Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:27–52
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
٢٧ - ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ﴾ أي : شق من خلف، أو : من ورائه،﴿فَكَذَبَتۡ﴾ في دعواها عليه : أنه أراد بها سوءً ﴿وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ في دعواه عليها : أنها راودته عن نفسه. ودليله : أنه لما هرب منها وطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدّت قميصه من ورائه.و في الآية: أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه إذا لم يكن هناك بينة و لا إقرار.
12:28Page 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].
٢٨ - ﴿فَلَمَّا رَءَا﴾ أي : العزيز ﴿قَمِيصَهُۥ﴾ أي : قميص يوسف ﴿قُدَّ مِن دُبُرٖ﴾ أي : شق من خلف ﴿قَالَ﴾ متحققا صدق يوسف، وكذب زوجته فيما قذفته ورمته به:﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما، أو : إن هذا البهت والقذف في قولِك :(ما جزاء من أراد بأهلك سوءً).﴿مِن كَيۡدِكُنَّۖ﴾ يا معشر النساء، أي: من جملة مكركن وخداعكن﴿إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ﴾ وهل أعظم من هذا الكيد الذي برأت به نفسها، وهي التي أرادت وفعلت، ثم رمت به نبي الله يوسف عليه السلام. والكيد : المكر والحيلة والخداع.
12:29Page 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."
٢٩ - ثم قال زوجها لما تحقق الأمر: ﴿يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ﴾ الأمر، واكتمه، ولا تذكره لأحد، ولا تحدث به، طلبا للستر على أهله، لئلا يشيع الخبر وينتشر ثم توجه إلى زوجته قائلا: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ﴾ الذي وقع منك، من إرادة السوء بهذا الشاب، وقذفه بما هو بريء منه.﴿إِنَّكِ كُنتِ﴾ بسبب ذلك ﴿مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ﴾ أي : الآثمين، المتعمدين للذنب [وفي قراءة : بحذف الهمزة (الخاطين)].فأمر العزيزُ يوسفَ بالإعراض عن الأمر وكتمان ما وقع، وأمرها بالاستغفار والتوبة.ولكن الخبر - مع ذلك – اشتهر وشاع في المدينة.
12:30Page 238
۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠
And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."
٣٠ - ﴿وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ﴾ أي : في مدينة مصر، وهن نساء الكبراء والأمراء، بعد ما انتشر الخبر فيها: ﴿ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا﴾ أي : غلامها المملوك ﴿عَن نَّفۡسِهِۦۖ﴾ أي : تدعوه إلى نفسها.﴿قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ﴾ أي : أصاب حبها إياه شغاف قلبها، حتى غلب عليه وتمكن منه، أو : شق حبه سويداء قلبها. والشغاف : سويداء القلب، أو حجابه وغلافه الذي هو فيه يقال: شغف الهوى قلبه شغفا – من باب: نفع – إذا بلغ شغافه والاسم : الشغف.و(حُبا) تمييز محول عن الفاعل، والأصل : شغفها حُبها إياه.﴿إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ أي : في خطأ بيّن ظاهر، بحبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه.وكان ذلك بعد أن شاع خبر يوسف وامرأة العزيز في المدينة، حتى تحدث به الناس، والنسوة ينكرن على امرأة العزيز حبها لفتاها، ويعبن ذلك عليها.
12:31Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
٣١ - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتۡ﴾ امرأة العزيز ﴿بِمَكۡرِهِنَّ﴾ أي : بغيبتهن إياها، وسوء مقالتهن فيها وسمي ذلك مكرا، لشبهه به في الإخفاء. وقيل: إنهن قلن ذلك، ليتوصلن به إلى رؤية يوسف ومشاهدته، فلهذا سمي قولهن مكرا، لأنهن إنما أرَدْن أن يتوصلن بقولهن إلى رؤيته و لم يقصدن الغيرة على الفضيلة، فعند ذلك ﴿أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ﴾ تدعوهن إلى منزلها، لتضيفهن، ولينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه ﴿وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا﴾ [وفي قراءة بحذف الهمزة: (متكاً)] أي : هيأت وأعدت لهن في مجلسها ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد.وهو اسم مفعول، من الاتكاء : وهو الميل إلى أحد الشقين في الجلوس كعادة المترفين.وأحضرت لهن طعاما يقطع بالسكين عند أكله ﴿وَءَاتَتۡ﴾ أي : وأعطت ﴿كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا﴾ ليقطعن به ذلك الطعام، وهو: الأترج أو غيره، ﴿وَقَالَتِ﴾ امرأة العزيز ليوسف: ﴿ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ﴾ أي: ابرز إليهن، وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته.﴿فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ﴾ أي : رأين يوسف ﴿أَكۡبَرۡنَهُۥ﴾أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره، ودهشن عند رؤيته من فرط جماله، وروعة حسنه وبهائه. يقال : أكبر الشيء : رآه كبيرا وعظم عنده وكبّر الشيء: جعله كبيرا.من الكبر بمعنى: العظم.﴿وَقَطَّعۡنَ﴾ من الدهش ﴿أَيۡدِيَهُنَّ﴾ أي: خدشنها وجرحنها وحززنها بما في أيديهن من السكاكين لفرط ذهولهن ودهشتهن، ولم يشعرن بذلك لافتتانهن به. يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه: قطع يده.﴿وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ [وفي قراءة : بالألف وصلا : (حاشا لله)] أي : تنزيها له تعالى عن العجز عن خلق مثله، ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾. أو : معاذ الله، أن يكون هذا بشرا. أو : جانب يوسفُ ما رُمي به لله، أي: لأجل مخافة الله ومراقبته. والمراد : تنزيهه وبُعْدُهُ، كأنه صار في جانب عما اتُّهم به، لما رأوه من آثار العصمة، وجلال النبوة عليه. و (حاش) فعل ماض، واللام في «لله» للتعليل وقيل: هو اسم فعل بمعنى : برىء الله من كل سوء. أو : تنزيها لله سبحانه عن صفات النقص والتقصير والعجز عن خلق مثله. وفيه معنى التعجب من قدرته تعالى، على مثل هذا الصنيع البديع.﴿إِنۡ﴾ أي : ما ﴿هَٰذَآ﴾ أي : يوسف ﴿إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ﴾ لما حواه عليه السلام من الجمال والحسن والبهاء .وفي حديث المعراج، عند مسلم وغيره : أن رسول الله ﷺ مر بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة، قال: «فإذا هو – أي : يوسف – قد أعطي شطر الحسن» أي : نصفه.
12:32Page 239
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
٣٢ - ﴿قَالَتۡ﴾ امرأة العزيز - معتذرة إليهن عن نفسها، لما رأت ما حل بهن من افتتانهن بيوسف:﴿فَذَٰلِكُنَّ﴾ أي : فهذا هو ﴿ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ﴾ أي: عيّرتنّني في حبي له والافتتان به، وهو بيان لعذرها﴿وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ﴾ أي : فامتنع امتناعا بليغا، وتحفظ تحفظا شديدا عما طلبته منه، وأبى أو استعصى عليّ واستعف مما أريده منه، طالبا العصمة لنفسه عن ذلك.وفيه تصريح بما وقع منها من المراودة له.و سيأتي هذا في آية (٥١).من العصمة : وهي المنع يقال: عصمه الطعام : أي: منعه من الجوع، وعصم القربة: شدّها بالعصام، واعتصم بالله: أي : امتنع بلطفه عن المعصية.ثم قالت تتوعده: ﴿وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ﴾ به، من فعل المعصية ﴿لَيُسۡجَنَنَّ﴾ أي : لأدبرن له أمرا أو كيدا يؤدي به إلى السجن ﴿وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ أي: الذليلين المهانين، لما يناله من الإهانة وسلب النعمةولكن يوسف عليه السلام اعتصم بربه جل وعلا، واستعان به على مكرهن وكيدهن.
12:33Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
٣٣ - ﴿قَالَ﴾ يوسف مناجيا ربه، مستعينا به على كيديهن: ﴿رَبِّ ٱلسِّجۡنُ﴾ الذي أوعدتني به امرأة العزيز﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ﴾ من الوقوع في المعصية، التي تذهب بخيري الدنيا والآخرة. وكأن النسوة جعلن يُشرن على يوسف في مطاوعة سيدته﴿وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ﴾ أي : احتيالهن عليّ، من الترغيب لي في المطاوعة، والتخويف من المخالفة ﴿أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ﴾ أي : أمِل إليهن وإلى إجابتهن، وأمالئهن على ما يردن مني، بحكم الميل الطبيعي، والشهوة البشرية.و المعنى: إن وكلتني إلى نفسي، ولم تدفع عني السوء، وتعصمني بفضلك وكرمك، فليس لي من نفسي قدرة على ذلك، فإني لا أملك لها ضرا ولا نفعا، إلا بحولك وقوتك .وفي الحديث الصحيح: أنه ﷺ كان يقول في دعائه : «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين أو أقل من ذلك».﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ أي : وأصِر من المذنبين، أو: من الذين يعملون عمل الجهال، في إيثار الدنيا على الآخرة والقصد بذلك : الدعاء إلى الله، فإنه لما عظم عليه البلاء وخشي الفتنة، جأر إلى الله بالدعاء و تبرأ من حوله و قوته إلى حول الله وقوته. فإن النسوة لما رأينه، دعونه إلى أنفسهن أيضا، بدليل قول الملك فيما بعد:(ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)يوسف(٥١).وقوله : (أصب إليهن): من الصبوة، وهي: الميل إلى الهوى، يقال : صبا يصبو صُبُوّا وصَبْوة : إذا مال، ومنه: الصبا : للريح المعروفة، لميل النفوس اليها، لطيب نسيمها وروْحها.وفي الآيات إشارة إلى تسلط النسوة- في ذلك الوقت– على الرجال، حتى في الحكم، بدليل قولها : (ليسجنن) وقولها قبله : (إلا أن يسجن أو عذاب أليم).
12:34Page 239
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
٣٤ - ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ﴾ دعاءه ﴿فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ﴾ أي: دفع عنه مكرهن بفضله ولطفه وكرمه، وعصمه من الوقوع في المعصية، فامتنع عن ذلك أشد الامتناع، واختار السجن خوفا من الله تعالى، ورجاء ثوابه. و فيه: اختيار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب والمعصية و في الحديث الصحيح : «و أن يكره أن يعود في الكفر، بعد أن نجاه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار».﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لدعاء الداعين له المتضرعين إليه ﴿ٱلۡعَلِيمُ﴾ بأحوال الملتجئين إليه. وفي الصحيحين : أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وعدّ منهم : «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال : إني أخاف الله » وهذا في غاية مقامات الكمال.
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ أي : ظهر لهم رأي وتدبير في شأن يوسف، وهم: العزيز ومن رأى رأيه ﴿مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي : العلامات والشواهد الدالة على براءته – عليه السلام – وصدقه وعفته ونزاهته، كالقميص، وشهادة الشاهد، وتصريح امرأة العزيز أمام النسوة بقولها: (أنا راودته عن نفسه).فكان الرأي الذي ظهر لهم : ﴿لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ﴾ أي : إلى مدة غير معلومة، وذلك حتى ينقطع فيه كلام الناس، ويتناسوه، فإن الخبر إذا ذاع وشاع، لم يزل يذكر مع وجود أسبابه، فإذا عدمت أسبابه نُسي وانقطع ذكره، فرأى القائمون بالأمر أن هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن، فسُجن.
12:36Page 239
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦
And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."
٣٦ - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ﴾ أي : غلامان قيل : كانا غلامان للملك، أحدهما : ساقيه، والآخر: خبّازه وصاحب طعامه فرأى كل واحد منهما رؤية، فقصها على يوسف، ليعبُرها.﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ﴾ أي: في المنام ﴿أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ﴾ أي : عنبا، نتخذ منه خمرا، ﴿وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ﴾ أي: من ذلك الخبز ﴿نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ﴾ [و في قراءة: بدون الهمزة (نبّينا)] أي : خبّرنا بتعبير ما قصصنا عليك وتفسيره، وما يئول إليه أمره ﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ الذين يحسنون تعبير الرؤيا وتأويلها، أو: من المحسنين إلى أهل السجن. وقد قيل: إن سبب حبس الملك إياهما: أنه توهم أنهما تمالآ على سُمِّه في طعامه وشرابه.
12:37Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
٣٧ - ﴿قَالَ﴾ يوسف لهما، مجيبا لطلبهما: ﴿لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ ﴾ في يومكما، أي : يجري عليكما رزقه من جهة الملك أو غيره ﴿إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ﴾ أي : بينت لكما ماهيته وكيفيته ﴿قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ﴾. أي : وعدهما بإخبارهما بكل طعام يأتيهما، قبل إتيانه، بطريق الكشف بنور النبوة، لأجل أن يعلما صدقه، فيمتثلا دعاءه لهما إلى التوحيد والإيمان بالله وهذه معجزة له، كمعجزة عيسى عليه السلام، حيث قال: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم)آل عمران (٤٩).ويحتمل أن يكون المعنى: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) أي: في منامكما –كعصر الخمر وأكل الخبز– (إلا نباتكما بتأويله) في اليقظة (قبل أن يأتيكما) تأويله.﴿ذَٰلِكُمَا﴾ أي : التأويل والإخبار بما يأتي، أو : تعبير الرؤيا ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ ﴾ أي : من علم الله، بما أوحاه إلي، وألهمني إياه. أي: إنما هو من تعليم الله إياي، لا من قبيل الكهانة والتنجيم. وفيه حثّ على إيمانهما، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إِنِّي تَرَكۡتُ﴾ أي : اجتنبت﴿مِلَّةَ قَوۡمٖ ﴾ أي : دين قوم ﴿لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ﴾ تأكيد ﴿كَٰفِرُونَ﴾ فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد، وهي ملة ملك مصر وغيره.والترك – كما يكون وصفا للداخل في الشيء ثم ينتقل عنه – يكون كذلك وصفا لمن لم يدخل فيه أصلا.فلا يقال : إن يوسف، كان من قبل، على غير ملة إبراهيم عليه السلام.
12:38Page 240
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
٣٨ - ﴿وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ﴾ أي: هجرت طريق الكفر و الشرك، و سلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين. و سماهم «آباء» جميعا، لأن الأجداد آباء. ثم رغّب صاحبيه في التوحيد و الإيمان بالله فقال : ﴿مَا كَانَ﴾ ينبغي﴿لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ أي: ما صح و لا استقام لنا أن نشرك بالله شيئا، بل نفرده تعالى بالتوحيد، ونخلص له العبادة والدين ﴿ذَٰلِكَ﴾ الإيمان والتوحيد – وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له-﴿مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا﴾ ولطفه بنا، بما جعله لنا من النبوة المتضمنة للعصمة من معاصيه، وبما أوحاه إلينا من التوحيد، وأمرنا به.﴿وَ﴾ من فضل الله ﴿عَلَى ٱلنَّاسِ﴾كافة، إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك، أي : ببعثة الأنبياء إليهم، وهدايتهم إلى ربهم، وتبيين طرائق الحق لهم.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ الله سبحانه و تعالى على نعمه وفضله وإحسانه، فلا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم،وهدايتهم إلى الله، بل (بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار)إبراهيم(٢٨) والآية دعاء لهما إلى الإيمان والتوحيد بلسان الحال.
12:39Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2
٣٩ - ثم بلسان المقال حيث صرح بدعاء صاحبيه إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ﴾ أي : يا صاحبيَّ في السجن أو : يا ساكني السجن ﴿ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، خير؟ والاستفهام للتقرير.أي : (ءأرباب) عاجزة ضعيفة، لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، (متفرقون) في ذواتهم، مختلفون في صفاتهم، متنافون في عددهم، ما بين أشجار وأحجار، وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات، أذلك (خير أم الله) المعبود بحق، الذي له صفات الكمال والجلال (الواحد) في ذاته وصفاته وأفعاله الذي لا ند له ولا شريك (القهار) الذي لا يغالبه مغالب، ولا يعانده معاند، الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، خير ؟والجواب : أن من هذا شأنه ووصفه، خير من الآلهة المتفرقة، التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها، ولا أفعال لديها.ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة، إنما هي تسمية من عند أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، و ليس لها مستند من عند الله، فقال:
12:40Page 240
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.
٤٠ - ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ﴾ أي: من دون الله، أو: مــن غيـره ﴿ِلَّآ أَسۡمَآءٗ﴾ أي: إلا مسميـات أسمــاء ﴿سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم﴾ آلهة، من تلقاء أنفسكم، أي : ليس لها من الإلهية شيء، إلا مجرد الأسماء، لكونها جمادات، لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع.﴿مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا﴾ أي: بعبادتها، أو بتسميتها آلهة،﴿مِن سُلۡطَٰنٍۚ﴾ أي: من حجة ولا برهان يدل على صحتها ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ﴾ في أمر العبادة و الدين ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ وحده، فالحكم والقضاء والتصـرف والمشيـئة والملك والأمـر والنهـي، كله لله ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ﴾ فـلا معـبود بحـق سواه، ﴿ذَٰلِكَ﴾ الذي أدعوكم إليه من توحيد لله، وإخلاص العبادة له، هو ﴿ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الحق، أو: الثابت بالحجة والبراهين، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن ذلك هو دينه القويم، وصراطه المستقيم، فلهذا كان أكثرهم مشركين، كقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف(١٠٣).فقد جعل يوسف–عليه السلام– سؤالهما له، سببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير، والإقبال عليه، والإنصات إليه.و فيه: أنه يُبدأُ في الدعوة بالأهم فالأهم، و لذا لما سأله الفتيان عن الرؤيا، قدّم لهما-قبل تعبيرها-دعوتهما إلي التوحيد و الإيمان.
12:41Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."
٤١ - ثم لما فرغ من دعوتهما إلى التوحيد والإسلام، شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال منهما، فقال:﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا﴾ وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا، فإنه يخرج من السجن﴿فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ﴾ أي : سيده ﴿خَمۡرٗاۖ﴾ ولم يُعيّن أحدهما بل أبهمه، لئلا يحزن الآخر، ﴿وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ﴾ وهو الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ﴿فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ﴾ فإنه عبّر عن الخبز، الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وأنه لا يُقبر، بل يُصلب، ويُجعل في محل تتمكن الطير من أكلهأي : فهذا تأويل رؤياكما.﴿قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ﴾ أي: سيقع الأمر الذي سألتما عن تعبيره وتفسيره.وفي الحديث : عند أحمد و أبي داود و ابن ماجه، عن معاوية بن حيدة القشيري، مرفوعا : «الرؤيا على رِجلِ طائرٍ، ما لم تُعبّر، فإذا عُبِّرت وقعت». والاستفتاء : طلب الفتوى، أي: السؤال عن الشيء المجهول.والفتوى: جوابه، مأخوذة من الفُتُوّة، الدالة على معنى: القوة والثقة.
12:42Page 240
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.
٤٢ - ﴿وَقَالَ﴾ يوسف عليه السلام ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا﴾ وهو : الساقي الذي رأى أنه يعصر خمرا.والظان : هو يوسف عليه السلام، لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظنا، ولا يجزم جزما.فلما ظن يوسف أن الساقي ناج، قال له : ﴿ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: سيدك، أي : اذكر له شأني وقصتي، وحبسي ظلما.﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي : أنسى الشيطان ذلك الناجي ﴿ذِكۡرَ﴾ يوسف عند ﴿رَبِّهِۦ﴾ أي : سيده ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف، أي : مكث ﴿فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ﴾ ليتم أمر الله وقضاؤه.والبضع – بكسر الباء، ويُفتح - : ما بين الثلاث الى التسع، أو السبع، من البَضع، بمعنى : القطع والشق يقال: بضعت الشيء، أي : قطعته.
12:43Page 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."
٤٣ - ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ﴾ أي : ملك مصر.قيل : كان اسمه الريان بن الوليد،﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ﴾ أي : رأيت في المنام ﴿سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ﴾ من البقر ﴿عِجَافٞ﴾ أي : مهزولة. جمع عجفاء:أي : هزلاء.من العجف - بفتح العين والجيم -: وهو ذهاب السمن، وهو أعجف، وهي عجفاء، وقد عَجِف – بضم الجيم وكسرها، كفرِح وكرُم - : إذا ذهب سمنه ﴿وَ﴾ رأيت ﴿سَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ﴾ أي: وسبع سنبلات أخر ﴿يَابِسَٰتٖۖ﴾ قد الْتَوت على الخضر، وعلت عليها. و الخضر : ما انعقد حَبُّها. واليابسات: التي قد بلغت حد الحصاد.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ﴾ خطاب للأشراف من قومه، وذوي الرأي فيهم:﴿أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ﴾ أي : بيِّنوا لي تعبيرها وتفسيرها ﴿إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾ أي : إن كنتم تعبرون الرؤيا، أي: تعلمون تعبيرها وتفسيرها علما مستمرا.من العبور : وهو المجاوزة يقال: عبر الرؤيا يعبرها عبرا وعِبارة، وعبّرها : إذا فسرها وأوَّلها، أي : ذكر عاقبتها وآخر أمرها، وعبرت النهر عبرا وعبورا : إذا قطعته وجاوزته.واللام في (للرؤيا) لتقوية الفعل بعدها. [وفي قراءة بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الأخرى: (أفتوني في رُيَّاي إن كنتم للرُيَّا تعبرون)].
12:44Page 241
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."
٤٤ - ﴿قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ﴾ أي: هذه أخلاط أحلام، ومنامات باطلة.جمع ضِغْث : وأصله ما جمع من أخلاط النبات، وحُزم، كالحزمة من الكلأ، ومنه قوله تعالى : (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به)ص(٤٤)، استُعير لما تجمعه القوة المتخيِّلة من أحاديث النفس، و وساوس الشيطان في المنام.والأحلام : جمع حُلْم وحُلُم، وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن.﴿وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ﴾ أي : ليس لنا معرفة بتعبير الأحلام وتفسيرها، أي : لا نعبر إلا الرؤيا، أما الأحلام، فإنا لا نُعبّرها.
12:45Page 241
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."
٤٥ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا﴾ أي: من الغلامين صاحبي السجن، وهو: الساقي، الذي رأى أنه يعصر خمـرا، والذي أوصــاه يوسف أن يذكـره عنـد ربــه ﴿وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ﴾ أي: وتذكر بعد مدة أو حين طويل من الزمن، ما كان من أمر يوسف في السجن، من تعبيره لرؤياهما، وما وصّاه به من ذكره عند ربه وأصله: اذتكر – بوزن افتعل – من الذُّكْر، ودخله إبدال التاء في الأصل دالا، وإدغامها في الذال والأمة هنا: الطائفة من الزمن﴿أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ﴾ أي : أخبركم بتعبيره وتفسيره ﴿فَأَرۡسِلُونِ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء:(فأرسلوني)] إلى يوسف لأسأله عنه، فأرسلوه، فأتى يوسف فقال له :
12:46Page 241
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
٤٦ - يا ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾ أي: الكثير الصدق في أقواله وأفعاله ﴿ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ﴾ أي: فسر لنا هذه الرؤيا ﴿لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ﴾ أي: إلى الملك وملئه ﴿لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ تأويل هذه الرؤيا، فيعملون بمقتضاها، أو يعلمون فضلك ومكانتك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.وفي الآية: أن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، فلا يجوز التعبير و التأويل بغير علم.
12:47Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
٤٧ - ﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ﴾ أي : ازرعوا ﴿سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا﴾[و في قراءة:بإسكان الهمزة: (دَأْباً)] أي: متوالية متتابعة، أو دائبين مواظبين على عادتكم المستمرة في الزراعة.مصدر دأب على الشيء، يدأب دأَبا ودأْبا، أي: داوم عليه ولازمه. وهي تأويل «السبع السمان» بالسنين السبع المخصبة.﴿فَمَا حَصَدتُّمۡ﴾ من تلك الزروع، في كل سنة من السنين السبع المخصبة ﴿فَذَرُوهُ﴾ أي : فاتركوا ذلك المحصود ﴿فِي سُنۢبُلِهِۦٓ﴾ ولا تفصلوه عنها، ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه،﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ﴾ فادرسوه، وانتفعوا به، وليكن قليلا، ليكثر ما تدخرون، ويعظم نفعه ووقعه.و في الآية : أن الادخار في الرزق غير مناف للتوكل على الله، لأنه من جملة الأخذ بالأسباب، فإن يوسف عليه السلام أمرهم بادخار الأرزاق و الأطعمة في السنين المخصبة للاستعداد للسنين المجدبة.
12:48Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾ أي: من بعد السبع السنين المخصبة﴿سَبۡعٞ شِدَادٞ﴾ أي : سبع سنين مجدبة، يصعب أمرها على الناس، وهي تأويل «السبع العجاف».﴿يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ﴾ أي: ما ادخرتموه لهن من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها، أي : يأكل الناس فيهن ما سبق ادخاره في سني الخصب.وإسناد الأكل للسنين للمبالغة. ﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ﴾ أي : مما تحرزونه وتخبئونه من البذر للزراعة.من الإحصان :وهو جعل الشيء في الحصن، كالإحراز، يقال: أحصن الشيء : جعله في الحصن، وهو الموضع الحصين الذي لا يوصل إلى جوفه.فحاصل تعبيره: أنه أوّل البقرات السمان، و السنبلات الخضر، بسنين مخصبة، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات، بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان : بأكل ما جمع في السنين المخصبة، في السنين المجدبة.
12:49Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾ أي : من بعد السبع المجدبات ﴿عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ﴾ بالمطر، أي : يمطرون فتخصب أراضيهم. من الغيث: وهو المطر، يقال : غاث الله البلاد غيثا : إذا أنزل بها المطر، وغاث الغيث الأرض يغيثها : إذا أصابها.أو : يغاثون من القحط. من الغوث: وهو زوال الهم والكرب. يقال : أغاثه الله إغاثة: أعانه ونصره، فهو مغيث، واستغاثني فأغثته إغاثة ومغوثة، والاسم : الغوث والغياث.﴿وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ﴾[و في قراءة:بالتاء (تعصرون)] ما شأنه أن يُعصر من الغلال، كالعنب، والزيتون، والقصب، والسمسم، للانتفاع بما يخرج منها، وذلك لخصبه. وقيل: (يعصرون) أي : ينجون من الجدب والقحط، من العصرة والعصر، وهما : المنجاة. ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، أنه فهم من التعبير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها، يكون عام خصب تزول به شدتها، فمن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدا، وإلا لما كان للتقدير فائدة.و كل هذا التعبير من تعليم الله له وحيا و إلهاما. و في الآية: بيان أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على ما ينفعه في أمر دينه و دنياه، فيوسف عليه السلام لم يكتف بتعبير رؤيا الملك، بل دلهم على ما ينفعهم في أمر تلك السنين المخصبة من كثرة الزرع و جبايته.
12:50Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
٥٠ - ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ﴾ لما جاءه الرسول، وأخبره بتأويلها : ﴿ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ﴾ أي : أخرجوه من السجن، وأحضروه إلي، رغبة إلى رؤيته، ومعرفة حاله، بعد أن علم من فضله ما علم، من وصف الرسول له، ومن تعبيره لرؤياه. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾ أي: جاء يوسفَ الرسولُ، وطلبه للخروج معه ﴿قَالَ﴾ يوسفُ للرسولِ، قاصدا إظهار براءته ونزاهة عرضه، مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلما وعدوانا: ﴿ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ أي: سيدك ﴿فَسۡـَٔلۡهُ﴾ [وفي قراءة: بحذف الهمزة (فسلْه)] ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ﴾ أي: ما حالهن، وما شأنهن إذ حززن أيديهن؟والبال : الحال التي يكترث بها، ومنه قولهم : ما باليت بكذا، أي : ما اكترثت به.﴿إِنَّ رَبِّي﴾ جل وعلا ﴿بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ﴾ فرجع فأخبر الرسولُ الملكَ، فجمعهن. وقد وردت السنّة بمدح يوسف عليه السلام على صبره وحلمه، والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره: ففي «مسند أحمد» والصحيحين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال : «لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، لأجبت الداعي» وفي لفظ لأحمد عنه - في قوله : (فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن)-: قال رسول الله ﷺ: «لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر». وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن عكرمة مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال : «لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم، حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه، لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر».
12:51Page 241
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
٥١ - ﴿قَالَ﴾ الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، ومن جملتهن امرأة العزيز : ﴿مَا خَطۡبُكُنَّ﴾ أي : ما شأنكن وخبركن، أو : ما كان أمركن ﴿إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ يوم الضيافة، فهل رأيتن منه ما يريب ؟ أو هل وجدتن منه ميلا إليكن؟ وقوله : (خطبكن) : مصدر خطب يخطب، ومنه : هذا خطب يسير، وخطب جلل، وجمعه: خطوب.وخصه بعضهم بما له خطر، وأصله: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، ويخطب له.﴿قُلۡنَ﴾ أي : قالت النسوة في جواب الملك: ﴿حَٰشَ لِلَّهِ﴾ أي : معاذ الله ﴿مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ ﴾ أي: من أمر سيء ينسب إليه أو : تنزيها لله تعالى عن أن يعجز عن خلق بشر عفيف، كيوسف أو تنزيها لله عن صفات النقص و العجز، و تعجيبا من عفة يوسف. والمراد: التعجب من شدة عفته.﴿قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ﴾ مقرة على نفسها بالمراودة له : ﴿ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: انكشف الحق وتمحص وتبين، وظهر واضحا جليا بعد خفاء أو: ثبت واستقر. وأصله: حصّ، كما قيل:كبكب في كبَّ من الحص : وهو استئصال شعر الرأس، بحلق أو مرض.﴿أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ﴾ فلم تقع منه المراودة لي أصلا ﴿وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ في : قوله : (هي راودتني عن نفسي).
12:52Page 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.
٥٢ - ثم قالت امرأة العزيز : ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي : اعترافي وإقراري بهذا على نفسي ﴿لِيَعۡلَمَ﴾ زوجي، أي : عزيز مصر ﴿أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ﴾ بفعل الفاحشة ﴿بِٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: في حال غيبته عني، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، مستعصما بالله أو : ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته عني، وهو في السجن، بل صرحتُ للنسوة أني راودته عن نفسه فاستعصم.﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ أي: لا يسدد صنيعهم ولا يرضاه منهم، ولا يوفقهم في تدبيرهم الخفي، فإن كل خائن، لا بد وأن تعود خيانته ومكره على نفسه، وأن يتبين أمره وحاله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences