: (أن أوحينا إلى رجل منهم).والمعنى : أكان إيحاؤنا إليك الكتاب عجبا للناس ، أو: مَدْعاة لعجبهم .و الإيحاء : إعلام مع خفاء.و الإنذار: إعلام مع التخويف من العاقبة.و البشارة: إعلام مع التبشير بالثواب.والقدم : السابقة والسالفة . والعرب تسمى كل سابق في خير أو شر : قدما، وإضافته إلى الصدق ، من إضافة الموصوف إلى الصفة ، كما في «مسجد الجامع» فتفيد المدح والتحقيق ، وما قدموه هو : الإيمان، أو الأعمال الصالحة المستتبعة للثواب. وسمي قدما : لأنه لا ينال إلا بالسعي ، وهو لا يحصل إلا بالقدم ، فهو من باب : تسمية المسبَّب باسم السبب . كما سميت النعمة «يدا». ﴿قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ أي : مع أنَّا بعثنا إليهم رسولا منهم بشيرا ونذيرا ، قال الكافرون عنه : ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ أي: الرجل المرسل ﴿لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ﴾ أي: بيِّن السحر، ظاهره، يبين لكم عنه أنه مبطل فيما يدعيه .[وفي قراءة : (إنّ هذا) أي : القرآن (لسحر مبين) أي: بيِّن ظاهر].
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
٣ – ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ﴾ أي : في قدْرِ ستة أيام ، قيل: من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة، وفيها قوله : (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)الحج(٤٧).مع أنه تعالى قادر على خلقهما في لحظة واحدة ، ولكن لما له في ذلك من الحكمة البالغة ، و لأنه رفيق في أفعاله يحب الرفق في الأمر كله، ولتعليم عباده التثبت و التأني في الأمور. ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواء يليق به سبحانه عظمة وجلالا وكمالا ، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، (ليس كمثله شيء)الشورى(١١) لا في ذاته ، ولا في صفاته ولا في أفعاله .أي: علا وارتفع عليه.والعرش : أعظم مخلوقات الله على الإطلاق.و في الحديث :«ما السموات السبع في جنب الكرسي، إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي، كفضل الفلاة على الحلقة». أخرجه الآجرّي وأبو حاتم البستي في صحيح «مسنده»، والبيهقي ، وذكر أنه صحيح . والاستواء في اللغة : العلو والارتفاع، واستواؤه تعالى على العرش : صفة من صفاته تعالى على ما يليق بجلاله وكماله و عظمته . ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ﴾ بين الخلائق ، أي: يقضي ويقدر أحوال ملكوت السموات والأرض ، والعرش وسائر الخلق، وشئون جميع الكائنات من الإماتة والإحياء و إنزال الأرزاق، ونحو ذلك على وفق الحكمة ، والوجه الأكمل(لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض)سبأ(٣). وأصل التدبير: النظر في أدبار الأمور وأعقابها ، لتقع على الوجه المحمود . فأنواع التدابير نازلة منه ، وصاعدة إليه ، وجميع الخلق مذعنون لعزته، خاضعون لعظمته وسلطانه .و الآية كقوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)الأعراف(٥٤).﴿مَا مِن شَفِيعٍ﴾ يشفع لأحد عنده يوم القيامة ﴿إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ﴾ لأنه تعالى أعلم بمواضع الحكمة والصواب. وهذا كقوله : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)البقرة(٢٥٥) ، وكقوله: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)النجم(٢٦). وقوله:(ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)سبأ(٢٣). وفي الآية رد لقول أهل مكة : إن الأصنام تشفع لهم . وشفاعة القيامة لها شرطان: إذنه تعالى للشافع . و أنه لا يأذن إلا لمن رضيه بمقتضى حكمته وعلمه. ﴿ذَٰلِكُمُ﴾ الذي شأنه : الخلق والتدبير، هو ﴿ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ﴾ الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال والجلال ، ووصف الربوبية الجامعة لصفات الأفعال .﴿فَٱعۡبُدُوهُۚ﴾ أي : فأفردوه بالعبادة ، وحده لا شريك له ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الأدلة الدالة على أنه تعالى هو وحده المعبود بحق ، لا إله غيره ، ولا رب سواه . [وفي قراءة: (أفلا تذّكّرون) بإدغام التاء في الأصل:«تتذكّرون» في الذال] .ثم لما ذكر تعالى حكمه القدرِي ، وهو التدبير العام، وحكمه الديني، وهو شرعه ، الذي مضمونه ومقصوده: عبادته وحده لا شريك له ، ذكر حكمه الجزائي ، وهو مجازاته على الأعمال بعد الموت ، فقال :
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
٤ - ﴿إِلَيۡهِ﴾ تعالى ﴿مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ﴾ بالبعث والنشور بعد الموت ، أي : يوم القيامة .﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ﴾ أي : وعدكم الله بالبعث والرجوع إليه وعدا ، وحق ذلك الوعد حقا وصدقا ، أي : ثبت ووجب ثباتا ووجوبا ، لا شك فيه، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ﴿إِنَّهُۥ﴾ تعالى، بالكسر : استئنافا [و في قراءة: بالفتح على تقدير اللام:(أنه) تعالى] ﴿يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ﴾ أي : بدأه بالإنشاء من العدم أو من نطفة أو من تراب، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ بالبعث والنشور.والآية دليل عقلي على المعاد، فالقادر على ابتداء الخلق ، قادر على إعادته من باب أولى ، وهو كالتعليل لما قبله. ومثله قوله : (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧).ثم ذكر سبب المعاد ، فقال: (لِيَجۡزِيَ﴾ أي : ليثيب ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ أي : بالعدل والجزاء الأوفى ، مع الفضل.أو: بسبب قيامهم على العدل في أمورهم، و على رأسها الإيمان. وفي الحديث عند مسلم :«قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ، قال : ولا أنا ، إلا أن يغفر لي الله برحمة منه وفضل». ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بآيات الله وكذبوا رسول الله، ﴿لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ﴾ أي : ماء حار بالغ نهاية الحرارة ، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ﴾ أي : مؤلم موجع ﴿بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ﴾ أي : بسبب كفرهم. والجملة بيان لجزائهم في الآخرة ، أي: وليجزي الذين كفروا بكفرهم.
10:5Page 208
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥
It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.
٥ – ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ﴾ [وفي قراءة: بالهمزة : (ضئاء)] أي : ذات ضياء في النهار . ﴿وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ أي : ذا نور في الليل. والضياء : ما كان ذات الشيء ، كضوء النار والسراج . والنور : ما كان مستنارا حادثا من غير الذات بالانعكاس ، كانعكاس النور عن المرآة ، فنور القمر مستنار من ضوء الشمس .﴿وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ﴾ أي : وصيّر القمر ذا منازل يسير فيها. ومنازل القمر: ثمانية وعشرون منزلا في كل شهر، قدّرها تعالى تقديرا بديعا محكما ، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يتكامل ، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى، في تمام شهر. و الآية كقوله: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)يس(٣٩). وقوله: (والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم)الأنعام(٩٦).﴿لِتَعۡلَمُواْ﴾ أي: و قدّر القمر منازل لتعلموا بذلك التقدير ﴿عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾ أي : ليعرف بذلك ابتداء الشهور والسنين ، وانتهاؤها، وعددها ، والحساب بالأوقات من الأشهر والأيام .وبذلك التقدير تنتظم مصالح العباد في العبادات والمعاملات ، وسائر الشئون الدينية والدنيوية . ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ﴾ المذكـور ﴿إِلَّا بِٱلۡحَـقِّۚ﴾ أي : بالحكمة البالغة، فلم يخلقه عبثا ، تعالى الله عن ذلك، بل لتعلم عظمته وقدرته وحكمته ، فيعبد وحده بحق وإخلاص ، دون سواه ، كقوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا)ص(٢٧). ﴿يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي :يبيّن الآيات الكونية والأدلة والحجج الدالة على عظمة الله وقدرته . [وفي قراءة: بالنون: (نفصل الآيات)]. ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ أي :يتدبرون ويعقلون عن الله حججه وبراهينه .والآية : شروع في بيان أدلة كمال قدرته تعالى ، وعظم حكمته وعلمه وتدبيره ، ردّا على منكري البعث .
10:6Page 208
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦
Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.
٦ - ﴿إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما بالذهاب والمجيء، والزيادة و النقصان، و الطول والقِصر، كقوله: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار)البقرة(١٦٤).﴿وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ من الآيات الدالة على عظمته تعالى، وكمال قدرته كقوله: (وكأين من آية في السماوات والأرض)يوسف(١٠٥)وقوله: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض)يونس(١٠١). ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي : لدلالات وحجج على قدرته تعالى وكمال حكمته ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ﴾ الله ، فيمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه .وخصهم بالذكر: لأنهم المنتفعون بها، فيما يصلح معاشهم ومعادهم وعاقبة أمرهم. أو: يتقون مخالفة سننه التكوينية والتشريعية . وفي الآيات : الحث والترغيب على التفكير في مخلوقات الله ، والنظر فيها بعين الاعتبار والاستبصار. وفيها دلالة على رحمة الله بعباده ، واعتنائه بهم ، وسعة بره وإحسانه، وكمال مشيئته ، وإرادته النافذة في خلقه .
10:7Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧
Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -
٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ بالبعث ، أي : لا يتوقعون لقاء الله خوفا أوطمعا ،فلا يرجون ثوابنا ولا يخشوْن عقابنا، لإنكارهم البعث. أو لا يخافون لقاء الله.و الرجاء في الأصل: توقع الخير، كالأمل، و يُستعمل في الخوف و توقع الشر، وفي مطلق التوقع الشامل للأمل والخوف ، وهو المراد هنا .﴿وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ من الآخرة، لإنكارهم لها ﴿وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا﴾ أي : وسكنوا إليها ، وفرحوا بها ، وركنوا إليها ، وجعلوها غاية أمرهم ، ونهاية قصدهم، فسعوا لها، وأكبوا على لذاتها وشهواتها .﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا﴾ الكونية والشرعية ﴿غَٰفِلُونَ﴾ أي : تاركون النظر فيها ، فلا يعتبرون بآيات الله الكونية ولا يتفكرون فيها ، ولا يأتمرون بآيات الله الشرعية ولا يعملون بما فيها .فالإعراض عن الدليل ، مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول والمقصود .
10:8Page 209
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨
For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.
٨ – ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ الذين هذا وصفهم ﴿مَأۡوَىٰهُمُ﴾ أي : مكان إقامتهم، أو: مقرهم ومسكنهم ومثواهم ﴿ٱلنَّارُ﴾ يوم معادهم ، جزاءً ﴿بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ في دنياهم : من الكفر والشرك والمعاصي ، و التكذيب بالمعاد .
10:9Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.
٩ – ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ فجمعوا بين الإيمان بالله،و القيام بموجبه ومقتضاه، من الأعمال الصالحة، المشتملة على أعمال القلوب، وأعمال الجوارح على وجه الإخلاص لله والمتابعة لرسوله ﷺ. ﴿يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ﴾ به ، أي: يرزقهم ربهم الهداية بسبب إيمانهم بالله : هداية التوفيق والاستعانة ، فيعلمهم ما ينفعهم، ويهديهم للنظر في آياته ، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم ، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم، أو: بأن يجعل لهم نورا يهتدون به يوم القيامة ، كما قال تعالى:(يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم)الحديد(١٢).﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ﴾ أي: من تحت منازلهم ومن بين أيديهم ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر .
10:10Page 209
دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"
١٠ – ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا﴾ أي : دعاؤهم في الجنة ، قولهم: ﴿سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ﴾ أي : التسبيح والتنزيه و التقديس، وهو إشارة إلى وصفه تعالى بصفات الجلال والكمال.﴿وَتَحِيَّتُهُمۡ﴾ فيما بينهم ، أو : تحية الله أو : الملائكة لهم ﴿فِيهَا﴾ أي : في الجنة ﴿سَلَٰمٞۚ﴾ أي : دعاءٌ لهم بالسلامة من كل مكروه .والتحية : التكرمة بالحالة الجليلة ، وأصلها : من الحياة ، أي : أحياك الله حياة طيبة . و نظير هذا قوله تعالى:(تحيتهم يوم يلقونه سلام)الأحزاب(٤٤) و قوله: (إلا قيلا سلاماً سلاما)الواقعة(٢٦) و قوله جل في علاه: (سلام قولا من رب رحيم)يس(٥٨) وقوله سبحانه: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم)الرعد (٢٣-٢٤).(وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: و خاتمة دعائهم (أَنِ﴾ يقولوا: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ الذي هو إشارة إلى وصفه تعالى بنعوت الجمال والإكرام والإجلال . وفيه : دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدا، المعبود بحق دون سواه على طول المدى ، ولهذا حمد نفسه الكريمة عند ابتداء خلقة ، فقال: (الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض)الأنعام(١)وفي ابتداء كتابه ، فقال: (الحمد لله رب العالمين)الفاتحة(٢) وعند ابتداء تنزيله، فقال : (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)الكهف(١)، وعند القضاء بين العباد بالحق ، فقال سبحانه : (وقيل الحمد لله رب العالمين)الزمر(٧٥). وفي الحديث الصحيح :«إن أهل الجنة يُلهمون التسبيح والتحميد ، كما تُلهمون النفس».
10:11Page 209
۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١
And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.
١١ - ﴿وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ﴾ الذي سألوه واستعجلوه. ﴿ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ﴾ أي : تعجيله لهم بالخير الذي رغبوه. أي : ولو يُعجل الله للناس الشر الذي يطلبونه، كاستعجالهـم بالخـير الذي يرغبونـه ﴿لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ﴾ أي: لأُهلكوا جميعا وأبيدوا، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم ، لطفا منه بعباده ، ورحمة بهم، وإحسانا لهم . [وفي قراءة : بالبناء للفاعل: (لقَضى إليهم أجلَهم) أي : لقضى الله إليهم أجلهم بالإهلاك والإبادة].والمعنى : لو يعجل الله للناس الشر ، إذا أتوا أسبابه ، كما يعجل لهم الخير، إذا أتوا أسبابه ، لأهلكهم جميعا، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ، ما ترك على ظهرها من دابة .وقيل : لو يعجل الله للناس العقوبة، كما يتعجّلون بالثواب ، لأهلكهم.وقيل : إن المعنى : لو يعجل الله لهم الاستجابة في دعائهم على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالشر ، كما يُستجاب لهم في الخير ويُعجل لهم فيه ، لأهلكهم ، فإن كثيرا من الناس يدعو بالموت والهلاك على نفسه أو غيره ، ويستعجل ذلك ، ولكنه تعالى لا يُعجل لهم الشر ، بل يُمهلهم، رحمة منه بعبادة ، ولطفا بهم، وحلما عليهم. و قد دعا أهل مكة ، حين استعجلوا العذاب الذي أوعدوا به، استهزاء وتكذيبا لإنكارهم البعث، فقالوا: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)الأنفال (٣٢) فلم يستجب دعاءهم ، لحكمته فيما قدّر لهم ، من الخير والإيمان بعد فتح مكة .وعن قتادة ومجاهد وسعيد بن جبير، في معنى هذه الآية : إنه دعاء الرجل على نفسه وماله وولده ، بما يكره أن يستجاب له- أي : حال غضبه وضجره ، دون قصد منه إلى إرادة ذلك- فقد أخرج مسلم ، وأبو داود ، وابن خزيمة في«صحيحة»، والبزّار عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«لا تدعوا على أنفسكم ، ولا تدعوا على أولادكم ، ولا تدعوا على خدمكم ، ولا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة - وفي رواية : يُسأل فيها عطاء – فيستجيب لكم» أي: فتندموا. و هذا نهي صريح عن الدعاء بالسوء على من لا يستحقه. وهذا كقوله: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير)الإسراء(١١).و تعجيل الشيء: تقديمه على أوانه المضروب له. و الاستعجال به: طلب التعجيل.وقد وُضع الاستعجال بالخير – و هو طلب التعجيل به –في قوله:(استعجالهم بالخير)، موضع التعجيل به لهم ، لإفادة سرعة إجابته تعالى لهم ، وإسعافهم بالخير، حتى كأن استعجالهم بالخير ، تعجيل له ، لسبق رحمته تعالى لعباده .وقوله : (لقُضي إليهم أجلهم):يقال: قضى إليه أجله ، أي : أنهى إليه مدته، التي قدّرها لموته ، فهلك.﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ بالبعث، أي نتركهم وندعهم ﴿فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ﴾ أي : في باطلهم ، وهو إنكارهم البعث ، وما يتفرع عليه من الأعمال الفاسدة، أو: في تطاولهم وتكبرهم وعدم قبولهم للحق ، أو : في تجاوزهم الحد في الكفر ﴿يَعۡمَهُونَ﴾ أي: يترددون ويتحيرون، أو : يعموْن عن الرشد.والجملة حالية. قال تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)البقرة (١٥).
10:12Page 209
وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢
And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.
١٢ – ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي : أصابه ﴿ٱلضُّرُّ﴾ أي : الجهد والبلاء، والشـدة ، أو : المرض والفقـر ، ﴿دَعَانَا﴾ لكشفه وإزالته ، واستغاث بنا لرفعه عنه ، في كل أحواله ﴿لِجَنۢبِهِۦٓ﴾ أي : حال كونه مضطجعا على جنبه، ﴿أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا﴾ وألح في الدعاء مجتهدا ، ليكشف الله عنه ضره و يفرِّج كربته، كقوله : (وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)فصلت(٥١). ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ﴾ وفرَّجنا عنه كربته وشدته، وأزلنا عنه جهده، ﴿مَرَّ﴾ على حاله ، الذي كان عليه قبل أن يمسه الضر، أي : استمر عليه ومضى عليه ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، ونسي موقف الضراعة والدعاء، فلم يتعظ.﴿كَأَن﴾ مخففة ، واسمها محذوف، أي: كأنه ﴿لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ﴾ قبل ذلك، فأعرض ونأى بجانبه ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : كما زُين لهذا الداعي الدعاء عند الضر والبلاء، و الإعراض والاستمرار على الكفر عند الكشف والرخاء ﴿زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحد ﴿مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ من معاصي الله والإعراض عن الذكر ، واتباع الشهوات، فزُين لهم الإعراض عن الدعاء ، والغفلة عن الشكر عند العطاء ، والاشتغال بالشهوات والأهواء.والآية : إخبار عن طبيعة الإنسان، فالمراد : جنس الإنسان ، أو الكافر من الناس ، باعتبار حال بعض أفراده ، وهو من يذكر الله عند البلاء ، وينساه عند الرخاء ، فإذا مسه الضر ، من مرض أو مصيبة في نفسه، أو أهله أو ماله ، اجتهد في الدعاء ، وسأل الله في جميع أحواله ، أن يكشف عنه ضره ، فإذا استجاب له، أعرض عن ربه ، واستمر على غفلته ، ونأى بجانبه.أما المؤمن فإنه يشكر الله على النعمة، ويصبر على المصيبة . وفي الحديث عند مسلم : قال رسول الله ﷺ:«عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرا له».وفي رواية :«عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء ، إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضراء فصبر، كان خيرا له ، وإن أصابته سراء فشكر ، كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».
10:13Page 209
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣
And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.
١٣ – ﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ﴾ أي: الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود ﴿مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ يا أهل مكة كقوله : (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)الأنعام(٦) ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ بالشـرك ، والكفـر وتكذيـب الرسل ﴿وَ﴾ قد ﴿َجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالآيات والحجج الواضحات الدلالة على صدق الرسل﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ﴾ أي : وما صح لهم وما استقام أن يؤمنوا بتلك البينات من الحجج والبراهين المعجزات، ولا بغيرها، لعدم استعدادهم لذلك ، وسلب الألطاف عنهم. والجملة عطف على ﴿ظلموا﴾.﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : كما أهلكنا أولئك ﴿نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: الكافرين بالله ، المكذبين لرسله، بالهلاك .
10:14Page 209
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤
Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.
١٤ – ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ﴾ يا أهل مكة ﴿خَلَٰٓئِفَ﴾ أي: خالفين. جمع «خليفة» ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾ أي : من بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها، وتنظرون آثارها، أي : جعلناكم خالفين لمن سبقكم، أو استخلفناكم في الأرض من بعدهم كقوله : (هو الذي جعلكم خلائف الأرض)الأنعام(١٦٥).﴿لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ فيها، من خير أو شر . أي: لنعلم-علم ظهور و تمييز يقع عليه الثواب والعقاب- أيّ عمل تعملون ، خيرا أو شرا. و قيل: المراد : لنعاملكم معاملة من يطلب العلم بما يكون منكم، لنجازيكم بحسبه فيكون حجة عليكم ، وإلا فهو تعالى عالم بما كان وما يكون منهم . فإن أنتم اعتبرتم واتعظتم بمن قبلكم، واتبعتم آيات الله وصدقتم رسله، نجوتم في الدنيا والآخرة ، وإن فعلتم كفعل الظالمين قبلكم ، أحل بكم ما أحل بهم ، ومن أنذر فقد أعذر . وفي صحيح مسلم :«إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها ، فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني اسرائيل كانت في النساء».
10:15Page 210
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
١٥ – ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا﴾ أي: آيات القرآن ، الدالة على إثبات التوحيد ، وإبطال الشرك . ﴿بَيِّنَٰتٖ﴾ أي:واضحات ، ظاهرات الدلالة على توحيد الله وكمال قدرته ، وعظيم حكمته.﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ بالبعث ، وهم : المنكرون للبعث والمعاد ، وما بعده من الحساب والجزاء : ﴿ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ﴾ القرآن ، أي : رد هذا ، وجئنا بغيره من نمط آخر ، ﴿أَوۡ بَدِّلۡهُۚ﴾ بنسخ بعض آياته ، ووضع أخرى مكانها،مما يلائم غرضهم وأهواءهم. أو: بدِّل وعده ووعيده ، وحلاله وحرامه، ومدحه وذمه . ﴿قُلۡ﴾ لهم:﴿مَا يَكُونُ لِيٓ﴾ أي: ما ينبغي لي ولا يحل بي ﴿أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ﴾ بالنسخ أو بالوضع ﴿مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ﴾ أي : من قِبل نفسي ، ومن عندي ، فليس لي من الأمر شيء، إنما الأمر كله لله، فأنا عبد مأمور، ورسول مبلغ عن الله .و «تلقاء»: مصدر على وزن تفعال، ولا نظير له غير«تبيان».﴿إِنۡ﴾ ما ﴿أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ﴾ من ربي ، من غير تبديل ولا تحويل ولا تحريف ﴿إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي﴾ بتبديله وتحويله ، أو: بفعل ما تطلبونه مني -على تقدير إمكانه- ﴿عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ هو : يوم القيامة.
10:16Page 210
قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦
Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"
١٦ – ﴿قُل﴾ لهم : ﴿لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ألاّ أتلوه عليكم، ولا أبلغكم إياه. ﴿مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ﴾ أي : ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني أو بواسطتي.يقال : دريته ، و به، أدرى دَرْيا ودراية : علمته . أو : علمته بضرب من الحيلة . وأدراه به، أي: أعلمه . و«لا» مؤكدة للنفي. [وفي قراءة:(ولأدراكم به) بلام، وهي جواب «لو»، أي : لو شاء الله ما تلوته عليكم،ولأعلمكم به على لسان غيري]. ﴿فَقَدۡ لَبِثۡتُ﴾ أي: مكثت ﴿فِيكُمۡ عُمُرٗا﴾ أي: زمنا طويلا، أربعين سنة ﴿مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ﴾ أي : من قبل نزول القرآن، أو: من قبل تلاوته ، ودرايتكم به، فقد كنت قبل نزوله لا أحدثكم بشيء عنه ، ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ أنه ليس من قِبلي وأنه من عند الله .وقد كان رسول الله ﷺ معروفا بين أهل مكة ، قبل الرسالة ، بالصدق والأمانة ، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، إلى أن أذن الله بنزول القرآن الكريم عليه ، وأمره بتبليغه للناس، فعجزوا عن معارضته ، وعن الإتيان بسورة منه . وقد كانت مدة إقامته ﷺ بين أظهرهم قبل النبوة أربعين سنة.
10:17Page 210
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧
So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.
١٧ – ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي : لا أحد أظلم ، ولا أشد جرما ﴿مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ أي : اختلق وتقوّل عليه، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك ، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما منه.﴿أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ﴾ أي : القرآن ، فكل من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل ، وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه . والسؤال للإنكار عليهم. ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : الشأن ، أو الأمر ﴿لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ أي : لا يفوزون بمطلوب ، ولا يظفرون بمرغوب ، ولا ينجون من مرهوب .فإذا كان القرآن بمشيئة الله تعالى وأمره، فمن اختلق من تلقاء نفسه كلاما ، وقال : هو من عند الله ، أو بدّل بعض آياته ببعض ، أو كذب ببعض آياته ، فهو أظلم من كل ظالم.و افترى: اختلق ، يقال : افترى الكذب ، أي : اختلقه، ومنه : الفرية، أي : الكذب ، والفرِيّ : الأمر المختلق المصنوع . وزيادة «كذبا» مع أن الافتراء لا يكون إلا كذلك ، للإشارة إلى أن ما نسبوه إلى الرسول ﷺ ، مع كونه افتراء على الله ، فهو كذب في نفسه .
10:18Page 210
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨
And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.
١٨ – ﴿وَيَعۡبُدُونَ﴾ أي : المشركون ، المكذبون لرسول الله ﷺ ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : من غيره، متجاوزين الله إلى عبادة غيره ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمۡ﴾ إن لم يعبدوه ﴿وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾ إن عبدوه، وهي : الآلهة والأصنام ، والأنداد والأوثان ، التي كانوا يعبدونها مع الله ، ويتقربون بعبادتها إلى الله .﴿وَيَقُولُونَ﴾ عنها : ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: الأصنام والأنداد والأوثان ﴿شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ يشفعون لنا عنده. وهي لا تضر ولا تنفع . وهذا القول منهم – رغم إنكارهم البعث وقولهم :(لا يبعث الله من يموت)النحل(٣٨)-:إنما هو على سبيل الفرض والتقدير ، كما ذهب إليه الجمهور، أي : إن كان هناك بعث- كما تزعمون- فهؤلاء يشفعون لنا .وذهب الحسن: إلى أن مرادهم : الشفاعة في الدنيا ، لإصلاح المعاش، لا في الآخرة ، لإنكارهم البعث.والحق: أنهم في أمر مريج من البعث، وأنهم فيه حيارى مضطربون ، ولذا قال تعالى- مبطلا هذا القول والزعم منهم -: ﴿قُلۡ﴾ لهم تبكيتا وتقريعا: ﴿أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي : أتخبرونه تعالى بما لا يكون، وبما لا وجود له أصلا في السموات ولا في الأرض ، من الشركاء وشفاعة الأصنام عنده.وهو استفهام إنكار، إذ لو كان كائنا موجودا ، لعلمه، وحيث كان غير معلوم له تعالى ، استحال وجوده وكونه ، لأنه لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض ، فنفي العلم دليل على عدم وجود هؤلاء الشفعاء والشركاء لله. ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ﴾ أي : تنزيها له وتقديسا ﴿عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [و في قراءة: بالتاء:(تشركون)] معه من الأصنام والأنداد والأوثان، فإنه لا معبود بحق في الوجود سواه، وكل معبود سواه ، باطلٌ عقلا وشرعا وفطرة .(ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير)الحج(٣٢).
10:19Page 210
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.
١٩ – ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ على ملة واحدة و دين واحد،فطرة وتشريعا، وهو الإسلام والتوحيد.قيل: من لدن آدم إلى نوح عليهما السلام ، وهذا قول ابن عباس. وقيل: من عهد إبراهيم عليه السلام إلى عمرو بن لحي – الذي كان أول من سنّ عادات الجاهلية- ﴿فَٱخۡتَلَفُواْۚ﴾ بأن ثبت بعضهم على الإسلام ، وكفر البعض الآخر، أي: فخالف بعضهم بعضا في الدين، وافترقت بهم السبل. ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ﴾ بتأخـير الحكـم والقضاء بين العباد ، والحساب والجزاء إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ﴾ أي : بـين الناس في الدنيا ﴿فِيمَا﴾ هم ﴿فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين ، فأسعد المؤمنين، وأشقى الكافرين ، لكنه امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف: (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)يونس(٩٣).وقيل: الكلمة التي سبقت من الله : أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وهي إرسال الرسل بآياته و بيناته وحججه البالغة ، وبراهينه الدامغة. كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)الإسراء(١٥).
10:20Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
٢٠ – ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي : أهل مكة، المكذبون لرسول الله ﷺ ، عنادا وتعنتا ، لا استرشادا وتثبُّتا : ﴿لَوۡلَآ﴾ أي : هلاّ ﴿أُنزِلَ عَلَيۡهِ﴾ أي : على محمد ﷺ ﴿ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ﴾ كآية موسى وعيسى عليهما السلام ، أو : هلاّ أظهر الله على يديه آية من الآيات المادية المحسوسة التي اقترحناها، كقولهم: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)الفرقان(٧)، وكقولهم: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا...)الإسراء(٩٠-٩٣)، أو نحو ذلك من آيات الاقتراح والأدلة على صدق المرسَـل ﴿فَقُلۡ﴾ لهم – إذا طلبوا منك ذلك - : ﴿إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ﴾ وهو ما غاب عن العباد، أي: أمره ﴿لِلَّهِ﴾ ومنه الآيات، فلا يأتي بها أحد إلا الله ، وإنما عليَّ البلاغ، فأمر الغيب كله لله ، وهو يعلم العواقب في الأمور كلها.﴿فَٱنتَظِرُوٓاْ﴾ حكم الله وقضاءه بيني وبينكم ﴿إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ﴾ حكمه ، وأمره ، وقضاءه الفصل. أو: (فانتظروا) عذاب الله ، إن لم تؤمنوا (إني معكم من المنتظرين) له. فقد أمر تعالى رسوله ﷺ أن يقول لهم ذلك ، في مقابلة قولهم له : (شاعر نتربص به ريب المنون)الطور(٣٠) فهم كانوا ينتظرون هلاكه – بزعمهم – لذلك قال لهم: إني أنتظر عذابكم إن لم تؤمنوا ، مثلما تنتظرون أنتم هلاكي ، فلننتظر معا، ولننظر لمن تكون له العاقبة .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences