Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:37–63
10:37Page 213
وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧
And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.
٣٧ – ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ﴾ ويُختلق، أي : ما صح و لا استقام أن يُفترى هذا القرآن افتراء واختلاقا ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : من غيره، بنسبته إلى الله . والمعنى : لا يقدر أحد – كائنا من كان – على أن يأتي بهذا القرآن من عند غير الله تعالى .فمثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ، ولا يقدر على مثله أحد إلا الله، الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله ، فكلامه تعالى ، التابع لعظمة المتكلم وجليل صفاته ، لا يشبه كلام المخلوقين ولا يماثله.ثم ذكر ما يؤكد أن هذا القرآن وحي من عند الله مبرأ من الاختلاق والافتـراء، فقـال: ﴿وَلَٰكِن﴾ أُنـزل ﴿تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ من كتب الله السابقة، أي: موافقا لما سبقه من الكتب المنزلة في أصولها، ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، ومصدقا لها بما شهدت به، وبشرت بنزوله ، فكان كما أخبرت به ﴿وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: وتبيين ما كتب وفرض وأثبت من الشرائع والأحكام الدينية و القدرية، والإخبارات الصادقة ، بيانا شافيا كافيا. و المراد بالكتاب : جنس الكتاب. ﴿لَا رَيۡبَ﴾أي : لا شك ولا مرية ﴿فِيهِ﴾ أنه كذلك منـزل ﴿مِن﴾ الله ﴿رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾. وكان المشركون يزعمون أن محمدا ﷺ قد اختلق القرآن من تلقاء نفسه، ونسبه إلى ربه ، فأخبر تعالى أن هذا القرآن وحي أنزله الله عليه ، وأنه مبرأ عن الاختلاق والافتراء ، وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله .
10:38Page 213
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
٣٨ – ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ﴾ أي : بل أيقولون افتراه واختلقه محمد من تلقاء نفسه ، ثم نسبه إلى ربه ؟ وهذا القول منهم غاية في الشناعة و البغي والعناد والمكابرة. و «أم» منقطعة بمعنى «بل» التي للانتقال ، والهمزة للإنكار ، عند الجمهور . ﴿قُلۡ﴾ لهم : إن كان الأمر كما تزعمون وتدّعون ، بغيا وعنادا ﴿فَأۡتُواْ﴾ من عند أنفسكم أو ممن سبقكم من فصحاء العرب وبلغائهم ﴿بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ﴾ في الفصاحة والبلاغة ، مماثلة له في صفاته وخصائصه - على وجه الافتراء – ﴿وَٱدۡعُواْ﴾ للإعانة عليه ﴿مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ دعاءه والاستعانة به ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : غيره ، من آلهتكم أو من غيرها ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في دعواكم: أن هذا القرآن مفترى من دون الله .ولكن حيث عجزوا عن الإتيان بمثله والاستعانة بمن شاءوا على معارضته بنظيره ، دل ذلك على أنه ليس من كلام البشر في شيء ، إنما هو كلام رب العالمين .وقد تحداهم القرآن: أولا : عن الإتيان بمثله في قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)الإسراء(٨٨) وثانيا : عن الإتيان بعشر سور منه في قوله سبحانه: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)هود(١٣) .و ثالثا: عن الإتيان بسورة منه، كما في هذه الآية ، وفي قوله:( فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)البقرة(٢٣).وفي الصحيح : عن رسول الله ﷺ، أنه قال :«ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
10:39Page 213
بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩
Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.
٣٩ – ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ﴾ أي : فما أجابوا وما قدروا على الإتيان بمثله ، بل سارعوا إلى تكذيب القرآن من غير أن يتدبروا وينظروا ما فيه ، ويفهموا معانيه ويعلموا حقيقة أمره، وما اشتمل عليه من الأدلة الدالة على صدقه ، وأنه كلام رب العالمين. ومسارعة الإنسان إلى تكذيب ما لم يُحط به علما من أفحش الجهل! ﴿وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ﴾ أي : ولم يعرفوا معانيه المنبئة عن علو شأنه ، متأملين متدبرين فيها . فالتأويل هنا بمعنى: التفسير ، والإتيان : مجاز عن المعرفة.أو : ولم ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة – من الوعد والوعيد – مع توقعه . فالتأويل هنا بمعنى : وقوع مدلوله، وهو عاقبته وما يؤول إليه ، و الإتيان: انتظار عاقبة ذلك.أو: و لم يأتهم بعْدُ حقيقة ما وُعدوا به في القرآن.ومسارعتهم إلى التكذيب بالقرآن دون معرفة معانيه ، أو دون انتظار عاقبة ما أخبر به من الوعد والوعيد، مع قيام الأدلة على صدقه ، غاية في الجهالة ! ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : مثل ذلك التكذيـب والمسارعة فيـه ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ﴾ من الأمم السالفة رسلهم، لما جاؤوهم بآيات الله، فلم يحيطوا بها علما، ولما يأتهم تأويلها. ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ بتكذيب الرسل، أي : كيف كان آخر أمرهم من الهلاك وسوء العاقبة ، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم . وفي الآية : دليل على وجوب التثبت في الأمور ، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علما .
10:40Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠
And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.
٤٠ – ﴿وَمِنۡهُم﴾ أي : ومن هؤلاء الذين بُعثت إليهم ﴿مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن وبما أرسلت به، فضلا من الله ونعمة، ﴿وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ﴾ جهلا وسفها، أو عنادا ومكابرة، فيموت على ذلك ويبعث عليه ، عدلا من الله وحكمة ﴿وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ المصرين على الكفر فيجازيهم بأعمالهم. وفيه تهديد لهم.
10:41Page 213
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١
And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."
٤١ – ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ﴾ أي : المشركون ﴿فَقُل﴾ لهـم: ﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ﴾ أي : لي ثمرة عملي، ولكم ثمرة أعمالكم من الثواب والعقاب ، يوم الحساب، فلكل جزاء عمله . ﴿أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ فلا تؤاخذون بأعمالنا، ولا نؤاخذ بأعمالكم ، كقوله تعالى عن إبراهيم –عليه السلام– وأتباعه لقومهم المشركين: (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله)الممتحنة(٤). وقد كان هذا الأمر بالصبر على الكافرين، والحث على الصفح عنهم ، وعدم قتالهم ، في بادئ أمر الدعوة ، فلما اشتد عودها نزل الأمر بقتالهم في آية السيف : (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)التوبة (٥).
10:42Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢
And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?
٤٢ – ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ﴾ يا محمد ، إذا قرأت القرآن ، سماع استهزاء وسخرية وتكذيب، لا سماع استرشاد وتدبر وتفكير، فهذا استماع غير نافع، ولا مجد على أهله خيرا ، ولهذا قال : ﴿أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ﴾ شبههم بهم ، في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم. ﴿وَلَوۡ كَانُواْ﴾ مع ما هم فيه من الصمم ، وعدم الانتفاع بالسماع ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾أي: لا يتدبرون؟ والاستفهام هنا بمعنى: النفي المتقرر ، أي : فكما أنك لا تسمع الصم، الذين لا يستمعون القول ولا يعقلونه – لكون ذلك من المحال – فكذلك لا تُسمع هؤلاء المكذبين إسماعا ينتفعون به ، إلا أن يشاء الله لهم الهداية والتوفيق .
10:43Page 214
وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣
And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?
٤٣ – ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ﴾ يُعاين دلائل نبوتك الواضحة، في هديك و أخلاقك ، وأعمالك وأقوالك، وسائر أحوالك ، ﴿أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ﴾ شبههم بهم في عدم الاهتداء. ﴿وَلَوۡ كَانُواْ﴾ مع ما هم فيه، من العمى وعدم الاهتداء ﴿لَا يُبۡصِرُونَ﴾؟والاستفهام هنا أيضا بمعنى: النفي المتقرر، أي: فكما أنك لا تهدي العمي، فكذلك لا تهدي هؤلاء، إلا أن يشاء الله هدايتهم. (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)الحج(٤٦) وهؤلاء قد انسد عليهم طريقان من طرق العلم والهدى : طريق السماع بفساد عقولهم، وطريق النظر بعمى بصيرتهم ، فمن جمع له بين الصمم وذهاب العقل ، فقد انسد عليه باب العلم والمعرفة ، وكذا من جُمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد انسد عليه باب الهدى والحق .والآية كالتعليل بالتبري والإعراض عنهم لعدم استعدادهم للفهم والهداية.
10:44Page 214
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٤
Indeed, Allāh does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.
٤٤ – ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا﴾ من أمورهم وأحوالهم، أي: لا يفعل بهم مالا يستحقونه من غير جرم منهم لا في دينهم ، ولا في دنياهم، ولا في آخرتهم.أو: لا يظلمهم بتعذيبهم قبل قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل و إنزال الكتب.﴿وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ بالكفر والشرك، والمعاصي والآثام. [وفي قراءة:(ولكنِ الناسُ أنفسهم يظلمون)]. فالله تعالى خلق الناس، وركب فيهم الحواس والمشاعر والعقول والمدارك، ما يصلون به إلى مصالحهم ومنافعهم في معاشهم ومعادهم ، و بيّن لهم السبيل الموصل إلى رضاه، وأرشدهم إلى سلوكه بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب وإقامة الحجج البالغة، والبراهين الدامغة، وخلى بينهم وبين اختيارهم طريق الحق، أو طريق الضلال، وإن كان مع هذا كله قد هدى إلى الإيمان والإسلام من هدى، وأضل عنه من أضل وغوى، فهو الحاكم في ملكه، المتصرف فيه بمشيئته ، لعلمه وحكمته و فضله وعدله .
10:45Page 214
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥
And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.
٤٥- ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ﴾ [وفي قراءة:بالنون (نحشرهم)] أي: يجمـع الله النــاس فـي موقـف الحساب و الجــزاء ﴿كَأَن﴾ – مخففة من الثقيلة – أي: كأنهم ﴿لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ﴾ في الدنيا ﴿إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ﴾ أي: برهة يسيرة منه، لهول ما يرون في الموقف، مما لم يكونوا متوقعين له. والمراد بهذا التشبيه : قصر الحياة الدنيا ، وسرعة انقضائها في الآخرة، كقوله:(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)الأحقاف(٣٥) وقوله:(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)النازعات(٤٦) وقوله:(و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)الروم(٥٥)وقوله:(قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ١١٢ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين١١٣)المؤمنون(١١٢-١١٣). ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ﴾ أي: يعرف بعضهم بعضا في هذا الموقف، الأبناء و الآباء و القرابات، كما كانوا في الدنيا، أي : كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال ، فلا يرجو بعضهم من بعض نفعا، كقوله (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتساءلون)المؤمنون (١٠١) . والجملة حال مقدرة : أي: يوم نحشرهم متعارفين بينهم. أو : متعلقة بالظرف : «يوم»، وتقدير الكلام: يتعارفون بينهم يوم نحشرهم .ويحتمل أن يكون التعارف بينهم في الدنيا ، أي : أنهم في محشرهم يحسون -من شدة الهول-كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا وقتا يسيرا يعرف بعضهم بعضا فيه، ثم افترقوا. ثم أخبر تعالى عن سوء حالهم يوم القيامة فقال : ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ أي : كذبوا بالبعث بعد الموت وبالحساب والجزاء ، فدخلوا النار، وخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴿وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ إلى الصراط المستقيم ، ولا إلى الدين القويم.
10:46Page 214
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦
And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.
٤٦ – ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيها النبي في حياتك ﴿بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ﴾ به من العذاب والنكال وإظهار أمرك ودينك ، فذاك.و «إمّا» فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة ، وجواب الشرط محذوف تقديره: فذاك. ﴿أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريك ذلك ﴿فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ﴾ أي: مصيرهم ومنقلبهم في الآخرة ، فسنريك عذابهم فيها.أي : إن لم ننتقم منهم عاجلا في حياتك،انتقمنا منهم آجلا في الآخرة. ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أي :شاهد و مطلع ﴿عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ﴾ من تكذيبهم وكفرهم ، فيحاسبهم عليه . وفي الآية : وعيد وتهديد لهم، وتسلية لرسول الله ﷺ وأصحابه، و أن الدعوة لا تموت بموت صاحبها.ونظير هذا: قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)المائدة (١١٧).
10:47Page 214
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧
And for every nation is a messenger. So when their messenger comes,1 it will be judged between them in justice, and they will not be wronged.
٤٧ – ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ﴾ من الأمم السابقة ﴿رَّسُولٞۖ﴾ يدعوهم إلى توحيد الله ودينه ، ويبين لهم شرعه وأحكامه، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في معاشهم ومعادهم . ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ﴾ وبلغهم ما أرسله الله به ، فكذبوه.﴿قُضِيَ بَيۡنَهُم﴾ أي: بين الأمة ورسولها ﴿بِٱلۡقِسۡطِ﴾ أي: بالعدل في الدنيا ، فنجا الرسول ومن صدّقه ، وهلك المكذبون به . ﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ بتعذيبهم قبل إرسال الرسول وبيان الحجة ، أو : بغير جرم ، فليحذر المكذبون بك من مشابهة الأمم المهلكة ، فيحل بهم ، ما حل بأولئك. ويجوز أن يكون المعنى : (فإذا جاء رسولهم) أي : يوم القيامة ، يشهد عليهم بالبلاغ ، والكفر والإيمان، فإذا شهد بذلك (قضي بينهم) أي: بين الأمة ورسولها (بالقسط) أي: بالعدل في يوم الجزاء ، فحكم بنجاة المؤمنين ، وعقاب الكافرين ، (وهم لا يظلمون) شيئا أصلا ، في ذلك القضاء .و في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال :«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق».
10:48Page 214
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
٤٨ – ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي : المشركون استهزاء وسخرية بالمؤمنين : ﴿مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ﴾ بالعذاب، استبعادا له واستهزاء به ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في وقوعه ومجيئه .
10:49Page 214
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩
Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allāh should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."
٤٩ – ﴿قُل﴾ لهم : ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا﴾ أدفعه ﴿وَلَا نَفۡعًا﴾ أجلبه ، ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ﴾ وقدّره عليّ ، فكيف أملك ذلك لغيري ؟ وكيف أملك لكم حلول العذاب؟﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ﴾ أي: مدة معلومة، و وقت مقدّر ، لهلاكهم ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجل المعين ﴿سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ عليه ساعة، كقوله: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)الأعراف(٣٤) و قوله: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها)المنافقون(١١).
10:50Page 214
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٠
Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"1
٥٠ – ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ﴾ أي : أخبروني ﴿إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ﴾ أي : عذاب الله الذي تستعجلونه ﴿بَيَٰتًا﴾ أي: ليلا ﴿أَوۡ نَهَارٗا﴾ بغتـة ﴿مَّاذَا﴾ أي: أيُّ شـيء ﴿يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ﴾ أي : من العذاب ﴿ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ أي: المشركون ؟ والمراد بجملة الاستفهام : التهويل، أي: ما أعظم ما استعجلوه و ابتدروه .والمعنى : قل لهم : إن عذابكم أمر محتوم ، له أجل معلوم ، سنة الله في الذين خلوا من قبل ، فأخبروني إن حلّ بكم بغتة ، في أي وقت وفي أي حالة كنتم عليها : أيَّ نوع من أنواع العذاب تطلبونه على عجل؟ والمراد: تقريعهم على الاستهزاء بالوعيد، وعلى استعجال العذاب، وتهويل أمر العذاب الذي سيحل بهم عما قريب . وقوله:(بياتا) أي: وقت بيات، وهو الليل.
10:51Page 214
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ٥١
Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now?1 And you were [once] for it impatient.2
٥١ - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ أي : أبعد ما وقع العذاب وحل بكم ﴿ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ﴾ أي : صدقتم بالله أو : بعذاب الله عند نزوله ؟ والهمزة لإنكار التأخير، أي: فلا يُقبل منهم الإيمان، ويُقـال لهـم توبيخا وتقريعـا:﴿ءَآلۡـَٰٔنَ﴾ تؤمنون بالله أو بوقوع عذابه؟ أي:في حال الضرورة والاضطرار ، حين لا ينفعكم الإيمان ، ولا يدفع عنكم شيئا من عذاب الله ، كقوله (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)غافر(٨٥).﴿وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ﴾ أي : بالعذاب ﴿تَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ مجيئه وحلوله بكم، تكذيبا و استهزاء و تعجيزا واستنكارا. و المقصود: الإنكار عليهم في تأخير الإيمان إلى هذا الحد، الذي لا ينفع معه الإيمان ولا يقبل . وهمزة الاستفهام داخلة على «ثم» المفيدة للتراخي. والاستفهام للتقريع والتوبيخ . فالتوبة أو الإيمان لا يُقبل من العبد في حالة الضرورة والاضطرار: عند حلول العذاب ، لقوله تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)غافر(٨٥) . وكذلك إذا بلغت الروح الحلقوم ، لقوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)النساء(١٨) ولقوله ﷺ :«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»رواه الترمذي وحسنه . وكذلك لا تقبل التوبة عندما تطلع الشمس من مغربها قبل يوم القيامة ، لقوله ﷺ :«من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها ، تاب الله عليه»رواه مسلم .
10:52Page 214
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٥٢
Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"
٥٢ – ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالتكذيب حين يُوفّـون أعمـالهـم يـوم القيامـة تبكيتا وتقريعـا: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ﴾ الذي تخلدون فيه ، الدائم الذي لا ينقطع . ﴿هَلۡ تُجۡزَوۡنَ﴾ فـي الآخرة ﴿إِلَّا﴾ جـزاء ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ﴾ في الدنيا، من الكفر والتكذيب والمعاصي،كقوله: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون)الطور(١٦) .
10:53Page 214
۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٥٣
And they ask information of you, [O Muḥammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allāh]."
٥٣ – ﴿وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ﴾ [وفي قراءة أبي جعفر : بدون الهمزة:(ويستنبونك)] أي: و يستخبرونك عن العذاب الموعود، أي : يطلبون منك الخبر على وجه التعنت والعناد لا على وجه التبين والاسترشاد: ﴿أَحَقٌّ هُوَۖ﴾ أي : أحق ما تعدنا به من العذاب ؟ أو : من البعث والمعاد ، والحساب والجزاء ؟ يُقال : استنبأت زيدا عن عمرو ، أي: طلبت منه أن يُخبرني عنه. وسؤالهم هذا ليس للعلم والاعتبار، وإنما هو للاستهزاء والاستغراب والإنكار. ﴿قُلۡ﴾ لهم مقسما على صحته، مستدلا عليه بالدليل الواضح والبرهان: ﴿إِي وَرَبِّيٓ﴾ أي : نعم وربي ﴿إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ﴾ واقع، لا مرية فيه، ولا شبهة تعتريه . ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ أي: بفائتين العذاب. أو : بمعجزين الله أن يبعثكم بعد صيرورتكم ترابا، فكما ابتدأ خلقكم من العدم ، ولم تكونوا شيئا ، كذلك يعيدكم مرة أخرى ، ليجازيكم بأعمالكم،كقوله سبحانه: (إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين)الأنعام(١٣٤).ولا تستعمل «إي» حرف جواب بمعنى : «نعم» إلا مع القسم خاصة. ونظير هذه الآية في القرآن الكريم آيتان ، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد وذلك في قوله تعالى:(وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم)سبأ(٣). و قوله:(زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)التغابن(٧).
10:54Page 215
وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٥٤
And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged.
٥٤ – ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ﴾ بالكفر والمعاصي، ملء ﴿مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ ذهبا ومالا ، لتفتدي به من عذاب الله يوم القيامة ﴿لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ﴾أي: لجعلته فدية لها من العذاب، ولما نفعها ذلك، لأن أمر الثواب والعقاب إنما يكون على حسب الأعمال في الدنيا . ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ أي: الذين ظلموا ﴿ٱلنَّدَامَةَ﴾ على ترك الإيمان ﴿لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ﴾ أي : أخفوْا آثار الغم والحسرة والأسف على ما فعلوا من الظلم ، كالبكاء والعويل وعض الأيدي ، فلم يُظهروها لشدة حيرتهم وذهولهم حين رأوا الأهوال الشداد .وأما بعد الدخول في العذاب، فيقولون :(يا حسرتنا على ما فرطنا فيها)الأنعام(٣١) فيظهرون ما أسروا . ﴿وَقُضِيَ بَيۡنَهُم﴾ أي : بين الخلائق أو بين المؤمنين والكافرين ، أو : بين الأتباع والمتبوعين ﴿بِٱلۡقِسۡطِ﴾ أي: بالعدل التام الذي لا ظلم فيه ولا جور. ﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ شيئا من أعمالهم ،فلا يزاد في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم .
10:55Page 215
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٥
Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allāh is truth, but most of them do not know.
٥٥ – ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ملكا و خلقا وعبيدا وتصريفا وتدبيرا ، يحكم فيهم بحكمه الديني والقدري ﴿أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ﴾ بالبعث والجزاء ﴿حَقّٞ﴾ ثابت، كائن لا محالة ، وسيحكم فيهم بحكمه الجزائي.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ﴾ أي : الناس ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك ، أي:لا يعلمون ما يضرهم ولا ما ينفعهم فيستعدوا للقاء الله ، وقد تواترت عليهم الأدلة القطعية، والبراهين النقلية والعقلية.
10:56Page 215
هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦
He gives life and causes death, and to Him you will be returned.
٥٦ – ﴿هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ﴾ المتصرف بالإحيـاء والإماته، وسائر أنواع التدابير ، لا شريك له في ذلك. ﴿وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ في الآخرة ، فيجازيكم بأعمالكم من خير وشر ، [وفي قراءة: بفتح التاء وكسر الجيم: (تَرجِعون)أي: تصيرون في الآخرة].
10:57Page 215
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧
O mankind, there has come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.
٥٧ – ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ﴾أي: ذكرى ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ هو القرآن الكريم ، فيه ما لكم وما عليكم، من التذكير بالعواقب: بالترغيب والترهيب، و الوعد والوعيد ، و الأدلة والبراهين. ﴿وَشِفَآءٞ﴾ أي : ودواء ﴿لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ﴾ من أمراض الشكوك والنفاق والشبهات والعقائد الفاسدة ، القادحة في العلم اليقيني، وأمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع. ﴿وَهُدٗى﴾ من الضلال ﴿وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ بـه، المصدقين الموقنـين بوعده ووعيـده، وأحكامه وأخباره، كقوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)الإسراء(٨٢) وقوله سبحانه : (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)فصلت (٤٤). و الموعظة: الوصية بعمل الخير واجتناب الشر بالترغيب و الترهيب الباعث على الإحسان في العمل.والهدى : العلم بالحق والعمل به .و الرحمة : ما يحصل من الخير والإحسان ، و الثواب العاجل والآجل ، لمن اهتدى بالقرآن.وهذان من أجل الوسائل ، وأكمل المقاصد والرغائب، لنيل السعادة والفلاح ، والخير والنجاح في الدارين .
10:58Page 215
قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨
Say, "In the bounty of Allāh and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."
٥٨ – ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ وهو: القرآن، أعظم فضل، تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحۡمَتِهِۦ﴾ وهو: الإسلام والإيمان. ﴿فَبِذَٰلِكَ﴾ الفضل والرحمة من الهدى ودين الحق، وهي للتأكيد و التقرير والاختصاص ﴿فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ [و في قراءة: بالتاء: (فلتفرحوا)] أي: ليكن الفرح والسرور مختصا بهما دون ما سواهما. و فيه إشارة إلى تسبب الفضل و الرحمة في الفرح ، أي: إن كان شيء يستحق أن يُفرح به، فهو فضل الله ورحمته. ﴿هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [و في قراءة: بالتاء ( مما تجمعون)] من حطام الدنيا و متاعها، وزهرتها ولذتها. والفرح بفضل الله و برحمته، فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها أو الفرح بالباطل. فإن ذلك مذموم، كقوله حكاية عن قوم قارون له:(لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين)القصص(٧٦) و كقوله في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل:(فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم)غافر(٨٣) .
10:59Page 215
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩
Say, "Have you seen what Allāh has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allāh permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allāh?"
٥٩ – ﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿أَرَءَيۡتُم﴾ أي : أخبروني ﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ أي : ما خلقه الله لأجل نفعكم ﴿مِّن رِّزۡقٖ﴾ فبعّضتموه ﴿فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا﴾ كالبحيرة والسائبة ﴿وَحَلَٰلٗا﴾ كالميتة. ﴿قُلۡ﴾ للتأكيد ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ﴾ في ذلك، وأعلمكم بهذا التحليل والتحريم؟ ﴿أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ﴾ الكذب و تختلقونه بنسبة ذلك إليه؟ والاستفهام للإنكار على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من الحرث والأنعام . والبحيرة و السائبة قد تقدم شرحها في تفسير قوله تعالى (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة)المائدة(١٠٣).
10:60Page 215
وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠
And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allāh on the Day of Resurrection?1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.
٦٠ – ﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ﴾ أي : أيُّ شيء ظنهم أن يصنع الله بهم ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ من النكال والعقاب ؟ أيحسبون أنه لا يعاقبهم على أعمالهم؟ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ بإمهالهم، وترك معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا ، أو: بالإنعام عليهم فيما أباح لهم مما خلق ، من المنافع ، وحرم عليهم من المضار في دينهم ودنياهم . ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ﴾ أي : الناس ﴿لَا يَشۡكُرُونَ﴾ ما أنعم الله به عليهم ، إما بالاستعانة بها على معاصي الله ، وإما بتحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرمه .وفي الآية : دليل على أن الأصل في جميع الأطعمة الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه ، لأن الله أنكر على من حرم الرزق الذي أنزله لعباده.
10:61Page 215
وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١
And, [O Muḥammad], you are not [engaged] in any matter and do not recite any of the Qur’ān and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight1 within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.
٦١ – ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمد ﴿فِي شَأۡنٖ﴾ أي : في أمر معتنىً به من الأمور التي تعرض لك ، أو : حال من أحوالك الدينية والدنيوية كالعبادة أو الدعوة أو نحوهما.من شَأَنه – بالهمز – يشأنُه: إذا قصده، فهو مصدر بمعنى المفعول. ﴿وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ﴾ أي : من أجل الشأن الذي نزل بك ﴿مِن قُرۡءَانٖ﴾ أنزله الله عليك وأوحاه إليك. و«مِن» الأولى: تعليلية ، والثانية: للتأكيد. و تخصيص القرآن بالذكر بعد التعميم ، تفخيم له . ﴿وَلَا تَعۡمَلُونَ﴾ أيها النـاس ﴿مِنۡ عَمَلٍ﴾ أيّ عمل كان، صغيرا أو كبيرا، جليلا أو حقيرا ، خيرا أو شرا . و الخطاب هنا لرسول الله ﷺ وأمته . ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا﴾ أي : رقباء مطلعين عليه، حافظين له ، لإحاطة علمنا بكل شيء. ﴿إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ﴾ أي: في ذلك العمل، أي: حين تشرعون فيه وتتلبسون به ، أو تخوضون وتأخذون و تندفعون فيه.وأصل الإفاضة : الاندفاع بكثرة أو شدة. ثم أقام تعالى البرهان على إحاطة علمه بالجزئيات والكليات بقوله: ﴿وَمَا يَعۡزُبُ﴾ [و في قراءة: بكسر الزاي: (و ما يعزِب)] ﴿عَن رَّبِّكَ﴾ أي : وما يغيب وما يخفى عنه تعالى، أو: ولا يبعد عن علمه ﴿مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ﴾ أي : من وزن أصغر شيء في الوجود والإمكان، كائن ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ المثقال ﴿وَلَآ أَكۡبَرَ﴾ منه [و في قراءة: برفع (أصغر)و(أكبر):(ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ)] ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ﴾ أي : بيِّن، وهو اللوح المحفوظ ، قد أحاط به عمله ، وجرى به قلمه .يقال : عزب الشيء يعزُب و يعزِب : غاب وخفي فهو عازب. و المثقال: ما يوازن الشيء. والذرة : النملة الحمراء الصغيرة جدا ، أو الهباءة التي ترى في شعاع الشمس الداخل من النافذة. و في الآية : بيان إحاطة علم الله بكل شيء من الجزئيات والكليات ، وأنه في كتاب مبين ، فهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر ، وهما : علم الله المحيط بجميع الأشياء ، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث ، كثيرا ما يقرن القرآن بينهما ، كقوله: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير)الحج(٧٠) .
10:62Page 216
أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Unquestionably, [for] the allies of Allāh there will be no fear concerning them, nor will they grieve -
٦٢ – ﴿أَلَآ﴾ أداة تنبيه ﴿إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ﴾ المخلصين، وهم: عباده الذين يتولونه بالطاعة وامتثال أمره واجتناب نهيه ، ويتولاهم بالكرامة والمعونة والتوفيق، ويحبهم ويحبونه. ﴿لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة ، فلا يخافون عند البعث والحشر ولا في عرصات القيامة . ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الدنيا ، لأنهم لم يسلفوا فيها إلا صالح الأعمال . أو: لا يحزنون من الفزع الأكبر يوم القيامة.و أولياء: جمع ولي، وهو ضد العدو، بمعنى: المحب. وأصله من الولْي بمعنى : القرب . وهؤلاء لا يخافون حين يخاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس يوم القيامة، ثم وصفهم بقوله :
10:63Page 216
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣
Those who believed and were fearing Allāh.
٦٣ - ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله وملائكته، وكتبه، و رسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره ، وصدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الله ، بامتثال أمره واجتناب نهيه ، فهم على ثقة بربهم ، وحسن ظن به . فكل من كان مؤمنا تقيا ، كان لله تعالى وليا .وفي الحديث : عند البزار ، عن ابن عباس مرفوعا، قال: قال رجل: يا رسول الله ، من أولياء الله؟ فقال:«هم الذين إذا رُؤوا ، ذُكر الله». وأخرج ابن جرير و أبو داود في «سننه» عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ:«إن من عباد الله عبادا، يغبطهم الأنبياء والشهداء»، قيل : من هم يا رسول الله ؟ لعلنا نحبهم ، قال :«هم قوم تحابوا في الله، من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور ، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ : (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences