Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
يوسف
Yusuf
Joseph · Meccan · 111 ayahs
12:1Page 235
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the clear Book.
١ -﴿الٓرۚ﴾ تقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أوائل السور، وذلك في أول سورة البقرة، وهي للتنبيه والتحدي والإعجاز والبيان، والله أعلم بمراده بذلك.﴿تِلۡكَ﴾ أي : الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة، هي :﴿ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي : القرآن ﴿ٱلۡمُبِينِ﴾ أي: الظاهر أمره في كونه من عند الله، الواضح إعجازه، الجلي ألفاظه ومعانيه، المبيِّن والمفصل لما فيه من الأحكام والأوامر والنواهي، والحلال والحرام والإضافة بمعنى: « مِن»، أي : هي من آيات القرآن المبين.
12:2Page 235
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢
Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 that you might understand.
٢ - ﴿ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ﴾ أي الكتاب ﴿ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا﴾ أي : على لغة العرب ﴿لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ أصوله وفروعه، وتعلمون أوامره ونواهيه، وتفهمون ألفاظه ومعانيه وذلك أن لغة العرب أفصح اللغات، وأبْيَنها، وأوسعها، و أكثرها تأدية للمعاني بالوجيز من الألفاظ وفي الآية إرشاد إلى أن اللغة العربية كمال للعقول، وزيادة للقرائح والأذهان.
12:3Page 235
نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣
We relate to you, [O Muḥammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur’ān although you were, before it, among the unaware.
٣ - ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾ أي : نحدثك ونبيّن لك، عن الأمم الماضية، أحسن البيان وأبدعه أسلوبا، وأصدقه أخبارا، وأجمعه حكما وعبرا ﴿بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ﴾ أي: بإيحائنا ﴿إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ﴾ أي : من قبل القرآن أو الوحي﴿لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ عن الكتاب والإيمان، كقوله : (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)الشورى(٥٢).أو : (لمن الغافلين) عن هذه القصة وغيرها مما أوحاه الله إليك من قصص الأنبياء في القرآن.يقال : قص عليه الخبر : أعلمه إياه، واقتص الحديث: رواه على وجهه وأصله من قولهم : قص الأثر قصا وقصصا : تتبعه.قال العلماء : ذكر الله قصص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد، في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة، وذكر قصة يوسف-عليه السلام– ولم يكررها، فلم يقدر أحد على معارضة ما تكرر منها أو لم يتكرر.وفي السورة من مواقف الابتلاء بالشدائد، والابتلاء بالشهوات، والابتلاء بالحكم، وبيان عاقبة ذلك كله، ما لم يكن في غيرها.
12:4Page 235
إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤
[Of these stories mention] when Joseph said to his father,1 "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."
٤ - اذكر يا محمد لقومك : ﴿إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل–عليهم السلام-﴿يَٰٓأَبَتِ﴾ [و في قراءة: بفتح التاء(يا أبتَ)] ﴿إِنِّي رَأَيۡتُ﴾ أي : في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي، كما قال ابن عباس، ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا﴾ وهم: إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا سواه ﴿وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ﴾ وهما: أبوه و أمه ﴿رَأَيۡتُهُمۡ﴾ تأكيد﴿لِي سَٰجِدِينَ﴾ أجريت مجرى العقلاء، للوصف بالسجود، الذي هو من صفات العقلاء، وهو سجود تحية، لا عبادة.و في الآية : بيان لأصل من أصول تعبير الرؤيا، و أن أغلب ما تبنى عليه: المناسبة و المشابهة في الاسم و الصفة.وفي الحديث : عند البخاري و أحمد، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم».وعند البخاري من حديث أبي هريرة:«أكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله».وقوله : (يا أبتِ) أصله : يا أبي، فحذفت الياء وعُوِّض عنها تاء التأنيث اللفظي، ونقلت اليها كسرة الباء، ثم فتحت الباء على القاعدة في فتح ما قبل تاء التأنيث[وفي القراءة الأخرى : (يا أبتَ) بالفتح، دلالة على ألف محذوفة، قُلبت عن الياء].
12:5Page 236
قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٥
He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.
٥ - ﴿قَالَ﴾ يعقوب لابنه يوسف: ﴿يَٰبُنَيَّ﴾[و في قراءة: بياء مشددة مكسورة :(يا بنيِّ)] ﴿لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ﴾ لأن في تعبيرها خضوعهم له، وتعظيمهم إياه، فخشي يعقوب - عليه السلام – أن يحسده إخوته على ذلك و فيه جواز كتمان ما تُخشى مضرته. [وفي قراءة : (لا تقصص رُيَّاك على إخوتك) بقلب الهمزة ياء وإدغامها في الأخرى] ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ﴾ أي: فيحتالوا في هلاكك، احتيالا خفيا، لا قِبَل لك بدفعه، حسدا من عند أنفسهم.و في الآية: جواز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره.و«كاد» يتعدى بنفسه، فيقال : كاده يكيده كيدا، إذا احتال لإهلاكه، ولتضمنه معنى : «احتال» عدي باللام .والكيد : التدبير السيئ.﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيِّن العداوة ظاهرها، ومن عداوته إغواء إخوتك وحملهم على ما لا خير فيه. وفي الحديث : «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود».
12:6Page 236
وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦
And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives [i.e., events or dreams] and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."
٦ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : وكما اجتباك لهذه الرؤيا الحسنة ﴿يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي : يختارك ويصطفيك للنبوة.والاجتباء : الاختيار والاصطفاء.﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ﴾ أي: تعبير الرؤيا وتفسيرها، وهو علم ما تئول إليه الرؤيا في الوجود. من الأَوْل : وهو الرجوع. ﴿وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ﴾ بالنبوة، والوحي، والرسالة، والملك، والرياسة، كما تدل عليه هذه الرؤيا التي أراك الله ﴿وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ﴾ أي: أولاده وذريته وكلمة «آل» لا تستعمل إلا في أتباع العظيم والعظماء.﴿كَمَآ أَتَمَّهَا﴾ بالنبوة و الرسالة ﴿عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ ﴾ عليهما السلام ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بخلقه وبمـن يستحق منهم الاجتباء والاصطفـاء ﴿حَكِيمٞ﴾ في صنعه بهم وتدبيره لهم، يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها.
12:7Page 236
۞ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ ٧
Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask, [such as]
٧ - ﴿لَّقَدۡ كَانَ فِي﴾ قصة أو خبر ﴿يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ﴾ وكانوا أحد عشر رجلا سواه ﴿ءَايَٰتٞ﴾ [وفي قراءة: بالإفراد (آية)] أي : عبر ومواعظ ﴿لِّلسَّآئِلِينَ﴾ عن خبرهم، بلسان الحال أو بلسان المقال. فقد روي أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن قصة يوسف، فنزلت هذه السورة جملة واحدة، فكان ذلك آية له ﷺ دالة على صدقه ونبوته.
12:8Page 236
إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨
When they said, "Joseph and his brother1 are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.
٨ - اذكر يامحمد لقومك : ﴿إِذۡ قَالُواْ﴾ أي : إخوة يوسف بعضهم لبعض: والله ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين، وهو شقيقه لأمه وأبيه، وأما بقية إخوته، فهم إخوته لأبيه، لا لأمه ﴿أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ﴾ أي : جماعة قادرون على خدمته، كفاةٌ للقيام بأمره دون يوسف وأخيه فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة؟والعُصبة : ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة، من العصَب، وهو الشد، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويعضده، أو : لأن الأمور تُعصب بهم، أي : تشتد فتقوى.﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ أي : خطأ ظاهر بيّن، بإيثارهما علينا بالمحبة والشفقة، مع فضلنا عليهما، وكونهما بمعزل عن كفاية الأمور ولم يريدوا: الخطأ في الدين.وأصل الضلال : الميل عن المنهج السوي يقال : ضل يضل : إذا خفي وغاب وضاع.
12:9Page 236
ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩
Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1
٩ - ثم تشاوروا بينهم، فيما يفعلونه بيوسف، فقال بعضهم : ﴿ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا﴾ أي: ألقوه في أرض بعيدة عن أبيه، فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين ﴿يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ﴾ أي: يصفُ لكم توجه أبيكم و تخلص لكم محبته، دون أن يشارككم فيها غيركم، فيقبل عليكم بكليته. يقال : خلا المكان، يخلو خلوّا وخلاء : إذا فرغ، ومكان خلاء : ليس به أحد.﴿وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي : من بعد قتل يوسف، أو طرحه في فلاة من الأرض ﴿قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ﴾ في أمور دينكم وطاعة أبيكم، بأن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه من ذنوبكم.فأضمروا التوبة قبل الذنب، وعزموا علىها قبل صدور الذنب منهم، تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض.أو : (صالحين) في أمور دنياكم، لذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك، وهو الحسد ليوسف وأخيه.
12:10Page 236
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠
Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."
١٠ - ﴿قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي : من إخوة يوسف، الذين أرادوا قتله أو طرحه، قيل: هو يهوذا ﴿لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ﴾ أي : لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، فإنه أعظم إثما، وأشنع جرما ﴿وَ﴾ لكن ﴿أَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ﴾ أي : اطرحوه في قعر البئر، حيث يغيب خبره. قيل : هي بئر بأرض بيت المقدس. [وفي قراءة: بالجمع:(غَيابات)]. والجب : البئر التي لم تُطو- أي : لم تبن بالحجارة – وجمعها : أجْباب وجِباب و جَبَبة، وسميت جُبا : لأنها قطعت في الأرض قطعا.والغيابة : غور الجب، وما غاب منه عن الأعين، وأظلم من أسفله.﴿يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ﴾ أي : المارة من المسافرين، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عن أبيه، فتستريحون منهو السيارة : جمع سيار، وهو المبالغ في السير، كالجوالة و الكشافة. ﴿إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ ما أردتم، عازمين مصرين على أمركم، من التفريق بينه وبين أبيه فاكتفوْا من كيدهم وصنيعهم بذلك وفيه : دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء.
12:11Page 236
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١
They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?
١١ - ثم تشاوروا بينهم مرة أخرى لتنفيذ كيدهم، فاتفقوا على أخذه من أبيه بحيلة، فأتوْا والدهم ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ أي: لم تخافنا عليه، فقد كان من حبه له، يضن به أن يرسله معهم، ولعل ذلك من خشيته عليه من إخوته، وكأنهم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف، فأبى عليهم.﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ﴾ أي : لقائمون بمصالحه، في حفظه وحيطته، حتى نرده إليك أي : نشفق عليه ونريد له الخير كله.
12:12Page 236
أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢
Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians."
١٢ - ﴿أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا﴾ أي : ابعثه معنا ﴿غَدٗا﴾ إلى البرية ﴿يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ﴾ أي : يتسع في أكل ما لذ وطاب من الثمار والطعام، ويلهو وينشط بالاستباق والانتضال ورمي السهام. [وفي قراءة بالنون فيهما : (نرتعْ ونلعبْ) وفي قراءة : بكسر العين فيهما (يرتعِ) و (نرتعِ)].من الرتع: وهو الاتساع في الملاذ، والتنعم في العيش، وفعله : رتع، ك «منع»، ومنه الرتعة، للاتساع في الخصب. واللعب : هو اللهو المباح، والنشاط، والمسابقة ورمي السهام.﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ من كل أذى يصيبه أو مكروه يناله، أي : نحفظه لك، ونحوطه بالرعاية والعناية من أجلك.
12:13Page 236
قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣
[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."
١٣ - ﴿قَالَ﴾ يعقوب لبنيه : ﴿إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ﴾[و في قراءة: بالبناء للمفعول : (ليُحْزِنُني)] أي: يشق علي ذهابكم به ومفارقته، لفرط محبته له، وخوفه عليه، ﴿وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ﴾ [و في قراءة بالياء: (الذيب)] والمراد به: جنس الذئاب، وكانت أرضهم كثيرة الذئاب.﴿وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ﴾ أي : مشغولون عنه، لاهون بالرتع واللعب، فأخشى بانشغالكم عنه بالرمي والرعي، أن يأتيه ذئب فيأكله، وأنتم لا تشعرون بهفأخذوا من فم أبيهم هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه بأخيهم.
12:14Page 236
قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤
They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."
١٤ - ﴿قَالُواْ﴾ مجيبين له عنها : ﴿لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ﴾ أي: جماعة، حريصون على نصحه وحفظه، ﴿إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ﴾ أي: لهالكون ضعفا وعجزا، لانتفاء قدرتنا على هذا الأمر اليسير.أي : نحن نحميه من الذئاب، فلا تخف عليه. فلما قدموا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، أرسَله معهم.
12:15Page 237
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥
So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well...1 But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."
١٥ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ﴾ من عند أبيهم بعد مراجعته في شأن يوسف ﴿وَأَجۡمَعُوٓاْ﴾ أي : وعزموا أمرهم وصمموا ﴿أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ﴾ أي : في قعر البئر، كما قال قائلهم، واتفقوا فيما بينهم.يقال : أجمعت السير والأمر، وأجمعت عليه : إذا عزمت عليه، وجواب «لما» محذوف، أي : فعلوا به ذلك وجعلوه في غيابة الجب.﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾ أي : إلى يوسف – عليه السلام – وهو في الجب، وحي إلهام، أي : ألهمه الله تعالى بما سيحصل له بعد ذلك، أو : بطريق الرؤيا أو : بإرسال جبريل عليه السلام، وكان ذلك قبل بلوغه الحلم – على الأرجح – تطمينا لقلبه، وتطييبا وتثبيتا له، وتأنيسا لوحشته، وليس استنباء.أي : لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك منه فرجا، ومخرجا حسنا ،﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا﴾ أي : لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا معك، بعد خلوصك مما أرادوه بك من الكيد.﴿وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ بإيحاء الله إليك، أو: ستنبئنهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك ولا يشعرون بك، كما سيأتي في آية (٨٩).
12:16Page 237
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦
And they came to their father at night, weeping.
١٦ - ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ﴾ أي : وقت المساء ﴿يَبۡكُونَ﴾ أي : متباكين يظهرون الأسف والجزع على يوسف معتمدين على الظلام في إخفاء انفعالات وجوههم وستر فعلتهم.
12:17Page 237
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧
They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."
١٧ - ﴿قَالُواْ﴾ ترويجا لمكرهم وعذرهم معتذرين عما وقع منهم: ﴿يَٰٓأَبَانَا إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ﴾ أي : نتسابق ونتبارى وننتضل في الرمي بالسهام أو على الخيل، أو: عدْوا على الأقدام.يقال : استبقا : أي : تسابقا، حتى ينظر أيهما أسبق.﴿وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا﴾ أي : عند ثيابنا وأمتعتنا ليحرسها ﴿فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ﴾ في حال غيابنا عنه واستباقنا ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا﴾ أي : بمصدق لعذرنا ﴿وَلَوۡ كُنَّا﴾ عندك، أو في الواقع﴿صَٰدِقِينَ﴾ فكيف وأنت تسئ الظن بنا وتتهمنا؟ وهذا تلطف عظيم منهم في تقرير ما يحاولونه بأخيهم يقولون : نحن نعلم أنك لا تصدقنا، والحالة هذه، لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، مع شدة محبتك له؟
12:18Page 237
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨
And they brought upon his shirt false blood.1 [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allāh is the one sought for help against that which you describe."
١٨ - ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ﴾ أي : على قميص يوسف ﴿بِدَمٖ كَذِبٖۚ﴾ أي: ذي كذب. قال مجاهد وغيره: عمدوا إلى سَخْلَة، فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، ولكنهم ذهلوا عن شق القميص، فلم يصدقهم أبوهم.﴿قَالَ﴾ أبوهم، لما رأى القميص صحيحا : ﴿بَلۡ سَوَّلَتۡ﴾ أي : زينت وحسنت وسهلت ﴿لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ﴾ عظيما في يوسف، ففعلتموه به.من التسويل، وهو تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن.﴿فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ﴾ أي : فصبري صبر جميل، وهو ما لا شكوى فيه لأحد غير الله تعالى ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ﴾ أي : المطلوب منه العون ﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ أي : على ما تذكرون من أمر يوسف، من الكذب والمحال.وفي الحديث مرفوعا عن حبان بن أبي حبلة، قال : سئل رسول الله ﷺ عن قوله : (فصبر جميل)، فقال : «صبر لا شكوى فيه». وفي البخاري من حديث عائشة في الإفك، قالت : «والله لا أجد لي ولكم مثلا، إلا كما قال أبو يوسف: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)»
12:19Page 237
وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩
And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise;1 and Allāh was Knowing of what they did.
١٩ - ﴿وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ﴾ أي : رفقة مارة مسافرون من الشام إلى مصر، فنزلوا قريبا من جب يوسف ﴿فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ﴾ الذي يرد الماء، ويتقدم الرفقة ليستقي منه. ويقع على الواحد وعلى الجماعة. يقال لكل من يرد الماء : وارد، وللماء مورود.﴿فَأَدۡلَىٰ﴾ الوارد ﴿دَلۡوَهُۥۖ﴾ أي : فأرسلها إلى الجب، ليستخرج الماء منه، فتعلق بها يوسف، فلما خرج، ورآه الوارد ﴿قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ﴾أي: يا فرحتى﴿هَٰذَا غُلَٰمٞۚ﴾ ونداء (بشرى) مجاز : أي: احضري فهذا وقتك [وفي قراءة:(يا بشراي هذا غلام)] و هي كلمة تقال عند السرور، مقابل يا حسرتى عند الجزع.يقال : أدلى دلوه، يدليها في البئر : إذا أرسلها فيها ليملأها، فإذا نزعها وأخرجها ملأى، قيل : دلا الدلو يدلوها، من باب عدا. والدلو : الآلة التي يستقى بها، وهي تؤنث وتذكر.﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أي : و أخفوْا أمره، حال كونهم جاعليه ﴿بِضَٰعَةٗۚ﴾ أي: متاعا للتجارة، فأخفى الوارد وأصحابه أمره عن باقي الرفقة مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، زاعمين أنه دفعه إليهم أهل الماء بضاعة، ليبيعوه لهم بمصر. وقيل: إن الذين أخفوا أمره وجعلوه بضاعة، هم أخوته.من الإسرار : ضد الإعلان.والبضاعة : القطعة من المال تتخذ للتجارة، من البَضْع، وهو : القَطْع، وأصله: جملة من اللحم تُبْضع، أي: تقطع.﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ أي : بما يفعله إخوته، أو السيارة به من الكيد و إجراء البيع والشراء فيه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم !
12:20Page 237
وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠
And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.
٢٠ - ولما علم إخوة يوسف بأمره، أتوا الوارد وأصحابه، وقالوا: إنه عبد آبق – أي : هارب – منا ﴿وَشَرَوۡهُ﴾ أي : وباعه إخوته للسيارة ﴿بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ﴾ أي : ناقص أو منقوص عن ثمن مثله.مصدر بخسه يبخسه بخسا : إذا نقصه أو عابه. والبخس : النقص، كقوله تعالى : (فلا يخاف بخسا ولا رهقا)الجن(١٣). وقيل : إن الوارد وأصحابه هم الذين باعوه بمصر﴿دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ﴾ أي : إخوته، أو السيارة الذين اشتروه وباعوه ﴿فِيهِ﴾ أي : في يوسف ﴿مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ أي : الراغبين عنه، الذين لا يبالون به، ولا ببقائه معهم.وقيل : إن السيارة اشتروه من إخوته بثمن ناقص، زهدا فيه، لكونه معيبا بالأبق من مواليه.أو : لكونهم لا يعلمون كرامته على الله ونبوته.
12:21Page 237
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١
And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.
٢١ - وجاءت به السيارة إلى مصر، فباعه الذي اشتراه من إخوته إلى عزيز مصر :﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ ﴾و هو العزيزالذي كان على خزائن مصر، من قِبَل ملكها يومئذ، قال ﴿لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ﴾ أي : اجعلي منزله ومقامه عندنا حسنا كريمـا مرضيـا ﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ﴾ أي: يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى مثله فيه﴿أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ﴾ أي : نتبناه، فنجعله ولدا لنـا، ولعل ذلك أنه لـم يكـن لهـما ولـد ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : وكما نجيناه من كيد إخوته، وأخرجناه من الجب، وعطفنا قلب العزيز عليه، فصار إلى الكرامة والسعة عنده، أو: و مثل ذلك التدبير و العناية ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في أرض مصر، حتى صار متمكنا فيها مـن الأمـر والنهـي ﴿وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ﴾ أي : تعبير الرؤيا وتأويلها ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ﴾ فلا يعجزه شيء، ولا يقهره شي، فإنه إذا أراد شيئا، لا يرد ولا يمانع، ولا يخالف ولا يغالب، فهو الغالب لما سواه، الفعال لما يشاء.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ذلك، أي : لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه بهم، وأنه غالب على أمره، فعّال لما يريد.
12:22Page 237
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢
And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.
٢٢ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي : يوسف عليه السلام ﴿أَشُدَّهُۥٓ﴾ أي : منتهى شدته وقوته ورشده، وذلك بتمام خلقه، واستكمال عقله.والأشد: هو وقت استكمال القوة المعنوية والحسية قيل: هو ثلاث وثلاثون سنة، وقيل أربعون﴿ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا﴾ أي : أعطيناه حكمة، وهي : الإصابة في القول والعمل، أو: هي النبوة، أو الحكم بين الناس. ﴿وَعِلۡمٗاۚ﴾ أي : فقها في الدين، أو : علم تعبير الرؤيا و قال في شأن موسى عليه السلام : (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما)القصص(١٤)، فزاد: (و استوى) لكونه كان رسولا من أولي العزم. ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : وكما جزيناه أو: ومثل هذا الجزاء الذي جزيناه ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في عملهم، العاملين بطاعة الله فكل من أحسن في عمله، عبادة وطاعة لله، وبذلا ونصحا وإحسانا إلى عباد الله، أحسن الله جزاءه.
12:23Page 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."
٢٣ - ﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا﴾ وهي امرأة العزيز ﴿عَن نَّفۡسِهِۦ﴾ أي: دعته إلى نفسها و تمحّلت أو تحايلت لمواقعته إياها، فكان منها الطلب، ومنه الإباء، خوفا من الله تعالى، فلم يستجب لمراودتها.والمراودة : مفاعلة من الرويد، وهو الرفق والتمحّل، وتعديتها ب «عن» لتضمنها معنى المخادعة، أي : دعته امرأة العزيز إلى نفسها، وفعلت معه فعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد أن يخرجه من يده، وهو يحتال أن يأخذه منه. وقيل : إن المفاعلة من جانب واحد، على حد قولهم: مماطلة المدين، ومداواة المريض، ونظائرهما.﴿وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ﴾ أي : أبواب البيت ﴿وَقَالَتۡ﴾ له ﴿هَيۡتَ لَكَۚ﴾أي: هلم وأسرع، أو : تعال وأقبل، إرادتي لك، تدعوه إلى نفسهاو «هيت» : اسم فعل، بمعنى: «هلم» أي : تعال وأقبل وأسرع ونحوه، ويدل على الحث والإقبال على الشيءوقيل : هي لفظة معربة، أو : من الألفاظ التي اتفقت فيها اللغات واللام في «لك» لتبيين المخاطب، كما في : سقياً لك، و رعياً لك، وهي متعلقة بمحذوف، كأنها تقول: أقول لك، أو : الخطاب لك[وفي قراءة : بكسر الهاء مع فتح التاء: (هِيتَ) ك «قيل» وفي أخرى: بالهمزة بدلا من الياء : (هِئْتَ لك) وفي رابعة: بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء : (هَيْتُ) ك «حيث»)].﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ﴾ أي : أعوذ بالله معاذا مما تريدين مني أو تدعوني إليه ! أي : أعتصم بالله، وأستجير به، وألتجئ إليه التجاء في دفع ذلك عني وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف.﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : العزيز الذي اشتراني هو ﴿رَبِّيٓ﴾ أي: سيدي الذي رباني و﴿أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ﴾ أي : منزلي ومقامي، أي : أكرمني و تعهدني برعايته، فلا أخونه في أهله.أو : إن الضمير في (إنه ربي) يعود إلى الله تعالى، وهو الأقرب والأحسن. أي : إن ربي أحسن إقامتي في بلد الغربة ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : الشأن أو الأمر ﴿لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مرهوب، لأن الذي تدعوني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به.
12:24Page 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.
٢٤ - ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ﴾ أي :همت امرأة العزيز بيوسف، و ذلك أنها قصدت إلى ما دعته إليه من المعصية و فعل الفاحشة. ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي : وهمّ يوسف بها بمقتضى الطبيعة البشرية و الميل الجبلّي و خطرات حديث النفس. وقيل: همّ بها ليدفعها عنه، حين أمسكت به ﴿لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ﴾ أي : لولا أن الله تعالى أراه برهانه على شناعة المعصية، لجرى على موجب ميله الجبلّي.و قيل: لولا أن الله أراه برهانه بأنه لو دفعها عن نفسه، لثبتت عليه التهمة، ولفعلت معه امرأة العزيز ما يوجب هلاكه، لدفعها عنه. وجواب «لولا» محذوف تقديره: ما تقدم على المعنيين و قيل : إنه لم يحصل منه همّ أصلا: لأن «لولا» حرف امتناع لوجود، أي : إن همّ يوسف بها ممتنع منفي، لوجود رؤية برهان ربه، وهو عصمة الله عز وجل لهو حاصل الهمّ بها-بعد الاتفاق على أن يوسف لم يفعل شيئا قط-: أنه ما همّ أبدا، لرؤية برهان ربه، فرؤية البرهان منعت الهمّ. أو : أنه همّ بمقتضى الطبيعة البشرية و خطرات حديث النفس، ثم جاء الكفّ والمنع من الوقوع في المعصية برؤية برهان ربه. و هو الأظهر في سياق الآية.﴿كَذَٰلِكَ﴾ أريناه البرهان ﴿لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ﴾ أي: الخيانة للعزيز في أهله ﴿وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ﴾ أي : الزنا، أو كل ما تناهى قبحه ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ أي : المجتبين المطهرين، المصطفين المختارين الذين عصمهم الله لطاعته ورسالته.[وفي قراءة بكسر اللام: (المخلِصين) لله في الطاعة والعبادة].فائدة و في مسألة الهمّ بها أقوال ثلاثة، وذلك بعد الاتفاق على أن همّها به كان للمعصية، وأن يوسف عليه السلام لم يأت بفاحشة، لأن الله عصمه عن ذلك، وصرف عنه السوء والفحشاء :الأول: اختلف علماء اللغة في جواز تقديم جواب «لولا» عليها، فقال بعضهم : بالجواز. وعليه: فإن يوسف لم يهمّ بها أصلا قال القاضي عياض : وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: أن يوسف لم يهمّ بها، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير، أي: لقد همّت به، ولولا أن رأى برهان ربه، لهمّ بها، فلم يقع الهمّ منه أصلا، لوجود البرهان، وهو عصمة الله له، وبمثله قال الرازي، وأضاف: وهذا لوجوب عصمة الأنبياء. وفي «البحر المحيط» : إنه لم يقع منه همّ ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، وهو نظير قولك : قارفت الذنب، لولا أن عصمك الله وجواب «لولا» محذوف، لدلالة ما قبله عليه، أي : لولا أن رأى البرهان، لهمّ بها، أي: إن الهمّ كان يوجد، لو لم ير برهان ربه، لكنه رآه فانتفى الهمّ.الثاني: وقال آخرون : بعدم جواز تقديم جواب «لولا» عليها وعليه: فإن يوسف قد همّ بها ولكنه – كما في «شرح الشفاء» للقاضي عياض – همّ بها ليدفعها عن نفسه، حين أمسكته، ولكنه لم يفعل، لأن الله تعالى أراه برهانه، بأنه لو دفعها، لثبتت عليه التهمة، ولصدقوها في قولها بلا خلاف وقال غيره – كما عند الرازي والقرطبي في تفسيرهما - : إنه عليه السلام همّ بدفعها عن نفسه بالقوة، وكاد أن يفعل، لولا أن الله أراه، أنه لو فعل ذلك، لفعلت معه امرأة العزيز ما يوجب هلاكه، فكان في الامتناع عن ذلك الفعل، صون نفسه من الهلاك، فإنه ربما تعلقت به، فتمزق ثوبه من أمام، وكان قد سبق في علم الله، أن الشاهد يشهد بأن تمزيقه من الأمام دليل على جنايته، وأن تمزيقه من الخلف، دليل على جنايتها وبراءته، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عنه بالقوة، وفرّ عنها هاربا، حتى صارت الشهادة حجة له على براءته، وعليه : فلم يقع منه همّ بالفاحشة، وإنما وقع منه الهمّ بدفع امرأة العزيز عن نفسه، ولكن الدفع لم يحصل بالفعل، لرؤيته برهان ربه.الثالث: وذهب البغوي والقرطبي والقاضي عياض: إلى أن الهمّ يكون بمعنى : «العزم المصمم على أمر» وهو همّها به، وإرادتها المعصية ويكون بمعنى : «ميل طبيعي غير اختياري» وهو همّه بها، وهو غير مذموم، بل هو ممدوح يؤجر عليه قال القاضي عياض : وهذا مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين. وقال غيرهم : الهمّ : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه قالوا : ولا خلاف في أن همّها كان بالمعصية، وكان عزما وجزما، ولا في أن يوسف عليه السلام لم يأت بفاحشة، وأن الله برّأه منها، وأنطق المرأة ببراءته، وأن همّه عليه السلام، كان مجرد خاطرة قلب، بمقتضى الطبيعة البشرية، والجبلة الخلقية، من غير جزم وعزم، وذلك لا يدخل تحت التكليف، ولا يخل بمقام النبوة،كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الحار فتميل نفسه إليه، ولكن يمنعه منه دينه، فلا يؤاخذ بهذا الميل.قالوا : وأما قوله : (لولا أن رأى برهان ربه) أي : لولا مشاهدته البرهان الإلهي على شناعة المعصية، لجرى على موجب ميله الجبلّي، لكنه لمشاهدته البرهان، استمر على ما هو عليه من الطهارة، وإباء المعصية.ولذا قيل : الهمّ همّان : همّ ثابت : وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا، مثل همّ امرأة العزيز وهمّ عارض: وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ولا رضا، مثل همّ يوسف عليه السلام. وقد عصمه الله، وصرف عنه السوء والفحشاءقلت: وهو الأظهر في سياق هذه الآيات والله تعالى أعلم.
12:25Page 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"
٢٥ - ﴿وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ﴾ أي : تسابقا إليه، يوسف يقصد الفرار من المعصية والخروج من الباب، وامرأة العزيز تريد أن تسبقه إليه لتمنعه من الخروج والتسابق والمسابقة بمعنى واحد فأمسكت بثوبه ﴿وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ ﴾ أي قطعته وشقته من ورائه. من القدّ : وهو القطع والشق، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا، وهو المراد هنا، لأنها جذبته من وراء، فانخرق القميص إلى أسفله.﴿وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ﴾ أي : وجدا زوجها عند الباب، فنزّهت نفسها، وخرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها ﴿قَالَتۡ﴾ لزوجها متنصلة، وقاذفة يوسف بدائها:﴿مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ﴾ أي : يحبس، أي : إما سجن و حبس ﴿أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم، بأن يُضرب ضربا شديدا موجعا.
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
٢٦ - ﴿قَالَ﴾ يوسف منتصرا بالحق، متبرئا مما رمته به من الخيانة :﴿هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ﴾ أي : هي دعتني إليها، وطلبت مني ذلك، ولم أرد بها سوءا ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾ قيل:هو ابن عمها. وقيل:صبي في المهد أنطقه الله ببراءته ويشهد له ما رواه ابن جرير عن ابن عباس، مرفوعا: «تكلم أربعة وهم صغار»، فذكر فيهم شاهد يوسف ورواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال : «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون ،وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم».و سماه شاهدا لأنه عمل بالقرائن حيث لا بينة و لا إقرار.فقال الشاهد : ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ﴾ أي: شُق أو قطع من قدام، أو : من أمامه ﴿فَصَدَقَتۡ﴾ أي: في قولها : إنه أراد بها سوءً، لأنه يدل على أنه لما دعاها، وأبت عليه، دفعته عنها مضطرة فشقت قميصه من أمامه ﴿وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ في قوله : هي راودتني عن نفسي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences