Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:21–36
10:21Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
٢١ – ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ﴾ أي: فضلا ونعمة ﴿مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ﴾ أي : من بعد نائبة أصابتهم، كالرخاء بعد الشدة واليسر بعد العسر، والخصب بعد الجدب، والصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف ، ونحو ذلك ﴿ۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ﴾ بالاستهزاء والتكذيب بها، والطعن فيها والدفع لها ، وعدم الاعتداد بها، والسعي بها بالباطل ليدحضوا به الحق. ﴿قُلِ﴾ لهم : ﴿ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ﴾ أي : أعجل عقوبة، وأشد استدراجا وإمهالا ، ثم أخذا ومجازاة ، جزاء لكم على مكركم السيء، فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله . وفيه إثبات صفة المكر لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ وهم: الملائكة الكرام الحفظة ﴿يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [وفي قراءة : بالياء:(يمكرون)] ويحصيه الله عليكم ، ثم يجازيكم عليه أوفر الجزاء .و المكر : التدبير الخفي الذي يُفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسبه و لا يتوقعه. و هو حسن و سيء ، و في حق الله تعالى صفة كمال مطلق.
10:22Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
٢٢ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ﴾ بما يسر لكم من الأسباب المادية والمعنوية ، وهداكم إليها. أي: يمكنكم من السير والانتقال بما أودع فيكم من القدرة على ذلك. [وفي قراءة : (ينشركم) أي : يفرقكم في البر والبحر] . والسير : الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير : جعل الشيء ينتقل بنفسه ، أو بدابة أو مَرْكب . ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ﴾ أي : في السفن ﴿وَجَرَيۡنَ﴾ أي : السفن ﴿بِهِم﴾ أي : بالراكبين فيها. وفيه: التفات عن الخطاب إلى الغيبة ﴿بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ﴾ لينة الهبوب ، موافقة للمقصد والمرغوب ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ واطمأنوا إليها – فبينما هم كذلك إذ ﴿جَآءَتۡهَا﴾ أي : تلك السفن ﴿رِيحٌ عَاصِفٞ﴾ أي: ذات عصف، شديدة الهبوب، تحطم كل شيء.و «عاصف» على النسب ، ك «لابن» و «تامر».والعصف: الكسر والنبات المتكسر ، والمراد : شديدة الهبوب . ﴿وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ﴾ أي: من جميع الجهات ﴿وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ﴾ أي : وغلب على ظنهم أنهم أحدق بهم الهلاك ، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وأيقنوا أنه لا نجاة لهم من هذه الأهوال إلا بالتوجه إلى الله وحده ، فحينئذ ﴿دَعَوُاْ ٱللَّهَ﴾ وحده ﴿مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ أي : الدعاء والسؤال والتوجه والقصد، يفردونه بالدعاء اضطرارا دون آلهتهم و أوثانهم ، قائلين:﴿لَئِنۡ﴾ اللام لام قسم ﴿أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ﴾ الأهوال والشدائد والمحن ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ لنعمك بالإيمان والتوحيد و الطاعة، العابدين لك الموحدين بك ، أي : لا نشرك بك أحدا في العبادة.وهذا كقوله : (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)الإسراء(٦٧).والآية تفسير لما أجمل في قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة)يونس(٢١)، وضرب مثل ليظهر ما هم عليه من ذكر الله عند البلاء، ونسيانه عند الرخاء .وفي الآية : دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ، وأن المضطر يُجاب دعاؤه ، وإن كان كافرا، (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)النمل(٦٢) .
10:23Page 211
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
٢٣ - ﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ﴾ الله من هذه الشدة والمحنة ، وأجاب دعاءهم، وهم : الذين أحيط بهم ﴿إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي : يفسدون فيها ، متجاوزين الحد إلى غير ما أمر الله به من الكفر والمعاصي ، وينسون ما دعوا ، وحلفوا ، وعاهدوا الله عليه، من إخلاص العبادة له في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة ﴿بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ﴾ أي : بالشرك ، أو بغير شبهة عندهم، بل تمردا وعنادا ، وهو تأكيد لما يفيده «البغي». يقال : بغى الجرح: إذا تراخى في الفساد وجاوز الحد فيه.و أصل البغي: طلب ما زاد على القصد والاعتدال إلى الإفراط المفضي إلى الظلم و الفساد.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ﴾ أي : وبال ظلمكم وتجاوزكم الحد بالفساد وغيره، عائد ﴿عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ﴾ لما توجبون عليها، من سخط الله ونقمته، فوبال بغيهم عائد عليهم. وقيل:إن ما يقع من البغي على الغير، إنما هو بغي على نفس الباغي، باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه ، مجازاة على بغيه . وفي الحديث :«ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا ، مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم». و عند ابن ماجه من حديث عائشة مرفوعا:«أسرع الخير ثوابا: البر وصلة الرحم، و أسرع الشر عقوبة: البغي و قطيعة الرحم».﴿مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾أي: تتمتعون بهذا البغي متاع الحياة الدنيا، فغاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله ، أن تنالوا شيئا من حُطام الدنيا ومتاعها. [وفي قراءة : (متاعُ) بالرفع ، خبر للمبتدأ المقدر، أي: هو متاع الحياة الدنيا تُمتعون فيها قليلا ]. وهو متاع زائل لا دوام له . وفي الحديث عند الترمذي – وقال: حسن صحيح - :«لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضه، ما سقى كافرا منها شربة ماء». ﴿ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ﴾ أي: مصيركم ومآلكم يوم القيامة. ﴿فَنُنَبِّئُكُم﴾ أي : فنخبركم ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا من خير وشر، فنجازيكم عليه، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .
10:24Page 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
٢٤ – ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: إنما حالها وصفتها في سرعة تقضيها و زوالها ، وانصرام ملاذها، بعد كثرتها والاغترار بها ، ﴿كَمَآءٍ﴾ أي:كحال ماء مطر ﴿أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ﴾ أي : بسببه ﴿نَبَـاتُ ٱلۡأَرۡضِ﴾ واشتبك بعـض أنواعـه ببعـض ﴿مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ﴾ من الحبوب والزروع والثمار ﴿وَ﴾ مما تأكل ﴿ٱلۡأَنۡعَٰمُ﴾ من الكلأ والحشائش،على اختلاف أنواعها وأصنافها .والآية : بيان لشأن الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، وقصر مدة التمتع بها ، مهما طالت، وأن مثلها في سرعة ذهابها، كمثل ما على الأرض من أنواع النبات، مما يأكل الناس و الأنعام من زروع وثمار وكلأ، في زوال رونقه، وذهاب بهجته ، وسرعة تقضيه. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا﴾ أي : نضارتها وزينتها وبهجتها واستكملت حسنها وبهاءها، من الثمار والزروع والعمران ﴿وَٱزَّيَّنَتۡ﴾ بأصناف النبات وأنواع الزهر ، وأشكاله وألوانه المختلفة، فصارت بهجة للناظرين وآية للمتبصرين ، ونزهة للمتفرجين. و أصل الزخرف: الزينة المزوقة. وأصل «ازينت»: تزينت ، أبدلت التاء زايا ، وأدغمت في الزاي. ﴿وَظَنَّ أَهۡلُهَآ﴾ الذين زرعوها، وغرسوها وعمروها ﴿أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ﴾ متمكنون من تحصيل ثمارها، وجني غرسها ، والانتفاع بعمرانها ، فبينما هم كذلك إذ ﴿أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا﴾ أي: قضاؤنا ، أو : عذابنا ﴿لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا﴾ بإهلاكها واستئصالها ﴿فَجَعَلۡنَٰهَا﴾ أي : زرعها وعمرانها ﴿حَصِيدٗا﴾ كالمحصود من أصله بالمناجل ، أي : خرابا ويبابا . من الحصد :وهو قطع الزرع . يقال: حصد الزرع يحصُده و يحصِده ، حصدا وحصادا : قطعه بالمنجل ، فهو حصيد ومحصود.﴿كَأَن﴾ أي : كأنها ﴿لَّمۡ تَغۡنَ﴾ أي : لم تكن ﴿بِٱلۡأَمۡسِۚ﴾ القريب ، أي : كأن لم يمكث زرعها وعمرانها قائما على ظهر الأرض في الماضي القريب . وقيل : كأن لم تنعم الأرض بزرعها وعمرانها . وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن . قال تعالى إخبارا عن المهلكين من الأمم السابقة: (فأصبحوا في ديارهم جاثمين ٦٧ كأن لم يغنوا فيها ٦٨)هود(٦٧-٦٨).من غني بالمكان – كرضي – إذا طال مقامه به ، مستغنيا عن غيره . أي: فكذلك الدنيا في سرعة تقضيها وانصرام نعيمها ، بعد إقبالها واغترار الناس بها . ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : مثل ذلك التفصيل البديع ، لشأن الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها . ﴿نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي : نبين الأدلة والحجج ، ونوضحها وننوعها ، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال .﴿لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي : يُعملون أفكارهم فيما ينفعهم ، فيعتبرون بهذا المثل في سرعة زوال الدنيا وانقضاء نعيمها. وخصهم بالذكر ، لأنهم ينظرون في عواقب الأمور بعين الفكر والبصيرة.وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه، كقوله : (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا)الكهف(٤٥) وكذا في سورة الزمر و الحديد.
10:25Page 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.
٢٥ – ثم لما ذكر الله تعالى حال الدنيا، وسرعة تغيرها وزوالها ، رغّب في الجنة ، ودعا إليها ، فقال: ﴿وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ﴾ أي : السلامة وهي الجنة، وذلك بالدعاء إلى الإيمان المؤدي إليها . وسمى الله الجنة «دار السلام»: لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها، وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه . ﴿وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ﴾ هدايته ، هداية توفيق، بفضله وإحسانه ﴿إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: دينٍ قيّم يرضاه، وهو دين الإسلام. و قد تقدم أن الهداية نوعان: هداية دلالة و إرشاد ، عامة لجميع الخلق، و هداية توفيق، خاصة للمؤمنين، وهي المراد هنا.
10:26Page 212
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.
٢٦ – ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ﴾ العمل في الدنيا بالإيمان والعبادة والإخلاص والعمل الصالح ، وأحسنوا القيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال ، والكف عما نهاهم عنه من المعاصي، فأحسنوا في عبادة الله ، بأن عبدوه على وجه المراقبة و الإخلاص والنصيحة ، وأحسنوا إلى عباد الله ، بما يقدرون عليه من الإحسان الفعلي والقولي ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان .أي: فهؤلاء الذين أحسنوا لهم المثوبة أو المنزلة ﴿ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ في الدار الآخرة، وهي : الجنة ، الكاملة في حسنها ، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)الرحمن(٦٠) ﴿وَزِيَادَةٞۖ﴾ وهي: النظر إلى وجه الله الكريم ، أو: هي المغفرة والرضوان وتضعيف ثواب الأعمال، فضلا من الله ورحمة.والعرب توقع لفظة «الحسنى» على الخلة المحبوبة ، والخصلة المرغوب فيها ، ولذلك تُرك موصوفها . ﴿وَلَا يَرۡهَقُ﴾ أي : ولا يغشى أو: ولا يعلو ، أو يعتري ﴿وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ﴾ أي : قتام وغبار وسواد في عرصات المحشر ، كما يغشى وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة . ﴿وَلَا ذِلَّةٌۚ﴾ أي: ولا هوان أو صغار، أي: لا يصيبهم ما يصيب أهل النار من ذلك ، بل هم كما قال الله في حقهم : (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسرورا)الإنسان(١١) أي: نضرة في وجوههم ، وسرورا في قلوبهم.والرهق : الغشيان ، يقال : رهقه يرهقه : إذا غشيه بقهر . والقتر : الدخان الساطع من الشواء، والعود ونحوهما، يصيب الوجوه فتغبر وتسودّ . ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾ الملازمون لها ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي : ماكثون ، لا يحولون عنها ، ولا يزولون ، ولا يتغيرون.وقد روى الجمهور من السلف والخلف تفسير «الزيادة»: بالنظر إلى وجه الله الكريم ، ويؤيده : ما رواه أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجه، والبيهقي، عن صهيب بن سنان : «أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية :(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)يونس(٢٦) وقال ﷺ : إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى مناد : يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا ، يريد أن ينجزكموه ، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة ، ويزحزحنا عن النار؟ قال : فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه ، فو الله ما أعطاهم الله شيئا، أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم».وما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث أبي موسى الأشعري ، عن رسول اللهﷺ قال:«إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي : يا أهل الجنة – بصوت يُسمع أولهم وآخرهم – إن الله وعدكم الحسنى وزيادة ، فالحسنى: الجنة ، والزيادة : النظر إلى وجه الرحمن عز وجل».و ما أخرجه ابن جرير و ابن أبي حاتم أيضا، أن أُبيّ بن كعب سأل رسول الله ﷺ عن قول الله عز وجل:(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فقال:«الحسنى : الجنة، والزيادة : النظر إلى وجه الله عز وجل».فائدة وقد تقدم أن أهل الجنة يرون الله عز وجل يوم القيامة ، لما أخرجه البخاري في «صحيحة» عن أبي سعيد الخدري :«أن أناسا في زمن النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : نعم ، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة، ضوء ليس فيها سحاب ؟ قالوا : لا، قال : وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ، ضوء ليس فيها سحاب؟ قالوا : لا ، قال النبي ﷺ: ما تضارون في رؤية الله عز وجل يوم القيامة ، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما».فرؤية الله تعالى في الجنة ، رؤية حقيقية تليق بجلاله وكماله ، أما رؤية الله في الدنيا ، فلم تتم لأحد من الناس ولن تتم كذلك ، فلم يره موسى عليه السلام، وكذلك لم يره محمد ﷺ بعيني رأسه ليلة المعراج – خلافا لما رجحه النوري في «شرح مسلم» – وأما ما ورد في بعض الروايات ، عن ابن عباس وأنس بن مالك من أنه ﷺ قد رأى ربه تلك الليلة، فمحمول على رؤية الفؤاد والبصيرة، لا البصر، لما رواه مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك ؟ قال:«نور، أنّى أراه» أي : حجابه نور، فكيف أراه؟ أي : منعني النور عن رؤيته. وقد جاء لفظ :«حجابه النور» في رواية لمسلم من حديث أبي موسى الأشعري ، عن النبي ﷺ . و في لفظ لمسلم ، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك ، فقال :«رأيت نورا»: أي : لم أر غير النور. قال أبو ذر: رآه بقلبه، ولم يره ببصره، وعلى هذا يُحمل قوله تعالى(ولقد رآه نزلة أخرى)النجم(١٣) – إن أعيد الضمير في «رآه» إلى الله تعالى. و لكن الوجه الصحيح في الآية : هو عود الضمير فيها على جبريل عليه السلام ، لما رواه مسلم عن عائشة، مرفوعا- في قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين)التكوير(٢٣) وقوله (ولقد رآه نزلة أخرى)النجم(١٣) - قالت : أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال :«إنما هو جبريل عليه السلام ، لم أره على صورته التي خلق عليها ، غير هاتين المرتين». وعليه : فالاستدلال بقول ابن عباس وأنس على أنه ﷺ رأى ربه ببصره ليلة المعراج ، معارض بما تقدم من الأدلة ، خاصة وأن حديث عائشة مرفوع، والمرفوع مقدم على الموقوف .
10:27Page 212
وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧
But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
٢٧ – ﴿وَٱلَّذِينَ﴾ عطف على :﴿للذين أحسنوا﴾ أي: وللذين ﴿كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ أي: عملوا الشرك، واكتسبوا الكفر والتكذيب واقترفوا أنواع المعاصي ، ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا﴾ جزاء وفاقا، لا يزاد عليها ، بل يماثلها، عدلا وحكمة ﴿وَتَرۡهَقُهُمۡ﴾ أي : و تغشاهم، أو : تعتريهم وتعلوهم ﴿ذِلَّةٞۖ﴾ أي : هوان وخزي وصغار من معاصيهم وخوفهم منها ، كقوله (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل)الشورى(٤٥)، وقوله (مهطعين مقنعي رءوسهم)إبراهيم(٤٣).﴿مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ﴾ يعصمهم من سخطه وعذابه، أي : مانع، يمنع عنهم سخط الله ، ولا واق يقيهم عذابه ، كائنا من كان، كقوله: (يقول الإنسان يومئذ أين المفر ١٠ كلا لا وزر ١١)القيامة (١٠-١١).﴿كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ﴾ أي: ألبست وكسيت ﴿وُجُوهُهُمۡ﴾ لشدة سوادها وما يغشاها من دخان النار. ﴿قِطَعٗا﴾ أي: أجزاء . جمع «قطعة» و هي الطائفة من الشـيء ﴿مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ﴾ أي : حالكا سواده. وفي [قراءة: (قطْعا) – بإسكان الطاء- أي : سواداً من الليل، لسواد وجوههم وظلمتها]. و«مظلما» حال من «الليل».﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ﴾ الملازمون لها ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون باقون ، فلا انفكاك لهم عنها. وهذان المثلان كقوله : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)آل عمران(١٠٦)، وقوله سبحانه: (وجوه يومئذ مسفرة ٣٨ ضاحكة مستبشرة ٣٩ ووجوه يومئذ عليها غبرة ٤٠)عبس(٣٨-٤٠).
10:28Page 212
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3
٢٨ – ﴿وَ﴾ اذكر ﴿َيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ﴾ أي : نجمع الخلق لموقف الحساب ﴿جَمِيعٗا﴾ من جن و إنس، العابد و المعبود منهم ، للسؤال والحساب،كقوله:(وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا)الكهف(٤٧).﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ﴾ تقريعا لهم على رؤوس الأشهاد وتوبيخا ، مع حضور معبوداتهم : ﴿مَكَانَكُمۡ﴾ أي : الزموا مكانكم في الموقف واثبتوا فيه ﴿أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ﴾ أي: الأصنام الذين اتخذتموهم آلهة مع الله،ليقع التحاكم و الفصل بينكم وبينهم.﴿فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ﴾ أي : فرّقنا بين المشركين وشركائهم، و ميزنا المعبودين عن عابديهم، وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، وذلك حتى يتبرأ كل معبود ممن عبده .من زيّل بمعنى : فرّق و ميّز، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية، لأن «زال» ثلاثية متعد بنفسه ، تقول: زلت الضأن من المعز ، إذا فرقت بينهما ، وزلت الشيء عن مكانه ، أزيله زيلا : إذا أزلته . وقيل: (فزيلنا بينهم) أي: ميزنا بين المشركين ومعبوداتهم و بين المؤمنين ، كقوله سبحانه: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون)يس (٥٩)، وقوله:(ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون)الروم(١٤) وفي الآية الأخرى: (يومئذ يصّدّعون)الروم(٤٣) أي : يصيرون صدعين، وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك و تعالى لفصل القضاء بين العباد .﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿شُرَكَآؤُهُم﴾ أي : الآلهة التي عبدوها من دون الله – متبرئين منهم: ﴿مَّا كُنتُمۡ﴾ أيها المشركون ﴿إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ﴾ أي: ما كنتم تخصوننا بالعبادة،فإنا ننزه الله أن يكون له ند أو شريك . و المعنى : أنهم أنكروا عبادتهم وتبرؤوا منهم. أي : لم نأمركم بعبادتنا، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم، وشياطينكم الذين أغووكم وأمروكم بعبادتنا ، فأطعتموهم. و معناه : إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة . فانقلبت تلك المحبة والولاية في الدنيا ، بغضا وعداوة في الآخرة. وهذا كقوله: (كلا سيكفرون بعبادتهم)مريم(٨٢)، وقوله:(إذ تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا)البقرة(١٦٦) ، وقوله : (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء)الأحقاف(٦). قد ضلت عبادتهم، واضمحلت معبوداتهم ، و تقطعت بهم الأسباب والوسائل.
10:29Page 212
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩
And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."
٢٩ – ﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ﴾ هذا من تمام كلام الشركاء، أي : إن الله يشهد بيننا وبينكم،أنّا ما دعوناكم إلى عبادتنا،ولا أمرناكم بها ، و لا رضينا منكم بذلك، وإنما عبدتم من دعاكم إلى مثل ذلك، وهو الشيطان. و فيه تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ، و لم يخلصوا له العبادة وحده لا شريك له.﴿إِن﴾ أي:إنا ﴿كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ﴾ لنا ﴿لَغَٰفِلِينَ﴾ أي: ما كنا نشعر بعبادتكم إيانا ، ولا علم لنا بذلك .
10:30Page 212
هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠
There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.
٣٠ – ﴿هُنَالِكَ﴾ أي : في ذلك اليوم – وهو يوم القيامة – والموقف – وهو موقف الحشر – ﴿تَبۡلُواْ﴾ أي: تَخبُر أو تعلم ﴿كُلُّ نَفۡسٖ﴾ جزاء ﴿مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ﴾ أي: ما قدمت من الكسب والعمل، وتعاينه بكنهه، متتبعة لآثاره، من خير أو شر، كقوله:(يوم تبلى السرائر)الطارق(٩) وقوله : (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر)القيامة(١٣) وقوله:(ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا)الإسراء(١٣).من البلو: وهو الاختبار ، يقال: بلوته ، أي: اختبرته. وأصله من بليَ الثوب بِلىً وبلاء ، إذا خلق ، فكأن المختبِر للشيء أخلقه من كثرة اختباره له .[وفي قراءة : (تتلو) بتاءين، من التلاوة ، أي : تقرأ كل نفس كتاب حسناتها وسيئاتها]. ﴿وَرُدُّوٓاْ﴾ أي: الذين أشركوا ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ﴾ أي : الصدق، الحكم ، العدل الذي يحكم بينهم بالعدل والقسط، دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة. ﴿وَضَلَّ عَنۡهُم﴾ أي : وذهب عن المشركين ، وغاب عنهم، أو : بطل عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ على الله تعالى من الشركاء وشفاعتهم. أو ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء على الله من الآلهة التي لا تضر ولا تنفع ولا تشفع .
10:31Page 212
قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١
Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"
٣١ – ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، محتجا عليهم ، بما أقروا به من توحيد الربوبية ، على ما أنكروه من توحيد الألوهية : ﴿مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ بالمطر ﴿وَ﴾ من ﴿ٱلۡأَرۡضِ﴾ بالنبات والثمر والمعادن ، وتيسير أسبابها فيهما ؟ ﴿أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ﴾ أي : الأسماع ﴿وَٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾ أي : بل من هو الذي يملك خلقهما وتسويتهما؟و «أم» للإضراب الانتقالي من سؤال إلى آخر ، أي: بل-قل لهم:-من يملك السمع و الأبصار، خلقا وإيجادا؟و أفرد السمع لأنه أداة تحصيل العلم من كل جهة للسامع، بخلاف البصر، فإن المعلومات لا تحصل إلا بتعدد جهة النظر، و لهذا جمعها.وخصهما بالذكر ، من باب التنبيه على المفضول من هذه النعم والحواس بالفاضل منها ، ولكمال شرفهما ونفعهما، ولأنهما طريق العلم والإدراك . كقولهسبحانه و تعالى : (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار)تبارك(٢٣). ﴿وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ﴾ [و في قراءة : بدون التشديد (الميْت) في الموضعين] كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة ، والشجر والنبات من الحب والنوى، ونحو ذلك ، وقيل : هو إخراج المؤمن من الكافر. ﴿وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ﴾ أي : النطفة من الإنسان والحيوان ، والبيضة من الطير ، والحب من النبات ، إذا يبُس. وقيل : هو إخراج الكافر من المؤمن . و فيه: إرادة الحياة والموت المعنويين .و قد ذُكر الإخراج هذا في أربعة مواضع من القرآن الكريم : آل عمران (٢٧) و الأنعام (٩٥) ويونس (٣١)، والروم(١٩) . والمراد بالحي: هو من كانت فيه حياة، وبالميت : من لا حياة فيه . والإخراج : إشارة إلى الأسباب التي خلقها الله تعالى ، وجعلها بعلمه وحكمته سببا للخلق والتكوين .﴿وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ﴾ بين الخلائق ؟ أي: يُقدِّره ويقضيه حسب علمه وحكمته ومشيئته ، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية . فإنك إذا سألتهم عن ذلك كله ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ هو ﴿ٱللَّهُۚ﴾ أي: وهم يعلمون ذلك ويعترفون به، وأنه وحده لا شريك له. ﴿فَقُلۡ﴾ لهم إلزاما بالحجة : ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله، فتخلصون له العبادة ، وحده لا شريك له ، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان . أو: أفلا تخافون عقابه على أن أشركتم به من لا يرزقكم ولا ينفعكم أو يضركم؟ والآيات (٣١-٣٥) فيها ثمانية أسئلة ، أجابوا عن خمسة منها في الآية (٣١) وأجاب الرسول ﷺ عن اثنتين منها بتعليم الله إياه في الآيتين (٣٤-٣٥) ، وذلك لعدم قدرتهم على الإجابة عنهما. ولم يذكر جواب الأخير منهما ، لشهرته والعلم به ، وهو قوله : (أفمن يهدي إلى الحق)يونس(٣٥).
10:32Page 212
فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢
For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?
٣٢ – ﴿فَذَٰلِكُمُ﴾ الفعال لهذه الأشياء، والذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو : ﴿ٱللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ الذي يستحق أن يفرد وحده بالعبادة دون سواه ، خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم.﴿ٱلۡحَقُّۖ ﴾ الثابت الذي لا شك في وحدانيته ، الثابتةُ ربوبيته وألوهيته بالبرهان ، ثبوتا لا ريب فيه .﴿فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ﴾ أي : فأيّ شيء سوى الحق إلا الضلال ، إذ ليس بعد الله غيره ، فمن أخطأ الحق، وهو إفراد الله وحده بالعبادة، وقع في الضلال . و الاستفهام للتقرير، أي : فكل معبود سواه باطل ، لا إله غيره، ولا رب سواه . ﴿فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ أي : فكيف تصرفون عن الحق والهدى إلى الباطل والضلال ، وتستجيزون العدول عن التوحيد إلى الشرك مع قيام البرهان ؟ وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء ، والمتصرف في كل شيء .
10:33Page 212
كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.
٣٣ – ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : كما حقّت كلمة الربوبية والألوهية لله تعالى ، أو : كما صرف هؤلاء المشركون عن الحق بعد الإقرار به إلى الضلال ﴿حَقَّتۡ كَلِمَتُ﴾ [و في قراءة بالجمع:(كلماتُ)] (رَبِّكَ﴾ أي : ثبت ووجب حكمه وقضاؤهُ ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ﴾ أي: تمردوا في كفرهم وشركهم عنادا ومكابرة ، وخرجوا من الحق وطاعة الله إلى الباطل و معصيته ﴿أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ بما أنزل الله على ألسنة الرسل، لإصرارهم على الإعراض عن التأمل و التدبر في الأدلة و البراهين، و لاستمرارهم على العناد و الاستكبار. فهذه هي الكلمة التي حقت عليهم ، كقوله: (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين)الزمر(٧١).و يَحتمل أن تكون كلمة الله التي حقت عليهم : هي قوله : (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)هود(١١٩) .يقال : حق الأمر يحِق ويحُق حقة : وجب ووقع بلا شك ، وحق الشيء: أوجبه ، كأحقه ، لازم و متعد .
10:34Page 213
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤
Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"
٣٤ – ﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ﴾ من العدم أو من النطفة وعلى غير مثال سبق ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ﴾ بالبعث بعد الموت . و هو استفهام بمعنى: النفي والتقرير، أي: ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهم أضعف من ذلك وأعجز ﴿قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ﴾ أي : هو الذي يفعل ذلك ، ويستقل به وحده ، لا شريك له ولا معين ، و القادر على البدء قادر على الإعادة ﴿فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ أي : فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل ، وعن التوحيد إلى الشرك ، وعن عبادة المتفرد بالابتداء والإعادة ، إلى عبادة من لا يخلق شيئا وهم يخلقون ، مع قيام الدليل البرهان على ذلك ؟
10:35Page 213
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥
Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"
٣٥ – ﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ﴾ والخير ببيانه وإرشاده ونصب الأدلة والحجج والدلالة عليه ، أو بإلهامه وتوفيقه وخلق الاهتداء في القلوب ؟ ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ وحده ﴿يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ﴾ بالأدلة والبراهين ، وإرسال الرسل وإنزال الكتب وخلقه لما يتوصل به العباد إلى الهداية من العقول و الأفهام والأسماع والأبصار، أو بخلق الهداية في القلوب ، وبالإلهام والتوفيق، و الإعانة إلى سلوك أقوم طريق. ﴿أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ﴾ والهدى والخير والفلاح، وهو الله سبحانه وتعالى ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ فيما يشرع ويُعبد ويُطاع ﴿أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ﴾ أي : لا يهتدي بنفسه إلى الخير أبدا في حال من الأحوال، ﴿إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ﴾ بغيره، فضلا عن أن يَهْدي غيره، أحق أن يُتَّبع ؟ وهم الشركاء من الأصنام والأنداد والأوثان، التي لا تهدي إلى لحق والخير ، ولا تهتدي إليه أبدا إلا أن تُهْدى . وهذا استفهام تقرير وتوبيخ، أي: الله أحق أن يُتّبع ، لأنه وحده الهادي إلى الحق. والمعنى:إذا كان شركاؤكم لا يهدون إلى الحق،فأنا أسألكم: آلله الذي يهدي إلى الحق حقيق بالاتباع، أم الأصنام والأوثان التي لا تهتدي بنفسها، إلا أن تُهدى بغيرها، لعجزها عن أمرها؟ كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)مريم(٤٢).﴿فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ هذا الحكم الباطل، من اتباع ما لا يحق اتباعه؟ والاستفهام للإنكار والتعجب.والآية : بيان لعجز الأوثان والأصنام حتى عن حالها في أنفسها، فإذا كانت لا تنتقل من مكان إلى آخر إلا أن تُحمل و تُنقل، و لا تهدي أو تهتدي إلا أن تُهدى ، فكيف سوَّيتم بينها وبين الله ، وعبدتموها مع الله ، فهلا أفردتم الله جل جلاله بالعبادة وحده ، وأخلصتم إليه الدعاء و السؤال والإنابة ؟ وقوله : ﴿أمّن لا يَهِدِّي﴾ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال المكسورة، أي: لا يهتدي ، و هي قراءة حفص و يعقوب ، وقد أُبدلت التاء دالا ، لاتحاد مخرجهما، وأدغمت في الدال، وكُسرت الهاء تخلصا من التقاء الساكنين. [وقرأ شعبة : بكسر الياء والهاء وتشديد الدال المكسورة: (يِهِدِّي) ، وقرأ ورش وابن كثير وابن عامر : بفتح الياء والهاء وتشديد الدال المكسورة (يَهَدِّي).وقرأ قالون و أبو جعفر: بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال المكسورة : (يَهْدِّي)، وقرأ غيرهم: بفتح الياء و إسكان الهاء وكسر الدال بلا تشديد : (يَهْدي)]. والهداية إذا كانت مسندة إلى الخالق، فهي خلق الاهتداء في قلوب العباد، و مثله الضلال. وإذا كانت مسندة إلى المخلوق، كقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)الشورى(٥٢) فهي هداية الإرشاد والدلالة والتبيين.
10:36Page 213
وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦
And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
٣٦ – ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ﴾ أي : أكثر الذين يدعون من دون الله شركاء ، أي : في دينهم وعبادتهم للأصنام، واتخاذهم لها شركاء من دون الله ﴿إِلَّا ظَنًّاۚ﴾ منهم، لا علم لهم بحقيقته يقينا، بل توهما وتخيلا ، حيث قلدوا فيه آباءهم ، على غير علم وبصيرة، ولا دليل ولا برهان . فالله ليس له شريك، أصلا وعقلا ونقلا. ﴿إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ﴾ أي : لا يُغني بدل الحق في العلم والاعتقاد والقول و العمل- شيئا، لأن أمر الدين مبني على العلم والنقل الصحيح والدليل، لا على الوهم و التقليد والتخييل.فلا يقوم الظن مقام الحق و لا ينوب عنه.و الحق: هو اليقين الثابت الذي لا يقبل الشك. و الظن: هو الأمر المبني على الشك و الوهم، فهو عرضة للزوال و التغيير.﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ﴾ فيجازيهم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه. وفيه تهديد لهم ووعيد شديد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences